العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

لهيب جدو،ريشة مبدعة من تكساس تعيد الحياة إلى بيوت قلعة كركوك

 

نصرت مردان

 

لهيب جدو في مرسمها

 

شهدت كركوك مؤخرا حدثا فنيا مميزا ، وسط أخبار الخراب والموت والدمار والانفجارات التي تعم العراق ، تمثل في المعرض التي أقامته الرسامة والمهندسة المعمارية لهيب جدو عن ( قلعة كركوك ) والتي تم هدم أحيائها وبيوتها ذات الطراز المعماري التاريخي من قبل النظام البائد في تسعينيات القرن العشرين ، وتشريد سكانها بحجة صيانة الآثار التاريخية، و تم إحلال الجيش والمدافع  فيها . وقد أقيم المعرض في قاعة ( نادي الإخاء التركماني ) بكركوك وتضمن عرض 21 لوحة .

لهيب جدو بنت نجيبة صابر من محلة عرب ( عربلر محله سي ) بكركوك ، ووالدها حسن جدو من تلعفر المدينة التركمانية المنسية ، حسب تعبيرها .درست الهندسة المعمارية بولاية نيويورك حيث نالت شهادة الماجستير من جامعة رنسلار عام 1988 ، كما نالت شهادة الماجستير أيضا في الفنون عام 1990 من جامعة تكساس تك . تعمل منذ عام 1997 كأستاذ مساعد في نفس الجامعة .

أصبحت القلعة وبيوتها ، تلك البيوت المتناثرة بوداعة على مد البصر تحت سماء كركوك موضوعا أثيرا لأعمال لهيب جدو الأخيرة . فمنذ عامين وهي جاهدة لتجعل القلعة وأحيائها  عنوانا للعديد من لوحاتها بهدف تخليد تراثها المعماري الأصيل ،مستعينة في ذلك ليس على عشرات الصور الفوتوغرافية فقط بل على ماهو مخزون في ذاكرتها المشحونة بقصص وحكايات وأشعار لا تنتهي عن القلعة .

 

 

 

 

 

 

لهيب جدو عندما ترسم وجوه فتيات ونساء في لوحاتها عن القلعة ، فلغرض إكساب تلك اللوحات بعدا ودفئا إنسانيا ، يتناسب مع فداحة ما أصاب بيوتها من هدم وسكانها من تشريد . وهي بهذه اللوحات لا تزال تواصل جولاتها التي بدأتها في الستينيات من القرن الماضي في تلك الأحياء التي تحس نحوه بألفة عاطفية وإنسانية . كما أن لحرصها على ترصيع تلك اللوحات بأشعار وقصائد تركمانية ، له دلالته وإيماءاته على اصالة هذه اللغة وتراثها في منطقة القلعة . وهي إذ تستعين بذاكرتها أحيانا في رسم تلك الأبيات فان شغفها بالقصائد التراثية ازدادت بعد إطلاعها على ما حوته مؤلفات الأستاذ عطا ترزي باشي من ينابيع الشعر التركماني . ولأن معرفتها باللغة الأم ظلت سمعية حتى الآن ، فهي تعمل إلى اختصار الزمن وتسعى لاستعادة لغتها الأم المنفية من خلال الانكباب على تعلمها .

شاركت حتى الآن في العديد من المعارض ، حيث يعتبر عام 1990 عاما ذهبيا لانطلاقتها الفنية من خلال عرض لوحاتها في أنحاء مختلفة من أمريكا ، وقد شاركت حتى الآن في ما يقارب من 200 معرض ، وفازت لوحتها ( شقائق النعمان في كركوك) بمسابقة أقامتها جامعة ولاية واشنطن الشرقية في بداية 2006 ، كما فازت لوحتها (المقهى) بمسابقة نظمتها جامعة ماينوت بولاية داكوتا الشمالية في 2005 ، ومن المعارض التي شاركت فيها معرض السلام والمساواة في سان انطونيو بتكساس 2006 ، إضافة إلى اشتراكها بإحدى وعشرين لوحة في معرض كلية آدم بجنوب كولورادو في 2005 ، ومعرض المهرجان الثقافي العراقي بتورنتو في كندا في 2005 ، ومعرض كلية تكساس الجنوبية بمدينة ماك 2004 ، ومعرض بجامعة وسكنسن 2004 ،ومعرض استانبول في يوم المرأة العالمي 2004. وهي تصف كل هذا النشاط بأنه جزء صغير ومحدود لعروضها المختلفة  ، لكن سعادتها لا توصف لنجاحها في إقامة معرض العمر بمسقط رأسها في كركوك على قاعة نادي الإخاء التركماني .

 

 

 

 

اتجهت لهيب حسن جدو إلى الرسم منذ عشرين عاما ،ومنذ ذلك التاريخ لم تترك الفرشاة من يدها.لم يكن طابعها وصوتها آنذاك كما تقول تركمانيا . قادتها تأملاتها في التاريخ صوب حضارتها العراقية وانتماءها التركماني فالوالد من تلعفر ووالدتها من كركوك ، مدينة النار الأزلية .

من  هذا الواقع والوعي أحست بضرورة ملحة للعودة إلى أصولها بعد سماعها بهدم قلعة كركوك على يد النظام البائد والذي بدأ منذ منتصف التسعينيات .أحست بعده بعزلة مريعة وبمدى وحدتها في عالمها الغربي . لم يكن ثمة مفر للتغلب على حالة الإحباط والوحدة والعزلة إلا باستعادة علاقتها بجذورها وأصولها وميراثها التاريخي . وقررت منذ تلك اللحظة إعادة الحياة إلى القلعة التي هدمها النظام الجائر . رسمت القلعة لسبب شخصي هو تخليد القلعة وإبقاء ذكراها متوقدة وإيصال مأساتها وإبادتها واغتيالها إلى العالم المتحضر .

في بعض اللوحات ترسم نفسها وتلبسها ملابس خالتها وخاصة طرحتها التقليدية بألوانها المزركشة . في بعض اللوحات تبدو مغلقة العينين حزنا ، وفي الأخرى مفتوحة العينين تمد يد المودة والحب إلى القلعة وأناسها الأصلاء وتاريخها العتيد في ذاكرتها . .

شقائق النعمان التي طالما رأتها يانعة على سطوح دور القلعة عند قدوم الربيع تضمتها بحنان إلى لوحاتها لتتوهج بها وتفوح بأريجها .

استعدت المبدعة لهيب جدو لرسم لوحات قلعة كركوك قبل عام من تاريخ إقامة معرضها ، حيث قامت بزيارة أطلال القلعة وما تبقي منها ، التقطت خلالها 300 صورة فوتوغرافية ، واستمعت خلالها إلى القصائد والأغاني التركمانية التي تدور حول القلعة ودارت على لسان الأجيال المتعاقبة .

لم ترد أن تكون لوحاتها مجرد نقل فوتوغرافي جامدة للقلعة المغتالة ،فأضافت إليها من ذاكرتها وروحها ومعايشتها قوس قزح من الألوان والموتيفات الشرقية . رسمت أمام كل بيت صورة امرأة أو طفلة ، فالطفلة هي ابنتها والمرأة إما هي أو أمها أو جدتها ، و إضافة إلى كل ذلك ضمنت اللوحات أبياتا شعرية تزيد من قيمتها الجمالية وتأثيرها . وهي تعمل الآن بجد لإعداد بحوث عن القيمة الفنية والجمالية للطراز المعماري لبيوت القلعة .

كان شغف لهيب جدو برسم البيوت طاغيا، عند بدء رحلتها مع الرسم . رسمت في هذه المرحلة البيوت القديمة في مصر والقرى في باكستان التي تشبه في طراز بنائها القرى العراقية ، لكنها واجهت سؤالا ما لبث أن بدا يلح عليها ويكبر ويتجذر مع الأيام : لماذا لا أعود إلى أصلي وجذوري ؟ لماذا أتناسى البيوت التي كبرت بين جدرانها ، وتأملت زرقة السماء والفضاء الفسيح الممتد التي تحتضن كركوك من أسطحها في ليال الصيف ونهارات الربيع ؟

تذكرت الأيام التي كانت تنظر فيها من سطح بيت خالتها في القلعة إلى أسفل القلعة وهي تتدرج بين الخضرة والأشجار والزهور اليانعة حتى أسفل الشارع ولم تملك نفسها من ان تقول  : هذه هي الجنائن المعلقة !

أثارتها دائما القصص الشعبية وعملت على توظيفها لونيا في لوحاتها عن القلعة هذا الحي العتيق العريق والأصيل الذي لا يقطنه أحد قط غير التركمان .

 

 

 

 

لكن لهيب حسن جدو تواسي نفسها على الأحياء التي اختفت والبيوت التي هدمت والمليئة بالذكريات التي رحلت دون عودة ،حين تجد عزاءها في  البيوت التراثية القديمة الموجودة بمنطقة (المصلى) بكركوك والتي تشبه تماما طراز بيوت القلعة ، فهي بنيت على أيدي نفس البنائين المهرة وبنفس المواد الإنشائية . وتصف سمك وضخامة جدران هذه الدور بأنه لامتصاص الحرارة ، حيث يستعيض عنها الآن في الغرب بوضع مواد عازلة بين جدران البيوت الحديثة .

تحتفظ لهيب بوشم في يدها ، والذي يشبه تماما الوشم الذي كان يزين يد جدتها التي تصفها بأنها كانت امرأة قوية الشخصية ، استطاعت رغم ترملها في سن مبكرة من تربية أبنائها الخمسة بحيث تخرجوا كلهم من الجامعة . بهذا الوشم تؤكد لهيب إضافة إلى الرسم استمرار الحبل السري بينها وبين اصالتها وجذورها ، ويدفعها الوشم في لحظات الضعف الإنساني إلى القوة والاستمرار باستمرار في مواجهة الحياة ومصاعبها  بدفق إنساني إضافي يعينها على تجاوز لحظات الضعف في قرارتها أو مواقفها .  

تعتبر لهيب جدو نفسها بأنها عاشت حياتين ، نصفها في وطنها العراق، والنصف الآخر في الغربة التي تصفه بأنها لم تتعود عليها حتى الآن .

منذ ثلاثة أعوام ولهيب جدو منشغلة بقراءة المخطوطات التركمانية ، للاستفادة من استثمار الموروث الشعبي ليكون معينها في أعمال فنية أخرى.  بعد معرضها عن القلعة وأحيائها التي أصبحت أثرا بعد عين ، هذا المعلم التاريخي والحضاري والمعماري الذي هدمه النظام البائد، هو في منظور أستاذة فن المعمار لهيب حسن جدو ، مؤامرة  لإزالة المعالم التركمانية المعمارية والسكانية من كركوك .

 

                                           (خاص بموسوعة تركمان العراق )