|
محور الخير ضد شر الاحتلال
كمال مجيد
لقد اتضح
الافلاس الكلي للسياسة الامريكية في الساحة العراقية نفسها: لقد قرر المحتلون
اولاً تقسيم الشعب العراقي الي السنة والشيعة والاكراد واخذوا يؤكدون علي الاكثرية
الشيعية و المثلث السني الذي ينتشر فيه العصيان ضد الديمقراطية والاستقرار وأخذوا
يقصفون مدنه دون رحمة. ثم شكلوا مجلس الحكم علي اساس طائفي واعطوا امتيازات خاصة
للمتطرفين من امثال ابراهيم الجعفري وموفق الربيعي الذين وقعوا بيان الشيعة حتي
قبل الهجوم علي العراق. لقد كان الغرض الامريكي واضحاً لدي الشعب خاصة حين انتفض
أنصار المناضل الشاب مقتدي الصدر في عموم وسط العراق وجنوبه وتمكنوا من تعليم
المحتلين درساً قاسياً في مدينة الصدر والكوت والعمارة والبصرة والنجف والكوفة.
ومع
ازدياد زخم المقاومة وانتشار ساحتها التجأ المحتلون الي استخدام حيلة الانتخابات
واختاروا حتي مواعيدها واستخدموا الطريقة الامريكية في تنفيذها عن طريق اعلان
الاحكام العرفية وحالة الطوائ ومنع التجول وغلق الحدود ومنع استخدام السيارات ومنع
التنقل بين المدن، واختاروا عناوين سرية للمراكز الانتخابية ونشروا جيوشهم في
الشوارع لخلق جو من الرعب في نفوس الناخبين مما منع الملايين من المشاركة في
التصويت بل قرروا مقاطعة العملية كلها والطعن في شرعيتها التي جرت تحت ظل
الاحتلال. الا أن التمثيليات الديمقراطية فشلت في قمع الثورة الشعبية التي اتسعت
ساحتها ونفوذها الشعبي بالرغم من الحاح المحتلين علي أن العصاة هم اجانب ومن اعوان
ابي مصعب الزرقاوي . والاتعس من هذا هو انتشار الاغتيالات وخطف الالوف من الشوارع،
تلك الظاهرة الخطيرة التي لم يكن لها وجود في العراق منذ أيام هولاكو! في حين اتسع
الفساد الحكومي والسرقات وخاصة سرقة السيارات التي تم نقلها الي السليمانية ومنها
الي ايران، بينما استمر انقطاع الكهرباء والماء وأخذ العراق يستورد البترول من
الكويت بعد ان تمكنت المقاومة من ضرب واحراق المنشآت النفطية وانابيبها، وانتشرت
البطالة وانعدم الامان وكثر الهجوم علي المحلات العامة بل علي محلات العبادة
كالكنائس والجوامع والحسينيات، وفي خضم المعارك الدموية اليومية اضطرت مئات الالوف
من العوائل الي الهجرة الي الخارج للتخلص من الجحيم الديمقراطي.
اما في
المنطقة الكردية فلقد ادرك الشعب اكاذيب الحزبين الكرديين (اوك وحدك) اللذين شاركا
العدو الامريكي في احتلال بلدهم. لقد شاهدوا انتشار الفساد والمحسوبية وسرقة
الاملاك والاراضي الاميرية من اصحابها وتوزيعها علي قادة الحزبين واقربائهم.
وانعدمت الزراعة واخذت المنطقة تستورد حتي البصل والجزر من ايران، وبعد مرور ثلاث
سنوات علي الاحتلال أدرك الشعب الكردي، وخاصة اكراد كركوك، بأن المستعمرين
واعوانهم في الحزبين لم يفيدوهم قيد شعرة بل أصبحوا معرضين للقتل والاختطاف، في
حين انقطع عنهم الماء النقي والكهرباء والبترول، بينما تحولت كركوك الي قنبلة
موقوتة تتوقع الانفجار العرقي لحظة ضمها الي امبراطورية الحزبين الشوفينيين. وفي
خضم الاصطدامات الدموية اليومية في مدينتي المنكوبة خرج المتظاهرون في السليمانية
وكلار ضد انقطاع التيار الكهربائي في حين هاجم المتظاهرون في عقرة ورحيم آوا، في
كركوك، واشعلوا النيران في محطات الوقود ، فجابهتهم شرطة الحزبين وقتلت منهم
ثلاثة. لقد تم اكتشاف زيف الالاعيب الديمقراطية التي افقدت الشعب الكردي الامان
والاستقرار فقررت غالبيتهم نبذها. ففي تقرير لمراسل الـ بي بي سي من اربيل أكد جيم
ميور علي انخفاض عدد المشاركين في التصويت علي الدستور الي 45% في حين يؤكد الشهود
الذين كانوا في السليمانية اثناء الاستفتاء علي أن التصويت اقتصر علي اعضاء
الحزبين وموظفي الدوائر الحكومية . أما تزييف الانتخابات فحدث ولا حرج، فهناك بين
الاكراد من صوت اكثر من مرة، بينهم من صوت في كركوك في الصباح الباكر ثم انتقل الي
اربيل او السليمانية ليصوت من جديد. لقد صدق الدكتور رحيم عجينة (راجع كتابه،
الاختيار المتجدد، دار الكنوز، الصفحة 275) الذي سجل خبرته حين أشرف علي الانتخابات
الكردية الاولي، سنة 1992 بالقول: والناس يتحدثون عن التزوير كتسلية، ونري منهم من
يقول ضاحكاً ومتبجحاً انه صوت 8 مرات، وآخر 10 مرات... .. فلاعضاء الحزبين خبرة
طويلة في التصويت المتكرر! نعم ان الاخبار التي تصلني من كركوك والسليمانية تؤكد
علي أن الشعب الكردي سحب ثقته من هذين الحزبين.
ان الوضع
المزري في العراق جاء كنتيجة حتمية للاحتلال، فبعد القضاء علي الدولة فشل
المستعمرون حتي في تشكيل حكومة قادرة علي الخروج من المنطقة الخضراء، بل ليست هناك
حكومة حقيقية. فبعد هدم ضريح الائمة في السامراء انتشرت جرائم القتل وحرق المساجد
ولم تجرؤ حكومة الجعفري علي القيام بشيء سوي اعلان الحداد لثلاثة أيام ولكنها فشلت
حتي في جمع جثث الموتي من الارصفة والأزقات. ففي تقرير للتلفزيون البريطاني، بي بي
سي ، استطرد المراسل من بغداد يقول: وفي منطقة نهروان تمكنت الشرطة العراقية من جمع
18 جثة فقط وذلك لخوف افراد الشرطة من تفتيش المنطقة كلها للعثور علي اعداد اخري
من الجثث المتناثرة في كل مكان . أما السفيرالامريكي خليل زاد، الذي يتهم وزارة
الداخلية بالتطرف الطائفي، فهدد يقول: ان الحكومة الامريكية ستلجأ الي قطع
المساعدات المالية عن العراق في حالة اختيار الطائفيين للوزارات الحساسة. أي أن
الامريكان أخذوا ينكرون دورهم في نشر الطائفية في البلاد، في حين بعث جلال
الطالباني مندوبه، برهم صالح، لزيارة السيستاني لاخباره عن رفض الحزبين الكرديين
بقبول الجعفري رئيساً للوزارة الجديدة التي قد تتشكل بعد الانتخابات المنسية، تلك
التي فشلت في وضع حد لانتشار القتل والخطف والسرقات، ناهيك عن هدم اماكن العبادة.
كل هذا
أجبر الائتلاف الجعفري ـ الصدري علي التهديد التحريري بالمقاومة المسلحة للاحتلال
وذلك طبقاً للدياليكتيك الذي يؤكد علي تطور الاشياء وتحولها الي نقيضها. هكذا
انشقت جبهة العدو وهكذا تم الاثبات علي امكانية توسيع نطاق المقاومة عن طريق
انسحاب قوي كبيرة، كحزب الدعوة، من جبهة المستعمرين وانضمامها الي جبهة الشعب
التواق للتحرر. والأهم من كل هذا هو ضرورة تحلي المقاومة الوطنية بالمرونة القصوي
والقبول بترك الاحقاد العميقة التي غرزها المحتلون في نفوس شعبنا المظلوم ووضع حد
للحرب الاهلية ومنع انتشارها، فالتطورات الاخيرة تشير بوضوح الي أن الحكومة
الامريكية تعمل بجد لتحويل الفتنة الطائفية الي حرب شاملة ولهذا اعلن رامسفيلد أن
الجيش الامريكي سوف لا يتدخل كطرف في الحرب الاهلية أي أن امريكا تعمل علي انقاذ
نفسها من الازمة، التي خلقتها، عن طريق اضعاف الشعب العراقي باشغاله في حرب طاحنة
تستمر الي أن يستطيع جيشها السيطرة علي البلاد. فالعمل علي توحيد الجهود مع كافة
قوي شعبنا وتجريد العدو المحتل من انصاره بكل الطرق المتوفرة ضرورة وطنية آنية لا
مفر منها. وهنا من الضروري عدم نسيان خطة المحافظين الجدد التي اقترحها مايكل
ليدين سنة 1996 (راجع مقدمة هذه المقالة) لنشر الديمقراطية بالحرب الشاملة علي
العراق وايران وسورية . فشعبنا المنكوب بحاجة قصوي لا لتوحيد كافة الخيرين ضد
المستعمرين الانغلو ـ أمريكان بل للتحالف مع الشعبين الايراني والسوري المهددين في
كل يوم من قبل نفس العدو الذي حطم العراق وقتل شعبه وبني فيه القواعد العسكرية
العملاقة لاستخدامها في الهجوم علي الجارتين الشقيقتين. فإلي وحدة الجهود ونسيان
الخلافات العميقة وتشكيل محور خير واسع لتطهير المنطقة كلها من شر العدو المصاب
بالانتكاسة القاتلة.
عضو
المجلس الاداري للهيئة
العراقية
للاعلام والثقافة الوطنية القدس
العربي
|