|
|
فقيد الصحافة التركمانية الأستاذ
إحسان صديق وصفي
المرحوم إحسان صديق وصفي بقلم: د. محمد عمر قازانجي رئيس الهيئة الإدارية لنادي الإخاء التركماني فقد التركمان واحدا من أعلامه البارزين وأبنائه المجاهدين والذي قدم خدمات
جليلة للثقافة التركمانية وصحافتها عبر اكثر من ربع قرن من الزمان بمعطائه الأدبي
وثقافته الفياضة وعمله الدؤوب في مجلة الاخاء عضوا في هيئه تحريرها حينا وسكرتيرا
للتحرير احيانا ذلك هو الأستاذ الفاضل أحسان صديق وصفي وذلك بتاريخ 20/32007 والذي
وري الثرى في انقرة بعد الصلاة عليه في جامع قوجاتبه. عرفه الوسط الثقافي
التركماني منذ أن أناطت به الهيئة الادارية لنادي الاخاء التركماني مهمة سكرتير
تحرير مجلة الاخاء الصادرة عن النادي منذ عام 1961 .اقدم على هذا المهمة بشغف بالغ
ولهفة منقطع النظير. لم يكن صاحبا خبرة في الصحافه بل كان خريج قسم اللغة
الانكليزية موظفا في وزارة النفط لكنه وجد في هذا العمل الطريق الذي لطالما تحرى
عنه لتقديم ماتجود به طاقته ومؤهلاته من خدمة لامته ووطنه ,فاستلم المهمة برغبة
عارمة واجاد فيها فانعكست هذه الايجاده على صفحات المجلة وخلال فترة عمله في
المجلة لم يكن سكرتيرا عاديا , بل كان يحمل على أكتافه جميع اعباء وخطوات اخراج
المجلة مع صديقه القريب الى قلبه الاستاذ حبيب الهرمزي , اطال الله في عمره ,
بدءاًَ من جمع المواد وتبويبها ومتابعه طبعها وتصحيح الاخطاء المطبعية وانتهاء
بإخراجها.وكان المرحوم غالبا مايراجع ومطبعة الزمان الكائنة في منطقه الميدان من
بغداد, والتي كانت تطبع فيها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي, حال عودته
من دوامه الرسمي في وزارة النفط و يأخذ بين احضانه مسودة المطبوع من المواد ليباشر
بتصحيح الاخطاء المطبعية , اما في النادي الذي كان يتخد من بناية في العيواضية
مقراً,او في بيته الكائن في الاعظمية . وغالبا ماكان يقطع المسافة الكائنة بين
المطبعة والنادي مشياً على الاقدام لانه لم يكن يمتلك سيارة او وسيلة اخرى للتنقل
كتلك التي يمتلكها البعض من رواد النادي الذين كانو يقضون معظم اوقاتهم على مائدة
السمر في مواضيع لاطائل من ورائها. لم يتأفف او يبدي تضمراً جراء ماكان يصيبه من أعياء وتعب , ولم يتوان عن
متابعة عملة بجد واخلاص نادرين, رغم أنه, والآخرين من زملائه العاملين في الهيئة
الادارية في النادي او هيئه تحرير المجلة كانو لا يتقاضون اجرا ولا يعملون الا
بوازع من ضمير نما على حب الامة وتشرب بالإخلاص لها حتى الرمق الاخير. صدور المجلة
ووصولها الى ايدي القراء في عرض تركمان ايلى وطولها, وعلى النحو الذي يكسب رضاهم
وينال استحسانهم كان شاغلهم الوحيد ومبعث سرورهم وفرحهم. عرفته في بداية السبعينات من القرن الماضي عبر ترددي إلى نادي الإخاء وانا
طالب في كلية الزراعة جامعه بغداد، لم أكن في أيامي الأولى أجد في نفسي الجراءة
الكافية التي تدفعني للتعرف على هيئة تحرير المجلة وسكرتيرها المرحوم الأستاذ
أحسان صديق رغم اهتماماتي الادبية فكنت أبعث بنتاجاتي المتواضعة إلى غرفه ادارة
المجلة عن طريق صديق هو الاستاذ صبحي سلط الذي كان يتقدمني في الدراسة بثلاث سنوات
في كلية الحقوق وكان على معرفة مباشرة بهيئة تحرير المجلة ،اذ كان يقدم لهم العون
من خلال جمع المواد واعادة كتابتها أحيانا، بالصورة التي يسهل على القائمين بالطبع
قراءتها. غير أني كنت أتابع حركات المرحوم وسكناته كلما رأيته يلج الى الصالة الكبيرة بعد الانتهاء من
أعماله في أدارة المجلة. كان قصير القامة, ممتلئ الجسم, ابيض البشرة,عريض الوجه, وقورا,
قليل الكلام, هادئا, لا يبتسم ألا نادرا, ويبدو عليه علامات الجد, يتأبط حقيبة
جلدية يمسك بها بيده اليسرى. لا يتحدث مع طلبة التركمان الآ في المواضيع التي تخص
المجلة وتطويرها ويحثهم على الكتابة فيها. ازدادت علاقتي به بعدما نشرت في المجلة بعض نتاجاتي المتواضعة بدأتها
بقصيده (اوغورسوزلوق) ثم بقصة (اوجوروملار كناريندان) . اعجب بهما فراح يشجعني على
الاستمرار في الكتابة للمجلة وخصص لطلبة التركمان فيها صفحة اتفتنا على تسميتها
بـ(ئوكره نجيلر ايجين) كلفني بمسؤولية تحريرها مع عدد من الطلبة التركمان الناشطين
في تلك الفترة امثال الزملاء الاستاذ فاروق فايق والأستاذ محمد بيات والمرحوم عادل
توفيق والأستاذ شمس الدين توركمن اوغلو. استمر سكرتيرا لتحرير المجلة حتى عام 1977 حين تفرق شملنا باستحواذ زمرة من
الموالين للنظام السابق على الهيئه الادراية لنادي الاخاء بقرار صادر من مجلس
قيادة الثورة سيئ الصيت, والذي اتهم فيه الهيئة الادرارية السابقه بالمتسيبين
للأمور والمستغلين للبسطاء من ابناء التركمان والمسممين لأفكارهم والمبعدين لهم عن
خط الثورة ونهجها التقدمي، فضلا عن قيامهم بسوء التصرف في أموال النادي وغيرها من
الاتهامات الباطلة، والتي تلتها لاحقا اتهامات اكثر خطورة وجهت لعدد من الاعضاء
المعروفين تتقدمها تهمة العمل لصالح تركيا، فألقى النظام القبض عليهم وزجهم في السجون
الانفرادية وعذبهم بوسائله وحشية وأخيرا ,وحيث لم يتمكن من انتزاع الاعتراف منهم،
أقدم على إعدامهم، منهم الدكتور نجدت قوجاق الأستاذ في كلية الهندسة، والعميد
المتقاعد عبد الله عبد الرحمن رئيس الهيئة الإدارية لنادي الإخاء والدكتور رضا
دميرجي احد أعضاء الهيئة البارزين، ورجل ألإعمال عادل شريف . فكانوا الكوكبة
الثانية من خيرة رجالات التركمان
بعد كوكبة الشهداء التركمان الاولى في مجزرة كركوك عام 1959، والذين راحوا ضحية
مؤامرة دنيئة ساهم في حياكة بعض خيوطها زمرة ممن باعوا ضمائرهم للسلطة الحاكمة
معتقدين أنهم سينالون رضاها وستنهال منها عليهم العطايا الجزيلة غير أنهم ذهبوا
إلى مزبلة التاريخ كما أسيادهم . إزاء هذا السلوك الهمجي في التعامل مع التركمان لم يبق أمام مثقفي هذه الأمة
غير الانزواء في مكان ما لانتظار ما قد ستتمخض عنه الأيام المقبلة، أو مغادرة ارض
الوطن والاستكانة بعيداًِ عن أنظار أزلام النظام وزبانيته والذين كانوا يتحينون
الفرص لإنزال مزيد من اسباب اليأس والقنوط في قلوب التركمان بتوجه من أسيادهم في
السلطة. فاختار عدد من هؤلاء المثقفين، ومنهم المرحوم الاستاذ احسان صديق وصفي،
الاستقرار في تركيا. غادرنا حاملا معه قلبه الممتلئ حباَ لتركمان ايلي وأبنائه البررة، وفي
جعبته مجموعة من المشاريع الثقافية، عكف على تنفيذها هناك، وفي مقدمتها كتابه
القيم (الامثال الشعبية والمفردات الاصطلاحية لتركمان العراق) والذي اصدره وقف
كركوك في اسطنبول بطبعتين، ثانيهما مزيدة ومنقحة وذلك عام 2001. عرفانا بالجميل وتقديرا وتثمينا من الهيئة الإدارية الجديدة لكل الذين أسدوا
خدمات جليلة للقضة التركمانية وللثقافة التركمانية عبر مجلة الإخاء، كلفت الهيئة
سكرتير النادي زاهد البياتي في زيارته الى تركيا في تموز عام 2006 للمشاركة في
مؤتمر العاملين في حقل الصحافة التركمانية، والتي تمخضت عن التوقيع على وثيقة
الشرف الصحفي ، بتقديم درع النادي، الذي يمثل شعاره وتاريخ تأسيسه باللغتين
العربية والتركية، إلى عدد من الأساتذة القاطنين في تركيا حاليا . وكان بينهم الأستاذ
إحسان صديق وصفي وفاءً لجهوده في مسيرة النادي والمجلة، وعطاءه، وتقديرا لمكانته
في قلوب محبيه. فنقل لنا الزميل زاهد البياتي صورة مؤلمة عن حالة هذا الإنسان
النبيل الصحية، فقال انه وجده طريح الفراش، يكاد لا يسمع عنه غير نبضات قلبه، ولا
يقوى على تحريك اي جزء من جسمه غير أجفانه، وانه يتمتم بكلمات غير مفهومة في
الغالب، وان الصدفة هي التي قادته للتعرف على مكانه. وانه، والأستاذ نجات كوثر،
الذي رافقه في الزيارة، لم يتمالكا في احتضانه وكأنهما يحتضنان جزءا من تاريخ
ومسيرة مجلة الإخاء. اننا في الهيئة الإدارية لنادي الإخاء التركماني نعزي أنفسنا أولاً ونعزي
شعبنا العزيز على فقيد الصحافة التركمانية . وفي الوقت الذي نتضرع إلى الله سبحانه
وتعالى ان يسكن المرحوم في فسيح جناته ويلهمنا واهله واصدقائه الصبر والسلوان،
نشعر بالفخر والاعتزاز على أننا تمكنا، وان كان في اللحظات الأخيرة، من إدخال
الفرحة إلى قلبه قبل ان يغادرنا الى مثواه الأخير بتسليم درع النادي إليه ونعاهد
أنفسنا على المضي قدما على دربه ودرب رفاقه من الرعيل الأول الذين لم يكن همهم غير
خدمة الأمة وثقافتها وتراثها دون ان ينتظروا وساماً أو كلمة شكر من احد. و الله
الموفق. |