|
|
نقوشٌ على أحجار ٍ منسيّه فاضل ناصر كركوكلي
فاضل ناصر كركوكلي ... فنان
تشكيلي ومسرحي وشاعر .ولد في قلعة كركوك عام 1953 .أقام معارض مشتركة كثيرة مع
فناني كركوك في السبعينات .أسس المسرح التجريبي في مدينة كركوك مع أصدقائه
الفنانين هيثم عبد الرزاق .. عبد الرزاق محمد .. جعفر البياتي .. ياوز فائق ..
عواد علي المعماري .. داوود زيا .. ومحمد قوشجو في منتصف سبعينات القرن الماضي
.كتب عدة مسرحيات باللغة العربية منها ( القرف ) و ( ثلاث حكايات تراثية ) و (
الحلاج يتأرجح ) و ( العودة ) . له عدة مسرحيات باللغة
التركمانية منها ( الذين فقدوا ألوانهم ) و ( حكاية جدار ) و ( أورخان محمود زادة
) و ( الحانة ) .أقام معرضين تشكيليين في السويد حيث يقيم وهو بصدد التحضير للمعرض
الثالث الذي سيقام في مدينة كوتنبيرغ .انتهى مؤخرا من كتابة نصوص قصصية تدور حول قلعة كركوك بعنوان ( البعوضة ) .
يشغل حاليا منصب رئيس الهيئة الإدارية للنادي التركماني في كوتنبيرغ السويدية ، و
يدير إذاعة صوت تركمان العراق من كوتنبيرغ . كان آنسو يمزّ قُ السماءَ
بمخالِبه لم يتمكّن أي إنسان من رؤيةِ
الآخر وهدرَ الطوفانُ كالثور كانَ الظلامُ شاملا ً ، لمْ
يكنْ هناكَ شمسٌ دعُوا نورَ الصباح ، دعُوه
يرجع .... !!
(
عن الطوفان ـ الملحمه السومريه ) (1) ... لازال باطنُ قدمِي يحملُ
آثارَ جراحاتٍ قديمه منذ أن وطأ ترابَ هذه الأزقةِ الضيقه والدروب الملتويه
بالإضافةِ الى تساقطِ أظفر من أظافر ِ قدمي اليمنى بفعل ِ الاصطدام ِ بعتباتِ
البيوت والاحجار ِ القاسيه ... والآن ... تبدو هذه الأزقة ُ
الموحشه وكأنها بدأت تشيخُ وتعجزُ عن مقاومةِ الزمن ، فالجدرانُ فيها بَدت كالحة ً
ومصفرّه ، البعضُ منها تشققَ وانتفخَ والآخرُ تقوسَ وانحنى حتى كادَ أن يتهاوى في
أيةِ لحظه ، والأبوابُ الخشبية اسودّت واكتستْ خُضرة َ الطحالبِ فأخرجت منها
المساميرُ الحديديه الضخمة رؤوسَها المحنيّه بخشوع ، وكلُّ هذه البيوت غادرها
أصحابُها قسرا ً الى جهاتٍ مجهولة ، لذا كانتْ أغلبيةُ الأبواب والشبابيك مخلوعةً
ومكسوره بآلاتِ هدم ٍ انتقاميه تبرزُ بقاياها تحت أكوام ِ الجدران والسقوفِ
المهدّمه ، ولكن قسما ً كبيرا ً من هذه الأبواب والشبابيك رفضتْ أن تتساقط َ تحت
المعاول ِ العنيفه فظلت مترنحة تتكأ ُ على بقايا جدارها وكأنها تستجدي العون .... كانت باحاتُ بعض البيوت
وأحواشُها الواسعه لازالت مشرَّعة لقيظِ الشمس ِ الحارق تتقاطعُ أقسامٌ منها بين
زوايا الجدران الباقيه والأرضياتِ التي اختنقت تحت ثقل ِ الاحجار ِ الهائله وقد
تداخلت الخطوط ُ التي تميّزُ بين الباحاتِ وأرضيات الغرف بشكل يَصعبُ التمييز والفصل
بينهما إلاّ بالاستدلال ِ لأغصان ِ الأشجار المتيبّسة تحت مساحاتٍ ضخمة من طبقاتِ
الحيطان المتهدّمة ، وكان بالإمكان معرفة نوع الأشجار بيسر ٍ من خلال ِ أشكال ِ
أوراقِها الجافه التي تجمّعت بفعل ِ الرياح ِ في زوايا بعض الأمكنه من البيوت التي
نجَتْ من الدمار ِ الشامل .... كان ضياءُ الشمس اللاهب ينتقلُ
بهدوءٍ حذر ٍ بين الشقوق ِ والثغراتِ وأعمدةِ بعض المنازل المرمريّة ذاتِ الزخارف
المحفورة بحِرَفيّةٍ قلَّ نظيرُها ، وكانت الأروقة ُ والطاقاتُ والأقواسُ الحجريّة
التي إحتضنت نقوشا ً وأشكالا ً حيوانيّة ونباتيّه من مئات السنين قد تناثرت قِطعا
ً متألقة ً في مسافاتٍ واسعه تسدّ ُ مرمى البصر ، ولهذا كان التنقلُ بين هذه
الأطلال ِ في بعض ِ الأمكنةِ يكتسبُ طابعَ المستحيل ناهيكَ عن خطورتهِ لإزدحامِ
المكان بالقوارض ِ والزواحفِ السّامة ولإنبعاثِ رائحة َ جثثِ بعض الحيوانات الأليفه
التي أبتْ أن تغادرَ جُحورها وأوكارَها فماتت تحت الانقاضْ ... كان للصمتِ المطبق طنينا ً
خافتا ً في سمعي يتداخلُ بتوافق ٍ غريب مع وطأةِ خطوطِ الشمس ِ وحرارتِها التي
كانت تستبيحُ كلَّ مشاهد الخراب بتآلفٍ خاص يتوسعُ باستمرارمع غصّاتِ أعماقي التي
يحزُّها الألمُ وأنا أنقلُ قدمي التي لازالت آثارُ جراحاتها تغورُ مثل سكين ٍ حادْ
لماضي طفولةٍ شَهدت ملاعبُها وساحاتهُا كلَّ هذه الحيطان والاحجار الخرساء وكلَّ
رُكن ٍ من أركان ِ هذه الأزقة قاطبة ً في قلعة كركوك .... لأول مرةٍ في حياتي كلها وأنا
في وسطِ هذا الركام الهائل والاشلاءِ المتناثرة أشعُر بنفسي وحيدا ً من الأعماق ِ
ومسكونا ً بمواجع ٍ ممضّة ومغلفا ً بصَدفةٍ وجلدٍ سميك مثل أي حيوان قارض أزحفُ
الى المجهول ... ولأول مرةٍ أشعر بأنني يتيمٌ تماماً وبدون أيةِ جهات ... كلُّ
جهات الأرض ِ كان يقلعُ بسبابتهِ عيني ... أيمكن أن يحصلَ هذا ..؟؟..أيمكن أن
تكونَ لقوّةِ الأمكنةِ كلَّ هذه السطوة والحضور والجبروت لتحدِّد وجدانَ الانسان
وضميرِه ..؟ ..كيف تسنّى لصمتِ هذه الأحجار أن يُقيسَ جغرافية َ ألمي وهويتي في
الحياة ..؟ الآن ... ، وبعد كلِّ هذه السنين العِجاف وكلِّ هذا التشرد والضياع
والجنون عرفتُ معاني كلمات جارنا ( أبو أكرم ) الذي أنّبَ إبنَه صارخا ً أمام حشدٍ
من أهالي القلعةِ حينما إندلعَ حريقٌ في بيتِ العجوزة الخَرِفة ( فاطمه ) والذي
نجت منه قطتُها السوداء بأعجوبةٍ قائلا ً : ـ كم حياةٍ ستحيا يا إبن الكلب
... ؟ كانَ عليكَ أن تطفئَ النيرانَ بجسدك ... !! فها أنا الآن أتحجرُ في مكاني
شاردا ً ومذهولا ً في وسطِ هذا الخراب أسمعُ حتى دبيبَ النمل ِ في أحشاءِ الأرض ،
وأحدّقُ للظِلال ِ المعتمه والرسوم ِ التي خَطّتها أناملُ الأطفال بالطباشير ِ
وبالأصباغ ِ المحليه فوق الجُدران ِ وعلى الأبوابِ المهشّمةِ وبقايا الصناديق ِ
الخشبيةِ الملوّنة ... إنتابَني رعبٌ جارف مَسَّ
شغافَ روحي وأنا أتنصّتُ لأصواتِ دورةِ الحياة الصاخبة آتية ً من تحتِ هذه الأنقاض
وهي حيّة ومفعَمة بالأرواح ِ التي لازالت تنبضُ بالمسرّاتِ وبآلام ِ الماضي السحيق
في هوّةِ هذا الدمار المُوحش ، بدأتْ هذه الأصواتُ التي أعرفُ كلَّ نبراتِها
الأليفه تتعالى في سَمعي رويدا ً ... رويدا ً تتبعُها صورٌ مغبشة حَملتْ لكلِّ
ذرةٍ في كياني نحيبَ الأمهات ومراثيهنَّ وصراخَ أطفال ٍ ولدوا للتو محاطينَ
بترانيم ِ المهودِ العَبقه وتراتيلَ صبايا مجدولاتِ الذوائبِ والطافحة وجوههُن
بألق ِ البدور مع مواءِ القطط ونباح ِ كلاب بعيده في ظُلماتِ شتاءٍ غامض ... كانت
هذه الأصواتُ تختلط ُ وتتزاحمُ في أديم ِ ذاكرتي مع طقطقاتِ
الصحون ِ وهدير ِ الصنابير في الأحواش ِ وأصواتِ باعةٍ متجولين في الأزقةِ مع
رَفّاتِ أجنحة الطيور وهديل ِ الحمائم وزقزقاتِ عصافير ٍ غادرتْ أشجارَها الى
الأبد ... لاوالله لا أدري كم من الساعات
والأعوام ِ مرّتْ وشَفَطتْ نسغَ أيّامي وأنا واقفٌ تخترقُني ، لا بل تنتهكُ وجودي
، أغان ٍ وضحكاتٍ ورقصاتِ رجالٍ تمرّسوا على شظفِ العيش ِ حاملينَ في أحشائِهم
صهيلَ خيولِ الأجداد وصليلَ سيوفِهم البرّاقه ... بدأت الشمسُ تغادرُ كبدَ
السماء وتميلُ للغروب تلاحقُها غيمة ٌ رثّه تدلّت من أمام ِ ضوءِ الشمس مهيمنة ً
بظلالِها على محلتي القديمه التي بدأتُ أستجلي معالمها المشوّهه بصعوبةٍ بالغه ،
فتسابقت دقاتُ قلبي مع وقع ِ خطواتي هائماً كالممسوس ِ نحوَها ... بالكاد تعرفتُ
على ملامح ِ محلتي التي لم يبقَ منها شئ ، مَحض تلال وأكوام ٍ من الحجارةِ تداخلت
فيها باحاتُ البيوت وحيطانُ الحجرات المظلمه ... إتّكأتُ على حائطٍ متهدم تناثرت
منه كتلُ الطابوق والحجارة الحمراء لكي أمسحَ العرقَ الغزير من وجهي ومن رقبتي ،
كنتُ ألهثُ بصعوبه وبصوتٍ واضح من التعبِ والإرهاق فافترشتُ الأرضَ لأستجمعَ بقايا
ذاكرتي المشتته ... وبصراحه أقول ، وفي مثل ِ هذه اللحظات الخانقه ، بأن إستعادَتي
لصُور الأشياء الهاربه من مُخيلتي لم تكنْ ، أو بالأحرى لم تكنْ ذاكرتي سببا ً
لتعبي وإرهاقي ، بل كانَ إنهيارُ جُلَّ قوّتي ناتجٌ عن تأكيدي لحالةِ التذكر نفسها
.. !! لعُصارتها ولنواةِ ثقلها المضني ، كنتُ أتشظى في رحم ِ العوائق ِ التي تسمى
... الزمن ... هذا الزمنُ الذي بدأت
إرهاصاتُه تتنفس من خلل ِ ماض ٍٍ بعيد بدا لي وكأنه يغورُ ليس فقط لأعماق ذاكرتي
بل ليمنحَ سماتَ المكان ِ حدودا ً أعمقَ من الزمن ِ نفسه ... فحينَ كنتُ أستعيدُ
بعضَ الملامح الشاحِبه لشخوص ٍ وأحداثٍ كانت محدّدة ومخترله في سياق ِ الزمن
الهارب فإنها سُرعان ماكانت تركُنُ لأديم ِ المستقبل ِ وأعماقِه لتُحيلَ الحياة
الى صُور ٍ هُلاميّه غامضه تُهدِّدُ ديمومةَ حياتي ومآلها بأكملِه ... كانت أنْسَنةُ الأشياءِ مثيرةٌ
حقا ً من خلال ِ الحُلول ِ في المحيطِ الذي يتمظهر ويتجلّى فيه الزمنُ مسموما ً
مثل فحيح ِ الموت ، كنتُ أذوبُ في الأشياءِ المتناثرةِ حولي وأنصهرُ في عمليةِ
الوعي نفسها بكامل ِ رهافتي كما حدثَ حينما أبصرتُ في إحدى البيوت طاسة ً نحاسية ً
صفراء ومهشّمه تلمعُ لمعانا ً شريرا ً في الشمس وعندما دنوتُ منها لقيتُ بجانبها
فُوهة َ قِدر ٍ حديدي واسعه ومدفونه أطرافُها تحت أرض ٍ إسمنتية والتي لازالت
تحتفظُ في قعرِها المظلم حفنة َ ماء ٍ متعفن تطوفُ فوقَها طبقة ٌ بيضاء تشبه
لمعانَ رصاص ٍ ذائب فعرفتُ فورا ً بأنني واقفٌ فوقَ حمّام ٍ بيتيٍّ لأحدِ الجيران
.... ولكن .. أين صنابيرُ المياه
وأفاريزُ النوافذ وهياكلُ التنانير والأسلاكُ الكهربائيه والأرضياتُ المفروشه
بالطابوق الملمّع وبعضُ الأبواب التي بقيت حافاتُها شاخصه ..؟ .. بالتأكيد سُرقتْ
..!! لقد كان واضحا ً بأن هذه القلعة السامِقه من آلاف السنين ، ماتعرضت للهدم ِ
فقط ، بلْ لكلِّ أنواع النهب والسطو والتنكيل ، مئات البيوت العامره بالآمال
والذكريات وآلاف البشر الذين كانوا يحلمون ببذرةِ حياةٍ مشتركه بأفراحِها
وأتراحِها وبالمناخاتِ التي تَلِدُ نواةَ حُبِّ الأرض قد أُغتيلَتْ وأُجهضتْ عنوةً
وفي وضح ِ النهار ... كنتُ يائسا ً ومذهولا ً لحدِّ
العظم وأنا أُحدِّقُ كالمأخوذِ لمعالم ِ زقاقنا المغلق الذي كان بعضُ أجزائه
يمتدُّ أمام ناظري بكآبةٍ مُريعه وحَزَن ٍ مدمِّر ، والذي قبل سنواتٍ عديده أو
بالأحرى قبل آلاف السنين ، كما يترآى لي الآن ، كان يحتضنُ ثمانية َ بيوتٍ متجاوره
ومتقابله ، يشقُّها من الوسطِ مجرىً ضيقا ً لتصريف المياهِ يدفعُها الكنّاسون
العجائز حتى مصبِّ مجرى كبير قائم تحت الأرض ِ بغموض ٍ مُحيِّر ..يسمّى بالخندقْ
... وكان هديرُ المياه في فُوهةِ هذا الخندق لايهدأ إلاّ في الساعاتِ المتأخره من
الليل ، وبطريقةٍ ما ، كان أغلبُ البيوت في ذلك الزقاق المسدود يملكُ نوافذا ً
حديديّه مغروسه فوق جدرانِها الخارجيه ، مطلَّةً ، وأحيانا ً متقابله ، بستائِرها الملوّنه مع نوافذ الجيران
بمسافة ٍ قصيره لضيق ِ الزقاق الذي ماتكادُ أشعّةُ الشمس تمكثُ في قعره حتى تتوثب
بتوجس الى الجدار المقابل ، لذا كان الزقاق دوما ً معتما ً يشهقُ بالرطوبةِ التي
تجلبُ النُعاسَ والوَسنْ ...! نزلتُ من كومةِ التراب
والأحجار ِ الى باحةِ بيتنا المتناثر ... كانتْ قِطعُ آجرّةِ تنورنا الحمراء
توزّعت بفوضى في زوايا الحوش ِ الكبير والتي لازالت تلتصقُ لبعضِها حافّاتُ أرغفةٍ
سواء مُحترقه تشبه سوادَ البُنِّ ، وكانت شجرةُ الرمّان الضخمة التي ظللتْ
طفولتَنا تَلهثُ تحت تلال ٍ من الجدارن السميكه والصخور ، مادةً أذرعَها وأغصانَها
المتكسرة الى شتى الجهات ، حاولتُ ، وبكلِّ ماأُوتيتُ من قوّة ، لأُزيحَ بعضَ
الاحجار الضخمة الجاثِمة فوقها لأصلَ الى جذورِها المجتثّة ، فلم أقدر ، .. كنتُ
أحومُ حول الشجرة ِ من كلَّ الجهات كالمعتوه يَحفُّ بي ، أو هكذا خُيِّلَ اليَّ ، حفيفُ
ثوبٍ ذو عطر ٍ خاص أدهشني عطرُه ونكهتُه التي بدأتْ تفوحُ من كل أرجاءِ الحوش ...
وفجأة ً .. أبصرتُ طفلة ً صغيره على مقربة ٍ مني ، ذات ثوب ٍ أبيض وظفائرَ معقوده
بشرائط ٍ ملوّنه تتلألأ كالمرايا البلوريه في ضوءِ الشمس ، وهي تتقافزُ فرِحة بين
أطلال ِ بيتنا بثغراتِها وفتحاتِها وهياكِلها الشاخصه مرسِلة ً ضحكاتا ً جذِلة
ذاتَ رنين ٍ بعيد الغَور ، كانت تغيبُ في هذا القيظ الخانق بين بقايا الجدران مثل
نسمات ٍ مُنعِشه ، عابره ومُعطّره ، ثم تظهرُ بغتة ً وبجلاء خلفَ أُطرِ النوافذ
المحطّمة وهي تنظرُ صوبي بابتسامة ٍ مُشرقه ونابضه بالغبطه والمسرّة .. حاولتُ
الاقتراب منها ، وأنا أتعثّرُ وأدوسُ على كلِّ ما يُعيقُ حركتي بإصرار ٍ جنوني حتى
وقفتُ في وسط ِ الباحة معقودَ اللسان ، شاردَ اللّب ، مأخوذا ً ومتهالكا ً من الإرهاق ، وأنا أسمعُ صدى
كركراتِها يحاصرُني من كل الجهات وهي تنطُّ بخفّة ٍ فوق أشلاء ِ وحطام ِ بيتنا
وتسبحُ كالملاك في فضاءاته ِ المرصودة للشمس ، الى أن تثَنّت وغابت كنُثار ِ الطلع
في ظلمات ِ إحدى الغرف الدامسه .. !! إزدادَ الطنينُ في رأسي بشكل ٍ
واضح وملحوظ وشعرتُ بدُوار ٍ وغثيان ٍ ممض ، وفركتُ عيني مرارا ً لأصحو من هذه
الرؤيا المضيئه التي بدأتْ تحتلُ روحي ... من كانت تلك الطفله .. وكيف تعيشُ بين
هذه الأنقاض وحيدة .. ؟ أيمكن أن يكونَ أهلُها نسوها كلَّ هذه السنين بين هذه
الأطلال الموحشه والمهجوره ..؟؟ .. إزدادت حيرتي ضراوة ً عندما أيقنتُ بأنها تشبَه
الى حدٍّ كبير إبنة الجيران ( زينب ) التي تبرعمتْ سنواتُ طفولتي معها ردحا ً من
الزمن في محلّتي القديمه ، عندما تذكرتُها غادرتُ البيت مسرعا ً لأبحثَ عن مدخل ِ
الدار فلم أجدْ البوابة َ الرئيسيه فعدتُ أدراجي بلهفة ٍ لأقيسَ المسافة َ بين
الإيوان ِ ومدخل ِ البيت وأنا أزيحُ أثقالا ً من الحجارة ِ المتراكمه فوجدتُ ،
لحسن الحظ ، إحدى الدرجات الحجريه من أصل ِ ثلاث درجات ٍ كانت تشكّلُ في الماضي
مَدخلَ البوابة الرئيسيه لبيتنا ، فعدتُ كالملدوغ الى الغرفة ِ الدامسه التي غابت
فيها الطفلةُ صارخا ً بإسمها بأعلى صوتي حتى اعترى صوتي الخُوار فامتصّت صداه
هياكلُ الحيطان ِ والأبواب مجفولةً ، فرجعتُ منهارا ً وحانقاً الى مدخل البيت
ومددتُ يدي مرهقاً ومسحتُ بباطنِ كفّي طبقةَ الغبار السميكه عن الدرجه الحجريه
للبوابةِ ، وقبعتُ أنظرُ ببلاهه الى المجهول وأختلي تماماً للسكونِ الذي بدأ
يغلّفُ كلَّ شئ ، وأنا أتمتمُ مع نفسي بشفاهٍ متيبّسة ومرتجفه وأرددُ متواتراً : إذن .. هنا .. وعلى هذه الدرجة
الحجريه ، كنتُ أقعدُ مع إبنةِ الجيران ( زينب ) .. قبل عقودٍ عديده .. !! ( 2 ) في البدءِ ... وقبل آلافٍ
لاتُحصى من السنين ، لفَظتْ الأرض أثقالها حِمماً ملتهبةً من الصخور الناريه
والصَديد والمعادن المحترقه ، فسالت الأحجارُ المنصهره مخلوطةً بالغِريَنْ
والأوشالِ كالسواقي والبحار العظيمه تزحفُ الى أصقاعٍ شتّى وهي تنفثُ أبخرةً كثيفه
سُرعان ما تبددتْ وتحولتْ الى غيومٍ سوداء هَطلتْ من الأعالي أمطاراً غزيرة
مصحوبةً بعواصفٍ هوجاء وبروقٍ تخطفُ الأبصار طفقت تزأر وتهدر حِقباً طويله حتى
استطاعت أن تخمدَ ألسنةَ النيرانِ وأنفاسها ، فغطّت ملامحَ الأرض أبخرةٌ وسُدمٌ
بيضاء ، بدأ يلمعُ في ثنايا خصاصاتِها شعاعُ شمس يُحاكي زُرقةَ السماء ، فبانت
رؤوسُ التلال العذراء لأوّلِ مرةٍ وهي مزدانة بغمامةٍ بيضاء مالبثتْ أن وَثَبتْ فوقها غزالةٌ برّيه مع شوادنِها السبع تستنشقُ
تهاويمَ حياةٍ مُبْكره في إلتماعاتِ أفق بعيد ... كان ظهورُ تلك الغزالة في
التضاريسِ البكر بشارةٌ لبدءِ الحياةِ في مدينةِ الله التي أورثها كلَّ إختبارات
البوح الأزلي لنواميسِ الألم .. فبعد أن كانت الدنيا غَمراً
أصبحت تمتلأ بالدغُل والأحراش والمراعي الخضراء على مدِّ بساطِ النظر ، وكانت
الغزالةُ مع صغارِها السبع ترعى وتجوبُ هذه الأحراش لتخوم آفاقٍ نائيه ، الى أن
تَرصَّدَ لها ولصغارِها ، ذات يوم ، صيادٌ جبلي فنالَ منها مكلومةً تنْزفُ بغزارة
فغابت في السُهبِ والجبال وهي تطلقُ صرخاتَ آلام عظيمه ، فاصطبغت الوديانُ
والتلالُ كلها بدمائِها المسفوكه ، فبادرَ الصيادُ هلعاً الى جمع ِ صغارَها
المتروكين ، وهم سبعُ ظبيات صغيرات ، ساحباً إياهن من أعناقِهن الى السوق الكبير ،
فإشتراهن تاجرٌ بخيل وأسكنهن في قصرٍ منيف يُطل على السوق في قلعة كركوك ، فتعهدت
أمرهنَّ زوجةُ التاجر ، وهي حدباءٌ شريره ، سامَتهنَّ الويل والعذاب حتى سمعن منها
ذات ليلة بأنها تَحدُّ سكاكينها لذبحهنَّ في العيد الأضحى لإقامةِ وليمة تُليقُ
بأصدقاءِ زوجها التاجر ، فزدنَ هلعاً ... وأخذت فرائصُهن ترتعدُ مع إقترابِ العيد
وهنّ يتوسلن الرّب كل ليلة بالخلاصِ والفرج ... وفي ليلةِ العيد بالذات ، وحين
نَثرَ الليلُ نجومَه في السماء ، استجاب اللهُ لدعائِهن فتحوّلن الى سبع ِ صبايا
مجنّحات ، خارقات الحُسن والجمال ، خَفقنَ بأجنحتهنَّ فطِرنَ من النافذةِ العاليه
للقصر وهنَّ يسبحنَ بين النجوم في فضاءِ القلعة ... فسُمّيت المدخل الشرقي من جهة
السوقِ الكبير للقلعةِ بإسمهن حتى يومنا هذا ... ( البناتُ السَبع ) ... ويستطردُ السلفُ الصالح بهذا
الصَدد في أحاديثٍ شتى بأنهم لايملكونَ معلوماتاً دقيقة وموثّقه عن مصيرِ تلكم
البنات حتى الآن ، ففي روايةٍ شائعه ، يمكن الركون اليها ، بأن البنت الكبيره عاشت
وعمّرت طويلاً في القلعةِ نفسها وفي بيتٍ صغير كان يملكهُ نجارٌ معدم في إحدى
أزقّتها تحت إسم ٍ مستعار إتخذتهُ لنفسِها لكي لاتجلبُ الشُبهات اليها باسم (
باكيزه ) والتي خلفت إبناً وحيداً ومتفرداً ، كان يسرقُ كلَّ يوم ٍ لجبينهِ ألقاً
من نور ِ الحق ، إذ كان مرصوداً لمكابدةِ آلام ٍ فوق طاقةِ البشر ... أمّا البنت الثانيه فتبنّاها سيّدُ السهوب والمزارع الممتدة
خلفَ مقبرةِ ( المُصلّى ) مع طواحينها وأراضيها البكر ومحميات صيد الأرانب البريّه
فيها فتسمّت المنطقةُ كلها بإسمها .. ( بنتُ السيّد ) ... وعن مصير البنت الثالثه وما
تداولته الألسنُ عنها تتلخص في حكاية لاتزال شائعةً بين أوساط الناس ، بأنها غادرت الى منطقة ( طوز ) فأحبّت فيها
شاعراً صارَ عشقهما وآلامهما ووفائهما مضرب الأمثال يتناقلها الرواةُ والمغنون
العشاق بآلاتهم الموسيقيه حتى حدودِ الصين وكان إسمها ... ( آرزو ) ..! وبخصوص البنت الرابعه ،
والعهدةُ على الرواة وكتّاب السِيَر والتواريخ ، والذين إقتفوا آثارَها وصولاً الى
مدينةِ ( أربل ) ، فوجدوها تعيش في قلعتها عند تبّان عجوز كان يملأ عِدْلَ التبن
في المزارع والتي أحبها ضابط مُغترب بتفانٍ غريب حتى تزوجها واصطحبها معه الى ما
وراءِ بحار الظلمات ، ولازالت صورُها التي رسمها لها المصورون الجوالون معلقةٌ في
المقاهي والبيوت القديمه تحكي قصةَ جمال ٍ قلّما يجودُ الدهرُ به لأنثىً من بناتِ حواء
، وكان الناس يطلقون عليها إسم .. ( بنتُ التبّان ) ... ولكن ما جرى للبنت الخامسه كان
استثنائياً بكلِّ معاني الكلمه ، حسب رواية الأقدمين ، فانها ماكادت تطيرُ من
نافذةِ القصر المشؤوم في القلعة حتى قطعت ودياناً وبحاراً مظلمه لثلاثةِ أيامٍ
بلياليها بدونِ توقف ، فدخلتْ مغارةً غامضه تقعُ في مفازةِ مجرّاتٍ مجهوله فأخذتْ
تتعبّدُ وتتبتّلُ فيها منتحبة طوال أيام لاتُحصى بدون أن يسدُّ أودها الخبزُ
والماء إذ كانت تقتاتُ الكلأ وتبلّلُ شفاها من ماءِ القَطر ، الى أن شفَّ عودُها
واستحالَ جسدُها الى نورٍ باهر يغشي البصر ، ويقال بأنها إلتقت في صومعتِها تلك (
فضل الله النُعَيْمي ) وتلميذه ( نسيمي ) ، وزارت بالسرِّ مدرسةَ ( شير غازي ) في
مدينةِ ( خيوه ) فإجتمعت فيها مع الشيخ ( أحمد يسوي ) والزاهد ( يونس ) ،
وإنها طارت مع ( فريد الدين العطار
) في سماءِ ( شيراز ) واختلت مع (
مولانا ) تشربُ معه من كؤوسٍ شفافة غير مرئيه ، وتوضأت مع ( الحلاج ) وصاحِبُه (
بسطاملي ) بالدماء قبل الألمِ المبارك ، وحسب مايتناقله الرواة عنها بأنها عادت
بعد تجوالِ مئات السنين تسكنُ في دارٍ بالقلعة ، بدون أبوابٍ ومنافذ وروازين وإن
ضيوفَها مايكادوا يصلوا الى دارها المضئ حتى يغيبوا عن الأنظار بغتةً ، وقد آلت
على نفسها بأن لايطأها مخلوقٌ الى أن تصلَ بعد مجاهدةٍ عنيفه الى سدرةِ المنتهى ،
لذا سموها الناس بـ ( البنت المظلومه ) ... والتي لازال مزارُها قائماً في
ركنٍ محفورة في جداره كوّةٌ يُوقِدُ فيها الزوارُ الشموعَ الصغيره والبخور ... يقول المؤرخون المعنيون بأمرِ
البنات السبع المنحدرات من سلالةِ الظباء ، بأنهم غير ضليعين في البتِّ النهائي
بأمرهن وذلك للظروف الغامضه التي كانت تكتنفُ حياتهن ، ولإنعدام ِ وجود مستندات
ووثائق رسمية في حوزتِهم ليتمكنوا من خلالها إستخلاص مؤشرات واقعيه عن حقائقِ
ودقائقِ حياتهن حتى يصلوا لتقويمِ الأحداث التي أحاطت بهن من خلال ِ شهودٍ صادقين
ومحايدين والذين لم يتركوا إنطباعاتَهم مكتوبةً وموثقة عن تلك الأزمان السحيقه ،
وجُلَّ ماهناك لايتعدّى أحاديثاً تناقلتها الرُواة وقصّاصي السِيَرْ مع وجود قصائد
تُغنّى كملاحمٍ عن الظلمِ والجور والفراق ، وحِكَم الوفاء والاخلاص اللامتناهي ،
ناهيك عن الموتِ عشقاً والتي تأتي في سياقِ بعض أبياتِ الملاحم أسمائهن مشفوعةً
ومقرونةً بالتوقير والتبجيل ، وبالإضافه الى ماذكره المؤرخون ، فإن قسماً كبيراً
من الأحداث المتعلقه بالبنتِ السادسه تناقلته العجائز القاعدات حول مواقدِ الشتاء
والنسوة القابعات فوق عتباتِ البيوت في أزقّة القلعة وهن يقرطنَ حباتَ بذور عباد
الشمس في أماسي الصيف ، بأن ـ البنت السادسه ـ وقعت أسيرةً لشباكِ تاجر للرقيق
حملها الى أحدِ أمراء ( القبجاق ) الذي ما أن رآها حتى كادَ أن يموتَ ولعاً
وغراماً ، فاقترنَ بها فوراً ، ولكن حماتَها الشريره والتي كانت ـ البنت السادسه ـ
تُسميها بجدّتي ، عن صفاءِ السريره ونقاءِ القلب ، كانت تتربصُ بها ، فأضمرتْ لها
مكيدةً خبيثه بأن ْ أخذَتْها الى الحمّام المالح في السوق الكبير بالمدينه ، فسدّت
عليها كلَّ منافذ الحمّام ، ثم قطعت عنها الماءَ وهي تحت الرغوةِ والحرارةِ والعطش
تصيحُ بجدّتِها بأنْ تنجدها بالماءِ طوالَ النهار حتى تحولتْ الى طائرِ ( الفاخته
) ، طارت من كوّةِ سقفِ الحمّام العالي وهي لاتزال ترددُ حتى يومنا هذا : نامَ الناسُ وحلَّ المساءْ ياجدّتي إجلبي الماءْ إجلبي الماءْ ... وعلى الرُغم ِ من كلِّ هذه التعقيبات الدقيقة لآثارِ ومجريات
الحياة التي تخصُّ بالخطوطِ العامة ـ البنات السبع ـ فإن المؤرخينَ والرواة وحتى
العجائز والنسوة القاعدات على أعتابِ البيوت ، أخفقوا جميعاً في تعقّبِ آثار وحياة
البنت الصغرى أي ـ السابعه والأخيره ـ بشكل مُحيّر ، حتى قادتهم جهودُهم المبذوله
في مئات السنين الى حافةِ اليأس تماماً ، فأغلقوا بحثهم المضني عنها وتركوه للزمن
، ولكن تلهّفَ الناس وذاكرتهم الحيّه أَبَتْ أن تصدق جهودَهم ومساعيهم المرهقة ، إذ
لاتُعقل أن لاتكون ثمةَ إشارةٌ ولو بجملةٍ أو بكلمةٍ عنها في بطونِ الكتب المغبرّه
، علماً بأن الذين عاصروا جميعَ أخواتها ومصائرهن ، أو الذين شاء لهم الحظ بأن
يلتقوا بهن ، قد أكدوا بشكلٍ لايقبل التأويلَ والجدل بأن ـ البنت السابعه ـ كانت
موجوده مع أخواتِها ليلةَ الطيران من القصر ، وإنهن تفرّقن في الفضاءِ تحاشياً
للنظر ولعدمِ جلب إهتمام الصيادين وفضولِ الناس ، وإنها حلّقت بعيدة عن أخواتها
بمسافاتٍ قطعتها بغمضةِ عين ، وقد تكون لهذا السبب بالذات قد شعرت بالتعب والإرهاق
من الطيران فهوت على دغلٍ وأحراش تغصُّ بالوحوش والضواري أو نزلت على يمٍّ متلاطم
فغرقت وأصبحت طُعماً للكواسر ، أو إنها لازالت حية تُرزق وتعيش في أرض تعدم بها
سبلُ الاتصال مع بني البشر ، كما أن الأخت الخامسه ، حسب شهود عيان ، كانت تغصُّ
بالعَبراتِ كلّما راودتها أطيافُ أختها الصغيره بأنها كانت أحلاهن وأجملهن طُرّاً
، وان الغزالة الأُم كانت تجود لها بضرعها وتظللها تحت بطنِها وهي منتصبه فوق
التلال الى أن تهجع وتنام ، إذ كانت تكنُّ لها حُباً ودلالاً إستثنائياً ، وهي
تقبّلها وتلعق وجهَها الوضّاح كل يوم حتى تركت فوق كتفِها آثارَ قبلةٍ بارزه
ووضّاءه أصبحت بمرورِ الزمن وشماً جميلاً كان يزينُ كتفَها الأيسر ، ومن الممكن
الآن الاستدلال ، بهذا الوشم كعلامةٍ بارزه للتعرفِ عليها أينما كانت ، ...
وبصراحه .. كانت ـ البنت السابعه ـ المفقودة مادةٌ دسمة لأحاديث السمر في المقاهي
الشعبيه والأسواق والبيوت قبل عقودٍ عديده وبالتحديد بُعيد السنوات التي حصل فيها
الهجومُ الواسع للجراد الأبلَق الذي كان يلتهم الرضع من المواليد والذي غطّى سماءَ
المدينه وحجبَ الشمسَ عن الأنظار فأظلمت الدنيا لأيام ثلاث ، فأقفلَ الناسُ
دكاكينهم وخلت الأسواقُ والطرقاتُ من الماره وهرعوا الى بيوتهم والى غرفهم المظلمه
حيث أحكموا سدَّ الثغرات والنوافذ التي كانت أسرابُ الجراد تصطدم بزجاجاتِها بعنف
لتحطمها وتلجَ الغرف بين عويلِ النساء وصرخاتِ الأطفال ... ماأبقت أهالي المدينه وسيلةً
ماجربوها لصدِّ الجراد الذي أخذ يلتهمُ البساتينَ والمزارعَ وحتى أقلافِ الأشجار ولحاءاتِها
النابتة في أحواشِ بيوتهم تركتها أسرابُ الجراد عاريةً ومحفورةَ النسوغ ، حتى
إهتدى الناس الى دقَّ أخشابٍ عريضه بالمسامير لنوافذهم بدل الزجاجات المحطّمة ولكن
الجراد بدأ يلتهمُ ويقضُم الخشبَ السميك ويدخل الحجراتَ مستهدفاً الأطفال الرضع في
مهودهم وأحضانِ أمهاتهم ، عند ذاك هرع الناسُ مذعورين الى سراديبِ بيوتهم وأحكموا
فوهاتَها بالحديد وبصفائح ِ التنك السميك ... وقد إستفاقت المدينةُ التي
أصبحت أرضُها يباباً على حقيقه مُحيّره ، بأن أسرابَ الجراد الأبلق كانت تمتلكُ
أنياباً طويلةً قارضه ماأبقَت ولاذرّتْ .. !! ( 3 ) .. ففي نهايةِ تلك السنة
المنحوسة ، أتى للمدينه طبّالٌ أعور طويل ، كان يعصّب جبينه بخرقةٍ خضراء للدلالةِ
بأنه من أرومةِ الأسياد ، ويحملُ على كتفه طبلاً واسعاً مصنوعاً من جلدِ الأيائل ،
ويلبسُ أسمالاً عتيقة ، يتبعه قزمٌ سمين يعتمرُ طاقيةً عريضه ومزركشه بجلباب قصير
ومهترئ يشبه خرقةَ الدراويش ، قابضاً في يدهِ مزماراً أسوداً مطلياً بالقار يتدلى
من مقدمته سبعُ خرزات ملونه ... شَرعَ الطبّالُ يمشي في السوقِ
الكبير مشيةَ خُيلاءٍ ووقار يتبعُه تابعُه القزم لاهثاً ، تحفّ بهما من كل صوبٍ
همساتُ الناس وإيماءاتهم ، حتى وصلا الى ساحةِ السوق ، فوقفَ الطبالُ شامخاً ثم
أنزل الطبل من كتفِه وكأنه ترجّل من دابّةٍ عظيمةٍ للتو ، وتأمّلَ لدقائقٍ الحشدَ
الذي بدأت نظراتُه تحترقُ فضولاً وَطَفَقَ يضربُ بعصاه المدببة طبلَه الواسع
مصدراً إيقاعاتاً هادرةً مصحوبة بعزف تابعه على المزمار ، مالبثت تتهادى وتتوسع مع
توسع ِ دائرة الناس المحيطين بهما ، حتى عمّت سماءَ السوقِ كلها ، فتقاطر الجموعُ
من كلَّ حدب وصوب وتركَ الباعةُ بضاعتهم عرضةً للنهب وأهملت النسوةُ المتلحفات
بالسواد سلالَهنَّ في الأرض ، وبدأ روادُ المقاهي يتطاولون فوق مصاطبِهم الخشبيه
وهم يتدافعون ليروا تلك الأعجوبةَ النغمية الخارقه ، وعاف المستحمون في حمّاماتِ
السوقِ مقصوراتَهم وهم مُبللين بالماءِ وشُبه عُراة وبدأوا يرقصون طرباً على إيقاع
تلك النغمات السحريه التي يعرفها أهلُ المدينه ويجيدونَ غناءَ مقاماتِها بإتقان ،
ويقال بأن الطيورَ الداجنه والشواهين وأسرابَ القطاة والزرازير وحتى العصافير في
الأسلاك الكهربائيه نزلت وهي تصفّقُ بأجنحتها جذلاً ، وإن الصبايا المنذورات
للزواج شبكن أيادهن بأيادِ الشبان لأول مرة في حياة المدينه ودخلن الى حلقاتِ
دبكاتٍ محليه توسطتها رقصاتُ مئات الراقصين والراقصات ، حتى بدأت الكلابُ السائبه
والهوام والقطط والخراف فوق سطوح ِ ـ القيصريه ـ في السوق الكبير تقتربُ لحافةِ
السطوح وهي تردُّ على جُوقةِ الراقصين والمغنين بالنباح ِ والمواءِ والثغاءِ المرح
، كان الطبّالُ الأعور ينوّع إيقاعاتَ الطبل بتواتر ٍِ وخفةٍ سحريه تأخذُ ألبابَ الحشدِ وهو يثبُ في الفضاءِ
بحركاتٍ عجيبة ثم يرتمي على ركبتيه بمهارةٍ فائقه وعينُه الوحيده تلمعُ كالنجمِ
فوق رؤوسِ الناس ، يتبعُه القزمُ السمين بمزماره وهو يعبُّ الهواء محمّر الخدود ،
منتفخَ الأوداج ، كأنه ضفدع كبير يزحفُ تحت قدمَيْ سيدهِ ،... هاجَ السوقُ وماجَ
من الغناءِ والرقصِ واستمرَّ الحفلُ البهيج حتى المغرب ولم يشعر الطبالُ وتابعه
والحشدُ الهائل بأي كللٍ ، الى أن بادرَ القزمُ فأخرج من تحت جلبابه سُفرةً طويله
مدَّها في وسطِ الساحة فتدفقتْ عليها النقودُ وأساورُ الصبايا والحلقاتُ الذهبيه
من كل الجهاتِ فأحكمَ التابعُ ربطَها من الزوايا لتصبحَ صرّةً ضخمة حَملَها على
ظهرهِ وهو يلهثُ من التعبِ ثم مضى خلفَ سيدهِ وسطَ الهتاف والزغاريد وصيحات
الاستحسان حيث غابا في إحدى الدرابين المتفرعه من السوق ..!! كان هذا الحدثُ البارز في
حياةِ المدينه ، وفي تلك السنةِ بالذات ، يُشكّلُ إنعطافةً حقيقيةً في وجدانِ
الناس بعد الأيامِ العصيبه التي إجتازوها في محنةِ الجراد الأبلق ، ولهذا قرروا
بأن يكونَ مستقبلَ أيامهِم سعيداً وبعيداً عن الكُرب والمُنغّصات ، فعقدوا
إجتماعاتاً عديده مع مختاري المحلات لدعوةِ الطبال الأعور وتابعه القزم كل إسبوع
لإقامةِ إحتفالاتِ الفرح ، فإقترعوا على أسماءِ المحلات والحارات قاطبةً بإقتراع
سرّي ونزيه لكي تستمر الأفراحُ على مدار السنةِ القادمه ، وبعثوا مندوبينَ من قبلِ
المختارين الى الطبال وتابعه اللذان كانا يقيمان في الخانِ الكبير في المدينه
لاستحصالِ النتيجه منه ، فكان جوابُ الطبال ، بأنه لاينوي الاقامةَ في المدينه
وانه وتابعُه سوف يغادران المدينةَ فوراً بعد إحياءِ حفلهما الأخير في ساحةِ (
الميدان ) في القلعة ، وذلك في ليلةِ الجمعه القادمه ... بدأتْ التحضيراتُ للحفل تجري
على أحسن مايُرام بين إمتعاضِ مخاتير المحلات الاخرى الذين لم يحظوا بشرفِ دعوة
الطبال وبين إبتهاج ِ أهالي القلعة وفرحتِهِم الغامره بأن سهرتَهم سوف تكون
تاريخيه تحفرها الأيامُ في الذاكره طوالَ الدهر ، لذا ساهموا بكل جديّه في توفير
مستلزمات نجاح الحفل بكل الوسائل الممكنه ، ففرشوا ساحةَ ( الميدان ) بالسجاجيدِ
التبريزيه النفيسه جلبوها من بيوتهم وهيأوا مالذَّ وطابَ من الأكلاتِ المتنوعه
والمناسفِ الكبيره والمقبلات وأحضروا عصيرَ الزبيب والتمرهندي والطاسات بمختلفِ
الأحجام ، وفتحوا خوابي النبيذ والشراب المعتّق المخبأة في سراديب أهالي حي
النصارى في القلعه ، وأخبروا كل سكان الحارات قاطبةً ، من خلال لجانٍ شُكّلت لهذا
الغرض ، بأن لايتخلفوا عن الحضور مهما كانت الأسباب وأن يحضروا بحُللٍ عتيده
وبكامل زينتهم لهذا العرس الموسيقي ... كان أهالي حارتنا ،
بإمكاناتِهم المتواضعه ، من أوائلِ المساهمين بالحفل بكل جداره حيثُ هرعَ الأطفالُ
متشابكي الأيدي ، وأنا منهم مع إبنةِ الجيران ( زينب ) ذات الظفائرِ المعقوده
بالشرائطِ الملونه ، لنساعدَ الرجال والنساء بكل همّةٍ ونشاط ، ولازلتُ أتذكرُ تلك
اللحظات السعيده التي حملوني فيها الرجالُ على أكتافهم لأضئَ المصابيح الملونه ،
في حين انهمك الأطفالُ الآخرين بتعليقِ لافتاتِ الترحيب والشرائطِ الورقيه ذات
الألوان الجذابه حول طولِ الساحةِ وعرضها ، وكانت نظراتُ صديقتي الصغيره ( زينب )
تتبعني وأنا منهمك بالعمل لتُشعرني بأنني لاأقلُّ شأناً من الشباب والرجال
المفتولي الشوارب ولكن هذه السعاده لم تدُم طويلاً حين حضرَ المدعووين الكبار
وأخذوا مكانَهم وقوفاً بالصفوفِ الأماميه فدفعونا بسيقانِهم القويّه مع بقيةِ
الصغار الى آخرِ الصفوف ، وعندما إنتهت عملياتُ تعليق مكبرات الصوت المعقده
وتنصيبُ المايكروفون في وسط الساحه ، دوّى هديرُ التصفيق والصفيرُ الحاد والهلاهل
المتموجه من حناجرِ النسوة يشقُّ عنانَ السماء التي بدأت تلمع فيها بواكيرُ النجوم
، فازدادت الصفوفُ الخلفيه تدافعاً بالمناكبِ لإلقاءِ النظره على الطبال وتابعه
اللذان ولَجا ساحةَ ( الميدان ) كالأبطالِ يحفُّ بهما مختارُ الحارة وأعيانُ
المدينه ، كانت سطوحُ البيوت المطلّه على الساحة مكتظةً بالعجائزِ وبالنسوةِ
المتلحفات بالعباءات والحاضنات أطفالهنَّ الرُضّع ، وكانت وجوه الصبايا وأحداقهن
الحالمات تتلألأ فوق المصابيح ِ الملوّنه كالقناديلِ الفضيّه تُضفي لأجواءِ الحفل
رونقاً أخّاذاً ... بدأ الصمتُ يخيم على الحفلِ
عندما قَفز المختارُ فوق نصفِ برميلٍ مقلوب في وسط الساحة حيث ألقى كلمةً رحّب بها
بالضيفِ الكبير وتابعه بإسم أهالي المدينه عامة وأهل القلعة بالأخَص مفاجئاً الحفل
بأن الطبالَ الأعور ليس طبالاً فحسب بل إنه من خلال إيقاعاتِه العميقه يقرأ الممحي
من السطورِ في إختلاجات الناس ومشاعرِهم وحتى هواجسهم المتضاده ونواياهم المبطّنه
، مشيراً بأنه لايرى بعينهِ السليمه كما يتوقع الناس ، بل بعينه المفقوده
والمفقوءه مثل كاميرا تسجلُ لواعجَ الحياة واضطراباتها ، وقبل أن يختم كلامَه
المسهب والطويل ، طلبَ من الطبالِ أن يلقي كلمةً تعريفيه قُبيل بدء الحفل ، فعمّت
الحشدَ صيحاتُ الترحيب والتهليل للطبالِ الذي ارتقى البرميل بتؤدة فاحصاً بعينهِ
المفقوده الجمهورَ الكاتم لأنفاسِه ... كان صوتُه عميقاً تشوبُه بُحّةٌ ونبراتٌ
غامضه ومخدّره كأنها تُصدر من جبالٍ ووديانٍ عميقه حيث أعلنَ فيها غِبطتَه على هذا
اللقاء الحميم طالباً قراءة الفاتحة لأرواحِ الأطفال الذين التهمهم الجرادُ الأبلق
، والتي سُمع أثناء قراءتها نشيجاً حاداً من بعض النسوة في السطوح ، ثم أفادَ بأنه
أتى أصلاً الى هذه المدينه ليُقيم هذا الحفل في القلعة وذلك لوجودِ أواصر ووشائج
عميقه بينه وبين القلعة تعودُ الى آلاف سنين مضت ، وإنه أتى مع تابعهِ سيراً على
الأقدام من مجاهلِ جبالٍ غارقة في الضباب ليلتقيا بأهالي هذه المدينه التي يعرفان
جُلَّ مقاماتها وايقاعاتِ أغانيها من جهابذةِ المعلمين والعازفين الجوالين في بلدانهما
، وانهما تجولا كلَّ أصقاع ِ الأرض لسنين طويلة بحثاً عن هذه المدينه للإطلاع ِ
على أدقِّ تفاصيل حياتها وتواريخ ِ جذورها الضاربه لأعماقِ الزمن ، وانه قررَ
وتابعه بأن يحلاّ ضيفين لأهالي المدينه كلَّ عام إكراماً للروح ِ الوثّابه
والمضيافه التي لمساها عند الأهالي ، وإعتذر بأنه لايُجيدُ الخطابةَ واقتناءَ
الكلمات المناسبه للتعبير عن عمقِ سعادته بهذا اللقاء إلاّ من خلالِ العزف ،
فاستلَّ عند ذاك عصاهُ من حزامِه ورفعَ طبلَه الواسع عن الارضِ بين هياج ِ الناس
وتصفيقهم حيث بدأ مع تابعهِ رحلةَ العزف التي أخذت بمجامع ِ القلوبِ عامةً .. في البداية .. بدأت الإيقاعاتُ تترى خافتةً ومنسابه مثل جداولِ
الربيع بين الصخور ثم مالبثت أن تماسكت بقوةٍ عنيفه فتحولت الى أمواج ِ محيط هادره
تمايلت معها رؤوسُ الحاضرين وأجسادهم بتواشج ٍ وتواترٍ سحري مع إيقاعاتِ الأقدامِ
والأذرع ِ والأجسادِ المستسلمه ، فوثبَ لفيفٌ من الشبابِ لوسطِ الساحه يطرقون
الأرض بسيقانٍ وأقدامٍ مفتولة ومتحجره أحالت الميدان الى ساحةٍ للوغى باندفاعاتِ
أجسادِهم الفَتيّه صوبَ أعداءٍ مجهولين ... كانت الأرض ترتعشُ وتتوسلُ تحت
ضرباتِهم بأنّات مسموعة تتجاوبُ معها صرخاتُ الشباب وصياحُهم المرحة في محاورةٍ
متوافقة ومجنونه تزيدُها قوةً وزخماً زغاريدُ النسوة والصبايا الفاتنات فوق السطوح
، وبدأ الرجال الأكبر سناً يشمرون عن سواعدِهم مصطحبين معهم شيوخاً طاعنين بالسن ،
وهم يرتدون جلابيباً طويله ذات حافاتٍ مطرزه ، تتدلى من أكتافهِم عصّابات رؤوسهم
المخططه ، معتمرين طاقياتاً مزخرفه ومقتحمين
الساحة بأعدادٍ هائله هازين أكتافَهم وصدورَهم ومحركين رقابَهم بطريقةٍ خاصة
ومثيره حيث تفوحُ من أجسادهِم روائحُ عطر الورود والعطور المحليه الأخرى أضفتْ
لمحيطِ الساحة أجواءَ أعراسٍ حقيقيه وهم ينظرون خلسةً الى زوجاتهم ، وربما
لعشيقاتهم ، المحتشدات فوق السطوح نظراتاً مفعمةً برغباتٍ جامحه تتآلف معها
الزغاريدُ بجموح ٍ أكثر إستجابةً وإثاره ، وكانت عينُ الطبال المفقودة تتوهجُ
بطريقه غير مألوفه وكأنها تبحثُ في وجوه النسوة وبالأخص الصبايا منهن عن شئ غامض
ومُريب من دون كلل ، إخترقتْ الايقاعاتُ قلوبَ الناس وصبواتَهم فارتفعت عقيرتُهم
بغناءٍ مشترك كاسِح أخذَ يسمو ويتعالى من حناجرِ جوقةٍ صاخبة تستثيرُ جُنحَ الليلِ
ونجومَه النائيه التي بدت أقربُ الى متناولِ اليد . كنتُ قابضاً من يدِ إبنة
الجيران ( زينب ) التي أخذت تتأوّه بإنبهارٍ ودهشه ، فاغرة الفاه وهي تلتهمُ
بنظراتِها الملتهبة هذا المهرجان من الألوانِ والأضواءِ والأجسادِ المنتفضه ،
فبدأتْ تتركُ يدي خلسةً وتبتعدُ عني محركةً ذراعيها الصغيرين وجدائلَها المعقوده
بالشرائط وهي تدورُ حولَ نفسِها على إيقاع الأغاني وتتوثبُ في مكانِها بفرح ٍ عارم
وبضحكٍ جنوني جلبَ إنتباهَ الناس وفضولهم حيث أوسعوا لها الطريق لتتوسطَ حلقةَ
الراقصين والمغنين فبدأت ترقصُ بإيقاعاتٍ موزونة وسريعه بكاملِ جسدِها الصغير حتى
عَلَتْ قدماها عن الأرضِ رويداً رويداً وأخذت ترتفعُ وتحلّقُ فوق رؤوسِ الراقصين وهي
تتمايلُ وتسبحُ كالملاك في محيط الساحةِ وأمام أنظارِ الحشدِ ودهشتِهم ، كان
البعضُ حائراً منعقدَ اللسان ، والآخرون يفركون عيونَهم غير مصدقين مايحدث أمام
أبصارِهم وكأنهم كانوا غارقين في أطيافِ حلمٍ سعيد ، فتحولت وثباتُ الرجال من
نشوةِ الرقص ، وهم بعصاباتِ رؤوسهم المقلّمه
الى الارتفاع ِ التدريجي خلفَ الصغيره ( زينب ) تلحقُ بهم النسوةُ المتلحفات
بالسواد من السطوح ِ بعبائتِهنّ المفتوحة واحدةً إثر أخرى سابحات في الفضاء
بأسرابٍ سعيده تتماوجُ ببهجةٍ ومسرّة حيث بدأ بعضُ النجوم يأفلُ فوق الجميع
إحتفاءً بهم ، فلَكزَ الناسُ بعضَهم البعض وهم يُشيرون للسماء المزينه بالنجوم
ويهتفون فرحين ... انظروا .. إنهم يطيرون ..! كان الجمعُ السعيد من خلالِ
التنهدات وتطويع الأجساد والحركات الجنونيه يحاولُ القبضَ على الزمنِ المنفلت
عارياً من وحداتهِ وأبعادِه ، لذا كان الهياجُ أقربُ الى التَوقِ والتألقِ الصوفي
منه الى الرقصِ العادي على إيقاع الطبلِ والمزمار ، فاندفعَ الناسُ بلهفةٍ علويّه
لإلقاء نظرة للطفلةِ ( زينب ) وهي تقودُ حشدَ الراقصين في الفضاءِ بثوبها الأبيض
وبظفائرِها المعقوده حيث تلوبُ وتتهاوى بخفّةِ
طائرٍ صغير يَرمَحُ فوق الرؤوسِ الثَملة من النشوة ، فتدفقَ الدراويشُ من التكايا
القريبه الى حلقاتِ الرقص حاملينَ سيوفَهم وحرابَهم وهم يدورون حول محورِ أجسادهم
فاتحي الأذرع كاللوالب السريعه يوحّدون الله َ على هذه المعجزة والبشارة السعيده
... وبغتةً ، وبإشارةٍ من يدهِ أوقفَ الطبالُ الأعور وتابعُه العزف ، فحطّت
الصغيره ( زينب ) بهدوءٍ وسطَ الساحه وهي تلهثُ من التعبِ وتتلألأ فوق جبينِها
الناصع حباتُ العَرقِ كالندى ، فخيّمَ على الساحةِ سكونٌ حاد لاتُسمع فيه سوى
أنفاس الراقصين وزفراتهم وهم يتراجعونَ عن الساحةِ الى صفوفهِم وقطراتُ الماء تسيلُ
من جباههِم وصدورهِم المُنهكه ... لم تبقَ في وسط الساحه إلاّ (
زينب ) وحيدةً بقامتِها الصغيره وبحفيفِ ثوبها الأبيض أمام الناس وتحت نظراتِ
النسوة في السطوح والنجوم المتألقه
في السماء ، فبرقَ في عينِ الطبّال الأعور وميضٌ غريب أضاءَ الساحةَ لبرهةٍ قصيره ، فأومأ
للطفلةِ ( زينب ) بأن تقتربَ نحوه ، فتهادت اليه تنقلُ خطواتاً وئيدةً بدون مقاومه
وكأنها كانت تسيرُ في حلم ، فوضعَ الطبّالُ راحة يده على رأسِها الصغير وصاحَ
للحشدِ بصوتٍ جهوري صارخاً : ـ ألا تعرفون .. مَنْ هي هذه
الطفله ..؟؟ فتراجعَ الحشدُ عن الساحةِ خطواتاً
قليله ، وساد هدوءٌ يغصُّ بالأنفاسِ المقطوعه ، فصرخ الطبّال قائلاً : ـ إنها ـ البنتُ السابعه ـ
المفقوده للغزاله الأُم ...! عقدتْ الدهشةُ ألسنَ الناس وهم
ينظرون الى الطفلةِ ( زينب ) بشفاهٍ منفرجه ، فسحب الطبّالُ ياقةَ ثوبها وكشفَ عن
كتفِها ، ثم حملها بين ذراعيه عالياً ، فتوهّجَ وشمٌ كبير في كتفِها الأيسر أضاءَ
الساحةَ ووجوهَ الحشد ، فصاح الطبّالُ صارخاً : ـ وهذه هي علامتها ... !! تهللتْ وجوهُ الحشد ، وترقرقتْ
في مآقيهم عبراتُ الفرح فارتفعت الأصوات بالتكبير والتعظيم وأصابَ الإغماءُ بعضَ
النسوة فوق السطوح ِ ، فأنزل الطبّال ( زينب ) برفق ، وخاطبها بصوتٍ رؤوم قائلاً : ـ أتدرين .. أين بقيةَ أخواتكِ
الآن ..؟؟ فرسمتْ ( زينب ) برأسِها
الصغير علامةَ النفي ، فأردفَ الطبّالُ ، وهو يُشير بإصبعه للسماء المزيّنةِ
بالنجوم ، قائلاً : ـ إنهن هناك ..!.. هيا
يابُنيّتي .. إذهبي إليهن ... إلتحقي بهن ... هيا ... وبدون أن تنبسَ ( زينب )بكلمة
، فَرشتْ ذراعيها وأرتفعت عن الأرضِ حتى أصبحتْ نقطةً مضيئه بين النجوم ، وظلَّ
الطبّالُ يرددُ من ورائِها : ـ طوبى لمخاضِ هذه المدينه
...! ـ طوبى لمخاضِ هذه المدينه
...! ( 4 ) لقيتُ نفسي بأنني لازلتُ
قاعداً فوق الدرجةِ الحجريه أمام مدخلِ بيتنا المنهار ، أحدّقُ لخطوط الغسق التي
بدأتْ تخترقُ الأشياءَ بوَجَل فألقيتُ نظرةً أخيرة على الحجراتِ المظلمة والشقوق
والثغرات وفتحات الجدران والسقوف المتهالكه وهي تتنفس تحت ثقلِ الهواء الراكد
والحرارة الدبقة ، فتركتُ حارتي القديمه قبل أن يباغتني هبوطُ الظلام نزولاً
بإتجاه الأدراج الحجريه للقلعة ، ووقفتُ طويلاً أمام مدخلِ الجسر الحجري أنظرُ
مرعوباُ الى حلكةِ المساء التي بدأتْ تكللُ هامةَ القلعة والى فداحةِ الدمارِ
والوحشة التي أصابتها ، وعندما نقلتُ نظري الى عمقِ السماء أبصرتُ النجمةَ الأخيره
من ( النجوم السبعه ) تشعُّ بخفقاتِ وميضٍ تُبهرُ الأبصارَ في سماء القلعة ،
فأيقنتُ بأن الصغيرةَ ( زينب ) قد التحقتْ بأخواتِها منذ زمن طويل ... عند ذاك
حاولتُ جاهداً أن أبتلعَ غصّاتي وأنا أشهقُ من الألم ... فابتلعني البُكاءُ ...! |