العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

عطا ترزي باشى واثنتان وستون وثيقة تاريخية عن تركمانية كركوك

 

نجات كوثر اوغلو

 

 

 

  يواصل استاذنا العلامة عطا ترزى باشى مسيرته التي بدأها منذ أيام فتوته لخدمة القضية التركمانية وحتى اليوم عن طريق بحوثه وآثاره العلمية  التي من خلالها أثرى المكتبة التركمانية بمؤلفاته المتميزة و الجليلة عن الثقافة والأدب والفن التركماني.

فقد أصدر في شهر آب من عام 2005، كتابه القيم الموسوم "التاريخ الشعري للعمارات والمؤسسات في كركوك"

  يتكون هذا السفر القيم من 108 صفحات، تضمنت المنظومات الشعرية التي تؤرخ لاثنين وستون من العمارات  والمؤسسات في كركوك وماجاورها من المدن والقصبات والاقضية .

    ولعل الكثيرين لا يدركون بأن الشعراء التركمان  اعتادوا على نظم قصائد عن الأحداث التي يعايشونها. حيث ابتكروا نمطا من التاريخ الشعري يقوم على احتساب حروف البيت الشعري المتضمن لذلك الحدث وفق سياقات أدبية تحفل بالإبداع الفني، وتزدان الجوامع والمدارس والقصور والمؤسسات الصحية  والثقافية بلوحات من المرمر نقشت عليها تلك الإبداعات  الأدبية التي تؤرخ إنشاء العمارة أو المؤسسة .

   ويحمل صدور الكتاب في هذه الفترة تحديدا ، كشهادة لا يقبل التأويل حول إثبات الهوية القومية لمدينة كركوك فهو حافل بالوثائق التاريخية عن هوية هذه المدينة التركمانية .

   والوثائق هذه تؤرخ المساجد والجوامع والأسواق والمدارس وبنايات القشلة العسكرية ومااليها ، مما يعزز الهوية القومية للمدينة التي أنشاها واستوطنها التركمان الذين تمتد جذورهم إلى السومريين الذين دخلوا العراق منذ 2600ق.م. وقد أضفى التركمان هويتهم القومية على كل شئ في مدينتهم هذه ،وزينوها بآثار قيمة تحمل عناوين الانتماء التركماني.

     يقول الأستاذ الباحث العلامة عطا ترزى باشى المحامي في مقدمة كتابه القيم عن الكيان القومي لشعبنا التركماني  بأن الآثار الحضارية والثقافية الجليلة والواقع الحقيقي لأي شعب من الشعوب يتجلى من خلال آثاره الحضارية والتاريخية ويظهر بجلاء في الحضارة التي أقامها في البلاد.

وشعبنا الذي يعتز بما أقامه  من صروح حضارية من دوائر الدولة والدوائر العسكرية ( القشلة ) ومحاكم ودوائر رسمية أخرى إلى جانب الجوامع والمساجد والتكايا والخانقاهات والزوايا ومراقد للائمة ومزارات للأولياء وجسور وسقايات ، وانهار حفروها ومطاحن  للحبوب ومدارس علمية وأسواق مسقفة ودكاكين وقصور وصروح وحمامات ومقاهى  وغيرها من مؤسسات ثقافية وفنية ، ان الشعب الذي أقام مثل المؤسسات والعمارات قد شارك في إقامة بنيان وطنه واندمج في صيرورة كيان الوطن العزيز، له ان يكون صاحب حق في تملك هذه الديار والمشاركة في تقرير مصيرها كما شارك في الحفاظ عليها والدفاع عنها  واعمارها ورقيها عبر الحكومات التي أقامها على مر الدهور .

     والوثائق التي ازدان بها الكتاب تستصوب ادعاءنا، لأنها تثبت بما لا يقل الطعن وحتى الشك بان جميع الآثار المقامة في كركوك إنما هي آثار تركمانية لان التواريخ الشعرية التي نظمت عن اقامة جسر وعمارة جامع كلها باللغة التركمانية ولازالت ماثلة قائمة على واجهات تلك المباني والصروح.

     ان النصوص الشعرية المدبجة حول حدث ما أو واقعة تاريخية نحو اقامة بناء أو ولادة شخص أو وفاة شخصية أو إنشاء قنطرة للعبور أو اقامة سقاية للتزود بالمياه أو عمارة..الخ يصاغ في البيت الأخير من المقطوعة الشعرية بالحروف العربية التي تحتسب مقيمة بترتيبها ( أبجد هوز ، حطي كلمن ، سعفص قرشت تخذ ضظغ ).

 فالحروف من الأول حتى العاشر مضروبة في واحد أ=  ،2 ز=7 ،  ى=10   ومن الحادي عشر حتى العشرين مضروبة في عشرة، ك=20 ، ص=90،ق=100، أما ما بعدها فتضرب في 100، ر=200،ث=500،غ=1000 ويتم تثبيت تاريخ الحادث بجمع الحروف التي  تكون البيت الشعري.

     وكان عمل التاريخ الشعري بسيطا في بداياته ، يصوغ الشاعر عبارة أو جملة يبلغ حاصل جمع حروفها الرقم الذي يشير إلى تاريخ وقوع الحدث. وقد صاغ شاعر لتاريخ اقامة السلطان محمد الفاتح لحصار روم ايلى حول استانبول بعبارة ( بنيان محمد خان) التي يبلغ مجموع حساب حروفها   850 .

وتفنن بعض الشعراء في إدخال إيقاع التاريخ الشعري، وساهموا من تطوير هذا الفن  الأدبي .  ويتبوأ خضر بك صاحب القصيدة النونية الذي أبدع في هذا المضمار أيما إبداع نال به إعجاب الشعراء من بعده وكان ذلك عام 1592م-1000هـ.

  ويستدل من النصوص التي بين أيدينا ان هذا الفن أبدعه الشعراء آنذاك وان بقية الشعوب العراقية  لم تهتم بالتاريخ الشعري اهتمام الشعراء التركمان به ومنهم من لم يهتم به أبدا .

      يقول استاذنا الفاضل في فصل الختام (ص102):

 "محتويات هذا الكتاب سواء أكانت آثار معمارية فنية قديمة أم مباني وعمارات حول تحديد تاريخ بنائها بنصوص شعرية تدلل وبشكل قاطع الهوية التركمانية للمجتمع في المدينة .كما ان المواد المستعملة في إنشاء هذه المباني والمؤسسات كانت من إنتاج أبناء شعبنا حتى عام 1940 . وقد أقيمت هذه المعالم بكدهم وجهودهم وحدهم. حيث لم يشارك احد غيرهم في العمل والتخطيط والتنفيذ . لذلك فمن  حق أبناء شعبنا الاعتزاز إلى أقصى الحدود بهذه المنجزات الحضارية وبهذه الوثائق التاريخية ، لان هذه الآثار الباهرة وثائق قيمة ستطرح في المستقبل كشهود إثبات لدعم وجهات النظر حول الهوية القومية للمدينة ، فتشهد حول هويتنا القومية ، وهي شهادات قيمة لأنها نتاج الحضارة والثقافة .

     فالنصوص المؤرخة للمعالم الحضارية والآثار العمرانية التي أقيمت في مدينتنا قد كتبت من قبل أبنائها وبلغتهم دون غيرها ، وهي تظهر تركمانية كركوك بشكل أكاديمي ووثائق تاريخية وبطريقة علمية.

  والوثائق الاثنتان والستون التي احتواها سفر الأستاذ الباحث تتعلق واحد وستون تتعلق بالآثار القديمة في كركوك في مختلف العصور ، أما الثانية والستون فتشير إلى إنشاء القرى التي هدمت أيام العهد المباد ، وأعيد تشيدها من قبل الجبهة التركمانية العراقية سنة 2005م-1425هـ ، وهي قرى قصبات البشير، بولاوه ، تركلان، كومبتلر ويايجى التركمانية وتحتوي القطعة الشعرية البديعة للشاعر التركماني على معروف اوغلو  الذي أجاد في صياغة منظومته بشكل فنى بارع.

  والوثيقة موضوعة البحث تشير إلى استمرار تداول هذا الفن الرائع في تاريخ الأحداث حتى يومنا في الأوساط الأدبية التركمانية ، وهو مااثلج صدورنا  مثلما أبهجنا صدور هذا الكتاب القيم لأستاذنا عطا ترزي باشي .

     وأقترح على الجبهة التركمانية العراقية وهي الممثلة الحقيقية لشعبنا التركماني،بأن  تعير قيمنا القومية اكبر الاهتمام ، ومضمون مقترحي ان تقوم جبهتنا العزيزة بتعليق منظومة الأستاذ على معروف اوغلو الشعرية ،  التي تؤرخ إنشاء القرى بشير ، تركلان ، كومبتلر، بولاوه ويايجى مجددا من قبل الجبهة بعد حفرها على قطعة من المرمر سيرا على منهج السلف في تقييم  مثل هذه الإبداعات الأدبية وتخليدا للعمل الذي قامت به الجبهة في خدمة أبناء شعبنا التركماني  ليطلع عليها الأجيال القادمة .

  ونتقدم بأزكى التهاني لأستاذنا العلامة الباحث عطا ترزى باشى المحامي، بمناسبة صدور سفره القيم هذا ، مقرونة بالشكر والامتنان لما أسداه من خدمة جليلة لاغناء المكتبة التركمانية والحركة الثقافية التركمانية عامة ، شاكرين جهده القيم  آملين المزيد من نتاجه الثر العزيز. و ندعو الباري القدير ان يمن على استاذنا القدير  بالعمر المديد المقرون بالصحة والعافية .

 

(خاص بموسوعة تركمان العراق )