العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

ولاية شهرزول / كركوك في العهد العثماني

إشكاليات التاريخ والتنظيم الإداري

 

 

أ.د. فاضل بيـات

أكاديمي عراقي

                                               

تنويــــه

أُعدت هذه الدراسة اعتمادا على معطيات كتاب "الدولة العثمانية في المجال العربي - دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية / مطلع العهد العثماني- أواسط القرن التاسع عشر" للباحث نفسه. وهذا الكتاب يتناول بشكل موسع تاريخ الوجود العثماني في البلاد العربية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية حصرا، وكل المعلومات الواردة فيه موثقة توثيقا علميا. وقد نشر حديثا من مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2007 وهو في 670 صفحة.

 

الامتداد العثماني للمنطقـة

يتفق المؤرخون على أن الحكم العثماني للعراق بدأ بعد معركة جالديران التي وقعت بين السلطان العثماني سليم الأول والشاه إسماعيل الصفوي (920هـ/ 1514م) وتمخضت عن انتصار حاسم للجيش العثماني على القوات الصفوية، ومهدت الطريق أمام العثمانيين للتقدم لفتح العراق كله والمنطقة الشرقية للجزيرة العربية فيما بعد.

كان على العثمانيين قبل توجههم إلى العراق إحكام سيطرتهم على المنطقة الجنوبية الشرقية في الأناضول. وكانت ديار بكر وما حولها تشكل أهم جزء من هذه المنطقة التي كانت منضوية تحت الحكم الصفوي. ويرسم المؤرخ العثماني خوجه سعد الدين أفندي صورة عن أوضاع هذا الجزء في هذه الفترة قائلاً: "كانت هذه المنطقة معظم سكانها من الأكراد. وكانت الأقوام الكردية يروقهم العيش متفرقين، وباستثناء كلمة التوحيد لا يتفقون في أي موضوع، بل اعتادوا على التنازع والتخاصم بشكل متواصل، ويفقدهم التضامن فيما بينهم، ولهذا كانوا لا يمتلكون القوة الكافية لمقاومة الصفويين فاضطروا إلى الخضوع إليهم".

ويبدو أن السلطان سليم اقتنع بعدم الحاجة إلى اللجوء إلى القوة العسكرية للسيطرة على المنطقة بعد الانتصار الذي حققه على الصفويين، فجنّد أحد الشخصيات الكردية للقيام باستمالة الأكراد وكسبهم إلى جانب الدولة العثمانية وهذه الشخصية هي العالم والمؤرخ المشهور إدريس البدليسي ونجح إدريس في مهمته وتمكن من إقناع أمراء الأقاليم المختلفة في المنطقة بالانضواء تحت الحكم العثماني. ولكن يبدو من مجريات الأحداث أن هذا "الإنضواء" كان مؤقتاً فلم يترسخ الحكم العثماني في المنطقة لأن هذا الأمر كان مرتبطاً بمرابطة قوات عثمانية فيها، إلا أن هذا لم يحدث. وبعد مغادرة القوات العثمانية المنطقة عاد الشاه إسماعيل الصفوي إليها من جديد وأعاد تنظيم جيشه وشرع في إعادة نفوذه المنهار إلى المنطقة فأرسل قوة عسكرية لاستعادة ديار بكر وأرجائها، إلا أن هذه القوة فشلت في اقتحام ديار بكر رغم حصارها سنة كاملة. وكان الأهالي يفضلون العثمانيين على الصفويين بسبب اختلافهم مذهبياً عنهم إذ كانوا من أهل السنة (شوافع) فأرسلوا رسالة مؤثرة إلى السلطان سليم يناشدونه بنجدتهم. وبالفعل لبى السلطان طلبهم فأرسل أحد قادته وهو بيقلى محمد باشا على رأس قوة إلى المنطقة. ويبدو أن القائد الصفوي فيها اقتنع بعدم تمكنه من مواجهة القوات العثمانية فانسحب إلى ماردين. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان فقد وقع الخلاف بين القادة العسكريين العثمانيين أسفر عن ترك قواتهم المنطقة، الأمر الذي استغله الصفويون للانتشار في المنطقة. ولم يكن من صالح العثمانيين ترك المنطقة لقمة سائغة بيد الصفويين بعد الإنجازات العسكرية التي حققوها، فقام السلطان سليم بإرسال أحد قادته وهو خسرو باشا على رأس قوة إلى المنطقة تمكنت من إلحاق الهزيمة بالقوات الصفوية في المعركة التي جرت قرب بلدة قوج حصار إلى الجنوب الغربي من ماردين (ربيع الآخر 922هـ/ أيار 1516م). وعلى إثر هذه المعركة خضعت كل المواقع المحصنة في المنطقة للعثمانيين إلا قلعة ماردين التي تحصن فيها الصفويون إلى أن فتحها القائد العثماني بيقلى محمد باشا في نفس السنة. ثم واصل محمد باشا فتوحاته وسيطر على الرها ثم توجه إلى الموصل وتمكن من أخذها من أيدي الصفويين. وطبقاً لما ذكره خوجه سعد الدين فإنه بعد إلحاق محمد باشا الموصل بالحكم العثماني انضوى كل من قلاع سنجار وتلعفر وسيوره ك وبيره جك تحت الحكم العثماني. وتحقق كل ذلك بفضل الكفاءة العسكرية لبيقلي محمد باشا وبفضل المفاوضات التي أجراها إدريس البيتليسي مع أمراء المنطقة (1517م).

غير أن العثمانيين رغم أنهم أدخلوا هذه المناطق والمناطق الغربية من العراق تحت نفوذهم، إلا أنهم لم يمدوا عملياتهم إلى منطقة أربيل وكركوك، إذ نعرف أن هذه المنطقة لم تنضو تحت الحكم العثماني إلا خلال الحملة التي قادها السلطان سليمان القانوني إلى بغداد.

والمعروف أن السلطان سليمان القانوني سار عن طريق همدان – قصر شيرين منطلقاً من تبريز نحو بغداد، ودخل الأراضي العراقية من موقع خانقين. ولاقى الجيش العثماني صعوبات بالغة في هذه الحملة وذلك لوعرة الطريق وبرودة الطقس. وفي الأول من كانون الأول 1534م دخل السلطان مدينة بغداد حيث استقبل بحفاوة بالغة من قبل الأهالي. وجعل القانوني بغداد مركزاً لأول ولاية عثمانية في العراق حملت أسمها أي "ولاية بغداد". غير أن هذه الولاية لم تشمل الأراضي العراقية الحالية كلها بل ظلت أجزاء منها خارجة عن حدود الولاية رغم أن هذه الأجزاء أعلنت خضوعها ولو بشكل اسمي للدولة العثمانية.

 

خضوع المنطقة الشمالية الشرقية من العراق للحكم العثماني

من المعروف أن العثمانيين أطلقوا على هذه المنطقة بعد تحويلها إلى ولاية اسم "ولاية شهرزول أو شهرزور" (ورد الاسم في الوثائق العثمانية بشكل شهرزول باللام وبشكل شهرزور في المصادر)، وانضوى القسم الأكبر من المنطقة تحت الحكم العثماني خلال حملة إبراهيم باشا التي كانت مقدمة لحملة القانوني إلى بغداد. وبعد مغادرة القانوني بغداد بعد الفتح متوجهاً نحو آذربيجان سيطرت القوات العثمانية على قلاع كثيرة من منطقة شهزرور، كما أعلن بعض الأمراء في المنطقة ولاءهم للسلطان العثماني. غير أن التحكم العثماني في المنطقة كان مرهوناً بالوجود الفعلي للقوات العثمانية فيها ولا سيما بعد أن أصبحت هذه المنطقة مسرحاً للصراع العثماني – الصفوي ولم يكن للزعماء المحليين إلا الخضوع للطرف المنتصر من الطرفين المتخاصمين.

شهدت المنطقة عدة إمارات محلية، وأهمها حمل اسم "إمارة شهرزور" ومركزها قلعة ظالم التي كانت أهم القلاع في المنطقة قاطبة. وأمدنا أحد أمراء هذه الإمارة وهو مأمون بك بمعلومات فريدة عن الإمارة وتاريخ المنطقة. وطبقاً لما ذكره فإن مؤسسي هذه الإمارة ينتسبون إلى الصحابي الجليل أبي عبيدة ابن الجراح أي أنهم سليل أسرة عربية، وهذا الرأي يخالف ما ذكره بعض المؤرخين من أن هذه الإمارة أقامها الأردلانيون.

وعند وصول العثمانيين إلى المنطقة الجنوبية الشرقية من الأناضول كانت الإمارة تحت إمرة بكه بك وكانت علاقته متأزمة مع الصفويين إلا أنه لم يتمكن من إقامة علاقة مع العثمانيين لصعوبة الاتصال بهم. وخلال حملة إبراهيم باشا، أرسل بكه بك وفداً إلى السلطان سليمان القانوني عندما كان في حلب وعرض عليه ولاءه وخضوعه له. وبعد فتح بغداد دخل في خدمة العثمانيين. وبعد وفاة بكه بك (1550م) تولى ابنه مأمون بك الإمارة، إلا أنه لم ينعم بهذه الإمارة بعد أن عارضه عماه الأمير محمد وسهراب. وتدخّل الصدر الأعظم العثماني في الأمر إلى أن استقر الحكم للأمير محمد، إلا أن أخيه سهراب تحدى هذا الأمر واستولى على الإمارة ثم أعلن ولاءه للصفويين ليتقوى بهم على العثمانيين. ولم يكن من صالح العثمانيين قبول الأمر الواقع فأرسلوا أحد قادتهم وهو عثمان باشا إلى الموصل. وتزامن هذا الوقت مع خروج السلطان على رأس حملة إلى إيران (960هـ/ 1552م). وما ان علم سهراب بذلك سعى إلى تدارك الأمر فأرسل إلى عثمان باشا يعرض خضوعه للدولة العثمانية ويناشده العفو، إلا أن عثمان باشا لم يكترث به وسعى إلى القضاء عليه فقام بحملة عليه، غير أنه لم يتمكن من اعتقاله رغم أنه أسّر زوجته. وحدث في هذا الوقت أن توفى عثمان باشا، فأصدر السلطان أوامره إلى والي بغداد محمد باشا أن يحل محل عثمان باشا ويتوجه مع جند الولاية إلى شهرزور. وتمكن محمد باشا من الدخول إلى قلعة ظالم بعد أن تركها سهراب خوفاً من الوقوع في قبضة القوات العثمانية.

وعينت الحكومة العثمانية بربر مراد بك الأرناؤوط على شهرزور ليكون بذلك أول مسؤول عثماني يعيّن في المنطقة. وهذا يعني إنهاء حكم أسرة بكه بك وإلغاء إمارتها. والحقيقة أن هذا الإجراء جاء منسجماً مع السياسة الإدارية العثمانية، فالدولة العثمانية لم تكن تلجأ إلى إلغاء أي إمارة أو زعامة محلية تقرّها في منطقة من المناطق، بل كانت تسعى إلى المحافظة على وجودها إلا إذا تحدّتها ورفعت لواء العصيان ضدها، وحتى في هذه الحالة كانت الدولة تغيّر رئيس الإمارة. ولكن يبدو أن أسرة بكه بك لم يكن فيها من يتحمل أعباء الإمارة، فذهبت الدولة إلى تعيين أحد منتسبيها.

وعلى الرغم من أن بعض الباحثين يشكّون في تمكين الدولة العثمانية من إحكام السيطرة الفعلية على شهرزور في هذا الوقت، إلا أن المنطقة باستثناء جزء منها، خضعت بشكل فعلي للدولة العثمانية. وينبغي ان نذكر هنا ان امارة شهرزور لم تكن واسعة، بل انحصرت في منطقة ضيقة ولم تتمدد لتشمل مناطق كركوك او اربيل.

 وبعد الغاء امارة شهرزور قامت الدولة العثمانية بإجراء التشكيلات الإدارية فيها. وأصبحت المنطقة إلى جانب الجزء الأكبر من المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية من العراق الحالي داخلة ضمن ولاية لورستان التي تمّ تشكيلها في سنة 1551م أي في عهد القانوني بالذات.

وكما ذكر المؤرخ العثماني مصطفى بن جلال التوقيعي فإن هذه الولاية كانت تضم في بداية تشكيلها ألوية: الموصل، واربيل وزنكى اباد وكركوك وجصان وحرير مع دوين ودرتنك ودرنه وسندى سليمانى وبابان ورومى خفتى وزنجيره وكرند وقلعة سوريجك وبريد وشاه رخ وجنكيز خان وكلاستى.

لم تستمر ولاية لورستان بهذا الوضع طويلاً، بل ارتبطت المنطقة بوحداتها الإدارية بولاية بغداد إلى أن تمّ تحويلها إلى ولاية حملت اسم "ولاية أو أيالة شهرزول" (باللام) واستمرت بهذا الاسم إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي. كما ورد اسم الأيالة في المصادر بشكل "أيالة كركوك" أيضاً. وعلى الرغم من تسمية الولاية باسم شهرزول والذي يفترض أن تكون مدينة شهرزول سنجق الباشا أي مركز الأيالة، إلا أن ولاتها كانوا يقيمون في أول الأمر في مدينة كركوك وذلك بسبب عدم إكمال البنى التحتية للولاية كالجامع والسراي والحمام ... الخ في مدينة شهرزول، واستمر هذا الوضع إلى سنة 1568م حيث صدر أمر سلطاني يقضي بانتقال الوالي من كركوك إلى شهرزول.

شهدت منطقة شهرزول استقراراً نسبياً بعد تحويلها إلى ولاية وبخاصة بعد أن هدأ الصراع العثماني – الصفوي إثر التفوق العسكري العثماني. غير أن هذا الاستقرار كان متوقفاً على قوة الوجود العثماني في هذه المنطقة الحدودية فاستمر إلى أن تمكنت الدولة الصفوية من إعادة تنظيم جيشها وأصبح بمقدورها تحدي الدولة العثمانية، فأصبحت منطقة شهرزول من المناطق الساخنة في الدولة العثمانية ولا سيما بعد أن تفجرت حركة بكر صوباشي في بغداد. ولكن وعلى الرغم من سيطرة المتمرد بكر صوباشي على بغداد إلا أن نفوذه لم يمتد إلى شهرزول. وكان واليها في هذا الوقت بوستان باشا يمد يد العون للقوات العثمانية عند سعيها لاسترداد بغداد. ولكن بعد سيطرة الصفويين على بغداد (1626م) لم يكن بمقدور والي كركوك أي شهرزول بوستان باشا الصمود في ولايته وخاصة بعد أن حشد الصفويون في المنطقة قوة لا يستهان بها، فانسحب إلى ديار بكر. ولم يمر وقت طويل حتى استولى الصفويون على كركوك وشهرزول والموصل. واستمر هذا الوضع حتى سنة 1630م حيث قاد الصدر الأعظم العثماني خسرو باشا حملته لاستعادة بغداد. وعند انتشار خبر تقدم الجيش العثماني من الموصل انسحب الحرس الصفوي من قلعتي دلوك (دلك) وكركوك، وسارع أمراء المناطق إلى تقديم ولائهم وطاعتهم إلى العثمانيين. وذكر حاجي خليفة في فذلكته أسماء القلاع الكردية التي عرضت طاعتها إلى الدولة العثمانية وكل هذه القلاع تقع إلى الشرق من شهرزول. وبعد أن أكمل خسرو باشا إجراءاته في منطقة شهرزول (ومنها إعادة بناء قلعة كلعنبر سنة 1630م) سار على رأس قواته نحو الشرق. وعلى الرغم من تحقيقه النصر على القوات الصفوية في معركة مهربان إلا أنه لم يتمكن من استعادة بغداد واضطر إلى العودة إلى الموصل (1630م). واستغل الأمراء الأكراد وشيوخ العشائر الكردية القاطنين في المناطق الواقعة إلى الشرق من شهرزول الوضع وحوّلوا ولاءهم من الدولة العثمانية وخضعوا للشاه مرة أخرى. وإزاء هذه التطورات في المنطقة قرر الوالي مصطفى باشا الأرناؤوط إخلاء المنطقة مع الحامية العثمانية والانسحاب إلى كركوك، غير أنه تعرض إلى نكسة مؤلمة أمام القوات الصفوية وقام الصفوين على أثرها بالسيطرة على شهرزول وتخريب قلعتها.

واستمر التحكم الإيراني بمنطقة شهرزول حتى فتح بغداد على يد السلطان العثماني مراد الرابع (1638م). وبعد عقد معاهدة قصر شيرين (1639م) بين العثمانيين والصفويين شهدت العلاقات العثمانية الإيرانية تحولاً نحو الهدوء، وانعكس هذا التحول على استقرار الوضع في حدود إيالتي بغداد وشهرزول، واستمر هذا الوضع حتى صعود نادر شاه على المسرح السياسي في إيران وبخاصة بعد أن نصب نفسه وصياً على العرش الصفوي فسعى إلى التوسع على حساب الأراضي العثمانية فأرسل قواته إلى المنطقة الشمالية الشرقية من العراق وأغار على أرجاء شهرزور، ثم سار على رأس جيشه إلى اربيل وكركوك واستولى عليهما ... وجاء رد الدولة العثمانية سريعاً فأرسلت قوة قوامها مائة ألف مقاتل تحت إمرة طوبال عثمان باشا إلى العراق، واضطر نادر شاه إلى التقهقر بعد أن تعرض إلى هزيمة ساحقة بيد هذه القوة (1733م). غير أن المنطقة بما فيها كركوك لم تخلص من اعتداءات نادر شاه الواحد تلو الأخر إذ أنه أرسل عدة حملات عسكرية إليها، ولم تنته هذه الاعتداءات إلا بعد اغتياله سنة 1747م.

ومما تجدر الإشارة أن ولاة شهرزول كانوا يقيمون في هذه الفترة (أواخر القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر) في مدينة كركوك وربما لكونها أكثر أماناً من شهرزور.

استمرت شهرزول أيالة مستقلة حتى سنة 1779م حيث ألحقت إلى جانب البصرة بولاية سليمان باشا الكبير والي بغداد، واستمرت بذلك إلى سنة 1849م حيث تقرر إعادة تأسيس أيالة شهرزور من ألوية كركوك والسليمانية وراوندوز واتخذت مدينة كركوك مركزاً لها إلا أن هذا الأمر لم يستمر طويلاً فأعيد إلحاق منطقة شهرزول بما فيها كركوك بولاية بغداد مرة ثانية.

 

التنظيم الإداري العثماني للمنطقة:

من المعروف أن الدولة العثمانية قسّمت ممتلكاتها من الناحية الإدارية إلى وحدات إدارية كبيرة أطلقت على كل واحدة منها اسم "ولاية" أو "أيالة", واتخذت من اسم مركز الولاية أسماً لها مثل ولاية بغداد، ولاية حلب، ولاية الجزائر، وشذت عن هذه القاعدة بعض ولاياتها كولاية اليمن وولاية الحبشة وولاية الحجاز. ومما يتعلق بالمنطقة الشمالية والشمالية الشرقية من العراق فيستدل مما ذكرناه أن الدولة العثمانية لم تكمل سيطرتها على هذه المنطقة في حقبة زمنية واحدة بل في حقبتين زمنيتين: قبل فتح بغداد وبالأحرى سنة (1517م) وخلال فتح بغداد (1534م). ولم يتم تأسيس أي ولاية عثمانية في العراق إلا بعد فتح بغداد. أما الأماكن المفتوحة من العراق قبل فتح بغداد فقد نظمتها الدولة من الناحية الإدارية ألوية تابعة لولاية ديار بكر. وهذه الألوية هي: لواء عانه ولواء الموصل ولواء سنجار وأيالة صوران وأيالة العمادية. والأيالة هنا ليست إلا لواء تم إطلاقها على بعض الأماكن التي تركت بيد الأسر أو الزعامات المحلية، وأطلق عليها اسم "أيالة" لأسباب اعتبارية وذلك لإحساس أمراء الأسر الذين تولوا إدارة هذه الألوية بالاهتمام الذي تبديه الدولة بهم والاحترام الذي تكنّه لهم.

ويبدو أن ولاية ديار بكر كانت ولاية واسعة جداً في بداية تشكيلها، ولهذا لم يمر وقت طويل حتى اتخذت الدولة العثمانية قراراً بفصل أجزاء منها لتشكيل ولاية جديدة تحت اسم "ولاية كردستان" وذلك في المنطقة المحصورة بين جنوب ديار بكر وشمال الخط الممتد من العمادية إلى سنجار. ولم تضم هذه الولاية من العراق سوى العمادية وسنجار اللتين تم تنظيمهما لواءين أُطلق على كل واحد منهما اسم "أيالة". ولم تلحق الموصل بهذه الولاية بل تم تنظيمها لواء ضمن ولاية ديار بكر. وأقدم سجل عثماني يورد التقسيمات الإدارية لولايتي ديار بكر وكردستان هو السجل المرقم د/ 5246 المحفوظ في مركز الارشيف العثماني باستانبول وهو يعود لسنة 1527م. وورد في هذا السجل أن سبعة من أمراء كردستان هم أمراء عظام في كردستان وورد بينهم أمير العمادية، أما أمير سنجار فلم يرد ضمنهم. ومما تجدر الاشارة اليه أن المنطقة الواقعة جنوب العمادية لم تكن داخلة ضمن منطقة كردستان. ويبدو أن الدولة العثمانية رأت أن المنطقة التي سميت "ولاية كردستان" لا تتحمل أن تكون ولاية مستقلة فألغتها وألحقت أو أعادت إلحاق وحداتها الإدارية إلى ولاية ديار بكر مرة أخرى، فدفتر التحرير المرقم 998 والعائد لسنة 937هـ/ 1530م أورد ضمن ولاية ديار بكر: لواء سنجار ولواء الموصل ولواء عانه - هيت، ولم تورد أي إشارة إلى العمادية. وذلك لأن الدفتر خصص لبيان معطيات عملية التحرير / الإحصاء التي جرت في الألوية ولم تكن العمادية مشمولة بهذه العملية لكون أسلوب إدارتها مختلفاً (عن هذا الأسلوب والأساليب الإدارية التي اتبعتها الدولة العثمانية في ولاياتها المختلفة يُنظر كتابنا المذكور أعلاه). وتوقف الدفتر عند ناحيتي لواء سنجار وهما: ناحية سنجار أي مركز اللواء وناحية تيلعفر (تلعفر) (ينبغي ان نعرف ان اللواء في هذه الفترة لم تكن تنقسم الى اقضية بل الى نواحي). ويبدو أن الإسلوب الإداري للواء سنجار قد تغيّر فلم يحمل اسم أيالة بل أصبح يدار كباقي الألوية التقليدية ويدار من قبل أمير سنجق عثماني وليس من قبل زعيم محلي وربما لعدم وجود زعامة محلية قادرة على تحمل مسؤولية الإدارة فيه.

وظلت الموصل تابعة إلى ولاية ديار بكر حتى سنة 1534م حيث فتحت بغداد وتشكلت ولاية بغداد فانفكت الموصل من ديار بكر، والتحقت بولاية بغداد.

وفيما يتعلق بالمنطقة الشمالية الشرقية فكما ذكرنا فإن معظم مناطقها خضعت للدولة العثمانية خلال حملة سليمان القانوني سنة 1534م، وتمّ تحويلها في سنة 1551م إلى ولاية عثمانية حملت اسم "ولاية لورستان". والمعروف أن اسم لورستان أطلق على المنطقة الواقعة بين الجنوب الغربي من إيران إلى جنوب همدان، وتنقسم هذه المنطقة إلى قسمين لور الصغيرة ولور الكبيرة. ولورستان المعروفة في الدولة العثمانية هي لور الصغيرة. ويستدل من معطيات الدفتر 1425 الذي يتضمن التعيينات الجارية في الألوية العثمانية في أواسط القرن السادس عشر الميلادي أن هذه الولاية كانت داخلة ضمن نفوذ والي بغداد أي لم يكن لها وضع الولايات الأخرى.

وظلت المنطقة – أي منطقة شهرزور – تابعة لولاية بغداد ولم يتم تنظيمها ولاية مستقلة بل لواء، إذ نعرف أن لواء شهرزول تمّ دمجها مع لواء كركوك من الناحية الإدارية ليكونا لواءً واحداً وذلك في سنة 1560م. وبعد مدة قصيرة تحولت المنطقة إلى ولاية تحت اسم "أيالة شهرزول" وضم في بداية تشكيلها 25 لواءً، وهو عدد كبير لولاية بهذه المساحة الأمر الذي يلفت النظر. ويبدو أن الدولة العثمانية اتخذت من بعض البلدات الصغيرة التي تضم عشيرة أو عشائر ذات نفوذ في المنطقة ألوية. أما الألوية التي تشكلت منها هذه الولاية فهي: شهرزول، سروجك، زنكنة، هاوار، اولكاي بابان، كشاف، كلاش، جنار دويسر، باجوانلو، هزار مرد، دولخوران، مزكاوه، تيل وطارى، كلاس، سبهرانجين، ابرومان، باسكه، داوران، هورون، احمد بك، برند، قلعة غازى، جغان كدوكى، كوى، واوشني. وعلى الرغم من أن معظم هذه الألوية كانت مناطق يسكنها الأكراد إلا أن الدولة لم تطلق عليها اسم "كردستان" لسبب واحد هو أن المنطقة لم تكن تسمى بهذا الاسم، بل لم يسبق أن أطلق عليها هذا الاسم، ولو كانت تسمى بذلك لما ترددت الدولة من إطلاقه عليها بدليل أنها لم تجد أية حساسية في إطلاق اسم "كردستان" على الولاية التي أقامتها ضمن ولاية ديار بكر.

ويستدل من قائمة التقسيمات الإدارية لولاية شهرزول أنها لم تتضمن أربيل ولا كركوك في بداية تأسيسها، إذ أن هاتين المدينتين نظمتا لواءين ضمن ولاية بغداد. وعلى الرغم من إلحاق اربيل وكركوك أحياناً بشهرزول وبخاصة في النصف الثاني من القرن السادس عشر،إلا أن هذا الأمر لم يكن يستمر طويلاً فنجدها ضمن ألوية ولاية الموصل أو بغداد، بل يتناقلان بين ألوية الولاية الثلاثة. ومما يلفت النظر هنا أن أياً من مدن ولاية شهرزول لم تكن ملائمة لتكون سنجق الباشا أي مركز الولاية لأنها لم تكن إلا بلدات صغيرة تقع معظمها في مناطق جبلية يصعب الانتقال فيما بينها، ولهذا نجد أن الولاة كانوا يختارون أكبر المدن القريبة من المنطقة ليقيموا فيها وهي مدينة كركوك. وهذا يفسر لنا سبب الحاق كركوك بولاية شهرزول. وعلى الرغم من اتخاذ اسم مدينة شهرزول او شهرزور كتسمية للولاية باعتبار أنها سنجق الباشا، إلا أن هذه المدينة كانت تخلو من البنى التحتية كالجامع والسراي، كما لم يكن هناك مبنى من الممكن اتخاذه مقراً للوالي ومنتسبي الولاية، ولهذا قامت الدولة ببناء جامع وسراي للحكومة وحمام فيها، وبعد انتهاء هذه المباني كان على الوالي الانتقال من كركوك إلى مدينة شهرزول إلا أنه لم يرغب بذلك حتى صدر أمر سلطاني يأمره بالانتقال فاضطر إلى الانتقال.

وشهدت ولاية شهرزول أكبر عدد من الألوية في تاريخها وذلك في الربع الأخير من القرن السادس عشر، إذ بلغ مجموع الألوية فيها 48 لواءً، وكانت معظم هذه الألوية عبارة عن إمارات أو زعامات محلية تم تنظيمها ألوية لخدمة الإدارة العثمانية، وتوقف الدفتر المرقم 262 وهو دفتر التعيينات في الألوية (سنجاق توجيه دفترى) والمحفوظ في مركز الأرشيف العثماني باستانبول عند هذه الألوية متناولاً ولأول مرة وخروجاً على العرف التركيبة السكانية للألوية، فذكر أن اللواء الفلاني أهاليه أكراد واللواء الفلاني في عهدة فلان وهو صاحب عشيرة. ويستدل من أسماء هذه الأولوية أن معظمها تقع في المنطقة الكائنة بين أربيل والحدود الإيرانية، بل أن بعضها تقع الآن داخل الأراضي الإيرانية. ومما يتعلق بلواء أربيل في هذه الفترة فلم يُذكر عنه أن أهاليه أكراد أو أن أمير سنجقه (متصرفه) هو صاحب عشيرة، بل عهد به إلى أمراء عثمانيين لأن أهاليه لم يكونوا أكراداً كما لم تكن فيه أي عشيرة كردية ولو كان كذلك لكان يذكر أسوة بالألوية الأخرى. ويبدو أن وضع اربيل بهذا الشكل هو السبب في عدم إبقائه مرتبطاً بولاية شهرزول إلا لمدة أو مدد محدودة، بل كان يتناقل بين ولايتي الموصل وبغداد حسب الظروف التي تمر بها المنطقة. وهذا الأمر ينطبق على كركوك أيضاً ولم ترد أي إشارة إلى وجود الأكراد فيها أو اشتهار إحدى العشائر الكردية فيها أو حتى وجودها. ويؤيد هذا الرأي أيضاً دفتر تحرير لواء كركوك الذي سنتوقف عليه في مقال لاحق.

وأول إشارة إلى كركوك كلواء في الوثائق العثمانية وردت في دفتر المهمة (سجل الديوان السلطاني) المرقم 12321 المحفوظ في أرشيف طوب قابى سرايي باستانبول والعائد لسنة 1544م والذي يورد قائمة بأسماء ألوية أيالة بغداد. وقد ورد اسم اللواء بشكل "لواء داقوق كركوك"، وفضلاً عن كركوك وردت في القائمة أسماء ألوية اربيل والموصل وقزل رباط وجصان وباجوانلو. ويبدو أن هذه الألوية ظلت تابعة لبغداد حتى بعد إقامة أيالة شهرزول وقد تم تنظيم مناطق أخرى ألوية تابعة لبغداد أيضاً منها مندليجين (مندلى) وبدرة مع جصان وزنك آباد قرب قره تبه، وكل هذه الألوية كانت تدار من قبل أمراء عثمانيين وليس من قبل زعامات محلية عدا لواء باجوانلو الذي كان في عهدة الأمير دونمز رئيس عشيرة باجوانلو.

وفي الربع الثاني من القرن السابع عشر الميلادي وبخاصة بعد أن استرد السلطان مراد الرابع بغداد من أيدي الإيرانيين تم تنظيم أيالة بغداد من جديد وأضيفت أجزاء واسعة من الجزء الشمالي الشرقي من العراق الحالي إلى أيالة بغداد منها لواء زنكنة وقزل رباط وزنك آباد وقصر شيرين كما ضمت الأيالة ولأول مرة لواء عشيرة باجلان وكان رؤساء العشيرة هم الذين يتولون إداراته.

وفي أواخر القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر تمّ تنظيم منطقة آلتون كوبرى لواءً لأول مرة تحت اسم "لواء آلتون كوبري" وألحقت بأيالة بغداد. واستمرت شهرزول أيالة مستقلة إلى سنة 1779م حيث ألحقت إلى جانب البصرة بالحكم المملوكي في بغداد.