العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

شهيد الموت حبا ... المسرحي حسين علي دميرجي


زاهد البياتي / كاتب واعلامي


الفاجعة المسرحية

يوم الثامن من تشرين الثاني من عام 1971 كان مشهدا حزينا في تاريخ المسرح العراقي !ويوما مفجعا في تاريخ المسرح الكركوكلي وفاصلا تاريخيا للمسرح التركماني ... يوم سالت دماءزكية على خشبة المسرح  العراقي  ! يوم فريد شهد اول حالة استشهاد لفنان مسرحي محبوب تصدى للظلم والعنجهية ولكل انواع الاستهتاربالقيم الوطنية والانسانية من على خشبة المسرح دون تردد او خشية من الموت الذي كان يلوح به جلاوزة النظام  ليسقط شهيدا تحت سوط جلاديه ويرمى على طرقات كركوك التي عشقها  محتضنا رصيف وطنه وساقيا ارض بلاده بدمائه الطاهرة .. وكانه يقوم ببطولة مسرحية ( الموت حبا ).. الشهيد هو حسين علي موسى دميرجي  الذي اقترن اسمه بدوره في احد ادوار مسرحيته الذائعة السيط (تمبل عباس ) مودعا خشبة المسرح وهوفي ربيع عمره ... اليوم وبعد مرور خمسة وثلاثون سنة على استشهاده وبالخصوص بعد مرور اكثر من ثلاث سنوات ونيف على سقوط النظام الاستبدادي .. اما ان لهذا الفارس ان يترجل ؟ ! اما ان لهذا الشهيد ان يذكر؟

 

فمثلما استحق الصحفي ضرغام هاشم لقب شهيد الصحافة العراقية .. ومثلما استحق المفكرعزيز السيد جاسم لقب شهيد الفكر والكلمة .. من حقنا اذن ان نطلق على الفنان المسرحي حسين علي دميرجي لقب شهيد المسرح العراقي .... لماذا..؟ وكيف ..؟ ومن هو دميرجي ؟ :

من هو عباس الكسلان؟

- حسين علي دميرجي مسرحي عراقي من مدينة الذهب الاسود كركوك الحبيبة (ولد في محلة بشكتاش في كركوك عام 1950 ) فنان بمعنى الكلمة مخرجا ومدرسا  في مسرح النشاط المسرحي ,و ممثلا مسرحيا ناجحا في الفرقة القومية التركمانية, استطاع ان يستحوذ على قلوب الجماهير في مدينة كركوك بجدارة, مستقطبا شعبية واسعة ليس بين الجمهور التركماني الذي ينتمي اليه فحسب بل استطاع ان يشد اغلب فئات المكونات العراقية للمجتمع الكركوكلي الموزائيكي الجميل الى المسرح الجاد  و الناقدوالساخر..كان فنانا شاملا .. كوميديا ملتزما , ناقدا , ساخرا... شغل مجتمع كركوك بجدارة وحرك سكون مسرحها العريق الذي يعود تاريخه الى العشرينيات من القرن الماضي , بجراته المدهشةو بشجاعته النادرة محولا مسرح كركوك الى منبر حقيقي للشعب العراقي , ناقدا   لكل اشكال الطغيان, وساخرا من كل انواع الظلم والاستبداد,و معريا لكل مواضع الخلل والفساد ومتطرقا لكل جوانب الاضطهاد العرقي والطائفي الذي كان يمارسه الحكم الاستبدادي البغيض في اوج سلطته و استهتاره بالقيم والحريات العامة!ففي بداية السبعينيات من القرن الماضي سطع نجمه وذلك من خلال ادائه لأدوار البطولة في العديد من المسرحيات الساخرة على مسارح كركوك ومسرح النشاط المدرسي في بغداد ,وتبلور تالقه بشكل خاص في دور بطولة مسرحيةعباس الكسلان الساخرة (تمبل عباس – للفرقة القومية التركمانية في كركوك وهي من تاليف الشاعر صلاح نورس واخراج انور محمد رمضان )اذ استطاع ان ينجح في استقطاب الجمهور الغفير لمشاهدتها من خلال ادائه الرائع وقفشاته الذكية وانتقاداته اللاذعة وسخريته النادرة في رصد وتعرية نقاط الخلل والفساد! وشجاعته في الطرق على راس النظام من خلال كشف الاعيب سياسة النظام الشمولي السابق, وظلمه وبطشه بأحرار العراق من كل فئات المجتمع العراقي عموما وبالشعب التركماني بصورة خاصة و الذي تعرض الى كل انواع التهميش ومسخ الهوية الوطنية والتهجير العرقي والطائفي دون هوادة .

المسرح العراقي اقوى سلاح ضد الفاشية

ذاع صيته بين الاوساط الشعبية والاجتماعية المختلفة بلقب بطل مسرحيته التى قام بادائها (تمبل عباس ) ... حتى انهم نسوا اسمه الحقيقي في خضم تصاعد شعبيته وجماهيريته , حين اصبح الناس يتداولون تعليقاته السياسية بإهتمام بالغ فيما تزاحم الجمهور على ابواب مسرح جمعية الهلال الاحمر يوماً بعد اخر لحجز مقاعدهم لمشاهدة مسرحيته التي ذاع صيتها بشكل منقطع النظير  .. الامر الذي وضع اعضاءالفرقةالقومية المسرحية اما م  مسؤولية الاستمراربالعرض بمزيد من العنفوان والاصرار  ليمتد العرض علىمد ى اكثر من شهرين وبنجاح ساحق وفي مدن عديدة ,  بغداد والموصل وتلعفر ..فيما استمر العرض في كركوك متواصلا ..  مما اثار حفيظة ازلام النظام وجلاوزة امنه ومخابراته ! فساد الذعر والهلع بين (الرفاق)! فكان لا بد لها من ايجاد حد لهذه المسرحية التي باتت مؤثرة بشكل مباشرعلى موقف النظام !

 و للتخلص من تبعاتها وحجب تاثيراتها عن الشارع الكركوكلي الذي بدا يغلي ويستنفر جماهيره الغاضبة ضد السلطة البغيضة في اكبر  تحد لها ! الى جانب الغليان الشعبي الذي كان يسود الشارع الكركوكلي على خلفية غلق المدارس التركمانية من قبل سلطة القمع انذاك ( للاسف لم يسلط الضوء عليها لا من  قبل المسرحيين ولا من من قبل الكتاب ولا الباحثين العراقيين او غيرهم الا ما ندر! فيما اعتبرت انتفاضةطلابية ناصعة ضد الطغيان والظلم في تاريخ التركمان والعراقيين) .

ومن قراءة بسيطة نستطيع التوصل الى ان المسرحية كانت قد اقلقت السلطة واربكت مخططاته الجهنمية !مما اجبرالسلطة على اتخاذ قرارلوضع خطة التخلص من تمبل عباس باقرب فرصة !لكبح الانتفاضة الطلابية من جهة ووضع حد لشعبيته المتسعة بين الفئات الشعبية لجراة وشجاعة الفنان دميرجي ولفرقته المسرحية االشجاعة وبالتالي لانهاء اضراب الطلبةالشامل الذي شل مدينة كركوك والمناطق التركمانية الاخرى بالكامل !!

يوم المحنة في تاريخ المسرح العراقي

يقول السيد قايماز علي دميرجي 1954( شقيق الشهيد ) عن يوم المحنة :

-       في عصر يوم 7 تشرين الثاني من عام 1971  كعادته خرج اخي حسين متوجها الى مسرح الهلال الاحمر الكائن في شارع الماس لاداء دوره المسرحي في مسرحية ( تمبل عباس ) فيما  توجهت انا بصحبة والدي لحضور احتفالية جرح الامام علي ابي طالب ( ع) في حسينية كركوك الذي صادف يوم  19 من رمضان ... وبعد عودتنا الى البيت علمنا بان اخي خرج ولم يعد ! وبعد تقصينا الامر اخبرنا بان مفرزة امنية من جلاوزة السلطة قد اعترضته قبل وصوله الى المسرح ومن ثم قادته الى  احدى زنزاناتهاالمنتشرة في كركوك ! وسط مناخات مرعبة كانت تنذر بالشؤم وانتقام السلطة من اصحاب الكلمة الحرة ! 

  الجزراوي ودوره في قتل المسرحي !

ويواصل السيد قايماز حديثه بمرارة والم يرقى الى العتب من الاصدقاء اولا ومن وسائل الاعلام الوطنية والعالمية المختلفة التي تجاهلت وتتجاهل قضيته ليومنا هذا! وهواول شهيد يعطر المسرح العراقي و تاريخه بدمه الغالي ولاسباب يجهلها ويضيف :

- في اليوم التالي رميت جثته الشريفة على قارعة الطريق بمنطقة طريق بغدادفي كركوك  وعليها اثارحروق من جراء الكوي الكهربائي في ظهره ورقبته واجزاء من جسمه ! علمنا فيما بعد بان المجرم طه ياسين رمضان كان قد اشرف شخصيا على التعذيب الوحشي الذي تعرض لها اخي الفنان في دائرة امن كركوك واستشهد على اثرها تحت وطاة التعذيب.. مشيعين خبر محاولة قيامه بعملية مسلحة ضد السلطة !

وهو افتراء لم ينطل  على احد لان الشهيد لم يكن يتحدث الا عبر المسرح الذي عشق ..

وساحتفظ بحقي لاقامة الدعوة على المجرم الجزراوي وغيره ممن شارك في انتهاك حقوق الانسان بحق اخي الشهيد وقتلوه ظلما وبهتانا .

شهيد وشاهد

 الفنان توركيش الصالحي الذي شارك الشهيد في مسرحيته وعمره سبع سنوات (  مدير اذاعة كركوك التركمانية  حاليا) حدثنا قائلا :

-       الشهيد كان مربيا فاضلا مثلما عرفته فنانا ملتزما, خلوقا , دمث الاخلاق ,مهتم بقضايا شعبه , والام وطنه, كان يؤمن بالمسرح طريقا ومنبرا للتعبير عن هموم المظلومين !لذا تدفقت دماؤه سيالةعلى طريق المسرح بحرارة مقدما اغلى ما يملك روحه قربانا من اجل قضايا شعبه ..فكان المشهد الحزين في  المسرح العراقي وفاصل درامي لم يحسن النظام البوليسي اخراجه !!! ليبقى علامة بارزة في تاريخ المسرح العراقي ..

الانموذج المسرحي الفريد

 والواقع اننا امام انموذج مسرحي عراقي فريد من نوعه ليس في تاريخ المسرح العراقي فحسب بل في تاريخ مسرح الوطن العربي عموما ولربما ايضا في تاريخ المسرح العالمي لان من يقدم روحه للمبادئ الانسانية العليا التي يطالب بها على خشبة المسرح ويسقط شهيدا من اجل حرية وسعادة ابناء شعبه لهي ارقى واكرم موقف انساني يشهده المسرح العراقي منذ نشوءه  قاطبة .. ونرى من الواجب تاطير صورة شهيد المسرح العراقي باطاره الوطني الزاهي , وان نعرف به ونكتب عن تاريخ حياته بماء من ذهب ولنفتخر امام العالم بان لدينا شهيد مسرح ..

في مسرحنا شهيد

 ولنجعل من تاريخ استشهاده يوما احتفاليا مسرحيا عراقيا راقيا ولنجعل من هذا اليوم مهرجانا فنيا كبيرا نطلق عليه يوم ( شهيد المسرح العراقي ) مما سيكون وقعه ايجابيا امام شعبنا وانعكا سه حضاريا امام شعوب العالم التي تحترم قيمة المسرح وتعتبرها مدرسة الشعب.. اننا بذلك نثبت علامة مسرحية عراقية فارقة نفخر بها بين الشعوب من حيث المبدا و الموقف ونخترق من خلال دمه الزكي تاريخ المسرح العالمي من اوسع ابوابه.. وعلينا  اذن ان نسعى لتثبيت ذلك في سجلات المسارح العالمية , لان مسرحية الشهادة  لم تنته , ولم يسدل الستار عن اخر فصل من فصولها بعد ! وعلينا واجب كشف الستار وليس اسداله  عن شجاعة مسرحي عراقي  اسمه حسين علي موسى دميرجي اقترن باسم باحدى شخصيات مسرحيته القريبة من قلوب الناس , ومازال الناس ورغم مرور اكثر من 35 عاما على استشهاده يذكرونه ب (تمبل عباس )فما زالت ذاكرة الكركوكليون تختزن الكثير من كلماته النقدية اللاذعة وقفشاته الساخرة التي كان يوجهها ضد فساد النظام السابق في وقت صمت فيه الاذان وكمت الافواه وسكتت الالسن  !ليدفع ثمنها غاليا ..  دمه وروحه وهو في مقتبل شبابه ليتبوا بجدارة واستحقاق لقب شهيد المسرح العراقي .

يوم شهيد المسرح العراقي

 .. فهل ينال الشهيد دميرجي الاهتمام اللازم من قبل وزارة الثقافة العراقية  اومن المديريةالعامةللسينما والمسرح ا والاتحاد العام للادباء العراقيين ونقابة الفنانين او من قبل المهتمين بالمسرح العراقي بعد ازحنا الستارعن شهادة هذا الفنان المسرحي  الذي ضحى من اجل قول الحق ومقارعة الطغيان من على خشبة المسرح العراقي العريق ام يستمرالتعتيم والتهميش والاهمال لرموزالابداع العراقي الاخرمن المكونات الفسيفسائيةالعراقية الاخرى ! وبالذات الابداع التركماني العراقي الذي لايتغنى سوى بهويته العراقية و بوحدة الوطن العراقي ارضا وشعبا ؟ ام يستمر الحال كما في العقود السوداء السابقة !؟

الفصل الاخيرمن المسرحية

لم يبقى لنا سوى ان نسجل كلمة لابد منها وبالقلم العراقي العريض :

مبروك على المسرح العراقي شهيده ..  منتظرين من الجهات المعنية الاهتمام اللائق بهذا الشهيد المسرحي ونرى بان اخراج الفصل الاخير من هذه المسرحية الماساوية التي لم تنته فصولها بعد ! لاسيما بعد ان اصبحت المبادرة بيد الاحرار والخيريين,       لاقامة مهرجان مسرحي عراقي بيوم استشهاده في الثامن من تشرين الثاني من كل عام واطلاق مناسبة يوم  شهيد المسرح العراقي...  تتضمن برامج و فعاليات مسرحية اخرى تغني و ترفع من شان المسرح والمسرحيين في بلاد الرافدين وترفع الحيف عن المسرح التركماني  ..

 

 

نبذة عن شهيد المسرح العراقي والفرقة القومية التركمانية

 

-  ولد الفنان الشهيد حسين علي موسى دميرجي في محلة بشكتاش في كركوك عام 1950 .

- انضم الى مسرح النشاط المدرسي بعد تخرجه من دار المعلمين في كركوك.

- انضم وشارك في تاسيس الفرقة القومية التركمانية عام 1970 .

- استشهد وهو شاب (غير متزوج )وعمره 23 ربيعا في 8 تشرين الثاني من عام 1971 .

- شارك في تمثيل جميع مسرحيات الفرقة القومية التركمانية : ) تمبل عباس ـ عباس الكسلان ) ، (بازار اغاسي ـ سيد السوق ) ، ( ياراسا ـ الخفاش ) ، ( الأستاذ تاران ) ، (جارشي ـ السوق ) ، ( حكيملر صاغ اولسون ـ ليعش الأطباء ) ، ( يولجولار ـ المسافرون ). وهذه العروض المسرحية كان قد كتبها جميعاً الكاتب المسرحي صلاح نورس  وهو في الوقت نفسه من أبرز شعراء التركمان .

-  كما شارك فرقته ايضا في اداء مسرحيات اخرى   لكتاب آخرين : (بتميه ن كيجه ـ ليلة لاتنتهي ) لقحطان الهرمزي ، ( بايرام اقشامي ـ مساء العيد ) تأليف وجدي كدك وإخراج : محمد قاسم ، ( نرديوان ـ السلم ) لنفس المؤلف وإخراج عبدالرزاق الهرمزي ( الذي تحول الى واعظ –ومقدم برنامج ديني في الفضائية التركمانية حاليا ).

- الشاعرالمغترب صلاح نورس هو من ابتدع   شخصية ( تمبل عباس ـ عباس الكسلان - ضمت الفرقة القومية أعضاء من فرقة عصمت الهرمزي بعد هجرته من أمثال : أنور محمد رمضان ، صلاح نورس ، أيدن شاكر العراقي ، أنضم إليهم فيما بعد عبدالله جمعة ، محمد قاسم ، عبدالرزاق الهرمزي ، محمد قوشجو اوغلو ، والفنان الشهيد حسين دميرجي الذي استشهد ببشاعة .

-  على أثر هذا الحادث الأليم أنفرط عقد ( الفرقة القومية التركمانية )ثم ما لبث أن لحقت بها الفرق المسرحية التركمانية الأخرى .وغرق المسرح التركماني في صمت قاتل دام أكثر من عشرين عاماً ( كما يقول الكاتب المسرحي والباحث نصرت مردان في مبحثه الخاص بالمسرح التركماني ).