|
|
مستدركات العلامة التراثية د.صباح نوري المرزوك لم ينس الدكتور مصطفى جواد ـ رحمه
الله ـ وهو يكتب سيرته الذاتية بطلب من الدكتور يوسف عز الدين ليضمها كتابه
الموسوم (شعراء العراق في القرن العشرين) والمطبوع سنة 1969 وهي السنة التي انتقل
فيها الدكتور العلامة مصطفى جواد إلى جوار ربه في منتصف شهر كانون الأول. والذي يهمنا من سيرته هنا انه بعد حصوله على شهادة دار المعلمين
الابتدائية عمل معلماً في عدد من المدارس الابتدائية وظل يواصل القراءة والمتابعة
ومنها مرافقته للأب انستاس ماري الكرملي صاحب مجلة (لغة العرب) لتكون اللغة
والتاريخ هما المحورين اللذين يريد ان يسبر غورهما في الكشف عن الأخطاء الشائعة في
الأقوال والصحافة والكتب، إضافة إلى الغوص في أحداث التاريخ وتحليلها بطريقة عرض
جميلة قلما امتلكها غيره. ويقول في سيرته:(ان
وزارة المعارف صارت إلى السيد عبدالمهدي المنتفكي وكان يقرأ كثيراً من مقالاتي
ففتح هذا الرجل الطيب باب البحث العلمي بعد ان كان مقصوراً على ناس بأعيانهم فدخلت
في بعثته سنة 1934 ورسم لي التخصص بالآثار في أميركا فوجدت الطريق طويلاً والمعهد
بعيداً.. فغيرت وجهة بحثي العلمية إلى فرنسا). وكانت فرنسا لا ترى
في شهادة دار المعلمين الابتدائية أو الثانوية العراقية مؤهلاً مباشراً للدخول إلى
الجامعة وكان على الطلبة العراقيين المبعوثين ان يختاروا القاهرة لإكمال دراساتهم
تعلم مبادئ اللغة الفرنسية أو الإنكليزية وممن فعل ذلك محمد مهدي البصير وعلي جواد
الطاهر وصالح احمد العلي وغيرهم.. وهكذا كان مصطفى جواد واحداً من المستمعين في
كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة وطالباً في معهد تعليم اللغة الفرنسية
فيها.. ومنها غادر إلى باريس واراد الدخول في كلية الصوربون التابعة لجامعة باريس
فلم يلق قبولاً فاستعان بمستندات علمية عبارة عن كتب ومقالات كان قد نشرها وترجمها
إلى الفرنسية إضافة إلى شفاعة المستشرق لويس ماسنيون الذي يعرف قدره كفلت قبوله
طالباً في الكلية المذكورة. لقد امتلك مصطفى
جواد ذاكرة قوية وحافظة ذكية ترجع لأسباب الرغبة مع شيء من الخلق الطبيعي ودليل
ذلك انه سئل في برنامج تلفزيوني عن أسماء الخلفاء العباسيين فأجاب على التو ولم
يذكر أسماءهم متسلسة فحسب بل حدد بداية ونهاية تسلمهم الخلافة، فأدهش ذلك جمهور
المشاهدين. ويروي جعفر الخليلي
عن صفاء خلوصي عن وحيد الدين بهاءالدين ، ان الأخير سمع من الدكتور مصطفى جواد
قوله: ان ما يستظهره من الشعر لا يقل عن 25 ألف بيت ويعلق وحيد الدين : انه رغم
استكثاره هذا المقدار من الشعر لكنه لا يغير من العقيدة بان مساحة ذهن الدكتور
كانت تفوق مساحة أي ذهن مما وقف على سيرته من العلماء المتقدمين الذين نقلت أخبارهم
إلينا. لم يكن مصطفى جواد
وهو في باريس طالباً اعتيادياً بل أراد ان يكون جزءاً من حركتها وحياتها وان يعيش أجواءها
العلمية مستفيداً من المستشرقين المهتمين بآداب العرب والشرق ومن المكتبة الوطنية
ومكتبة العلامة القزويني بباريس وهي تختزن آلاف المخطوطات العربية ، وها هو يحفظ
عناوينها وتراجم مؤلفيها ولديه فكرة عن محتوياتها فقد كان وهو في بغداد قد قرأ
واطلع على شيء من ذلك هاهي الفرصة الذهبية أمامه ، فإلى أي مدى استطاع ان ينتهز
هذه الفرصة لذلك قضى كثيراً من وقته في استنساخ المخطوطات على طريقة القدماء فقد
استنسخ ما لا يقل عن أربعين مخطوطاً في حدود خمسة آلاف صفحة من النصوص النادرة
وعدداً كبيراً من الصور الشمسية للمخطوطات النادرة التي انفق عليها كل موارده مما
كان يفيض من مصروفه بعد التقتير الشديد عن نفسه على حد تعبير الخليلي فما هي هذه
المخطوطات التي نقلها وماهي أهميتها؟ وما أفادته؟ وفي أي المواضع؟ وهل التفت غيره
من الطلبة العراقيين إلى ذلك؟ وهم مثله يدرسون في باريس، ولكن ما التفت إليه مصطفى
جواد وهو في بلاد الغربة أضاف له علماً كبيراً بل ان ما جلبه معه إلى بلده من هذا
التراث هو شهادة دكتوراه أخرى إضافة إلى الشهادة الأكاديمية التي حالت الحرب
العالمية الثانية دون مناقشتها. نعم ان مصطفى جواد
كان يملك وعياً كاملاً بقيمة المخطوط العربي وضرورة نشره لأنه يكشف عن الشيء
الكثير المخفي من تراثنا العربي ولذلك فأن هذه المخطوطات قد أفادته إفادة كبيرة في
رفد علم التحقيق بجانب مهم هو (الاستدراك) على المؤلفين القدامى وهو ان يقوم بإضافة
النواقص التي يحصل عليها من قراءته
للمخطوطات التي لم تنشر ومن المتناثر من المطبوع من الكتب في قراءات متأنية
بذاكرة مفتوحة، وخير مثال تطبيقي ما نراه في كتابه المهم (الضائع من معجم الأدباء)
فقد استطاع ان يضيف إلى المعجم الأصلي الذي ألفه ياقوت الحموي المتوفى سنة 627 هـ
/ 1229 م (46) ترجمة لم ترد في المعجم بل وردت في مخطوطات أخرى استطاع بالتتبع
الشخصي والذكي حصر مالم يرد في كتاب معجم الأدباء وابرز هذه المخطوطات ولم تكن
منشورة : تلخيص مجمع الألقاب والوافي بالوفيات والتاريخ المجرد لمدينة السلام وذيل
تاريخ بغداد ومختصر تاريخ الإسلام ومسالك الأبصار وخريدة القصر وغيرها . ان المتصفح لكتاب
(الضائع من معجم الأدباء ) يتأكد متيقناً أن مصطفى جواد قد بذل جهداً كبيراً في رد
الاعتبار لكتاب مهم نشره المستشرق الإنكليزي مرجليوث سنة 1907 وفي ذلك الوقت إيمانا
منه بأهميته ومنزلته في التراث العربي لكنه لم ينتبه الى نواقصه التي استطاع
العلامة مصطفى بما يملك من متابعة وحافظة ان يجمع بين هذه الشتات ليكون هذا المعجم
شاملاً نافعاً للبحث والباحثين. ولم يقف العلامة عند هذا الحد فانه
نشر الشيء القليل من استدراكاته التاريخية والأدبية في المجلات العراقية والعربية
وبقيت هذه الكتب مخطوطة حتى يومنا هذا وكم نتمنى ان ترى النور بدعوة مباركة لوزارة
الثقافة للالتفات إلى قيمة هذه المخطوطات والانتفاع من نشرها لما فيها من فائدة،
وهي: أصول التاريخ والأدب (ويقع في خمسين مجلداً وصفت هذه المجلدات بأنها مهمة)،
ورياض الأدب العربي والمعارف العربية والإسلامية (وتقع في أربعين مجلداً) والمعجم
المستدرك على معجمات اللغة العربية ومستدرك أعيان الأكراد في التاريخ الإسلامي
ومستدرك أعيان الأطباء ومستدرك أعيان الشيعة. ان هذه المجلدات فيها من العلم والمعرفة
ما يغير الكثير مما اعتدنا عليه في دراستنا وفيه ما يضيف الكثير إلى الأخبار
والحوادث والسير والأشعار مما يكشف اللثام عن تراث عربي إسلامي أصيل نحن بأمس
الحاجة إلى معرفته لان ما قام به العلامة مصطفى جواد بنقله هذا التراث الواقع في
مائة مجلد هو ليس بالشيء الهين لا سيما إذا علمنا بأن المكتبة الوطنية بباريس كانت
تمنع المطالعين من نقل شيء من مخطوطاتها إي المروي عن المرحوم انه كان يقرأ ويحفظ
الصفحتين والثلاث ثم يخرج إلى كافتريا المكتبة ليخرج كراسته وقلمه وينقل ما حفظه
من تلك المخطوطة وإذا ما صح ذلك فأنه قام بجرأة في نقل تراثنا إلينا محققاً
المقولة المعروفة (بضاعتنا ردت إلينا). ان العلامة مصطفى
جواد رمز من الرموز العراقية الكبيرة عرفه الجمهور بأنه عالم في التاريخ واللغة
العربية من خلال المذياع والصحافة والكتب لم ينل من الحفاوة ما يستحق والمنزلة
الكبيرة التي كان عليها. |