العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

أيهما عراقي؟

 

محمود العدل

 

 

 

يظل الوضع العراقى مأساة تستحق البحث والاستقصاء والاهتمام من قبل الباحثين والأكاديميين العراقيين والعرب على السواء ليس من أجل تسجيل الأحداث فقط إنما من أجل أن نظهر للقارئ محاولات القتل والنهب للعراقى عبر التاريخ وكيف يمكن انسلاخ هذا الإقليم العراقى العربى من أصلة ومن تاريخه.

وأود أن أقدم هذه السطور كإحدى الرؤى لقوميتين عراقيتين عاشت فى العراق على مدار قرون عديدة بجوار القومية العربية فى العراق ليشكلوا جميعهم دولة العراق العربية مع باقى القوميات الأخرى.

وتلك القوميتين هما القومية الكردية والقومية التركمانية وسوف نتحدث عن أصل ونشأة كلا القوميتين مع إطلالة عابرة على تاريخهم مع ربط ذلك التاريخ بالواقع المعاصر الذى يعيشه العراق.

 وأبدأ بالقومية الكردية حيث تشكل ثانى أكبر قومية فى العراق بعد العرب الذين هم أساس العراق، فلقد ذكرت العديد من المصادر عدد الأكراد فى العراق أربعة ملايين كردى فى العراق (وباقى الأكراد موزعين بين سوريا وإيران وتركيا) ودراسة تاريخ الأكراد يحتاج إلى عناية مركزة فى البحث عن جذور هذا الشعب وموطنه الأصلى وهناك ثلاث نظريات حول أصل الأكراد إلا أنها لا يمكن اعتمادها بشكل كامل لأنها ما زالت ناقصة وغامضة و مفقودة فى صفحات التاريخ ، فقد ذكر بعض المؤرخين أن أصل الكرد يرجع إلى[ الهوريين ] سكان مملكة [ميتانى] سنة 1500 قبل الميلاد والبعض يرى أن أغلب الأكراد من [الميديين] ، وحتى بعض المؤرخين الأكراد يركزون على هذه النظرية بدون تقديم الدليل والإثبات على ذلك حيث أن عصرهم الذهبى بدأ فى القرن السابع قبل الميلاد فى مملكة[ الميديين] ، فهذه النظرية إذن ضعيفة وحتى ربما مختلقة ومع توسع الدراسات حول تاريخ الكرد بدأت تنعدم تدريجياً نظرية إرجاع أصل الكرد إلى [الميديين] ويقول(برنارد لويس) في هذا الشأن:

 " لا يزال تحديد أصل الأكراد موضع خلاف تاريخى فبرغم ادعاء معظم أكاديمى الكرد على الأصل الميدى ، إلا أن هذا الادعاء يلاقى صعوبة فى الإثبات" والبعض الآخر يرجع أصولهم إلى[ الاسكيتين] ، فعليه يعود أصلهم علي الأرجح إلى الشعوب والقبائل الفارسية ويطلق بعض الكتاب الغربيين عليهم " بدو الفرس".

وحتى لا ندخل فى روايات كثيرة حول أصل الكرد والتى اجتهد فيها الباحثون كثيراً وتضاربت الأقاويل فى ذلك الشأن ، ونوضح أن كلمة كرد والشعور القومى الكردى قد رُوّجَت من قِبل الغرب فى بداية القرن العشرين وقد بالغوا فى ترويجها بشكل كبير ولقد تطور هذا الشعور عندهم تطوراً سريعاً لعدة عوامل ؛ منها اعتبار الإمبراطورية البريطانية أن الكرد قضية أمة متكاملة يستوجب على الغرب حمايتها والدفاع عنها كما تعاطف الكتاب الغربيون مع الكرد مما جعل الأكراد يبالغون فى وحدة أصلهم ولسانهم وتاريخهم ووطنهم وأثر ذلك أيضاً على حياة الكرد القبلية والبدوية فى المرتفعات والجبال الشاهقة مما  أوجد تصورات خيالية عند الكرد حول كمال عرقهم ونسلهم وأن وطنهم التاريخى الخيالى احتله العرب والفرس والترك ويذكر أحد الباحثين [ماكدويل ]: " أنه من المشكوك فيه جداً أن يكون الأكراد قد كونوا مجتمعاً عرقياً منطقياً مترابطاً سواء من ناحية النسب أو الثقافة أو الأدب الكردى".

ولقد أثر ذلك الشعور القومى الكردى الذى نمى بصورة غير طبيعية جعل من الأكراد عصابات وميلشيات مسلحة تندفع لمحاربة الدول التى يتواجدون فيها من أجل إرجاع مجدهم الضائع بعد أن أقنعهم وكذب عليهم الغرب بوجود وطن أجدادهم " كردستان".

وعن أصل تلك الكلمة فلقد أجمعت المصادر أن أول من ذكرها كان هو السلطان السلجوقى " سنجر" وخصّهم فى مناطق سكانهم الأصلية فى إيران.

وعن نشأة تلك الدولة الكردية فلم تتحدث أى من المصادر عن نشأة دولة كردية إلا تلك المحاولة الكردية لتأسيس جمهورية مهاباد فى إيران إلا أنها فشلت وسقطت سريعاً وهرب قادتها إلى الخارج ومن ضمنهم [مصطفى البرزانى] ومعه بضعة مئات من المقاتلين مع عائلاتهم وأطفالهم ودخلوا أراضى الاتحاد السوفيتى السابق وكان عددهم 500 كما جاء فى خطاب مصطفى البرزانى عام 1948م فى مدينة باكو الأذربيجانية ولقد عاد مصطفى البرزانى إلى العراق مرة ثانية بعد ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958م مع مقاتليه وعائلاتهم للعراق ولم يستقر الحال بالبرزانى فى العراق إذ سرعان ما تمرد على العراق وأشهر سلاحه مرة أخرى فى وجه النظام العراقى الذى قاومه فى عام 1979م وللأمانة البحثية فهناك نقطة نود ذكرها فى السيد مصطفى البرزانى ذكرها جميع من تناولوا هذا الرجل سواء بالسلب أو الإيجاب فذكر عنه أنه لم يكن فى يوم من الأيام قائداً حزبياً لأنه لم يكن مقتنعاً أصلاً بالأحزاب وأساليبها السياسية أو التعددية الحزبية فلقد كان منطقه وإيمانه العميق بالروح والشخصية الفردية والتسلط على الآخرين حتى على القيادات العشائرية وعلى الإقطاعيين فالنزعة الفردية مغروسة فى تفكيره السياسى وفى نهج حياته.

هذا بالنسبة للأكراد أما القومية الثانية التى نود أن نلقى الضوء على نشأتها فهى القومية التركمانية فالقومية التركمانية هى القومية الثالثة فى العراق بعد العرب والأكراد ويبلغ تعدادهم إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين تركمانى، سكنوا العراق منذ عقود طويلة حيث يعود أصل التركمان إلى قبائل الأغز الذين نزحوا من آسيا الوسطى وسموا بالتركمان بعد إسلامهم على رأى أكثر المؤرخين ويرجع تاريخ التركمان إلى عصور قديمة ظهرت بنقوش أورخون كما كان لهؤلاء مكانة بارزة بين الأقوام التركية فى تلك العصور.

 وعن الهجرات التركية إلى العراق فبالرغم من اختلاف الآراء التى ذكرت بهذا الصدد ومنهم من قال بأن لفظ الترك والتركمان تطلق على الذين يقطنون الأراضى التى تفصل المنطقة الكردية عن المنطقة العربية فى العراق وينتشرون على خط ممتد من الشمال الغربى إلى الجنوب الشرقى بالعراق.

 وللتركمان تاريخ مؤثر فى أحداث المنطقة والشرق الأوسط فقد أبلوا بلاء حسناً فى الحروب الصليبية ويرجع الفضل إلى التركمان السلاجقة فى إفشال الحملتين الصليبيتين المتعاقبتين ، كما أنهم كانوا عماد الجيش العباسى وخاصة فى عهد المعتصم بالله .

وعن استيطان التركمان للأراضى العراقية فحدث ذلك على مرحلتين المرحلة الأولى كانت سنة 54هـ حيث استقدم عبيد الله بن زياد ألفين من الأتراك أسكنهم البصرة وخدم التركمان فى العصر الأموى ثم ازداد نفوذهم إيبان العهد العباسى .

أما المرحلة الثانية والتى تعتبر عصر الاستيطان والهجرة إلى العراق فحدثت فى عهد السلطان طغرل بك وذلك فى عام 1055م الذى دخل بغداد بموافقة الخليفة القائم بالله والذى تنازل له عن سلطاته.

وقد رافقت السلطان طغرل بك أعداد كبيرة من التركمان الوافدين للعراق وظلت بعدها الهجرة التركمانية للعراق والاستقرار بالمناطق الشمالية من البلاد ولم تنتهِ الهجرة التركمانية فى تلك الفترة بل استمرت حتى الحملات العثمانية المتعاقبة وأهمها حملة السلطان العثمانى مراد الرابع عام 1638م والتى استرد فيها بغداد من أيدى الصفويين.

أما عن الواقع المعاصر والتاريخ الحديث:

فنبدأ بالقومية الكردية التى تمثل عدد النفوس الأكبر بعد العرب فى العراق فلقد تمتع أكراد العراق بجزء من الحكم الذاتى والمشاركة بالحكم فى العراق فى الفترة من 1970-1974 وبعد حرب الخليج الثانية 1991م حددت الأمم المتحدة فى العراق منطقة شمال العراق حتى خط عرض36 منطقه آمنه للأكراد وقد شاركت القوات الكردية فى حرب الخليج الثالثة عام2003م مع الأمريكان لاحتلال المدن العراقية ومنذ ذلك التاريخ وأكراد العراق يتمتعون باستقلالية تامة وأيضا بصفتهم الحليف الرئيسى لأمريكا فى العراق ، ولقد حاول الرئيس العراقى المخلوع صدام حسين أن ينهى القضية الكردية بإعطائهم الاستقلال وذُكر ذلك فى مذكرات مكرم الطالبانى من خلال رسالة أرسلها الرئيس العراقى إليه عام1995م قائلاً : (بلّغ تحياتى للأخوة كاكه مسعود وجلال الطالبانى.وأبلغهم بأن يقيموا أو يعلنوا عن دولتهم الكردية المستقلة ، ووعد شرف من  صدام حسين سوف أكون أول من يعترف بدولتهم وأتبادل معهم العلاقات الدبلوماسية ) وهذا العرض الصدّامى لم يحظَ بالموافقة الكردية وذلك لعدم رضا الولايات المتحدة عن ذلك العرض خصوصاً وأنه مقدم من صدام حسين عدوها الأول فى المنطقة وإرضاءً للولايات المتحدة تم رفض العرض ومن المؤكد أن ذلك العرض الصدّامى لم يكن ليشمل مدينة كركوك بل كان مفاده الأجزاء الشمالية والجبلية المحازية لإيران وبعض دول الجوار الأخرى.

إلا أن الأكراد يريدون كركوك قبل كل شيء لما تتميز به المدينة العراقية بثروة نفطية هائلة كما أن الرئيس العراقى صدام حسين قد قام بتعريب تلك المدينة نكايةً فى الأكراد وذلك على الرغم من أنها ليست ذات أغلبية كردية أو عربية بل من القديم وهى تركمانية  ولم تؤثر سياسة التعريب فى الأكراد بقدر ما أثرت فى التركمان.

ولكن الأكراد وبسبب هدفهم الأساسى الخفى من  محاولات تكريد كركوك فلقد هاجموا سياسة التعريب بشدة وطالبوا بإخراج العرب المهجرين من أجل جلب الأكراد من مناطق أخرى وإسكانهم في كركوك من أجل تغير ديمغرافية المدينة التركمانية كما أن الأكراد لم يكتفوا بمحاولات التكريد فى المدينة بل وصلت مهازلهم  واستمرت منذ سقوط بغداد حيث قاموا بتذوير الانتخابات الأخيرة التى جرت فى العراق وخصوصاً انتخابات المناطق التركمانية  فلقد حاولوا التقليل من أصوات الناخبين التركمان فى شمال العراق وذلك بطريقة تظهر مدى التزوير والاستهانة بأصوات الناخبين العراقيين ، فمن المعروف للعراقيين أجمع أن عدد تركمان العراق حسب إحصاء 1957م حوالى نصف مليون تقريباً ولكن فى انتخابات 2005م كان عدد المصوتين من التركمان 78ألف تركمانى من بين مليون تركمانى فى الوقت الحاضر ولكن سر ذلك التدهور هو قيام قوات البشمركة الكردية بفتح صناديق الانتخابات وفرز الأصوات وأيضاً نقلها من أماكن الاقتراع إلى المناطق الكردية الخاصة بهم.

وهناك تمت عملية التزوير بجرد الأصوات حيث ظهرت المؤامرة التى خططوا لها بالتلاعب بأصوات التركمان ،وهدفوا من ذلك تحطيم وقتل معنويات التركمان ليستسلموا للأمر الواقع ويتركوا كركوك وشمال العراق للأكراد حيث أنهم يمثلون عقبة كئود أمام تحقيق الحلم المزعوم بتأسيس دوله كردية على حساب تركمان وعرب العراق وهذه العملية الانتخابية أزالت الغشاوة من على أعين العراقيين الذين أبصروا هدف الأكراد من ابتلاع مدينة كركوك النفطية العراقية وتسليم القوميات الأخرى للأكراد بشرط أن تكون رافعة يدها تماماً وليس لها أي مطلب سياسى أو اقتصادى فيكفيهم أنها سيعيشون فى نعيم الدولة الكردية.

ولقد أصدر مركز كردستان للدراسات الإستراتجية عدة بحوث ومقالات ودراسات حول كيفيه السيطرة على محافظة كركوك والموصل وديالى ولقد خرجت الدراسات من المركز إلى حيز التنفيذ الفعلى  وذلك إما بالقتل أو الترهيب فى المناطق المراد ضمها لإقليم كردستان .

ومن الأمور المحيرة أيضا هى تمسك الأكراد بوحدة العراق وحريته واستقلاله ولكن هذا قولاً فقط ،أما تصرفاتهم الكريمة من أجل تمسكهم بالعراق فهى مثلاً منع رفع العلم العراقى فى شمال العراق هذا العلم المبارك الذى قبله مسعود البرزانى هو وكتف صدام حسين أمام العالم.

 ثم أصدر هو نفسه مسعود البرزانى قراراً بمنع رفع العلم بحجة أن هذا العلم تمت تحت رايته المجازر الصدّامية للأكراد وكأن صدام لم يقم بمجازر إلا للأكراد ونسوا العرب والتركمان فى فترة حكم صدام كما أن هناك إجماع كردى بعدم حل المليشيات المسلحة الكردية فى شمال العراق علي اعتبار أنه جيش نظامى ، فهل الفدرالية التى يتحدثون عنها لها جيشان ؟!! إن هذا الأمر محتاج إلى توضيح وفهم لمنطق وشكل الفدرالية فى العقول الكردية.

ومن الأمور المباركة للتصرفات الكردية فى إقليم كردستان منع التعليم والتحدث باللغة العربية وكأنها لغة عبرية وهذا القرار نأمل من الأكراد أن يراجعوا أنفسهم فيه فاللغة العربية هى لغة القرآن الكريم والدين الإسلامى الحنيف ، وبعدهم عن اللغة العربية سيخلق أجيالاً تجهل التاريخ المشترك بين العرب والقوميات الأخرى فى صناعه التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية كما أن اللغة العربية أفضل وأعلى منزلة من اللغات الكردية التى يريدونها.

 أما التركمان فتاريخهم الحديث ممتد بين المذابح للأجداد والآباء والقتل والاغتيالات للأبناء أصحاب هذا الجيل.

ولقد اندمج التركمان مع بقية القوميات العراقية واختاروا النهج السلمى غير المسلح فى نضالهم السياسى . فعرفهم العراقيون بأنهم نابذون للعنف والصراع المسلح باستثناء حالات متفرقة غلب عليها الهوس العاطفى المتشدد وقد أثر نشاطهم الثقافى والسياسى فى العراقيين فانخرط فيه جانب كبير من أطياف الشعب العراقى سواء عرب أو أكراد أو كلد أشوريين وقد أغنت الحركة السياسية التركمانية بعمق منقطع النظير وعلى رأس ذلك " نادى الإخاء التركمانى".

هذا النادي الذى تعرض لمخاطر وضغوط سياسية كبيرة على الرغم من أنه صاحب توجه ثقافى تركمانى وقد عمل نادى الإخاء التركمانى والمؤسسات الثقافية التركمانية على تهيئة العنصر البشرى وتعزيز الإيمان القوى بعدالة قضيتهم وضمان استمرار النهج السياسى بما يضمن التوجه القومى الصائب غير العدوانى والواضح أن التركمان سيوالون الدفاع عن توجهاتهم القومية والسياسية بالطرق السلمية الحضارية.

ويشهد التاريخ المعاصر للتركمان بالوقوف ضد الأنشطة الديكتاتورية ولذلك فلقد عانى التركمان العراقيون الأمرين من تسلط حكومات العهد الملكى ومحاولاتها الرامية إلى تهميش الدور التركمانى فى القرار السياسى للدولة العراقية، ولقد توالت حركات التنكيل بالمواطنين التركمان منذ إنشاء الدولة العراقية واستبيحت المدن التركمانية أكثر من مرة فى العهد الجمهورى وحتى فى ظل الحماية الغربية للشمال العراقى.

والحركات التركمانية حركات قومية جامعة لا تعترف بالتمايز الطبقى ولا بتغليب النزعات الطائفية والإقليمية والمحلية والإقطاعية فهى نسيج حضارى لتأليف التركمان فى مختلف مدنهم وقراهم وعلى اختلاف توجهاتهم.

ولقد سجل العراقيون للمواطنين التركمان تمسكهم بالأراضى العراقية فهم لم يفرطوا بهذه الأرض ولم ينحازوا إلى الحركات الانتفاضية أو الشعوبية التى تعود بالضرر على التماسك العراقى ، ولم يسجل على التركمان أية هجرة جماعية رغم شدة التنكيل والقهر الذي تعرضوا له فى العقود الأخيرة.

 ويرى التركمان أن العراق بلد متعدد الأعراق والطوائف والأديان والثقافات ولا يعتبرون ذلك سبباً من أسباب الشقاق بل فرصة تاريخية يجب الحفاظ عليها من أجل العبور بالعراق إلى شاطئ الأمن والأمان.

 

 " أكاديمي مصري "