العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

أعــلام التركمـــان

ميــــربصـــري

الطبعــة الأولى 1997

دار الوراق للنشر لندن

جميع الحقوق محفوظـة

التوزيع بريطانيا اوربا امريكا ( مكتبة الوراق لندن )

 

مقدمة

للأستاذ عزيز قادر الصمانجي

الأستاذ ميربصري غني عن التعريف ، ولد في بغداد في 19 ايلول 1911 ودرس في مدرسة التعاون ومدرسة الاليانس ، واختص بالاقتصاد والآداب العربية والعالمية .

عمل في وزارة الخارجية وكان سكرتيراً للوزارة ووكيل مدير التشريفات . ثم التحق بعد ذلك بغرفة تجارة بغداد وكان مديرها ورئيس تحرير مجلتها . واشغل وظائف اخرى وكان معاون المدير العام لجمعية التمور وعضو المجلس العام للواء بغداد الخ . مثل العراق في معرض باريس الدولي سنة 1937 ومؤتمر التجارة الدولي في نيويورك ( 1944 ) والمؤتمرين الدوليين للمستشرقين في كمبريدج ومونيخ ومؤتمر ادباء العرب المنعقد في بغداد 1969 الخ.

وقد غادر العراق سنة 1974 واقام في لندن. ومن مؤلفاته: مباحث في ( الاقتصاد العراقي )، رجال وظلال ( قصص ) ، أغاني الحب والخلود( ديوان شعر ) ، رحلة العمر ( مذكرات ) ، ومن بين مؤلفاته في مجالات اخرى . كتب تتضمن تعريف رجالات العراق واسهاماتهم الثقافية والادبية . والخدمات الجليلة التي قدموها وهي: اعلام اليقضة الفكرية في العراق ، اعلام السياسة ، اعلام الكرد ، اعلام الادب ، اعلام اليهود في العراق الحديث .وهذا هو كتابه الاخير الموسوم ( باعلام التركمان والادب التركي في العراق الحديث ) . يضعه بين ايدي القارئ العراقي والعربي ، ليعرف فيه اعلام التركمان واثار الادب التركماني في بناء صرح الثقافة العراقية في عراقنا المعاصر ، مشيراً الى انجازات هؤلاء الرجال واسهاماتهم القيمة في المجالات السياسية والعسكرية وفي الادب والشعر ومجالات الثقافة والادارة بشكل عام .

    وتجدر الاشارة الى ان مضامين الكتب المشار اليها للكاتب ، لايكاد يجد القارئ فيها نقصاً ما ، سوى خلوها منذكر اسم علم من أعلام العراق وإسهاماته القيمة في شتى المجالات من الادب والشعر والتحقيقات ، وهو المؤلف نفسه ، الأستاذ مير بصري ، ولئن يعود سبب هذا النقص ، باعتقادنا الى ثقل الحديث عن الذات عند اناس اجلاء من امثاله وتواضعه ، وعليه يقع مثل هذا الاستحقاق على عاتق الغير . لذا من الواجب علينا ونحن ندون ملاحظاتنا المتواضعة هذه ، أن نتولى امر اكمال هذا النقص بتقديم نبذة مختصرة عن سيرته الذاتية ولو باقتضاب شديد عن إسهاماته في مجال التأليف ، فضلاً عن الخدمات الجليلة التي قدمها من خلال الوظائف الحكومية التي تسنمها قبل أن ينتقل الى المنفى ويكمل ما بدأ به في أرض الوطن وذلك بمواصلة مجهوداته ، وان كتابه الاخير هذا هو من ضمن تلك المجهودات يظهر الى حيز الوجود في المملكة المتحدة . وهذا ما فعلناه في الاسطر الاولى من هذه الملاحظات حول الكاتب .

    لقد اسدى الخدمة لابناء القومية التركمانية ، كما سبق له ان خدم ابناء العراق من العرب والكرد وغيرهم .. وذلك من خلال تعريفه لرجالاتهم البارزين واسهامات هؤلاء الافاضل في شتى ميادين الادبية والثقافية ، والخدمات الجليلة التي قدموها لبناء العراق الحديث .

    فلا بد لي نيابةً عن ابناء قومي ( التركمان ) ان اعرب بشعور عميق عن خالص شكري وتقديري ، واثمن هذا المجهود الرائع للكاتب الاستاذ مير بصري الذي يعتبر بحق خدمة نادرة يقدمها لابناء القومية الثالثة من قوميات الشعب العراقي ، لكي يتعرفوا على اسهامات رجالاتهم في بناء صرح الحضارة العراقية الحديثة .

    وتجدر الاشارة ، وللأسف الشديد ، الى انه رغم المساهمات والعطاءآت القيّمة لرجالات التركمان في احرج مرحلة كان العراق يمر بها مرحلة تأسيس الدولة العراقية التي كانت بأمس الحاجة إلى الكوادر المتعلمة والمثقفة من المدنيين والعسكريين وغيرهم من الأدباء والشعراء والفنانين لبناء العراق الحديث وصرح حضارته . إلا انه بعد فترة وجيزة تنكرت الحكومات العراقية المتعاقبة لهم ولإسهاماتهم وحرمتهم من ابسط حقوقهم الثقافية ، بل مسحت هويتهم القومية وجذورهم التاريخية في العراق في العهد الأخير ، باتباع سياسة الدمج القسرية وتغيير الواقع السكاني وإجبار أبنائهم على مغادرة مسقط رأسهم إلى مناطق اخرى من العراق وخارجه .

    إن كتاب " أعلام التركمان والأدب التركي في العراق الحديث " يمكن تقسيمه بشكل عام إلى قسمين :

    يتناول الكاتب في القسم الأول منه ، بعد تقديم مقدمة أو نبذة مختصرة عن تاريخ التركمان وعلاقتهم بالعراق ، أعلام التركمان المخضرمين من السياسيين والعسكريين الذين نقلوا الخبرة والتجربة التي حصلوا عليها من خلال الممارسة العملية
في الوظائف المختلفة ، المدنية والعسكرية في الدولة العثمانية
الى العراق فضلاً عن حصيلة العلوم والمعرفة التي تلقوها في المدارس والمعاهد وجامعات الدولة العثمانية
وكذلك الادباء والعلماء وشعراء التركمان الذين نبغوا في تلك الميادين وساهموا بنتاجاتهم الفكرية والادبية والشعرية في بناء صرح الحضارة العراقية الحديثة .

    وفي القسم الثاني من الكتاب تناول الكاتب الحديث عن الادب التركي في العراق الذي يمكن اعتباره فرعاً صغيراً من شجرة الادب التركي الضخمة ، التي تمتد فروعها من منغوليا شرقاً حتى البحر المتوسط غرباً . و حيث ان بغداد اصبحت مركزاً هاماً للادب والشعر التركي في اواخر العهد العثماني وكان لها مكانتها المرموقة في العالم العربي .

    فقد برز خلال الحقبة التاريخية العديد من الادباء والشعراء المولعين بالادب التركي من العرب وغيرها ، وهم لاينتمون بالضرورة الى القومية التركمانية فوضعوا دواوين شعرية باللغة التركية الى جانب اللغة العربية . وقد اورد المؤلف في هذا القسم ذكر العديد من الشخصيات العراقية التي شغفت بالادب التركي والتاريخ العثماني .

    ولم يغفل الكاتب ذكر نوادر من شعراء الأتراك والعراقيين وأدبائهم أمثال الزهاوي والرصافي وغيرهما ، وكذلك نوادر تاريخية من القصص التاريخية في عهد الولاة العثمانيين ، ومجريات الأمور في الحياة اليومية في بغداد ، وفي ميادين
الأدب والشعر والادارة تتخللها إشارات إلى انجازات بعض المصلحين من الولاة والعراقيين الذين تولوا مسؤولية إدارة البلاد في الحقبة الزمنية المتأخرة من الحكم العثماني .

    فعلى هذا الاساس فإن كتاب " أعلام التركمان والأدب التركي الحديث " في الوقت الذي ياتي مكملاً لما احتوته الكتب السابقة للكاتب ، لتعريف أعلام العراق من العرب والكرد وغيرهم ، يترك المجال للآخرين ان يضيفوا إلى مجهوده القيم وأن يحققوا في اسهامات الرجال من التركمان من الجيل الحالي من الأدباء والشعراء والسياسيين والعسكريين وغيرهم .

    وهكذا فقد أكرم أستاذنا الفاضل أبناء الشعب العراقي بإبقاء من غادر منهم الحياة احياء في ذاكرة التاريخ وأثرهم في متناول يد القرأء والباحثين من العرب والكرد عموماً والتركمان على وجه الخصوص .

    ونحن اذ نختتم هذه الكلمات بالاعراب عن جزيل الشكر والامتنان للأستاذ الكاتب مير بصري متمنيين له الصحة ومديد العمر .

عزيز قادر الصمانجي

 

 

كلمة بين يدي الكتاب

   

    هذه صفحات وتراجم كتبتها في اوقات مختلفة ورايت جمعها في كتاب بعنوان " أعلام التركمان والأدب التركي في العراق الحديث " . يقدم الكتاب معلومات شتى عن التركمان ، هذا الجزء المهم من الشعب العراقي الكثير الجماعات والفئات، وقد لعب ابناؤه ادواراً خطيرة في تاريخ العراق قبل الفتح التركي وبعده ، ثم بعد استقلال البلاد ونشؤء حياتها البرلمانية، ولايزال للتركمان مكانتهم في حياة القطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .

    يتعلق القسم الثاني من الكتاب بالرجل الجليل الفذ محمود صبحي الدفتري وأسرته التي ارتبطت خلال قرن واحد او نحو ذلك ببغداد وشؤونها البلدية. ولعل القارئ يجد شيئاً من التنافر بين الصفحات الاخيرة التي نُقِلت عن محمود صبحي بك وهي تلقي اضواء على العراق ومقامه في الدولة العثمانية التي حكمته زهاء اربعمائة سنة وعلى الادب التركي الذي ازدهر في ربوعه،وسائر شؤون السلاطين واخبار الولاة.لقد رأيت ان هذه الصفحات جديرة بالتسجيل لانه ماورد فيها قد ضاع في غيابة النسيان بعد ان استردت بلاد الرافدين طابعها العربي الأصيل ، بما في ذلك من حكم وادب واخلاق و عادات.

    وختاماً لابد لي أن اسدي جزيل الشكر الى الصديقين الكريمين الاستاذ نجدت فتحي صفوت والاستاذ العقيد المتقاعد عزيز قادر على تفضلهما بقراءة مسودات الكتاب وابداء الملاحظات القيمة بشانه .

 

 

                                                                         لندن ايلول 1996

                                          مير بصري

 

 

 

 

توطئة التركمان وعلاقتهم بالعراق

   

     التركمان من الاقوام القديمة التي سكنت شمال شرقي العراق وكان لها شأن مذكور في تاريخه . قال مؤرخ العراق عباس العزاوي في " تاريخ العراق بين احتلالين " ( الجزء الثالث ) ان القبائل التركمانية او التراكمة كانت مواطنها بين بلخ وبحر الخزر ونهر امودريا والروس وايران .

    وقد اشتهر منهم السلاجقة الذين تسلطوا على الدولة العباسية سنة 1055 م وانقذوا الخليفة القائم بامر الله من حكم الدولة البويهية . وقد دخل السلطان طغرل بك بغداد ، وهو من قبيلة الغز التركمانية وتوفي في ايلول 1063 وخلفه الب ارسلان ابن اخيه شاكر بك ، وتعاقب سلاطين الدولة السلجوقية على الحكم الى عهد الخليفة المقتفي لامر الله الذي ارتقى سدة الخلافة سنة 1136 وتمكن من خضد شوكتهم .

    واستولى بيرام خواجة رئيس عشائر قره قوينلي على الموصل وسنجار سنة 1376 ميلادية ، وعرف باسم السلطان بيرام بك وحكمت الدولة البارانية ( قراقوينلو ) العراق من سنة 1411 حين استولت على بغداد التي دخلها شاه محمد بن قرايوسف وحكمها بالنيابة عن والده . واستمر حكم هذه الاسرة الى سنة 1470 حين فتح السلطان حسن الطويل بغداد على يد ابنه مقصود بك فأسس فيها الدولة البايندرية ( اق قوينلو ) ، وكان السلطان حسن حاكماً في انحاء ديار بكر . ودام حكم هذه الاسرة الى سنة 1508 حين قضى عليها الشاه اسماعيل الصفوي فاتح بغداد .

 ذكر لنا الدكتور مصطفى جواد في كتابه " سيدات البلاط العباسي " اخباراً طريفة عن السلطان طغرل بك السلجوقي واتصاله بالاسرة العباسية . فقد رغب في التوثيق الصلة باسرة الخلافة بعد ان استولى على العراق وازاح الدولة البويهية المتداعية ، فقام بتزويج ارسلان خاتون ابنة اخيه داود جغري بك للخليفة القائم بامر الله في سنة1056 ميلادية . ثم خطب طغرل بك ابنة الخليفة لنفسه ، فثقل الطلب على الخليفة وانزعج منه لعدم الكفاءة . وتعرض القائم للتحقير من جانب رسل السلطان ، وتعرضت دار الخلافة للهجوم والقبض على اللاجئين اليها ، وادخل رئيس العراقين يده في اقطاعات الخليفة . ولم يكن من هذا ازاء ذلك إلا ان يستجيب الى الزواج مكرهاً خوفا من اتساع الخرق ،وتم العقد بظاهر تبريز في الاسم دون الحقيقة،فنثر السلطان الذهب واللؤلؤ،وتكلم باللغة التركية بما معناه الشكر والدعاء.وقال انه المملوك القيم الذي قد سلم نفسه ورقه وما حوته يداه الى الخليفة . وارسل الهدايا الثمينة من غلمان وخيل وجواهر ودنانير ، وتوجه الى بغداد وكان قد كبر وأسن وقارب الموت ، وكان زواجه الاسمي بتلك الشابة إيذاناً بوداعه للدنيا .

    وزفت ابنة الخليفة الى طغرل بك في شهر شباط 1063 في دار المملكة بظاهر بغداد، فجلست على سرير ملبس من ذهب ودخل طغرل بك حجرتها فقبل الارض بين يديها ودعا لابيها ، ثم خرج دون ان يجلس . اما السيدة فلم تقم له ولا كشفت البرقع عن وجهها ولا رأت وجهه لحسن حظها ، وظل السلطان وحاشيته في صحن الدار يرقصون ويغنون باللغة التركية فرحاً وسروراً وظل اياماً يدخل الى غرفتها ويقبل الارض وينفذ اليها بالهدايا الذهب والؤلؤ والجواهر ، واستمرت الولائم في دار المملكة اسبوعاً كاملاً. ثم استأذن السلطان بالسفر الى بلاد ايران واستصحب السيدة العباسية معه بعد ان امتنعت وأبت. فوصل الى الري مريضاً مأيوساً من سلامته ولم يلبث ان قضى نحبه ، وتولى السلطنة ابن اخيه الب ارسلان محمد بن داود واذن لبنت الخليفة بالرجوع فعادت الى بغداد واقامت في دار الخلافة ، وخفيت اخبارها بعد ذلك حتى توفيت سنة 1103 .

ويذكر التاريخ ان خواتين سلجوقيات اخريات تزوجن
من خلفاء بني العباس ، وهن ، كما ذكر مصطفى جواد ، بنت جلال الدولة ملكشاه بن ألب أرسلان التي زوجت للخليفة المقتدي بأمر الله سنة 1082 . وزوجت بنت ملكشاه الثانية للمستظهر بالله ( 1109 ) ، وزوجت فاطمة خاتون بنت السلطان محمد بن ملكشاه للمقتفي لأمر الله " محيي شرف الدولة العباسية ومعيد استقلالها ومجدد جلالها ورافع لوائها " 1137 .

    وزوجت زبيدة بنت الخليفة المقتفي للسلطان مسعود سنة 1140 ، وكانت صغيرة السن ، واشترط أن يكون الزواج شكلياً لايقصد منه سوى التشرف  واكتساب الأجر . واخيراً زوجت سلجوقة خاتون بنت الملك قليج ارسلان ملك قونية وما جاورها الى الخليفة الناصر لدين الله سنة 1186 .

 

الأدب التركي القديم في العراق

 

كانت بغداد في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مركزاً مهماً للأدب التركي ، وفي مقدمة اولئك الادباء فضل الله الحروفي التبريزي مبتدع النحلة الحروفية الذي قتل سنة 1401 ميلادية . وخلفه تلميذه نسيمي البغدادي الشاعر من الحروفيين الغلاة ايضا، وقتل سنة 1418 وقيل 1433.وله ديوان شعر تركي وفارسي،اما شعره العربي فليس بشيء . واسمه السيد عمادالدين.

    وكان اشهر الشعراء محمد بن سليمان البغدادي البياتي المعروف بـ" فضولي " ، ويـلقب عنــد العثمـانيين بـ" رئيس الشعراء " ، وتوفي بالطاعون سنة 1555 .وله نظم باللغتين الفارسية والعربية ايضاً .

    ومن الشعراء فضلي بن فضولي المتوفي بعد سنة 1555 . وشمسي ( توفي : سنة 1567 ) وولده رضائي ( توفي : سنة 1555) وعهدي ( توفي : سنة 1593 ) و حسيني ( توفي : 1577 ) وعثمان المعروف باسم روحي ( توفي بالشام سنة 1605 ) ، وقد ألف عهدي كتابه " كلشن شعراء " . واشتهر نظمي البغدادي المتوفي سنة 1663 ، وهو والد المؤرخ مرتضى مؤلف " كلشن خلفا " وسبط عهدي . وقد مدح نظمي السلطان مراد الرابع حين فتح بغداد وولي وظيفة في كتابة ديوان الولاية .

    وتوفي عند سبعين عاماً فرثاه الشعراء ابن مرتضى وسيفا وغوثي .

    كان اكثر هؤلاء الشعراء من رجال التصوف مبتلين بالعشق الإلهي يسيرون على سنة جلال الدين الرومي ويونس عمرو ( إمره ) الدرويش .

    ومن الأدباء الذين ورد ذكرهم في كتاب " تذكرة الشعراء او شعراء بغداد وكتابها في عهد الوالي داود باشا " من تأليــف عـبد القادر الخطيبي الشهراباني ( نشره الاب  انستاس مـاري الكرملي سنة 1936 :

              1.   آصف زاده محمد صالح افندي المعلم الكركوكي ، وكان فقيهاً وإمام احد المساجد، وكان له ديوان شعر، ولكنه مزقه وانصرف عن النظم وتفرّغ للزهد والعبادة . وتوفي سنة 1821 عن نحو سبعين سنة .

              2.    بدري مصطفى افندي ابن علي افندي الكركوكي كان شاعراً ، وله اطلاع في العلوم العربية وولع بالفارسية . توفي : سنة 1821 عن نحو 80 عاماً .

              3.    حاوي رسول افندي ابن الملا يعقوب الماهوني ، كان شاعراً ومنشئاً ، وضع كتاب دوحة الوزراء ( بالتركية ) . وقد هاجر من كركوك الى بغداد سنة 1805 ووظف كتاباً في المصر فخانة . توفي سنة 1826 . وكان اخوه الاصغر ثاقب خضر افندي موظفاً في ديوان ولاية بغداد في عهد الوالي داود باشا يكتب اكثر تحريرات الولاية ، وتوفي سنة 1818 ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره .

              4.    ابو بكر افندي ابن اسماعيل ، كان مفتي كركوك وقدم الى بغداد في عهد الوالي داود باشا واصبح نائب القاضي فيها . وتوفي في الطاعون سنة 1831 .

 

 

 

القبائل التركية والتركمانية

ذكر مؤرخ العراق عباس العزاوي في الجزء الثالث من "تاريخ العراق بين احتلالين " ان الترك وجدوا في العراق قبل امد طويل من المغول ، ودامت علاقاتهم خلال القرون، لكنهم كانوا قلة حتى في ايام تسلطهم . وتكاثر عددهم شيئاً ما في عهد المغول. ومال الى العراق اقوام وقبائل عديدة، لكنهم ذابوا في المدن على مر الزمن او سكنوا قرى خاصة بهم أو مختلطة مع غيرهم .

وذكر العزاوي القبائل التركمانية فقال ان من اقدمها " البيات " ، وهم يقطنون لواء كركوك ووجدوا في انحاء واسط ثم مال قسم كبير منهم الى المدن واختلطت بهم عشائر عربية. ومن اشهر فروعهم : البسطملية ( افخاذهم المحمودية وعزالدينية والليبالي ) ، بير احمد ( افخاذهم البو علي الناصر والبو خالد ، وهم مختلطون تُركاً وعرباً ) ، كله وند ( وفيهم كرد ) ، رويزات
( وفيهم عرب ) ، اسماعيل بكلية ( رئيسهم فارس بك بن الحاج محمد بك وهو رئيس عموم البيات ) ، قره ناز  ، براوجلية ، حسن درلية ، الآمرليه ، مرادلية ، دلالوه ، البو ولي ، قوشجية ،
( رئيسهم حميد اغا ، ومنهم آل كّنة في بغداد ) ، ينكيجه ( وفيهم كرد ) .

    وورد ذكر هؤلاء البيات في " ديوان لغات الترك " وفي " اللهجة العثمانية " لاحمد وفيق باشا ، وهم منتشرون في العراق وخارجه . وجاء ذكرهم ايضاً في " تاج العروس "وفي أوليا جلبي . ومنهم فضولي الشاعر البغدادي الشهير .

    ومن القبائل التركمانية الاخرى التي ذكرها العزاوي قراولوس، من قبائل المغول ، وقد عاشوا قرب مندلي الخلجية ، صارلية (واشهر قراهم دربند سارلو ، زنكل ، قوله بند ، تل الحميد ، كبرلو، زاره خاتون الخ ) .

    وذكر احمد حامد الصراف في كتابه " الشبك " ان هؤلاء جماعات من الاتراك الغلاة تقطن اكثر من عشرين قرية في الجانب الشرقي من الموصل ، ويتراوح عددهم بين 10 آلاف و15 آلف نسمة ونقل الصراف عن الدكتور داود الجلبي ان الشبك كانوا الى ما قبل ثلاثين او اربعين سنة بكتاشية يراجعون جلبي قونية ويتلقون منه الارشاد . وكان احدهم اذا ذهب الى زيارة كربلاء يراجع وكيلاً لجلبي قونيه هناك . ومن أشهر قراهم :

دراويش ، قره تبه ، باجربوعة ، بازوايه ، طوﭖراق زياره ، خزنه تبه، مناره شبك ، تبراوه ، علي رش ، طو بزاوه ، كور غريبان، كبرلي ، تيز خراب ، يكيجه ، بدنه ، باسخره ، شيخ امير ، بعويزه الخ . ويسكن الشبك في قرى اخرى مع قوم يسمون " باجوان " ، وهم من أهل السنة .

    لم يقطع الصراف في أصل الشبك فقال إن المظنون أنهم من عنصر كردي او تركي. لكن الذي لا نزاع فيه هو ان الاتراك احتلوا شمالي العراق وسكنوا قرى الموصل في عهد السلطان طغرل بك السلجوقي الذي جاء إلى العراق مع عدد عظيم من الأتراك لإغاثة الخليفة القائم بأمر الله العباسي والقضاء على سلطان الدولة البويهية وعلى القائد الثائر البساسيري ، وذلك سنة 1055 م .

    وقال الصراف إن " الشبك " مختلطون مع عشائر الباجوان والأكراد والتركمان والعرب ، ولسانهم خليط من الكردية والعربية والفارسية والتركية ، وهذه الأخيرة غالبة على لسانهم . ويتناول الصراف في كتابه بالتفصيل قرى الشبك وعباداتهم ومواسمهم ومراسمهم وشيوخهم من رجال الدين وطريقتهم الصوفية وأحوالهم المعاشية والاجتماعية وآدابهم . ويشير إلى كتاب المناقب " البويوروق " من كتب الشبك المقدسة، وهو كتاب باللغة التركية يحتوي على حوار في آداب الطريقة بين الشيخ صدرالدين وبين قطب العارفين الشيخ صفي الدين إسحاق الاردبيلي الزاهد مؤسس الطريقة الصفوية والمتوفى سنة 1329 م ، وله قبر يزار في اردبيل من بلاد كورة أذربيجان .

 

 

أدب التركمان

 

قال إبراهيم الداقوقي في كتابه " فنون الأدب الشعبي التركماني " (المطبوع في بغداد سنة 1962م ) إن الأدب التركماني في العراق يمكن اعتباره فرعاً صغيراً من شجرة الأدب التركي الضخمة التي تمتد فروعها من منغوليا شرقاً حتى البحر المتوسط غرباً .

وقال إن عمادالدين نسيمي المتوفي سنة 1404م يعد مؤسس الادب التركماني في العراق ، فهو أول من استعمل اللهجة التركمانية التي هي خليط من لهجة الأناضول الشرقية واللهجة الآذرية في نظم الشعر . ونسبة هذا الشاعر إلى قرية نسيم من ضواحي بغداد القديمة . وكان شاعراً رقيقاً ومن غلاة المتصوفة من طبقة الحروفيين حتى اتهمه علماء حلب بالزندقة واصدروا فتوى بقتله ، فنفذ فيه الحكم وسلخ جلده في تلك المدينة .

ازدهر الأدب التركماني في العراق ، على ما قال
 الداقوقي ،  في القرن السادس عشر الميـلادي ،  فظهر فضولي

( 1498 1558 ) مجدد الشعر التركي ومبدعه ، ذلك الشاعر الذي عدّه عبد الحق حامد الشاعر الأعظم .

ومن شعراء التركمان الذين نبغوا في القرن التاسع عشر غريبي الاربللي ، وعبدالله صافي ( 1828 1898 ) الذي الف معجماً للغة التركمانية ووضع عدا ذلك مصنفات منها : امثلة تركمانية ،افترانامه ، قسطاس مستقيم ، ديوان شعر الخ . وأصدر الشاعر التركماني سيد محمد جواد ( 1892 1959 ) مجلة كوكب معارف في كركوك ، ولم تدم طويلاً . ونشر نادي الاخاء التركماني في بغداد مجلة الإخاء ( قارداشلق ) باللغتين العربية والتركمانية ( 1962 ) .

ومن الشعراء الآخرين الذين يذكرهم الداقوقي آرزي قنبر الذي عاش في العراق في عهد الدويلات التركمانية خلال القرن السابع عشر ، وقد نظم ملحمة تصف حياة الفلاحين في القرى(1) . ومنهم محمد نوروزي الذي توفي في كركوك في أواخر القرن الثامن عشر ، وهو صاحب منظومة يوسف وزليخا ، ودادال أوغلو المتوفى سنة 1865 . ومن رواة الشعر كور عابش المتوفي
 في كركوك سنة 1911 ،  وقنبـر علي المتوفي : سنة  1906

 


(1 ) أخبرني العقيد عزيز قادر ان ارزى قنبر لم يكن شاعراً ، بل هو اسم ملحمة منظومة على لسان ارزي قنبر شبية بقصائد قيس وليلى .

في بعض قرى داقوق ، وخليل أحمد المتوفي سنة 1917 في بشير.

وزخر الأدب الشعبي التركماني القديم بالقصص التاريخية والغرامية والخرافية والدينية والتعليمية . واكثرها مجهول المؤلف ، وقد تناقلها ابناء الشعب عصراً بعد عصر كما تناقلوا الأغاني و "القوريات" والامثال والاساطير والنوادر .

وأشادت دائرة المعارف الادبية الصادرة في نيويورك سنة 1946 بذكر فضولي المتوفى في نحو سنة 1562 ، واسمه محمد بن سليمان البغدادي ، وقد نظم الشعر بالتركية ( باللهجة الاذربيجانية المستعملة على الغالب في بلاد ايران وبالعربية والفارسية . وقالت انه شاعر رقيق اصيل سمي " شاعر القلب " ، وله ديوان شعر وقصة ليلى ومجنون .

 

 

أحمد هاشم

 

لا بد للباحث في الشعر التركي في العراق من ذكر أديب عصري كبير اشتهر صيته وإن يكن ينتسب الى اسرة عربية معروفة هي الاسرة الآلوسية .

 

    هذا الشاعر هو أحمد هاشم .

 

عراقي الأرومة ، آلوسي المحتد ، عاش في تركية منذ نعومة اظفاره ونظم الشعر بلغتها حتى عد من شعرائها الافذاذ . وقد سماه وحيد الدين بهاء الدين صاحب " اعلام من الادب التركي": شاعر الطبيعة والرمزية وعده من الادباء الذين يحتلون مكانة مرموقة في عصر النهضة الى جانب محمد عاكف ورضا توفيق ويحيى كمال .

ولد احمد هاشم بك في بغداد سنة 1884 ، وكان ابوه محمد عارف حكمت الآلوسي ( 1855 1916 ) حفيد المفسر ابي الثناء محمود شهاب الدين ، من رجال الادارة تولى قائممقامية راوندوز ومتصرفية لواء فزان في طرابلس الغرب ، ثم اعتزل

الاعمال وعاش في الأستانة وتوفي بها .

توفيت والدة شاعرنا ولم يتجاوز الثامنة من عمره فنشأ حساساً مرهف العاطفة . تنقل مع والده في البلدان العثمانية حتى جاء به الى العاصمة التركية سنة 1896 ودرس فيها . وتخرج في مدرسة غلطة سراي سنة 1906 ، فالتحق بدائرة انحصار الدخان موظفاً . وانتمى الى مدرسة الحقوق لكنه لم يكمل دروسها. وتولى التدريس في ازمير على اثر إعلان الدستور فانتهز الفرصة لتعلم اللغة الفرنسية . وعاد الى استانبول بعد سنتين وعين مترجماً بوزارة المالية .

ونشبت الحرب العظمى سنة 1914 فجند ضابطاً احتياطياً وشهد معارك جناق قلعة والأناضول . واعلنت الهدنة فعمل احمد هاشم مفتشاً بدائرة الديون العمومية ، فموظفاً في البنك العثماني ، فمدرساً بمعهد الفنون الجميلة والكلية الملكية والكلية العسكرية . وزار باريس سنة 1924 واتصل بمحافلها الادبية . وكان عضواً بمجلس ادارة سكك حديد الأناضول .وتوفي في استانبول في 4حزيران1933 .

مال احمد هاشم الى الشعر وهو لايزال في مقعد الدراسة . غلب عليه شعور الوحدة فكان قلق النفس متغير المزاج
كثير التشاؤم ، تأثر في بادئ الامر بعبد الحق حامد وجناب
شهاب الدين وتوفيق فكرت ، ثم تبحر في الادب الفرنسي وتاثر خطى بودلير وفرلين وهنري دي رنييه ورامبو ومالارميه . ومال الى المذهب الرمزي فقال : " لاينبغي للشعر ان يكون مفهوماً كالنثر بل مشعوراً به
ان الشعر ككلام الانبياء يجب ان يحتمل تفاسير مختلفة " . وقد قال الناقد التركي فاخر عز : " ان مواضيع شعر احمد هاشم تدور حول الفجر والشفق والمساء والليل والظلام والقمر والبحيرة والغدير والصحراء والورد والغراب والبلبل والاسى والحب الخائب والبلاد البعيدة المجهولة والموت وقد ظلّ الى اخر حياته متمسكاً باللغة التركية القديمة والعروض . ولم يتاثر شعره بالحروب والثورات التي عاشها في حياته . وتاثر في اخريات ايامه بحركة تحرير اللغة التركية فترك المزيج العربي الفارسي القديم . ولو طال به الزمان لحلق في الميدان " .

وقال وحيد الدين بهاء الدين الذي ترجم طرفاً من شعره
الى العربية انه تأثر بالادب الفرنسي واستهواه جمال الطبيعة
وملك لبه الحنين الى الوطن البعيد . ومع انه كان من رواد الشعر الحر والمذهب الرمزي فقد كان حريصاً على حسن التعبير
وسلامة اللغة ومراعاة الذوق الادبي ، خلافاً لدعاة الرمزية الذين يتهاون اكثرهم في امر اللغة وسلاسة التعبير . وامتاز شعره بسعة الخيال ومعالجة القضايا الاجتماعية والالتزام بمبادئ الفكر والحرية والحق .

وذكر كامل الجادرجي في اوراقه انه تعرف على احمد هاشم في استانبول سنة 1921 فساله هل ينوي العودة الى العراق؟ . فأجاب : " هذا مستحيل . فإني كشجرة نبتت في البلاد الحارة ، منبع النور ، فاقتلعها والدي وهي صغيرة واتى بها الى هذه البلاد . وقد نمت هذه الشجرة في غير المحيط الملائم لها فلم تألفه قطّ ، ولكن لا يمكن قلعها الآن بعد ان كبرت وتخشبت هنا لتغرس من جديد في محيط ابتعدت عنه كثيراً " .

ان هذا الشاعر الذي لم يكد يرى بغداد حتى زايلها صغيراً ليطوف في البلدان وليقيم على ضفاف البوسفور الفاتنة في
مباهج طبيعتها ومحاسن سمائها ومائها ، قد حن ابداً ، في
شعوره الباطن ، الى الوطن المجهول الذي جاء به الى الحياة وغذى طفولته الباكرة ، فترجم ذلك الحنين شعراً يفيض باللوعة والحنان ويزخر بالقيم الروحية ويومئ بالرموز الى سماء بعيدة مرصعة بالنجوم .

نشر احمد هاشم بواكير شعره في المجلات والصحف كالمجموعة الادبية والكتاب المصور وثروة الفنون والمساء والإقدام . والف تصانيف نثرية وشعرية ، منها : ﮔول ساعتلري
( ساعات البحيرة ، شعر 1921 ) . بيالة ( 1926 ) ، غراب خانة لقلقان ( مقالات 1928 ) بزه كوره ( 1928 ) فرانكفورت سياحتنامه سي ( 1933 ) سورلري ( 1933 ) .

    من الذين ذكروا احمد هاشم ونقلوا بعض شعره الى العربية الاديب اللبناني غنطوس الرامي ( مجلة الاديب البيروتية ، كانون الاول 1942 ) ، فقال ان احمد هاشم طلع على الادب التركي الحديث بالرمزية ضارباً على وتر هنري دي رنييه ، فكان تاثيره بليغاً . وقد نشأت معه وبعده حركة رمزية حلوة شاملة ، على ان هاشماً ظل بعيداً عن أن يجارى ، وبقي برفيع ثقافته وفريد اسلوبه ودقة إحساسه مستاثراً باروع صفحات الادب التركي الجديد . كانت باكورة ادبه مصبوغة بالصبغة الكلاسيكية ، ولكن سرعان ما حوّل وجهه إلى اصفى ينابيع الرمزية وأعذبها

    يقول احمد هاشم في مقطوعته " الساعة الاخيرة " ( ترجمة غنطوس الرامي ) :

 

عند حلول الليل تشع المدن في الأفق ،

تعصب الكآبة جبين الفرح دونما سبب .

تخفت الاصوات ، ويضطجع الحلم في القلب ،

وتعصف ريح الغضب هناك في الاعالي .

يسعى الطير الى الدجنة ،

ويسري الليل بتؤدة فيضطرب وجه المياه المكفهر .

الاشجار تبدو في غفوة ، وموسيقى القلب

تنقلب بميوعة من اعماق القلب ، كاشفة

عن اسى واكتئاب ،

ووجه الحياة يصفو صفاء السماء .

وينفذ سرب الذكريات الى النفس المحتجبة

خلف ألف ستار.

والشباب الذاهب يبكي الغد الفاجع .

ويمتد جناح ساحر فوق الاشياء

بينا يهبط ، مع كآبة الشط ،

ليل وداع في موكب نجوم " .

    ان هذه المقطوعة لتثير في النفس حزناً ساجياً جميلاً . انها تذكرنا بجانب من شعر بودلير الفرنسي ، تذكرنا بقصيدته " تأمل " التي يقول فيها :

مــهلاً ، رفيق حياتي ، ايها الألم

                         مهـلاً ولا ياخـذنك الغـيـظ والسأم
هذا الـمساء الذي استعجلت مقدمه

                      قد جــاء تغشـى الورى في إثره الظلــم

انظر الى مــوكب الاعوام مشرفة

                       من الـسماء كساها ثــوبه العدم
انظر الى راكد الامواه قد لــمعت

                       يـطل منها ، شبيه المارد ، العدم
وانظر الى الشمس في افاقها هجعت

                      كمثل مـحتضر قـد شفـه السقم
واسمع خطى الليل يمشي هادئاً وقراً

                       يـجر ذيـلاً مـن الاشـباح تلتثم
    ويقول احمد هاشم في مقطوعة اخرى عنوانها " السلم " :

" ستصعدين هذا السلم ،

تجررين وراءك نثار اوراق بلون الشمس ،

وتنظرين الى السماء من خلال دموعك .

لقد اصفرت المياه ، واصفر وجهك ايضاً .

انظري الى الفلك المحمر : هو ذا المساء يعود .

الورود الحانية على الارض تقطر دماً

هي لغة ساحرة تفعم القلب ، لغة الاشياء .

انظري الى الفلك  المحمر : هو المساء يعود " .

وفي قصيدة اخرى عنوانها " هذه المدينة " يحلم الشاعر بمدينة ممدودة في مطارح الحلم البكر . يغشاها المساء الازرق .

ويسكب البحر عند قدميها هداة النوم . فيها النساء جميلات نقيات يعشقن الليل ويكسر الالم اهداب عيونهن ويتساءل الشاعر : هذه المدينة ، في اية بقعة تنطرح ، واي نهر يطوقها ؟ اهي حقيقة ام خيال ام هي ملجأ الحلم الشارد .انه لا يدري حقاً ، ولكنه يعلم انه ، والبحر الازرق وهذا المساء والحبيبة الخيالية التي يخاطبها ، مبعدون جميعاً عن تلك المدينة ذات الاخيلة الزرق ومحكوم عليهم بالنفي الابدي الى هذا المكان .

    من شعر احمد هاشم ( مترجم عن الانكليزية ) :

ذكرى

حديقة فارسية  ، سجادة صلاة ،

وبركة طافحة بالشراب اللاهب .

با لها من ساعة شجية ، ساعة المساء ،

وما ابعد عينيها عن مراى عيني ! . والسماء خضراء ، والارض ذهبية ،

والغصن لونه كالمرجان ،

والطيور ساهمة في بحر الذكريات .

وفي هذا العالم الذابل العامر بالاشباح لا متعة سوى بهجة الذكريات.

 

 

شعراء وأدباء

 

عبدالله صافي

شاعر واديب  كركوكي الاصل ، وكان ابوه الملا درويش محمد من رجال الدين . لعبدالله صافي ديوان شعر توجدنسخته المخطوطة الاصلية لدى عباس العزاوي كما ذكر في الجزء الثامن من " تاريخ العراق بين احتلالين " . وله مؤلفات اخرى :

امثلة تركية ، افترانامه ( كتبها بعد ان وجهت اليه تهمة في استانبول ونشرها في ديوانه ) . ترجمة اخبار الدول واثار الاول (في ثلاثة مجلدات) من تاليف المؤرخ الدمشقي احمد بن يوسف القرماني المتوفي سنة 1610 م ، قسطاس مستقيم . توفي سنة 1898 .

 

هجري دَدَه

شاعر التركمان محمود هجري ابن الملا علي بن نظيري دده ابن قيصر ، عرف باسم هجري ده ده ، ويمت بصلة قرابة الى رسول حاوي الماهوني الكركوكي صاحب كتاب دوحة الوزراء المتوفي سنة 1827 .

    ولد هجري دده في كركوك سنة 1881 ، وتوفي ابوه ولم يبلغ الرابعة من عمره . ونشأ في اسرته التي لها زعامة روحية بين الكاكائية الغلاة وتحتفظ بالتاج والخرقة الحرير والحزام وغيرها من الاثار التي يرجع عمرها الى زمن السلطان سليمان القانوني ، على ما ذكره عباس العزاوي في كتابه " الكاكائية في التاريخ "
(1949) .

    قرض هجري دده الشعر باللغتين التركية والفارسية ، نشر رباعيته التي بارى بها الخيام في جريدة " كركوك " الرسمية .

    ومن مؤلفاته : ارشادات كائنات ( 1923 ) يادكار هجري (بالتركية والفارسية طبع سنة 1911 ) تاريخ كركوك ، رباعيات ، ترجيع بند ، جانلي اثر ، ترجمة كلستان سعدي الى التركية ، تحفة سليماني ( بالفارسية 1935 ) الخ .

    عين هجري دده مدرساً في المدرسة في كركوك قبيل الحرب العظمى الاولى ، لكن المدرسة اغلقت عند نشوب الحرب ، وكان بعد ذلك ملتزماً لكيل الحبوب فمعلماً بمدرسة القلعة . وعهد اليه سنة 1927 بادارة جريدة " كركوك " ، ثم عين مفتشاً صحياً في دائرة البلدية ( 1928 ) .

    وتوفي في مسقط راسه في خريف 1952 . وقد وفاه حقه وحيد الدين بهاء الدين في كتابه " من ادب التركمان " ( 1962 )، فقال انه كان في عصره شاعراً من الطراز الاول ، وكان له صولات وجولات في مجالات التاريخ والفكر والثقافة العامة وكان يتقن ثلاث لغات هي التركمانية والفارسية والكردية . وقد اتسم شعره بالقوة والرقة ، واتشح بالاشراق والاصالة والجمال دون العمق وامتاز بالمدح والهجاء وبعد ذلك بالوصف والغزل .

    وذكره ابراهيم الداقوقي في كتابه " فنون الادب الشعبي التركماني " ( 1962 ) ، فقال :

" هجري دده  اعظم شعراء التركمان بعد فضولي البغدادي لانه ، وان يكن تحت تاثير هذا الادب ، الا انه تمكن ان يؤسس مدرسة قائمة بذاتها ، تلك المدرسة التي وفقت بين اسس ادب الديوان وبين الواقعية الحديثة ، حيث كسا اراءه  كسوة قشيبة وعبر عن لسان القوم ( التركمان ) بلهجة العصر . ويتسم شعره بجزالة اللفظ وسلاسة الاسلوب وقوة الحبكة ، كما يتصف بالسمة الانسانية وسمة الحب التي يتصف فيها الشعر الصوفي " .

    وخير من كتب عن الشاعر هجري دده عباس العزاوي الذي صادقه واحبه ، قال :

" وهجري دده اديب كامل ممتاز في شعره وشعره مشهور في الفارسية والتركية تغلب عليه مسحة تصوف الغلاة امثال الحلاج ونسيمي وفضل الله الحروفي وبكتاش ولي وابدال وويراني واضرابهم . نراه يرمي الى ما يرمون اليه ، ونشاهد الوحدة والاتحاد والحلول والجذبة والوله باديات في رباعيته او ترمز اليها ، كما ان محفوظاته تفصح عن توغله في امرها ، وفيها البيان الكافي " .

    وقال العزاوي بعد ذلك : " هجري دده لا ينكر فضله ولا يبخس شعره ، صديقي اود مجالسته واعدها من خير ايام الانتعاش . يحلو حديثه ، طروب اديب ، وفي معاشرته نشاط الحياة وقوة فيضها ورباعيته ( ارشادات كائنات ) متاثرة بالادب الفارسي والتركي ومشبعة بهما ، لا من الوجهة الادبية بل من ناحية الابطان واهله ، وهو من رجاله البارزين اليوم ومن شعرائه العارفين . نرى اديبنا تقمص ثوباً خيامياُ في الانهماك بالخمرة وعدم المبالاة بالشرائع ، داعياً الى الاستقامة والصفاء دون التفات الى المفروضات والعبادات ، كان هذه تنافي تلك ، او ان اصلاح الباطن لا يأتلف ومراعة الظاهر " .

    ومن شعر هجري ددة قصيدته " كركوك في التاريخ " ترجمها وحيد الدين بهاء الدين في كتابه " من ادب التركمان " قال :

" كركوك هذه التي تعرضت لآلاف البلايا ،

كركوك هذه التي داهمتها الاوبئة والطاعون ،

كركوك هذه التي ذاقت من الجفاء الواناً ،

كركوك هذه التي تقلبت على الافراح واتراح "

    ويمضي الشاعر في وصف مواكب الدهر في بلدة النفط فيذكر اشور والاسكندر والعباسيين والسلاجقة والعثمانيين من سليمان القانوني والسلطان مراد الى نادر شاه وسائر الملوك والقادة والفاتحين الذين شهدت مرورهم كركوك .

 


 

خضر لطفي

 

الشاعر التركماني خضر لطفي بن سمين بن اسماعيل ، ينتهي نسبه الى الشيخ جلال الدين الرومي ( 1207 1273 م ) صاحب الطريقة المولوية ومؤلف " المثنوي " ، وقد هاجر جده من قونية الى كركوك في عهد السلطان مراد الرابع .

ولد خضر لطفي في كركوك سنة 1880 ودرس على رجال بلده وتعلم العربية والتركية والفارسية ، ومال الى الادب والم بفنونه . ولم يكد يبلغ الخامسة عشرة من عمره حتى انتظم في سلك الجيش وخدم في مسقط راسه وفي بغداد ، وشهد في الحرب العظمى معارك  القفقاس برتبة ملازم اول ، ثم اقام في استانبول ، وعاد الى كركوك سنة 1924 . وادركته الوفاة بها في
23 حزيران 1959 .

كان شاعراً متصوفاً ذكره عباس العزاوي في كتابه " الكاكائية في التاريخ " ( 1949 ) ونعته بالفضل والكمال وقال : " سمعت انه توفي قبل بضع سنوات " . وجاء خضر لطفي الى
بغداد وزار العزاوي وقال له : " كيف ذكرت موتي وانا حي
 ارزق ؟ " .

    قال العزاوي : " يا للعجب ! . ألا تزال حياً ؟ . لم ارك منذ اعوام طويلة رجحت وفاتك ، ولا باس فقد اثنيت عليك بما انت اهل له ! " .

    ذكر هذا الشاعر وحيد الدين بهاء الدين في كتابه " من ادب التركمان " فقال انه نشر مقطوعاته وخواطره وابحاثه في الجرائد والمجلات في العراق وتركية ، وقد عالج فيها مجريات الحياة المرهقة وشؤون الانسان والسمو بذاته الى معارج المجد والسعادة وايجاد علاقة طبيعية بين واقع الحياة القاسية وموقف المرء المتسم بالصراع المستميت .

    يقول خضر لطفي في بعض شعره :

" تعال انظر كيف فعل البؤس بالخلائق .

هذه امة مظلومة تندب حظها مجتمعة .

لا ، ليست الحكومة غير موجودة ، لكن المساواة والعدل معدومان " .

    ان تصوف خضر لطفي قد حمله ، كما ارتأى وحيد الدين بهاء الدين ، على العناية بشؤون الناس كبيرهم وصغيرهم ، فطرق مواضيع انسانية كالمعرفة والرحمة والامل والصحة والعقيدة وفلسفة الخير والشر والوظيفة الاجتماعية الخ . وقد كان مرهف الحسّ يميل الى الكابة ويجنح الى الياس ويانس الى الشقاء ، فقال:

" جنحت الى الشعر ، ولم يكن لي به عهد .

فكرت محزوناً عميقاً ولم انعم بشيءمن الراحة .

صغت هواجسي وعواطفي شعراً ونثراً ، حتى تعالت اهاتي تمزق سكينة السماء .

لم يسال احد عن حالي ولم يسع الى عوني ،

فعبث ، يا لطفي ، ما تطلقه من تنهدات ،

فلن يبقى غير صدى خافت " .

    وقال :

" لا ترجُ خيراً من زمان يقصر عن ادراك فعلته المرء .

تنطوي الاعمار بلا رجوع ، وما برح الشقاء يلم بنا .

حظنا ان لايشع في افاقنا ضياء وان لا دواء لعللنا "

    ولخضر لطفي شعر كثير لم ينتظمه ديوان ، ووضع مؤلفاً في فضولي البغدادي واخر في تاريخ كركوك وهلم جراً .

    ولعل ما يزخر به شعر خضر لطفي واقرانه من شعراء التركمان في كركوك من كابة وما يطغى عليه من الانغام اليائسة الحزينة يرجع الى انعزال هؤلاء الشعراء عن معين ثقافتهم التركية
القديمة وانزوائهم في بقعة نائية تقع وسط المجتمع العراقي والثقافة العربية . لقد كان العراق موطناً من مواطن الادب التركي القديم في عهوده الناضرة الماضية ، فلما انحسر المد التركي عن بلاد الرافدين بقيت كركوك واحة فكرية تركمانية ، وكان ادباؤها في معزل عن معينهم مثلما كان شعراء المهجر العرب في الامريكيتين الشمالية والجنوبية . ثم شق كمال اتاتورك لتركية الحديثة طريقاً اخر بعيداً عن التيارات الفكرية التقليدية واتجه ببلاده صوب اوربة وحضارتها المادية واصطنع الحروف اللاتينية التي قطعت صلة الاتراك المعاصرين بفضولي وعهدي وباقي ونفعي ونديم وحتى نامق كمال وتوفيق فكرت وخالد ضياء ، وكان ان بقي الادب التركماني في العراق منطوياً على نفسه ، يرتفد من منبع مردوم ماؤه وشح عطاؤه ، فلا عجب ان اتسم بالحزن والياس والمرارة والتشبث باهداب الماضي السحيق .

 

 

 

 

 

 



 

محمد صادق

 

الشاعر التركماني الحاج محمد صادق ، قال ابراهيم الداقوقي صاحب " فنون الادب الشعبي التركماني " انه اخر من يمثل ادب الديوان ( المدرسة التركية القديمة ) ، وقد جارى في النظم هجري دده ، ولا يزال يختتم قصائده على عادة شعراء القرن السادس عشر بتضمينها اسمه في البيتين الاخيرين .

ولد محمد صادق في كركوك سنة 1886 لاب تركي وام كركوكية، توفي ابوه وهو صغير فنشأ يتيماً . درس في المدارس الحكومية ، ومال الى قرض الشعر منذ الصبا .. ونشبت الحرب العظمى سنة 1914 فخاض غمارها جندياً في الجيش التركي ، وانتسب الى المدرسة الحربية في حلب وتخرج فيها ضابطا وقد حارب الانكليز في ساحة الكوت وجرح في المعارك .

عاد الى مسقط راسه بعد ان وضعت الحرب اوزارها ، فامتهن التعليم وقضى فيه عشر سنين ، ثم انصرف الى قرض الشعر واثر العزلة والانزواء ، وقاسى شظف العيش حتى توفي في

جامع الشيخ حسام الدين في كركوك في اول تموز سنة 1967 .

ترجمة حسين محمد في جريدة النور البغدادية ( 31 آب 1969 ) قال فيه : " ونظم صادق في اغراض كثيرة واشتهر بالغزل والوطنية والرثاء والالهيات . وفي حداثته احب فتاة حباً عظيماً فلم يدم هذا الحب طويلاً لان الفتاة توفيت في صباها . ويقول فيها هذا الشعر الغزلي الرقيق .

تمعن في جيد حبيبتي كانه مراة مجلوة ،

تريك صوراً بديعة لم تخطر ببال انسان .

انفك الرقيق الشبيه بحرف الالف

جاء مطابقاً لجمالك الفتان ،

كانه نصل مصنوع من سبيكة خالصة ..

قدقسم تفاحة الى قسمين .

من اراد رؤية النار والماء معاً ،

فلينظر الى وجه حبيبتي عندما تنزل قطرات العرق على خديها الورديين .

عندما تضحكين بدلال ، تتراكم خصلات شعرك السوداء المتراخية على وجهك الثلجي ،

وفي ذلك الوقت يبدا الليل والنهار بالظهور معاً " .

    كان محمد صادق ينظم باللـغات التركيـة والعربية والكـردية

 والفارسية وقد يمزج بين هذه اللغات في قصيدة " ملمعة " واحدة . ونظم عدداً كبيراً من الرباعيات الجناسية المعروفة بـ"الخويرات " . وشعره كما هو واضح تقليدي يردد المعاني المصنوعة القديمة . وروي من شعره العربي بيتان في فتاة اسمها شمس :

 

قـامـت تظللنـي مـن الشمـس

                   بنـت اعـزّ علـي مـن نفسـي

قـامـت تظللنـي و مـن عجب

                   شمـس تظللنـي مـن الشمس !

    ومن مؤلفاته : يا دكار سفر برّلك ( خواطر الحرب العظمى )
( 1925 ) تاملاتي ( 1956 ) كلستان كربلاء ( 1925 ) عواطفي الجياشة ( شعر تركي ، 1964 ) . وله اثار مخطوطة منها : مراثٍ ، قصائد في الغزل والربيع ، الخ .

    وكان محمد صادق يزور بغداد بين حين واخر ويلتقي بالرصافي والزهاوي وغيرهما .

    وقد ادركته حرفة الادب وهدت قواه الوحدة والشقاء ، فقال : " انني عندما تخلو حياتي من مصاعب العيش والامه ، يفقد شعري طابع الشعور . وفي نظري ان الشاعر الذي لم يذق المرارة والالم وضنك العيش ليس بشاعر حقيقي " .

    ورثى محمد صادق لحال بلدة كركوك فقال :

    " ايه ، كركوك ، جار عليك الزمن فاحالك بركاناً متضرماً حينما اشاهد بغم نهرك الجاف تتساقط من عيني الدموع . وهي تستحيل ، يا كركوك ، نهيرات من الدماء .

    " واذا كانت ديارك الرائعة تسيل كالماء ذهباً ، فعلام بات اهلك مشردين يا كركوك ؟ .

    " لِمَ في ترابك غم ، وفي مائك سم وفي رياضك حسرة ؟ "

    ( من ترجمة وحيد الدين بهاء الدين ) .

    وتطلع محمد صادق الى بغداد واكبر عظمتها وخلودها فقال :

يتجلى تاريخ بغداد في نهرها الخالد دجلة

الذي استحالت مياهه مراة تحكي صروف الدهر وحادثات الايام

كانت بغداد موطن الحضارات ،

فاستعادت اليوم مجدها الغابر بثورة الاحرار ، فاصبحت جنة وارفة الظلال .

 

                                                      ( من ترجمة ابراهيم الداقوقي )

 

 

 

 

 

احمد زيدان

   

من اشهر المغنين العراقيين احمد بن حمادي بن زيدان البياتي ولد في بغداد سنة 1832 وتوفي بها في 12 ايار 1912 . اخذ الغناء عن استاذ المغنين في عصره رحمة الله بن سلطان آغا بن خليل المعروف باسم شلتاغ ( المتوفى سنة 1871 ) واحمد النيار وغيرهما من مشاهير المغنيين وقراء المقام .

ترجمه الشيخ جلال الحنفي في كتابه " المغنون البغداديون " قال فيها انه كان من النوابغ الذين بعثوا في فن الغناء العراقي روحاً وحيوية واوسعوه تجديداً وتنظيماً . وكان مدرسة فنية قائمة بذاتها تخرج عليه جمهرة كبيرة من المغنين المعروفين . وكان يمجد على الماذن ويقرا الاذكار والمواليد . وقد ترك اثاراً فنية غذى بها المقامات العراقية وحفظها عنه تلامذته الكثيرون فرددوها وخلدوها.

كان احمد زيدان مؤذناً في جامع منورة خاتون وقارئ الاذكار القادرية ، وسجل بصوته بعض الاسطوانات .

 

اعلام السياسة و الجيش

 

اللواء عزت باشا الكركوكي

عزت باشا بن الحاج زينل بك بن علي بك آل صارىكهيه ، ولد في كركوك سنة 1870 وتخرج في المدرسة الحربية في استانبول سنة 1888 . تدرج في المناصب العسكرية العثمانية حتى رفع الى رتبة امير لواء (1905)وعين قائدا على الحدود التركية – الايرانية ، فمتصرفا للواء كركوك . وكان بعد ذلك قائدا للفرقة  الثامنة و الثلاثين في البصرة ، وتقلد منصب الوالي بالوكالة (1913). وأحيل على التقاعد سنة 1914 ، لكنه اعيد الى الخدمة في الحرب العظمى بصفة امير لواء احتياطي .

الفت لجنة لوضع قانون الانتخاب برئاسة السيد طالب النقيب ، وانتخب عزت باشا نائبا لرئيسها ( آب 1920) ، وقد فرغت اللجنة من مهمتها في تشرين الثاني 1920.

عين وزيرا للمعارف و الصحة في حكومة النقيب الوقتية في 25 تشرين الاول 1920 ، فوزيرا للمواصلات و الاشغال (29 كانون الثاني 1921) واحتفظ بمنصبه في الوزارة النقيبية الثانية (10 ايلول 1921 ) حتى استقال في اول نيسان 1922 .

وقد اقترن بكريمة محمد فاضل باشا الداغستاني . وتوفي ببغداد في 20 تشرين الاول 1932 .

يروى عن عزت باشا انه قال حين اصبح وزيرا سنة 1920
( انني في كل الوظائف التي توليتها قبلا كنت امرا مطلقا . ولكن بعد ان صرت وزيرا هنا صار امري لايتعدى حدود هذا البارافان
( الحاجز ) .

 

 

 

                                أمير اللواء فتاح باشا

 

ذكرت أمير اللواء فتاح باشا وولديه سليمان بك ونوري بك في كتابي "أعلام الكرد" الصادر سنة 1991 وكنت أظن أنهم من الأكراد ، وقد قيل لي بعد ذلك أن الأسرة تركمانية لا تركية .

قال عبد الكريم الأزري في كتابه " مشكلة الحكم في العراق " انه التقى بنوري فتاح في عمان سنة 1975 ، وقد جاءها من بيروت فراراً من الحرب الأهلية التي اندلعت نارها في لبنان .  وقد قال نوري فتاح للآزري انه تجاوز الثمانين من عمره ، وأصل أسرته من قرية تسعين القريبة من كركوك ، وأهلها من غلاة الشيعة العلويين . وكان جده يعمل في كركوك وله معرفة بمتصرفها ، وقد رأى أن يدخل ولده فتاح في المدرسة الرشدية العسكرية . ونصحه المتصرف ان يعتنق المذهب السني الحنفي لامكان قبول ابنه في المدرسة ، ففعل . ودرس فتاح في المدرسة الرشدية العسكرية في كركوك ، ثم أرسل الى استانبول فأتم دراسته العسكرية فيها وتخرج ضابطاً.

ولد فتاح باشا سنة 1861 ، وتقدم في الجيش التركي حتى

نال رتبة أمير لواء ، وكان مديراً لمعامل النسيج العسكري في بغداد، وأحيل على التقاعد قبيل الحرب العالمية سنة 1914 . وعين على اثر تاليف الحكومة العراقية متصرفاً للواء كركوك ( 1921 ) فشغل منصبه الى سنة 1924 .ثم اسس مع أبنه نوري معملاً لنسج الصوف في الكاظمية سنة 1926 فكان المعمل في مقدمة المشاريع الصناعية الحديثة قي العراق . وتوفي فتاح باشا في بغداد في 8 كانون الثاني 1936 .

 ولد ابنه سليمان بك سنة 1891 ودرس في المدرسة الحربية في أستانبول وخدم ضابطاً في الجيش التركي . ثم جاء إلى بغداد والتحق بالجيش العراقي سنة 1921 ومنح رتبة رئيس ( نقيب ) . وعين مرافقاً لوزير الدفاع فمعاون آمر المدرسة العسكرية . وأوفد للأ شتراك في دورة عسكرية في الهند ، ورفع سنة 1928 إلى رتبة مقدم . وكان بعد ذلك نائباً عن كركوك ( 1930 ) وأعيد انتخابة سنة 1934 ، فنائب اربيل ( 1934 ) ، فنائب كركوك مرة أخرى سنة 1935 و 1943 و 1947 . وتوفي في لندن في حزيران 1960 .

أما نوري فتاح فولد سنة 1893 . وتخرج في المدرسة العسكرية فكان ضابطاً في الجيش التركي. وعاد إلى العراق بعد الحرب العظمى فاشترك في الحركة الوطنية ونفي إلى جزيرة هنجام في أب 1920.

    قام مع أبيه بتاسيس معمل النسيج في الكاظمية وتولى ادارته إلى حين تأ ميمة سنة 1964 . وكان رئيس الوفد العراقي إلى مؤتمر التجارة الدولي المنعقد في راي من اعمال نيويورك في تشرين الأول 1944 .

    أمضى في بيروت سنواته الأخيرة بعد تأميم معمله ، وانتقل إلى عمان على أثر نشوب الحرب الأهلية في لبنان ، وتوفي في أيار 1976.


 

عمر نظمي

عمر نظمي بن حسن صفوت بن الملأ محمد افندي الونداوي ،ولد في كفري سنة 1891 ، ودرس الحقوق في بغداد فتخرج سنة 1913 وعين حاكماً في محكمة خانقين فعضو محكمة بداءة بعقوبا ( 1914 ).

ونشبت الحرب العظمى فالتحق بالجيش التركي وأدخل في مدرسة ضباط الاحتياط . ثم عين مدعياً عاماً لديوان الحرب العسكري ببغداد ، فلما احتلتها الجيوش البريطانية سنة 1917 ، انسحب مع الجيش التركي إلى الموصل حيث تقلد نفس وظيفته . ونقل مدعياً عاماً لمحكمة رأس العين فقضى في منصبه اشهراً ثم استقال وعاد الى العراق .

انضم الى السلك القضائي فعين حاكماً في محكمة بداءة كركوك ( 28 ايار 1921 ) فحاكماً منفرداً في اربيل ( تشرين الثاني 1923 ) ، ثم اعيد حاكماً في كركوك ( 1924 ).ونقل نائب رئيس المحاكم المدنية في الموصل في اواخر سنة1924، فرئيس محكمة بداءة الحلة ( 1925 ) فديالـى (  تموز 1925 )  فرئيس

المحكمة الكبرى في كركوك ( ايلول 1926 ) .

ونقل الى سلك الادارة متصرفا للواء كركوك ( 9 نيسان 1927 ) فالكوت ( 8 نيسان 1930 ) فالبصرة ( نيسان 1931 ) فمفتشاً ادارياً ( 1 تموز 1931 ) فمتصرف لواء موصل ( 17 ايار 1934 ) فمدير الواردات العام ( 16 ايلول 1937 ) .

وعهد اليه بوزارة الاقتصاد والمواصلات ( 25 كانون الاول 1938) الى اول اب 1939 ، وعين عضواً بمجلس الاعيان (26 نيسان 1939) . ثم اصبح وزيراً للمواصلات والاشغال ووكيل وزير الاقتصاد ( اول اب1939) فوزير الداخلية( 20 ايلول 1939). واضيفت اليه وكالة الوزارة العدلية (22 شباط 1940). وكان بعد ذلك وكيل وزير المواصلات والاشغال31اذار194031 كانون الثاني 1941 )،وتولى ايضاً وكالة الوزارة العدلية من 25 الى 28 كانون الثاني 1941 .ودخل في وزارة طه الهاشمي وزيراً للداخلية ووكيل وزير العدلية(1 شباط 1941نيسان1941).وعاد وزيراً للداخلية مرة اخرى في الوزارة السعدية الثامنة ( 25 كانون الاول 1943 3 حزيران 1944 ) ثم تولى الوزارة العدلية من 23 شباط 1946 31 ايار 1946 . واعيد تعينه عضواِ بمجلس الاعيان ( اذار 1946 ) ثم كان وزيراً للعدلية ( 21تشرين الثاني1946 29 اذار 1947) وثم من 29 كانون الثاني1948 حتى استقال في 4اذار 1948.واصبح وزيراً للداخلية (20 تشرين الاول 1948 ) الى 6 كانون الثاني 1949 ، ونائب رئيس الوزراء ( 17 اذار 1949 ) ووكيل وزير الداخلية ( 17 ايلول 1949 ) ، فوزير الداخلية ووكيل وزير الدفاع ( 10 كانون الاول 1949 5 شباط 1950 ) .

    وعين بعد ذلك وزير دولة ( 25 كانون الاول 1950 ) فوزير الداخلية ( 5 شباط 1951 ) الى 10 تموز 1952 . وقد انتهت مدة عينيته في 27 شباط 1954 ، فجدد تعيينه عيناً ( 5 كانون الاول 1954 الى ثورة 14 تموز 1958 . واقام بعد الثورة في لبنان .

    وقال فيه خالد الدرة في مجلة الوادي ( 15 اذار 1947 ) : " والسيد عمر طيب القلب ناصع السريرة يود لو يكون الناس اخياراً ، متعصب لعراقيته محب لبني وطنه معتز بكرامته . فقه دراسته القانونية التي اتاحت له ان يكون وزيراً للعدلية لاكثر من مرة .

    وهو كبير الجثة بالرغم من قصر قامته ، ممتلئ الجسم منتفخ الوجه ، تكاد شفتاه الغليظتان تتحركان من غير ارادته ، اسمر اللون ، كبير الانف " .

    توفي عمر نظمي في لبنان في اواخر تموز 1978 . وعمر نظمي طيب السريرة ، هادئ الطبع ، لطيف المعشر . كنا رهطاً من الشعراء في جلسة أديبة بمنزل علي الشرقي نتطارح الشعر ، واذا بعمر نظمي يحضر على غير موعد ويجلس بيننا مستمعاً لاينبس ببنت شفة .

    وقرأ كمال عثمان قصيدة الدكتور عبدالرزاق محي الدين في معارضة " ليل الصب " ، فلما بلغ قوله :

 يـا سيـدتي، وعلـى الاعتـاب

                محبّــكِ طــال تـــردده

ضجـت حلقـات البـاب لــه

                وارن القـفـل ومــوصــده

    اطلق عمر نظمي ضحكة عريضة وقال : نعم ، نعم . لقد كان في دارنا القديمة قفل ضخم من اقفال العهد السالف يرن ويقلقل كلما دار فيه المفتاح ! .

    واثار هذا التعليق الطريف مرح الحاضرين وضحكهم .

 

يوسف عز الدين ابراهيم

 

ولد يوسف عز الدين ببغداد في 14 ايلول 1891 ، وكان والده ابراهيم باشا كركوكي الاصل وقد تنقل في وظائف الدولة العثمانية ، واسس مطبعة في بغداد سنة 1891 باسم مطبعة دار السلام ، وكان مديراً للاملاك المدورة . توفي في حزيران 1926 عن نحو سبعين عاماً .

خدم يوسف عز الدين في الجيش التركي . وعاد الى العراق يحمل رتبة رئيس .

وتوظف في دائرة المعارف على تاليفها بعد الاحتلال البريطاني وعين سكرتيراً لناظرها الميجر بومان في اول تشرين الاول 1918 . ثم اصبح مديراً لمعارف بغداد ( 11 اذار 1923 ) ، ودرس في نفس الوقت في مدرسة الحقوق ونال شهادتها سنة 1925 .

نقلت خدماته الى وزارة المالية فعيّن مفتشاً مالياً ( تشرين الاول 1925 ) فمعاون مدير المالية العام ( 15 حزيران 1930 ) فمدير القسم العام بالوزارة ( 9 تشرين الاول 1933 ) . ونقل مديراً عاماً للأملاك والأرضي الأميرية ( حزيران 1934 ) فمدير المحاسبات العام ( حزيران 1935 ) ، واعيد مديراً عاماً للأملاك والأراضي الأميرية في تشرين الاول 1935 .

وتقلد وزارة المعارف في وزارة حكمت سليمان ( 29 تشرين الاول 1936 ) حتى استقال في 24 حزيران 1937 . وانتخب آنذاك نائباً عن كركوك ( شباط 1937 ) . وعين بعد ذلك مديراً عاماً لانحصار التبغ ( حزيران 1943 ) حتى احيل  على التقاعد في ايار 1946 .

ويوسف عز الدين كما وصفه احمد حسن الزيّات متّئد اللسان ، حصين الصدر ، سريع الفطنة ، يتبسط في هزل الكلام ويتحوّط في جدّه ،ولا ينفك لاخوانه موضع السرّ ومرجع المشورة.

وقد آثر العزلة والانزواء بعد تركه الوظيفة وانصرف الى ادارة شؤونه الخاصة . وسافر سنة 1969 الى الولايات المتحدة الاميركية واقام فيها حتى ادركه الحمام بها في تشرين الثاني 1975 .

كان يوسف عز الدين ظريفاً لطيف الدعابة . وقد اثر عنه قوله مازحاً : اذا تخاصمت سمكتان في نهر دجلة فالانكليز وراء ذلك الخصام . وكان وثيق الصلة بــ" جماعة الأهالي " كامل الجادرجي ومحمد حديد وغيرهما .


جمال عمر نظمي

  

ابن عمر نظمي الونداوي نائب رئيس الوزراء ، ولد جمال في بغداد في 12 ايلول 1914 . واتم دروسه في الجامعة الاميركية ببيروت فحصل على شهادة بكالوريوس فنون في العلوم السياسية   ( 1937 ) .

ثم درس بعد ذلك في كلية الحقوق ببغداد وتخرج فيها سنة 1956 . عاد الى بغداد فوظف معاون سكرتير مجلس الوزراء ( 13 كانون الاول 1937 ) . ونقل الى الادارة فكان قائممقام قضاء الخالص ( 1940 ) فالمحمودية (1941) فالكاظمية ( نيسان 1943 ) . وقد اوفد الى انكلترة في السنة التالية لمتابعة دراسته العالية في العلوم السياسية والادارية . وعاد الى بغداد فعين مميزاً لدعاوى العشائر في وزارة الداخلية(تشرين الثاني1944) فقائممقام المسيّب ( 1946 ) فمعاون متصرف اربيل ( حزيران 1946 ) . وعين متصرفاً للواء اربيل ( كانون الثاني 1947 ) فديالى ( كانون الثاني 1948 ) فالبصرة ( حزيران 1949 1953 ) .

وانتخب نائباً عن رانية(كانون الثاني 1953) وجدد انتخابه

في حزيران 1954 وايلول 1954 الى سنة 1958 . وعين وزيراً للزراعة من 20 حزيران الى 15 كانون الاول 1957 في وزارة علي جودت الايوبي الثالثة .

    وقد عين وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية في 6 ايلول 1965 في وزارة عميد الجوّ الركن عارف عبد الرزاق ، لكنه لم يتسلم مهام منصبه . ثم عين سفيراً في ديوان وزارة الخارجية ( تشرين الثاني 1965 ) فسفيراً للعراق في برن عاصمة سويسرة من حزيران 1966 الى تموز 1967 .

    وتوفي ببغداد 18 تشرين الثاني 1967 .

    كان جمال عمر نظمي موظفاً ادارياً حازماً ورجلاً مثقفاً كثير المطالعة ، وله مكتبة خاصة كبيرة .

 

 

صالح باشا النفطجي

 

من سراة كركوك ينتمي الى اسرة عرفت بآل النفطجي . وقد عين صالح باشا متصرفاً للواء الحلة في العهد الحميدي ، في زمن الوالي مصطفى عاصم باشا ، ثم كان متصرفاً للسليمانية سنة 1893 1894 .

ولما اعلن الدستور العثماني انتخب نائباً عن كركوك في مجلس المبعوثين في كانون الاول 1908 . وناب بعد ذلك عن كركوك في المجلس التأسيسي العراقي سنة 1924 . وتوفي سنة 1927 .

ذكر عبد المنعم الغلامي في كتابه " الأنساب والاسر " ان اسرة النفطجي تنتسب الى قبيلة زنكنة . وهي من العشائر الكردية المعروفة التي تسكن المنطقة الواقعة بين كفري والسليمانية ، ذكرها عباس العزاوي في الجزء الثاني من كتابه " عشائر العراق " وقال انه يزعم ان اصلهم من بني اسد ، لكنه لم يجد ما يؤيد هذا الزعم .

    واخبرني العقيد قادر ان آل النفطجي لا علاقة لهم بتاتاً بعشيرة زنگنه . وكانت الاسرة تحكم كركوك في العهد العثماني ، وكان اخر متسلم ( متصرف ) منها عبدالله بك والد صالح باشا .

    وخلف صالح باشا في النيابة عن كركوك في مجلس المبعوثين ولده ناظم بك الذي انتخب نائباً سنة 1914 . ولد ناظم بك في كركوك سنة 1879 . وقد قام عند البحث في قضية الموصل بعد الحرب العظمى يبث الدعاية للاتراك ، لكنه خاف الاعتقال ومضى الى تركية في اذار 1923 . وقد عاد الى كركوك بعد ذلك واقام فيها الى نهاية الخمسينات ، ثم غادرها الى استانبول حيث ادركته الوفاة .

    وعرف من آل النفطجي ايضاً حسين بك بن حسن بك ، وقد انتخب نائباً عن كركوك في شباط 1937 وكانون الاول 1937 وتوفي سنة 1942 .

   وانتخب ابراهيم النفطجي نائباً عن كركوك في كانون الثاني 1953 ، واعيد انتخابه في ايلول 1954 وايار 1958 . وقد توفي في استانبول في اب 1964 .

 

 

 

عبد الله صافي اليعقوبي

 

    عبد الله صافي بن عمر احمد اليعقوبي ، من عائلة كركوكية معروفة . ولد في كركوك سنة 1877 ودرس على اساتذة خصوصيين . وقد عين كاتباً في محكمة بـــداءة كركوك(1896) فحاكماً بها ( 1904 ) فعضواً بمجلس ادارة اللواء ( 1908 ) .

    وانتخب سنة 1913 نائباً عن كركوك في مجلس المبعوثين ، وجدد انتخابه سنة 1914 حتى الهدنة . ومضى الى الحرب في جنوب العراق على راس المجاهدين من ابناء بلده سنة 1915 . وعين عضواً بمجلس الاعيان العراقي في تموز 1925 ، وجدد تعيينه الى وفاته في بغداد في 4 شباط 1939 .

    اخوه : عبد المجيد بن عمر بن احمد اليعقوبي ، ولد في كركوك سنة 1883 ، وعين رئيساً لبلديتها في 15 تشرين الثاني 1918،فمتصرفاً للواء كركوك(ايار1924) . ونـقل متصرفاً للواء اربيل ( نيسان 1927 ) فمدير النفوس العام (نيسان 1930) فمدير النفوس والتجنيد العام(تشرين الاول 1930) فمتصرف لواء ديالى ( اذار 1931 ) فمفتشاً ادارياً ( تشرين الثاني 1931 الى شباط 1936

    واعيد الى الخدمة متصرفاً للواء السليمانية ( تشرين الاول 1937 ) فالكوت ( شباط 1939 ) الى ايار 1939 .

    وتولى متصرفية لواء الموصل في ايار 1942 حتى اعتزل الخدمة في شباط 1944 .

    وقد توفي في لندن في 30 تشرين الاول 1962 .

    اخوه : مصطفى مظهر بن عمر بن احمد اليعقوبي ، ولد في كركوك سنة 1890 ، ودرس فيها فاتقن التركية والعربية . وعين كاتباً في محكمة قضاء رانية ( 1910 ) فكاتباً في دائرة تحرير لواء كركوك ( 1915 ) . واصدر في شباط 1916 مجلة باللغة التركية باسم " كوكب معارف " ، وقد ظهر منها اربعة اعداد . ثم عين وكيل مدير لناحية شوان ( 1917 ) فنائب عضو بمحكمة بداءة كركوك ( 1917 ) حتى الاحتلال البريطاني سنة 1918 .

    وقد عين بعد تأليف الحكومة العراقية مديراً لناحية طاووق في لواء كركوك ( 1923 ) فقائممقام جمجمال ( 1924 1925 ).

    وانتخب نائباً عن كركوك في ايار 1928 وتشرين الثاني 1930 . ثم عاد الى سلك الادارة فكان قائممقام في قضاء كيل (تموز 1933) فجمجمال ( كانون الثاني 1934 ) فكفري ( نيسان 1935 ) فالعمادية ( ايلول 1935 ) فمندلي ( اذار 1936 ) فخانقين ( تموز 1937 ) فتلعفر، فاربيل ( كانون الاول 1938 ) فبدرة ( اذار 1939 ) فجمجمال ( حزيران 1939 ) فالشيخان ( تموز 1940 ) فزاخو ( شباط 1941 ) . ورفع متصرفاً للواء اربيل ( حزيران 1941 ) فالكوت ( تشرين الاول 1943 ) فديالى ( اب 1944 ) فالموصل ( ايلول 1946 ) . ونقل مفتشاً ادارياً (اذار 1948) فمتصرفاً للواء ديالى : ( حزيران 1951 ) فاربيل (اب 1952) . وقد احيل على التقاعد في تموز 1953 . توفي بعد سنة 1974 .

وعرف ايضاً من آل اليعقوبي احمد بن عبد المجيد اليعقوبي ، ولد سنة 1907 وتوفي في كركوك في تشرين الثاني 1957 . انتخب نائباً عن كركوك في كانون الاول 1937 . وبعد ذلك في حزيران 1948 .

وكامل بن مصطفى اليعقوبي ، انتخب نائباً عن كركوك في اذار 1947 ، واعيد انتخابه في كانون الثاني 1953 وحزيران 1954 وايلول 1954 . وتوفي سنة 1965 .

والدكتور نجيب اليعقوبي ، ولد سنة 1912 ، ودرس في كلية الطب ببغداد وتخرج طبيباً ( 1937 ) . واختص بالجراحة ، وكان طبيباً في المستشفى التعليمي فاستاذاً في كلية الطب
( 1948 ) . وانتخب نائباً عن كركوك في نيسان 1958 حتى حل المجلس في ثورة تموز من تلك السنة . وقد عاد استاذاً في الكلية الطبية وكان مديراً للمستشفى الجمهوري . توفي ببغداد في اذار 1980 .

    ونجيب هو ابن عبد المجيد اليعقوبي .

   

 

 

 

 

 

محمد علي قيردار

 

محمد علي بن مصطفى بن محمد قيردار ينتمي الى اسرة معروفة في كركوك ، وقد تولى ابوه مصطفى رئاسة بلديتها .

    انتخب محمد علي نائباً عن كركوك في مجلس المبعوثين العثماني سنة 1908 على اثر اعلان الدستور ، وجدد انتخابه حتى الهدنة ( 1918 ) . ولما نشبت الحرب العامة مضى الى ساحة القتال في جنوبي العراق سنة 1915 شداً لأزر الجيش التركي .

ثم انتخب نائباً عن لواء كركوك في مجلس النواب العراقي سنة 1928 ، وجدد انتخابه سنة 1930 و 1933 و 1934 ، حتى ادركته الوفاة في 22 كانون الاول 1934 .

اخوه : محمد جميل بن مصطفى قيردار ولد سنة 1868 ، وتوفي في كركوك في 25 ايلول 1953 . انتخب نائباً عن كركوك سنة 1939 و1943 .

 

 

 


امين قيردار

 

امين بن محمد جميل بن مصطفى قيردار ولد في كركوك سنة 1900 وحصل على دراسته الاعدادية في استانبول . ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد ونال اجازتها ومارس المحاماة . وعين مديراً لناحية مركز كركوك في حزيران 1935 ، وتدرج في السلك الاداري حتى اصبح قائممقاماً لقضاء داقوق وكفري ومركز لواء السليمانية ( 1944 ) فمركز لواء الموصل ( 1946 ) .

وانتخب نائباً عن كركوك سنة 1947 ، ثم عين رئيساً لتسوية حقوق الاراضي ( نيسان 1949 ) . وجدد انتخابه نائباً عن كركوك سنة 1953 وحزيران 1954 وايلول 1954 1958 . وتوفي في 31 كانون الاول 1958 في مسقط راسه .

وكان ولده نذير امين قيردار نائباً عن كركوك في ايار 1958 .

 

 

 

علي الطوغرامجي

 

علي باشا بن محمود اغا بن عبد الله اغا الطوغرامجي ، ولد في اربيل سنة 1878 . وكان على العهد العثماني عضواً بمحكمة التمييز ورئيساً لبلدية اربيل .

وانتخب نائباً عن اربيل في مجلس النواب سنة 1930 ، وجدد انتخابه سنة 1933 و 1934 و 1935 . ثم عين عضواً في مجلس الاعيان ( 19 تشرين الاول ( اكتوبر) 1937 الى 17 تشرين الاول ( اكتوبر ) 1945 ) .

توفي في بغداد في 8 نيسان ( ابريل ) 1948 ونقل جثمانه الى اربيل فدفن فيها .

وقد اقترن بكبرى بنات محمد علي قيردار واسمها عصمت ، وكان له في داره ببغداد ديوان حافل يحضره رجال السياسة والادب والفضل وشيوخ العشائر .

 

 

 

 

 

محمد رفيق

   

محمد رفيق الحاج امين خادم السجادة النبوية من علماء كركوك ، ينتمي الى اسرة كركوكية معروفة تنتسب الى ابان ابن الخليفة عثمان بن عفان كما ذكر ذلك عبد المنعم الغلامي في كتابه " الانساب والاسر " ، والسجادة الشريفة المقصودة هي التي اهداها الرسول الاعظم الى عثمان بالمدينة المنورة فانتقلت الى سلالته .

ولد محمد رفيق في كويسنجق سنة 1869 ودرس العلوم الدينية على علي حكمت قاضي كركوك وغيره من العلماء . وقد عين عضواً اضافياً في محكمة كركوك على العهد العثماني حتى احتلال البلدة . وانتخب نائباً عن كركوك سنة 1925 1928 .

كان ينظم الشعر بالعربية والتركية والكردية والفارسية ، وتوفي سنة 1936 .

 

 

 

 

نشأت إبراهيم

   

ولد في ماردين سنة 1864 ، ووظف في دائرة البريد والبرق بالموصل سنة 1883 . وتنقل في دوائر البريد في كركوك ( 1886 ) والسليمانية ( 1886 ) والموصل ثانية ( 1888 ) والبصرة ( 1890 ) . وعين مديراً للبريد في الكوت ( 1891 ) فاربيل ( 1892 ) فكركوك ( 1895 ) فبغداد (1907 ) . ونقل مفتشاً للبريد والبرق في بغداد ( 1909 ) فمديراً للبريد والبرق في ولاية وان (1910 1914 ) . وانتقل بعد ذلك مديراً او مفتشاً في ولايات تركية مختلفة .

عاد الى الخدمة في دائرة البريد والبرق العراقية في كانون الاول 1918، وعين مديراً للبريد في بغداد(تشرين الثاني 1920) . وكان بعد ذلك نائباً عن كركوك في مجلس النواب العراقي ( تموز 1925 كانون الثاني 1928 ) . وانتخب نائباً ثانياً لرئيس المجلس من 9 كانون الاول 1925 الى اول تشرين الثاني 1926.

    وقد توفي قبل سنة 1934 .

 

 

اللواء خليل زكي إبراهيم

 

من امراء الجيش العراقي خليل زكي بن ابراهيم بن جمعة اغا ولد في كركوك سنة 1886 ، ودرس في المدرسة العسكرية في بغداد واستانبول وتخرج سنة 1906 . وقد خدم في الجيش التركي وحارب في صفوفه ، وعاد الى العراق في  اذار 1921. وعند تاسيس الجيش الوطني العراقي انتمى اليه خليل زكي في نيسان 1921 برتبة مقدم وعين مديراً للحركات في وزارة الدفاع ، فآمراً للواء الموصل ( حزيران 1924 ) ورفع الى رتبة زعيم ( 1928 ) فلواء ( 1933 ) . واختير وهو يحمل رتبة عقيد آمراً للحملة العسكرية لتعقيب الشيخ محمود المتمرد على الحكومة في حركات كردستان خلفا للعقيد بكر صدقي ( 1931 ) . وعين امراً للمنطقة الشرقية ( كانون الثاني 1931 ) فالمنطقة الجنوبية
( تشرين الثاني 1933 ) فقائداً للفرقة الاولى ( 1934 ) .

واعتزل الخدمة العسكرية عند انتخابه نائباً عن كركوك في مجلس النواب ( كانون الاول 1934 ) ، وجدد انتخابه في اب 1935 الى تشرين الاول 1936 .

    وتوفي في كركوك في شباط 1937 .

 


 

اللواء مصطفى راغب باشا

اللواء مصطفى راغب آل صاري كهية ولد في البصرة سنة 1895 لأسرة كركوكية الاصل . اتم دروسه العسكرية في المدرسة الحربية في استانبول وتخرج ملازماً ثانياً سنة 1912،فألحق بالجيش في ارض روم واشترك في المصادمات الاخيرة في حرب البلقان .

   ونشبت الحرب العامة فساهم في معاركها ورفع الى رتبة رئيس ( نقيب ) سنة 1918 . وقد اشترك في حرب الاستقلال التركي بقيادة الغازي مصطفى كمال باشا ( اتاتورك ) ، ثم عاد الى العراق سنة 1924 . وانتمى الى الجيش العراقي ودخل دورة الاعوان (1927) فرفع الى رتبة مقدم ( 1933 ) فعقيد ( 1938 ) فزعيم ( عميد ) ( 1942 ) . ومنح رتبة لواء سنة 1945 .

عين رئيساً للمجلس العرفي العسكري سنة 1941 ، فمدير الميرة والتموين بوزارة الدفاع ( 1944 ) ، ونقل قائداً للفرقة الثانية في كركوك ( 1944 ) . وعين في سنة 1948 قائداً للقوات العراقية في فلسطين ، وقد استقال من منصبه احتجاجاً على موقف الحكومات العربية المتخاذلة في الحرب ، واحيل على التقاعد بعد ذلك .

 

 

محمد سعيد الونداوي

محمد سعيد الحاج حسين الونداوي ولد في كفري ( مركز قضاء الصلاحية ) سنة 1889 ، ودرس في المدرسة الاعدادية الملكية ومدرسة الحقوق ببغداد .

اسندت اليه وظائف عدلية في العهد العثماني ، فلما نشبت الحرب العظمى جند في الجيش التركي ومنح رتبة ملازم احتياط ، واسر في جبهة سامراء .

واختير سنة 1921 رئيساً لبلدية كفري ، ثم انتخب نائباً عن لواء كركوك سنة1925، وجدد انتخابه سنة1928الى 1930

    وانتمى الى سلك الادارة فعين قائممقاماً لقضاء كيل ( ايلول 1931 ) . ونقل الى قضاء رانية ( ايلول 1933 ) فدهوك ( كانون الثاني 1934 ) فخانقين ( حزيران 1938 ) فالكاظمية ( تموز 1940 ) . ورفع مفتشاً ادارياً ( نيسان 1943 ) ، ثم عين عضواً بمحكمة التمييز العشائرية بوزارة الداخلية ( 1951 ) واعتزل الخدمة سنة 1952 . وادركه الحمام في 2 نيسان 1954.

 

 

ناجي الهرمزي

 

احمد ناجي بن علي الهرمزي ولد سنة 1887 ، والتحق بخدمة الحكومة العراقية في تموز 1921.

عين مديراً لناحية التون كوبري في ايار 1927 ورفع قائممقاماً للزيبار ( ايار 1932 ) . وتنقل بعد ذلك في الاقضية فكان قائممقاماً لحلبجة ( ايار 1934 ) وعفك ومركز السليمانية ( تموز 1936 ) فالزيبار فتلعفر ( كانون الاول 1938 ) ودهوك ( شباط 1941 ) وزاخو ( اذار 1943 ) . وعين معاوناً لمتصرف الموصل ( 1944 ) فمفتشاً ادارياً ( تموز 1945 ) ، واعتزل الخدمة في سنة 1946 .

انتخب نائباً عن كركوك في حزيران 1948 . وتوفي في فيينا عاصمة النمسا في ايلول 1952 .

    عرف ناجي الهرمزي اديباً من ادباء اللغة التركية في العراق .

 

 

 

اللواء عمر علي

من قادة الجيش العراقي ، ولد عمر علي في كركوك سنة 1910 ، ودرس في الكلية العسكرية ببغداد فتخرج فيها ملازماً ثانياً في ايلول 1928 . وانتمى بعد ذلك الى كلية الأركان ، وتدرج في مراتب الجيش حتى اصبح عقيداً ( 1948 ) ، وحارب في تلك السنة في فلسطين وابلى بلاءاً حسناً في موقعة جنين . واصبح آمراً للكلية العسكرية ، ورفع الى رتبة زعيم ، وعهدت اليه متصرفية لواء السليمانية بالوكالة ( 1954 ) . ثم رفع لواءاً وعين قائداً للفرقة العسكرية الاولى في الديوانية الى ثورة تموز 1958 . وقد اعتقل عند قيام الثورة ، وحكم امام محكمة الشعب لمقاومته الثورة وحكم عليه وسجن ، ثم عفي عنه واطلق سراحه سنة 1961 .

قيل انه قتل في حادث سيارة قرب بلدة الرطبة في اول ايلول 1974 . لكن اسرته كذبت خبر الحادث وقالت انه اغتيل في طريق عودته مع عائلته من بيروت .

 

 

 

رجال التربية وآخرون

 

عزيز سامي

 

المربي والمؤلف المترجم عزيز سامي ولد في كركوك سنة 1895 لأسرة قيل انه عربية النجار . مضى الى استانبول ودرس في دار المعلمين ، وكان مديرها ساطع الحصري ، وعمل مدرساً في المدارس التركية .

عاد الى العراق فانتمى الى سلك التدريس في ايلول 1926. ونقلت خدماته الى وزارة المالية سنة 1933 فكان مفتشاً مالياً ( آب 1933 ) فمميزاً لشعبة الخدمة والملاك والعقود .واعيد إلى وزارة المعارف فعين مديراً لمعارف منطقة كركوك ( تشرين الأول 1937 ) ثم نقل إلى الموصل .وعاد مديراً للخدمة والملاك بوزارة المالية في حزيران 1940 .

اعتزل الخدمة بعد ذلك ، ثم أعيد بعد ثورة تموز 1958 عميداً لمعهد الفنون الجميلة .وتوفي في بغداد في19تموز 1984.

له:جغرافية العراق الحديثة ( 1929 ) ملهمات ( بالتركية، 1936 ) ، دنيا الباسفيك ، عروس الخليج : الكويت ( 1951 )  ونقل عن اللغة التركية كتباً منها : رحلة إلىالقمر ، والاصل من تاليف جول فيرن بالفرنسية ( 1929 ) ، تضحية معلم من تاليف غريغوري بتروف ( 1934 ) في بلاد الزنبقة البيضاء من تاليف غريغوري بتروف أيضاً ( 1936 ) حرية الوجدان من تاليف ليون ماريلي ( 1955 ) المجنونة لغريغوري بتروف أيضا ( 1955 ) الخطاط البغدادي علي بن هلال المشهور بابن البواب من تاليف سهيل أنور ( 1958 ) التانجو الأخيرة من تاليف بهاء وفاء قراطاي ( 1967).

 

 

 

 

 


فتحي صفوت قيردار

 

رائد الرسم والنحت في العراق واستاذ جيل الفنانين الذين ظهروا منذ الأربعينات ، ولد فتحي في كركوك سنة 1896 ،وهو ينتمي الى أسرة قيردار المعروفة .كان والده محمد سعيد جلبي من كبار تجار مدينته ، ثم انتقل بعائلته الى بغداد سنة 1905 . درس فتحي في المدرسة الرشدية العسكرية ومارس التعليم في مدارس بغداد ، ولما نشبت الحرب العامة دعي الى الخدمة الالزامية ومنح رتبة ملازم احتياط ، وحارب في صفوف الجيش التركي في ساحة فلسطين حتى أسرته القوات البريطانية واعتقلته في طولكرم وثم في سيدي بشر بالاسكندرية.

ولما وضعت الحرب أوزارها مضى الى استانبول واتم دراسته العليا في دار المعلمين ، وكان مديرها ساطع الحصري ، وعين بعد تخرجه مدرساً للرسم في مدارس العاصمة التركية ، واشترك في دورات لأساتذة الرسم والنحت باشراف اخصائيين ألمان . ولما تولى ساطع الحصري ادارة المعارف العراقية تذكر تلميذة القديم فتحي صفوة فاستدعاه للقدوم الى بغداد ، وعينه مدرساً للرسم والاشغال اليدوية ( بما فيها النحت ) في دار المعلمين الابتدائية في أول ايلول 1927 ، فقضى 34 سنة في تلك الدار حتى اعتزل الخدمة سنة 1961 .وقد ربى في دار المعلمين وفي بعض المدارس الثانوية والمهنية التي دعى الى القاء دروس اضافية فيها اجيالاً من الرسامين والنحاتين برزوا في العراق ورشح بعضهم لاكمال دراستهم الفنية في انكلترة وفرنسة وايطالية ومنهم فائق حسن وعطا صبري وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم .

واشترك في الجناح الخاص بالفنانين في المعرض الصناعي الزراعي الذي أقيم في بغداد سنة 1931 فمنح الجائزة الأولى والوسام الذهبي لأحسن عمل تشكيلي . عمل فتحي صفوة تماثيل نصفية للملك فيصل الاول وجميل صدقي الزهاوي والملك غازي وعلي مظلوم وغيرهم . اما في الرسم فكان يميل للرسم بالالوان المائية ، لكنه شجع تلاميذه على الرسم بكافة انواعه . وكان من ابرز تلاميذه في النحت النحات الشهير محمد غني .

وقد سافر الى استانبول للاصطياف فادركه الحمام فيها في تموز 1966 .

 

 

 

لطفي قيردار

 

الدكتور لطفي بن عبدالصمد قيردار من الاسرة الكركوكية التركمانية المعروفة ، ولد في كركوك سنة 1889 ودرس في بغداد. ثم شد الرحال الى استانبول سنة 1907 وانتمى الى كلية الطب فتخرج فيها سنة 1913 . واختص بعد ذلك بطب العيون في معاهد فيينا ( 1922 ) ومونيخ ( 1924 ) وباريس .

خدم في حرب بلقان برتبة نقيب ( 1913 ) ، ثم عين في نفس تلك السنة طبيباً في الموصل . ونشبت الحرب العظمى فكان طبيباً عسكرياً في الجبهة السورية وجبل لبنان وطبريا ، وعين في سنة 1918 مديراً لصحة الموصل .

وفي اواخر تلك السنة سلّمت الموصل الى الجيش البريطاني عند عقد الهدنة فعاد الى تركية ، وعين بعد ذلك مديراً لصحة ازمير ( 1924 ) . وانتخب نائباً عن كوتاهية في المجلس الوطني التركي ( 1935 ) ، لكنه لم يلبث ان عين والياً لمغنيسية. ونقل سنة 1938 والياً لاستانبول فقضى في منصبه 11 سنة حتى عاد الى المجلس الوطني نائباً عن مغنيسية ( 1949 ) فنائب استانبول ( 1954 ) . واختاره عدنان مندرس وزيراً للصحة في وزارته الخامسة ( تشرين الثاني 1957 ) الى ايار 1960 حين قام الجنرال جمال غورسيل بقلب الحكومة واعتقال رئيس الجمهورية جلال بايار ورئيس الوزراء مندرس وسائر الوزراء وسجنهم في جزيرة ياسي آطه . واعتقل لطفي قيردار معهم فقضى نحبه في تلك الجزيرة بعد عدة اشهر في 17 شباط 1961 .

 

الدكتور احسان دغرامجي

( طغرامجي )

 

احسان الطوغرامجي ابن علي باشا ، وامه عصمت آل قيردار ، ولد في اربيل في 3 نيسان 1915 . درس الطب في جامعة استانبول وبعد ذلك في جامعة واشنطن واختص بطب الاطفال .

وقد مارس الطب في بغداد بضع سنوات وفي سامراء قبل ان يسافر الى الولايات المتحدة لاختصاص بطب الاطفال . ثم عاد الى تركية واستقر فيها وعين مساعد استاذ في كلية الطب بجامعة انقرة ( 1947 ) ورقي الى مرتبة استاذ سنة 1954 .

       واصبح مدير البحوث لصحة الاطفال ( 1958 ) فعميداً لكلية الطب في انقرة ( 1963 ) فرئيساً لجامعتها( 1963 1965). له مؤلفات عديدة في موضوع اختصاصه ، وقد اقترن بأيسر حكمت سليمان سنة 1942 .

 

 

الأدب التركي الحديث في العراق

 

آل الدفتري

 

الأسرة الدفترية من اسر بغداد القديمة . قال ابراهيم فصيح الحيدري في كتابه " عنوان المجد " الذي الفه سنة 1869 :

" ومن البيوت القديمة الرفيعة بيت خليل افندي الدفتري ، وهو بيت عزّ . وكان الافندي المشار اليه من اكابر الرجال الذي لم تزل رجال بغداد تجتمع في مجلسه . وبقي منهم نجله الاديب ابراهيم حلمي افندي ، وهو على سيرة ابيه " .

ورأس هذه الاسرة خليل افندي بن اسماعيل اغا بن طاهر افندي تولى منصب متصرف بغداد ، ثم نصبه الوالي داود باشا متسلماً ( وَيُوُدَة ) لماردين سنة 1823 . وعاد الى بغداد بعد امد وجيز فكان دفتردار الولاية على عهد الواليين داود باشا وعلي رضا باشا . وكان له مجلس يحضره ارباب الوجاهة . ذكره ابو الثناء المفتي الالوسي في مقاماته ونعته بـ" نخبة الاخيار وفذلكةالاجلة الكبار خليل افندي الدفتردار " . وادركته الوفاة سنة 1837.

 

 

ابراهيم حلمي الدفتري

ابراهيم حلمي بن خليل ولد سنة 1816 ، واختاره الوالي مدحت باشا رئيساً لبلدية بغداد عند تاسيسها سنة 1869 . وشغل هذا المنصب الى وفاته سنة 1877 .

اسماعيل حقي الدفتري

وهو ابن ابراهيم حلمي ولد سنة  1834 ، وكان رئيساً لبلدية بغداد سنة 1881 1989 على عهد الواليين تقي الدين باشا ومصطفى عاصم باشا . وتوفي سنة 1910 في كربلاء ، وكان في زيارة لها .

فؤاد الدفتري

وهو خليل فؤاد بن اسماعيل حقي ولد في بغداد في 6 حزيران 1862 ونشأ نشأة ابناء الأشراف في عهده. وقد درس على اساتذة خصوصيين وعين عضواً بمحكمة البداءة وبعد ذلك في محكمة الاستئناف ( 1889 ) . ثم اجيز في الحقوق وعين نائباً للمدعي العام في الديوانية ( 1894 ) فكربلاء (1898 1903) وشد الرحال الى الاستانة سنة ( 1905 ) فمكث فيها نحو ثــلاث

سنوات . وعين بعد عودته الى بغداد مدعياً عاماً في العمارة فبغداد فرئيساً لمحكمة جزاء كربلاء فبغداد .

        وانتخب فؤاد الدفتري نائباً عن كربلاء في مجلس المبعوثين ( نيسان 1912 ) فنائباً عن بغداد ( كانون الثاني 1914 ) . وكان في زيارة لبغداد حينما تقدم البريطانيون لاحتلالها في اذار 1917 ، فمضى باسرته الى الاستانة عن طريق سامراء والموصل . وعاد الى بغداد بعد الهدنة سنة 1919 فكانت له في الحركة الوطنية مواقف محمودة نفي على اثرها الى استانبول عن طريق الهند ومصر ( اب 1920 ) .

       عادالى العراق في كانون الاول 1921 فعين محافظاً لبغداد ( حزيران 1922 ) حتى استقال في 3 ايلول 1923 . وانتخب في السنة التالية نائباً عن الدليم في المجلس التأسيسي ، واصبح عضواً بمجلس الاعيان في تموز 1925 . وتوفي في بغداد في 23 اذار 1927 .

كان فؤاد الدفتري يحظى باحترام المحافل الوطنية والاجتماعية. وكان حزب الشعب الذي يراسه ياسين الهاشمي يعقد جلساته في معظم الاحيان في داره ، لكنه ( أي فؤاد ) لا يحضرها بل يحضر ولده محمود صبحي . فاذا جاء الى بيته قام الهاشمي وصحبه يحيونه بكل تجلة فيدخل الـى  الحـرم ويبقـى

الجمع فـي  " الديوان " أي الدار الخارجية .

    وكان الهاشمي يأنس بهذه الجلسات فيقول بالفصحى : بالله عليكم أكثروا من هذه الاجتماعات !.

    وكان فؤاد الدفتري وقوراً متمسكاً بالاداب القديمة . لكنه يخفى تحت مظهره الجاد روحاً مرحة متسمة بالتفهم والتساهل .

 

محمود صبحي الدفتري

ان بغداد التي انجبت في الزمن القديم فضولي وفضلي وعهدي ونظمي وسواهم من ائمة الادب التركي لم تعدم ، في اوانها الاخير ، اديباً المعياً عارفاً بالآداب العثمانية القديمة ، ملماً باخبارها واسرارها ، شهد له بذلك ادباء الترك انفسهم مثل سليمان نظيف ورضا توفيق وفؤاد كوبرلو وغيرهم ممن عرف مواهبه ومزاياه وقدره حق قدره .

    هذا الاديب التركي القديم في بغداد الحديثة هو محمود صبحي الدفتري الرجل النبيل ، ذو المواهب المتعددة والاداب الرفيعة .

ومحمود صبحي ينتمي الى اسرة بغدادية عريقة ارتبطت ببلدية بغداد باوثق رباط ، فقد كان جدّ ابيه ابراهيم الدفتري اول رئيس للبلدية يوم انشأها الوالي المصلح مدحت باشا سنة 1869. ثم تسنم هذا المنصب بعد ذلك جده اسماعيل وخاله رفعت الجادرجي وابن خاله رؤوف الجادرجي في العهد التركي ، وتولاه ابوه فؤاد الدفتري بعنوان : " محافظ بغداد " ، ثم نهض به هو نفسه مرتين باسم " امين العاصمة " .

ولد محمود صبحي بن فؤاد بن اسماعيل بن ابراهيم بن خليل الدفتري في بغداد في 14 كانون الاول 1889 ونشأ نشأة ابناء الاشراف في ذلك العهد . ورافق اباه الى الديوانية حيث كان نائب المدعي العام ( 1894 ) فكربلاء ( 1898 ) الى سنة 1903 . وتخرج محمود صبحي في المدرسة الاعدادية فعين كاتباً في دائرة ولاية بغداد وألحق بسكرتيرية ناظم باشا رئيس الهيئة الاصلاحية ووكيل الوالي ( 1907 ) . وانتمى الى مدرسة الحقوق عند افتتاحها ( اب 1908 ) فنال اجازتها سنة 1912.

شغف بالادب التركي والتاريخ العثماني منذ حداثته ، فلما عين سنة 1913 مدرساً للادب في المدرسة السلطانية في بغداد ، اتيحت له الفرصة للتوسع في هذا المجال واشراب طلابه حب هذا الادب الذي كان العراق موطناً من مواطن نشوئه وازدهاره ، وكانت اللغة العربية ، الى جانب اللغة الفارسية ، مصدراً من مصادره . وجاء الى بغداد الوالي الاديب سليمان نظيف بك
(كانون الثاني 1915) ، فاتصل به مترجمنا ولازمه ملازمة الاديب

للاديب وكانت تلك الصلة فاتحة نشاطه الادبي في عاصمة الدولة العثمانية حينما هيئت له زيارتها بعد سنتين .

    واحتل الانكليز بغداد في اذار 1917 فانسحب موظفو الولاية من الاتراك عشيّة يوم الاحتلال بقطار سامراء ، وهو القطار الذي انشأه الالمان جزءاً من سكة حديد برلين البصرة .

وكان فؤاد الدفتري النائب في مجلس النواب التركي موجوداً في بغداد ، فالتحق بموظفي الدولة ورافقه ابنه محمود صبحي فمضيا الى الاستانة عن طريق الموصل.

الآستانة وعبد الحق حامد

قضى محمود صبحي في قاعدة الدولة والخلافة في هذه الحقبة سنتين كانتا من أحفل ايام حياته وأزخرها بالذكريات الأدبية: فقد كان يعرف من اسرار التركية وادابها وتاريخ آل عثمان ووقائعهم ورسوم بلاطهم و سلاطينهم وأحوال " فروق "
عاصمة دولتهم ، كان يعرف من كل ذلك ، وهو الفتى البغدادي االذي لم يزر الاستانة من قبل ، اكثر مما يخطر ببال معظم
أبنائها . وقد فتحت له في ربوعها آفاق رحبة . فسرعان ما جدد العهد بسليمان نظيف بك وسائر رجال الترك الذين عرفهم من
قبل في مسقط رأسه ، وسرعان ما تعرف باساطين الثقافة
والأدب، وفي مقدمتهم عبد الحق حامد ، أعظم شعراء الترك المعاصرين بلا منازع ، والدكتور رضا توفيق الطيب الشاعر الفيلسوف ، وفائق عالي الشاعر أخو سليمان نظيف ،والشاعرة المتحررة نيكار هانم عثمان ( 1871
1918 ) ، وغيرهم.

شارك محمود صبحي في الحياة الأدبية التركية ، وقد كانت حياة محمومة في ظل غمامة الحرب الكئيبة، فحضر مجالس الأدب وندوات أرباب الوجاهة والثقافة، وكتب في الصحف التركية دفاعاً عن العرب رداً على التخرصات والتعريضات،وساهم في رثاء احرار الأمة كسليمان نسيب بك الذي كان في حين ما مديراً لمعارف بغداد. وكانت صلته وثيقة برجال العرب النازلين في دار الخلافة ولا سيما العراقين كفهمي المدرس ومعروف الرصافي وكان يعد في ذلك العهد من أرسخ الشباب قدماً في الأداب التركية من عاشق باشا وسنان باشا وفضولي وباقي ونفعي ونابي الى شناسي والمعلم ناجي ونامق كمال، وأعرفهم بالشعر ولغة الدواوين المنمقة والديباجة المزخرفة القديمة، تلك الديباجة التي قضى عليها كمال أتاتورك حين أوعز بتبسيط اللغة واصطناع الحروف اللاتينية.

وقد توثقت صلة الدفتري بالشاعر الأعظم عبد الحق حامد حتى أصبح كاتب وحيه، ولا غرو، فالشاعر أشبه ما يكون
بالنبي ، وقد قال توماس كارليل في " أبطاله " : " يحمل النبي الى البشر رسالة الواجبات ، أما الشاعر فيحمل لهم رسالة الجمال .
ذلك قراٌ السر العظيم فانار للعالم طريق الناموس ، وهذا قراه فانار للعالم طريق المحبة ! ". وقال عبد الحق حامد في بعض قصائده :

    " وأنا ماذا دهاني ؟ . ألست شاعراً ، فلم لم يأتني الوحي ولم يهبط علي الالهام ؟ " .

    حدثنا محمود صبحي الدفتري أنه زار عبد الحق حامد في منزله في بعض الايام ،وكانت زوج الشاعر الفرنسية الثالثة جالسة .كانت الحرب قائمة على قدم وساق ، وقد أضرت بالناس وأرهقتهم في معايشهم ، فتحرست الفرنسية الشابة وقالت : "ليتني عشت في عصر لويس الخامس عشر " ! . تقصد عصر مدام دي بومباردور وسيدات البلاط وعهد البذخ والترف والأناقة . فاهتز الشاعر الشيخ على كرسيه المتحرك وأغمض جفنيه اغماضة الحالم وقال :
 " ليتني أدركت عصر الرسول الأعظم ففزت بالسعادة وكنت من الصحابة " ! .

    وقال محمود صبحي على الفور : " لقد كتبت لنا السعادة وكنا من الصحابة " ! . يشير من طرف خفي الى قول الشاعر . فتملكت عبد الحق النشوة وتأرجح على كرسيه وكرر كلمة حوارية البغدادي مراراً ، وهو يشفعها كل مرة بعبارة : استغفر الله ، استغفر الله !.

 

    سلاطين آل عثمان

ان الآستانة وجزرها الحالمة وقصورها الشاهقة وسلاطينها الذين دانت لهم الدنيا عهداً طويلاً وتقاليد البلاط والدواوين المشربة بالبهرج والفخفخة والفخامة قد سحرت الشاب الأديب وبهرته. ومن الذكريات التي طالما رددها محمود صبحي ورواها حضوره تشييع جنازة السلطان محمد رشاد الخامس الذي توفي في 3 تموز 1918 وتنصيب أخيه محمد وحيد الدين السادس في قصر يلدز المنيف : لقد اصطف الوزراء ورجال الدولة والعلماء والمشايخ في البهو العظيم مرتدين ملابسهم الرسمية ومتقلدين أوسمتهم وسيوفهم ، وسار الموظفون والحشم والخدم في أجنحة القصر واروقته على رؤوس اصابعهم في صمت مهيب. وجاء  السلطان الجديد مرفوع الرأس حاد الملامح ، يحف به الجلال والوقار.وفجاة ارتفع صوت خفي من وراء الستار يشق السكون وصوت هادئ النبرة، طويل النفس ، بدأ خافتا ثم أخذ يتعالى و يتعاظم شيئاً فشيئاً وكانه آت من عالم بعيد ، بل كانه هابط من ملكوت السماء .وتملك الجمع الروعة والخشوع ، فاطمأنت أنفسهم واغرورقت عيونهم بالدموع ، وأصغوا الىالهاتف يقول ويردد ترديداً بلغة تركية قديمة قدم الأجيال : " أيها السلطان ، أنت عظيم ،لكن الله أعظم منك . أيها السلطان ، أنت عظيم،لكن الله أعظم منك " .

من الطرافة أن نذكر ،في هذا الصدد ، ما روته قصص الف ليلة وليلة على لسان السندباد البحري في رحلته السادسة عن ملك جزيرة سرنديب أنه ، حين يخرج من قصره ، بجلس على عرش يوضع له على فيل . ويقف أمامه على نفس الفيل ضابط يحمل رمحاً من الذهب ، ووراءه آخر يحمل صولجاناً ذهبياً على راسه زمردة نفيسة . ويحف بالموكب الوزراء والأعيان ويمشي بين يديه وخلفه الآف الحرس على الأفيال لابسين أبهى الحلل.

    وحين يسير هذا الموكب بين جموع الناس يصيح الضابظ الواقف أمام الملك بين الحين والآخر:       

    " هذا هو الملك العظيم الجبار سلطان الهند ، المفروش قصره بالياقوت والذي يملك ألوف التيجان من الجواهر . هذا  هو الملك المتوج أعظم من سليمان واكبر من مهراج " ،

    فاذا فرغ الأول من هذا الكلام صاح الرجل الثاني الواقف وراء الملك :

    " إن هذا الملك الجبار العظيم يخضع للموت ، يخضع للموت ، يخضع للموت " ! .

    ويجيب الأول قائلاً.

    " سبحان الحي الذي لايموت ، سبحان القيوم " ! .

       وضعت الحرب أوزارها واحتل الحلفاء عاصمة آل عثمان ورابطت جيوشهم على ضفاف البوسفور ، فعاد محمود صبحي مع أبيه الى بغداد سنة 1919 . ولم يلبثا ان رايا عاصمة العراق تعج  بالفورة الوطنية ، فالناس متلهفة الى الحرية والاستقلال ، والنفوس هائجة مائجة كما لم تهج ولم تمج منذ عهد هولاكو وشراذم المغول ، والكهول والشباب المثقف كلهم مأخوذون بالحماسة اللاهبة لا يقر لهم قرار . ودخل فؤاد الدفتري وابنه محمود وقريبه رفعت الجادرجي في المعمعان ، فقبضت عليهم السلطات العسكرية في 28 آب 1920 وزجتهم في السجن ثم أشخصتهم الى الآستانة عن طريق الهند . ولبثوا هناك سنة وبعض السنة ، حتى سمح لهم بالعودة بعد اعتلاء الملك فيصل عرش العراق ، فآبوا الى بغداد في 7كانون الأول 1921 .

       جدد محمود صبحي صلته بأصدقائه من رجال الفضل والأدب في العاصمة التركية  في اقامته الثانية بها . وعاد الى بغداد ، فعين مشاوراً حقوقياً لأمانة العاصمة ( 13 آذار 1923 ). وانتخب نائباً عن لواء الدليم في المجلس النيابي الاول ( تموز 1925 ) ، ثم ناب عن ديالى في المجلس الثاني (ايار1928 ) .

     وعين اميناً للعاصمة في 8 نيسان 1930 واستمر في منصبه الى 5 ايلول 1931.ثم عهدت اليه رئاسة كلية الحقوق (تشرين الثاني 1931 ) ، غير انه اثر الاستقالة . وعاد الى الوظيفة مديراً عاماً للطابو ( 28 كانون الاول 1932 ) فاميناً للعاصمة للمرة الثانية ( 26 تشرين الاول 1933 ) فمدير البلديات العام ( تشرين الثاني 1936 ) ، وقد استقال في كانون الثاني 1937 .

    وعين عضواً بمجلس الاعيان ( 17 تشرين الاول 1937 ) . واصبح وزيراً للعدلية في الوزارة السعيدية الثالثة ( 25 كانون الاول 1938 ) . واحتفظ بمنصبه في الوزارة السعيدية الرابعة ( 6 نيسان 1939 ) الى 18 شباط 1940 . ثم اشترك في الوزارة السعيدية الثامنة وزيراً للخارجية ( 25 كانون الاول 1943 3حزيران 1944 ) .

    وكان له في مجلس الاعيان الذي استمر عضواً فيه الى 17 تشرين الاول 1945 مواقف وخطب ، ابرزها معارضته لتعديل القانون الاساسي في حزيران 1943 مستنداً الى ظروف الحرب وتقييد حرية الاجتماع والكلام .

    وكان من ارائه الصائبة ان الحكومة قد ارادت بتعديل الدستور معالجة امور طارئة وغاب عن بالها ان الدساتير لا تشرع لمعالجة الثورات بل لتثبيت الاسس والقواعد الدستورية ، وانما تعالج الحوادث بالاصلاح الإداري والكياسة والحزم .

    وقد اعتزل محمود صبحي الحياة العامة بعد ذلك وانصرف الى اشغاله الخاصة . وله مكتبة تضم اكثر اثار الادب التركي
والتاريخ والوثائق العائلية والرسمية والسالنامات ( التقاويم ) التركية وغيرها من الاسفار والمخطوطات النادرة . وهو ، الى ذلك ، اعلم رجال عصره بالاصول والمراسم ( الاتيكيت ) وتقاليد الدواوين وخطوطها ، واخبار الاسر والبيوتات الكريمة ونوادر الرجال النابهين من عراقيين واتراك ، ممن سمع بهم وقرأ عنهم او عرفهم وخالطهم على مر السنين . وهو سياسي لبق ومحدث ساحر يطيل في سرد ذكرياته ومشهوداته الرائعة ، مسترعياً اسماع الحاضرين . ولكم يتقمص دور الاستاذ او المحاضر ليجلو صفحة ادبية او حادثة تاريخية وليروي الفائق من الشعر او النثر وليترجم لجلسائه عن التركية او الفارسية طرفاً وتحفاً تبدو كمخلوقات عجيبة من عالم ذهبي . قد غاب في الامس البعيد .

مجلس الجمعة

    لا يكون الكلام في سيرة محمود صبحي الدفتري كاملاً دون الاشارة الى " صالون الجمعة " ذلك المجلس الذي ورثه عن ابائه واجداده واستمر يعقده في داره صباح كل جمعة اكثر من اربعين سنة ، فتحضره الاجيال المتعاقبة من رجال الوجاهة والفضل والعلم والادب والسياسة والكياسة . ان هذا المجلس ليمثل خير ما كان ماثوراً عن بغداد القديمة وبيوتها الكريمة ورجالها اولي الرزانة والوقار .

     ومجالـس الجمعة كثيرة ،  لكن مجلـس  الجمعة اذا ذكــر

مجرداً عن النعت او القرينة في بغداد لم يخطئ السامع انه مجلس الدفتري ، ذلك المجلس العامر الذي يكثر قصاده ويختلف رواده : منهم المبكر والمضحّي ، والمكثر والمقل ، يؤلفون في جوانبه وابهائه الحلقات ، ويتجاذبون اطراف الحديث في شتى المواضيع ، من تاريخ واجتماع وعلم وادب وشعر وفكاهة ، بينما يطوف عليهم الخدم بالقهوة والشاي والمرطبات حسب المواسم .

       اما رب الدار فمثال اللطف والحنكة والبشاشة ، يفيئ على مجلسه ظلاً من روحه وارفاً ، ويغمر ضيوفه برقته وفضله . يتنقل بين صفوفهم ، فيخاطب هذا ويداعب ذاك ، وياخذ بمجامع البابهم حين يروي لهم طرفة من ذكرياته او يتلو عليهم تحفة ادبية رائعة من مختارات ذوقه السليم . وإذا كان "الاستقبال " فناً لا يحذقه الا من كان فيه طبع لا تطبع ، فان مضيافنا الكريم قد حازه سليقةً واتقنه خليقة وابدع فيه ما شاء له الابداع .

      وللوطنية في هذا المجلس دولة ، وللادب فيه صولة
وجولة ، فاحاديثهما تغلب على سائر الاحاديث ومواضيعهما
تمتاز بالطرافة الطلاوة . ولكم اتيح لهذه الندوة ان تستمع الى احاديث ، منها ما يفور حماسة وما يتدفق بلاغة ، ومنها ما يلذع سخرية وتهمكاً وما يتروق حكمة ووقاراً ! . ولقد تقرقر
" النارجيلة "  في طرف من اطراف البهو الكبير ، فيؤلف  صوتها

ايقاعاً راتباً على وتيرته حديث المتكلمين .

    لقد انفرد هذا المجلس البهيّ بميزة اختص بها: فقد ابيحت حرمه لقطط اصيلة ، فسرحت في " مدينة الضيوف " ومرحت مثلما فعلت اخوات لها في"مدينة الكتب"التي حدثنا عنها اناتول فرانس في قصة بطله الخالد " سلفستر بونار ". واية قطط هذه القطط العزيزة؟

قطط لاحت ( امر عجب ! )                ولهـا راس ولهـا ذنب

ولهــا فهم ولهـا ادب                 ولها حسـب ولهـا نسب

تغدو وتروح على المهل                  ليـس تدري  ماذا الارب

وتداعب ضيفاً فـي غنج                 فيحــار اجـد ام لعب ؟

فوقـار جاء بلا كلــف                 ودلال بـان و لاســب

واذا ملـت مرحا وعنـا                 طلبت مثوى فيـه رحـب

ومضت تغفو لا يوقضها                  صـوت او يقلقهـا طرب

اترى كسـل قد ابعدهـا                 حقـا ام اعياهـا التعب ؟

علمت عن حدس او فطن                ان واتاهــا حظ عجـب

فغدت بالقسمة راضيـة،                  لاتنغص عيشتها الكرب .

 

عبد الحق حامد

    ان الدفتري المعجب بعبد الحق حامد الشاعر ، المقدس لعبد الحق حامد الرجل ، يحتفظ ببعض القصائد بخط عبد الحق
اعز تراث واثمنه لديه . وكثيراً ما يروي شعره ويحدث جلساءه عن سيرته ونوادره .

      كان عبد الحق حامد قد تزوج  في شبابه " فاطمة " وانجبت له ابنه حسين بك ، ثم توفيت في ريعان الشباب في بيروت فحزن عليها حزناً شديداً ونظم في رثائها ديواناً كاملاً من الشعر الشجيّ باسم " مقبر " ( المقبرة ) . ( ترجم قسماً من هذا الديوان الى العربية الاديب الكركوكي فهمي عرب اغا وطبعه كراريس في بغداد سنة 1953 ) . ومضت الاعوام ، وعين عبد الحق سفيراً للدولة التركية في بروكسيل ، فالتقى بفتاة فرنسية جميلة واقترن بها على كبر . وجاء بها الى الاستانة فكانت ربة داره وسلوى ايام شيخوخته .

      حدثنا استاذنا الدفتري قال : كانت هذه الفرنسية اللعوب (لوسيين) متحررة في بيئة متزمتة لا تستسيع تلك الحرية وفي دار رجل له مكانته  في قومه شاعر وسفير سابق ونائب لرئيس مجلس الاعيان . فقرر اصدقاء الرجل ، وفي طليعتهم سليمان نظيف ، ان ينبهوه الى مسلك قرينته ويسالوه الحد من تحررها . فزاروه في داره وفاتحوه في الامر ، لكنه وهو الاديب المرهف الحس الذي عاش في اوروبا سنين طويلة ، لم يكترث بتحذيرهم واعارهم اذنا صماء . فقرر سليمان نظيف ان يمتنع عن زيارة عبد الحق حامد في داره لانه طعن في ربة البيت . ولما كان لا يستطيع الصبر عن لقائه ، اتفق معه ان يجتمع به مرتين في الاسبوع في بعض المقاهي الراقية .

      وفي ذات يوم جاء نعي حسين بك نجل الشاعر العظيم من واشنطن ، وكان قنصلاً عاماً لتركية فيها ، فذهب محمود صبحي لتعزيته ، قال : وجاءني سليمان نظيف وسالني ان اذهب الى عبد الحق وادعوه الى بيته كي يقدم تعزيته اليه اذ قد حرم على نفسه زيارته في داره . وكان كذلك ، فمضى عبدالحق بصحبه الدفتري الى دار سليمان نظيف ليتلقى تعزيته في نجله ! .

       ودارت الايام دورتها واحتل الحلفاء الاستانة وسرح رجالهم وضباطهم في ربوعها . وتعرفت زوجة عبد الحق حامد باحد الضباط الايطاليين من النبلاء الاغنياء واتت الى زوجها الشيخ في بعض الايام وقالت : انك ولا ريب تحبني وتريد لي الخير . قال : اجل .

       _اذن اسمح بطلاقي لاتزوج الضابط الايطالي الشاب الذي يحبني ويستطيع اسعادي اكثر منك .

        ولم يتلكا الشيخ في اجابة سؤالها فتم الطلاق والزواج ، وسافرت الى ايطاليا مع قرينها الجديد. ولم تمض اشهر قليلة
حتى وردت الى عبد الحق دعوة من زوجة السابقة لقضاء اسابيع في قصرها الجميل على البحيرة ، فشد حقيبته ولبى دعوة مسروراً.

        ثم مضت شهور اخرى ، وتلقى الشاعر خطاباً من زوجه السابقة تقول انها شقية تعسة وانها ترغب في الرجوع الى عصمته والعيش بقربه عوداً على بدء ، فهل يرضيه ذلك ؟ . نعم ، لقد كان ذلك يسعده ويرضيه ! . وانه لمنظر رائع يجل عن الوصف ان ترى الشيخ الوقور ، مرتدياً بدلة " الردنكوت " وحاملاً باقة الورد ، يقف باسم الثغر ، محني الظهر ، في محطة القطار ليستقبل زوجته العابثة العائدة .

       وقال للذين لاموه على ما فعل : " اذا عشتم جيلاً او جيلين اخرين فلن تلوموني ، بل ترون الامر طبيعياً ! . "

      وتوفي عبد الحق حامد سنة 1937 ، فاكرمت الجمهورية التركية ذكراه ، وخصصت لارملته الفرنسية " لوسيين " راتباً خاصاً واحاطتها بالرعاية اللائقة بمن كانت زوجة اكبر الشعراء الترك في العصر الحديث .

      ولقد كان عبد الحق حامد من رجال  الدولة المرموقين خدم في المناصب العامة حقبة من الدهر الطويلة ، لكنه كان مع ذلك كثيراً ما تتغلب عليه بوهيمية الشاعر . فقد افضى الى محمود صبحي انه احتاج الى النقود في بعض الايام وهو سفير
في بروكسيل على عهد السلطان عبد الحميد الثاني فباع وسامه المرضع بالماس ليحصل على مال يفرج عنه الضيق . وساله الدفتري  وهل علم السلطان بذلك ؟ فقال : نعم ، لقد علم بالامر بعد حين فامر بان امنح بديلاً عنه .

       من ذكريات محمود صبحي التي حدثنا عنها ان الحرب العامة نشبت سنة 1914 وخاضت الدولة التركية غمارها وسرعان ما حاقت بها الخسائر والمصائب ، وعبد الحق حامد ساكت لا يفوه بكلمة . وعتب عليه ، قيل له : انت شاعر الامة ، فكيف تلتزم الصمت والامة في محنتها ؟0

       نظم عندئذٍ قصيدته العصماء في الوطن ، استهلها بذكر امه وحنانها ، وكانت اسمها فتحية هانم ، اديبة فاضلة تقول الشعر بالفارسية والتركية والعربية . ثم تخلص الى ذكر الوطن ، وقال ان الوطن هو الام التي تحنو على ابنائها وتنشئهم نشأة حسنة فواجب عليهم محتوم ان يراعوا عهدها ويخلصوا لها ويدافعوا عنها .

 

وكانت قصيدته تلك خير مساهمة في الحرب

 

 

 

 

ذكريات عن سلاطين آل عثمان

 

كان حديث محمود صبحي عن سلاطين آل عثمان اشبه بالمحاضرات التاريخية الممتعة ، فقد رسم صورة حية للسلطان مراد الرابع فاتح بغداد ، ذلك الفتى الجسور الى حد التهور ، القاسي القلب الذي لم يعرف معنى التردد والتراجع ، فرض نفسه بحوله وطوله على وزرائه والجيش والشعب ، واصبح حاكماً بأمره في العشرين من سنه وقضى نحبه في التاسعة والعشرين .

اما خلفه السلطان ابراهيم المجنون فحديثه عجيب غريب ، فقد كان منصرفاً الى العبث واللهو ، تاركاً مقاليد الاحكام الى والدته. وكان يصف المئات من جواريه الحسان عصر كل يوم في حديقة قصره المطل على بحر مرمرة ليرقصن بين يديه عاريات. فلما قيل له ان اصحاب القوارب المارة في البحر يتفرجون على هذا المشهد الخليع ، امر بمنع سير السفن والزوارق عند الاصيل ! . وكانت خاتمته ان تمرد عليه الجيش وفتك به فتكاً .

والدفتري يقدر السلطان عبد الحميد الثاني ويعجب  بوقاره

وعظمته . ويذكر له موقفين يدلان على رباطة جاشه وقوة شكيمته: الموقف الاول حينما حاول الارمن اغتياله في اب 1905. وكان من عادة السلطان ان يذهب الى صلاة الجمعة في موكب عظيم ، فاذا خرج من الجامع وقف له الناس وصعد الى عربته التي يجرها جوادان مطهمان ، اخذاً العنان بيديه ليعود الى القصر . وكان وقت الخروج وسير الجوادين المدربين معيناً بدقة واحكام لا يتاخر دقيقة واحدة ، فوضع ارباب المؤامرة قنبلة زمنية في طريق العودة من الجامع موقتة لتنفجر عند مرور المركبة السلطانية . لكن حدث لحسن حظ عبد الحميد انه في ذلك اليوم المقرر تاخر دقائق قليلة عند خروجه اذ شاهد الشيخ ابا الهدى الرفاعي واقفاً ، وكان قد ابل من مرض طارئ ، فوقف هنيهة يساله عن صحته . وهكذا انفجرت القنبلة قبل مرور العربة بلحظات قليلة فسمع لها دوي هائل وبلغ من عنفها ان قتلت جمعاً من الناس والجند . ومرّ السلطان بين الاشلاء الممزقة والاعضاء المتناثرة لا تطرف له عين وبلغ قصره هادئاً ثابت الجنان(1) .

      اما الموقـف الثاني فكان في قصر " يلدز " في قاعة العرش

 


( 1 ) وصف عبد العزيز القصاب هذه الحادثة وصفاً مسهباً في كتابه " من ذكرياتي " ( 1962 ) ص35- 38 .

يوم العيد ، وقد جلس السلطان على اريكته الرفيعة ووقف الامراء والوزراء ورجال الدولة والمشايخ عن يمينه ويساره بالبستهم المزركشة . وفي جانب القاعة شرفة مرتفعة ضمت الجوق الموسيقي العسكري يصدح بالانغام الحماسية . وحدث فجاة ما لم يكن في الحسبان .

       قال الدفتري : حدثني عبد المحسن السعدون ، وكان مرافقاً للسلطان يقف وراءه مع سائر افراد الحاشية ، فاذا بهزة ارضية تزلزل اركان القصر . فساد الهرج والمرج وعمت الفوضى وهرب ارباب الدولة يتسابقون في الخروج من الابواب والنوافذ ويتعثرون بقلائد اوسمتهم وحمائل سيوفهم . اما السلطان عبد الحميد فلبث على عرشه لا يحرك ساكناً . وتقدم منه شيخ من اجلة الوزراء فقبل ذيل معطفه الفضفاض ، وخاطبه قائلاً : ليتفضل مولانا السلطان بالخروج لئلا يعرض نفسه للخطر . لكن السلطان ركله برجله . وكان الزلزال قد هدأ ، فرفع يده وأومأ الى الجوق الموسيقي بمواصلة العزف . وعاد الامراء والكبراء الى اماكنهم مخفوضي الراس ، يجرون اذيال الخيبة والخجل ، ليتابعوا مراسيم التهنئة والخضوع .

      ان رباطة جأش السلطان عبد الحميد في مواقفه الحرجة لا يضاهيها سوى موقف نابوليون الأول امبراطور الفرنسيين حين دخل منتصراً الى موسكو عاصمة روسيا القيصرية .

       كان ذلك في 14 ايلول 1812 . دخل نابوليون الى
موسكو ، ولكن أين القيصر ، أين الجيوش ، أين سكان
المدينة ؟. وجد الشوارع والدور خالية تنعي من بناها وكأنها بلدة مسحورة تسكنها الأشباح. ومضى الى قصر الكرملين ، تحف به حاشيته وقواده ، وسار في الدهاليز الفخمة والحجر الباذخة والقاعات الأنيقة ، أثاثها من الذهب والأرجوان ، ومجالسها من الحرير والدمقس ، وزينتها تبهر العيون بنفاستها ورونقها . وهذه قاعة العرش
، لكنها خالية خاوية كغيرها من الغرف والممرات والقاعات.

      ونظر العاهل الذي أذهله العجب وعقد لسانه ، نظر من النافذة فلم ير إلا السكون الذي أناخ على المدينة بكلكله الكثيف الثقيل . وفجاة ، وقد حل الليل ولف البلدة المهجورة بظلامة الدامس ، ارتفعت في أقصى الجهات الأربع ألسنة النار ؟ . ماذا ، أيحرق الروس عاصمتهم العظيمة ، أم تلك أحلام كاذبة تنسجها أيدي الخيال ؟.

    لكن تلك لم يكن الا الحقيقة التي لا ريب فيها . وقد جاء الضباط والجنود يتراكضون ويقولون ان النار قد شبت في البيوت والطرق واحاطت بالمباني والميادين ، وهي تقترب من قصر الكرملين بسرعة فائقة . وارتبك بعض افراد الحاشية ، لكن الامبراطور كما قال مرافقه الكونت دي سيغور لم يفقد رشده. ثم قيل ان القصر ملغم وعما قليل ينفجر ، فهلع بعض الحاضرين ، ووقف الضباط جامدين ينتظرون قرار قائدهم . وافتر ثغر الأمبراطور عن ابتسامة غريبة وهو غير مصدق للنبأ . وجاءت الريح بالدخان ، وتطايرت ذرات الرماد في الهواء ، وحاول الأمراء الأقربون جر سيدهم واخراجه من هذا الجحيم الذي يطبق عليه لكنه لم يحرك ساكناً . وصاح صائح ان النار قد شبت في اركان القصر ولم يزد الأمبراطور على ابداء اشارة الغضب وعدم المبالاة. ثم سار بخطى ثابتة ، ونزل السلالم ، وخرج الى الشارع ، وامر ان يمضوا به الى خارج المدينة الملتهبة .وكانت النار قد أحاطت بالبلدة وسدت المنافذ ، وبعد لاي وجد طريقاً بين الضخور يفضي الى النهر مر منه العاهل يتبعه اصحابه وجنوده ، وهو محتفظ بهدوئه وجلادته !.

 

نوادر ولاة بغداد

 

      ان معرفة الدفتري بولاة بغداد واخبارهم لا يدانيه فيه مدان ، وقد عرف فريقاً من متأخريهم معرفة شخصية.ومن الولاة الذين سمع بهم وعلم احوالهم تقي الدين باشا آل المدرس الحلبي الذي ولي امور بغداد مرتين ، وقد نشأ على ما اخبرنا استاذنا الدفتري نشأة دينية واصبح مفتي حلب . كان لبقاً فطناً جريئاً الى حد لا يتفق وحرمة الافتاء ، فعزله الوالي . وقرر الشيخ تقي الدين ان يشخص الى الاستانة ليشكو والي حلب الى الصدر الاعظم، لكنه راى الذهاب اولاً الى المدينة المنورة ليتبرك بزيارة قبر الرسول الاعظم ثم يعرج من ثم على دار الخلافة .

      ولما وصل اليها بعد مضي وقت طويل ، سال عن الصدر الاعظم فقيل له انه نفس الوالي الذي تركه في حلب وقد استدعي خلال ذلك الى العاصمة وقلد منصب الوزارة . ولم يفت ذلك
 في عضد الشيخ فطلب مواجهة الصدر الاعظم وقال له : يا
سيدي ، لقد عزلتني بغير حق . وقد جئت الى الاستانة لأشكو امري الى الصدر الاعظم بعد ان زرت قبر النبي ، فالان اشكو اليك والي حلب  سائلاً اياك النصفة والعدل .

      فابتسم رئيس الوزارة وقال : ايها الشيخ ، انك اصلح للادارة منك للقضاء ، فهل ترضى ان تخلع العمامة والقفطان فتكون متصرفاً ؟. قال : نعم . وعين تقي الدين بك متصرفاً واظهر في منصبه الجديد مقدرة وكفاءة ، ولم يمض طويل وقت حتى عين والياً في بغداد ، وعمره نحو 35 سنة .

      وبلغ من ذكاء تقي الدين باشا انه كان يزور الاستانة ذات مرة فدعي الى مقابلة السلطان عبد الحميد . فلما مثل بين يديه وانحنى ليلثم اذياله سقط الوسام المعلق على صدره ، فما كان من الوالي الا ان قال : " ان الوسام يقبل اقدام مولانا صاحب الجلالة ويساله الترفيع " . فامر السلطان بمنحه وساماً اعلى درجة .

      ومن الولاة الذين اعجب بهم الدفتري مصطفى عاصم باشا الذي كان له شأن في ولاية بغداد والشام . ابدى حزماً وصولة وقرر مرة ان يهين النقيب السيد سلمان لخبر بلغه عنه ، غير عابئ بمكانة النقيب لدى السلطان عبد الحميد . بيد ان بعض اشراف بغداد قد تمكنوا من تدارك الامر واعلام النقيب بتجنب حضور اجتماع مجلس الولاية حتى انجلى الامر .

      ويروي الدفتري ان عبد الوهاب باشا الالباني الذي تسنم منصب ولاية بغداد بعد ذلك ، وكان منسوباً الى مصطفى عاصم باشا ، كان يلعب الشطرنج مع اسماعيل الدفتري جد محمود صبحي ، فتوقف عن اللعب وساله : هل عرفت الوالي مصطفى عاصم ؟ . قال اجل ، وقد كنت رئيس البلدية في عهده . فقام الوالي عبدالوهاب وعانقه وقبله قائلاً : لقد كان رجلاً عظيماً حقاً . كنت متصرفاً في بعض الالوية التابعة لولاية الشام وعزلتني الدولة لامر بدر مني ، لكنه ابرق الى استانبول متحملاً التبعة هو نفسه وطالباً ابقائي في منصبي ، فبقيت

       وعرف محمود صبحي رئيس اللجنة الاصلاحية ووكيل الوالي ناظم باشا وهو غير فريق حسين ناظم باشا الشهير الذي صار والي بغداد بعد ذلك . فقد عين كاتباً بدائرة الولاية في زمانه وعهدت اليه مباشرة الامور السرية. وكان ناظم باشا هذا من رجالات الدولة القديرين ، اصبح بعد ذلك وزيراً للعدل في استانبول.

      وخلف في ولاية بغداد نجم الدين الملا ، وكان معمماً في نحو الاربعين من عمره ( 1908 ).

      ولم يطل امد ولايته اكثر من اربعة اشهر ، اذ استدعـي الى

 العاصمة التركية وقلد وزارة العدل . واستمر الدفتري يعمل كاتباً سرياً له في الولاية .

    قال الاستاذ الدفتري : استدعاني نجم الدين بك ذات يوم الى غرفته ودفع الي برقية رمزيه واردة من استانبول واخرج مفتاح الرمز من الصندوق الحديد وكلفني ان احل رموزها على مكتب في زاوية الغرفة . ولم اكد اجلس واشرع بالعمل حتى دخل سكرتير وقال للوالي : ان قنصل روسية القيصرية العام يريد مواجهته ، فاذن له بالدخول . وقمت انئذ اخرج بصمت ، لكن نجم الدين بك اشار الي بالجلوس ومواصلة العمل .

    دخل القنصل ، وكان معروفاً بالشدة والشراسة، فكلم الوالي بشأن من الشؤون واذا به يضرب على المنضدة بجمع كفه ويصرخ قائلاً : انني ممثل صاحب الجلالة القيصر ولا ارضى الاباجابة مطلبي !.. لكن تلك الوسيلة لم تخف الوالي ، فضرب وهو ايضاً بشدة على المنضدة ورفع صوته يقول : وانا ممثل السلطان الاعظم في هذا البلد ولا اسمح لاحد ان يتكلم على هذا المنوال بحضوري . وكان هذا الجواب كافياً لردع القنصل الذي قال بصوت هادئ الان نستطيع ان نتفاهم

    وكانت صلة الدفتري بسليمان نظيف الوالي الاديب وثيقة ، بدأت في بغداد وتطورت في الاستانة حتى اصبحت صداقة
ومودة . جاء هذا الوالي الى بغداد في اثناء الحرب العامة ، ولما استقبل الموظفين والمدرسين للتعرف عليهم ، استرعى نظره مدرس الادب التركي الشاب فاستبقاه لديه واخذ يباحثه في الشؤون الادبية . وكان الوالي يجلس للناس في صباح الجمعة فيحضر لديه اشراف بغداد وعلماؤها وادباؤها ، وفي مقدمتهم جميل صدقي الزهاوي
، وقناصل الدول وغيرهم. وفي احد ايام الجمعة، والمجلس غاص بالزائرين ، دخل السكرتير واسر في اذن الوالي ان الرجل قد احضر . فقام سليمان نظيف بك الى الغرفة المجاورة وامر بضرب الرجل ضرباً مبرحاً ولما عاد الى مجلسه اتجهت اليه الانظار متسألة فقال : ان السلطة العسكرية قد امرت بالاخبار عن الحبوب والبقول التي لدى الاهلين لتموين الجيش ، وهذا الرجل على ما علمت دأبه ترصد الفقراء والارامل وذوي الحاجة ورفع الأخبار عما قد يكون في حوزتهم من قمح وأرز قليل لمعيشتهم ، فلم ار بداً من تاديبه على الوجه الذي رأيتم

      هذا غيض من فيض ذكريات الدفتري ورواياته ، ولو شئنا تدوينها جميعاً لملانا مجلدات ضخمة.

 

 


 

الوالي عبد الرحمن باشا

  

       من ولاة بغداد الذين سمع بهم محمود صبحي الدفتري وحدثنا عنهم : عبد الرحمن باشا ابن الحاج علي باشا الذي تقلد الولاية مرتين سنة 1875- 1877 و 1879 1881 ، وكان صدراً اعظم على عهد السلطان عبد الحميد الثاني . كان عبد الرحمن باشا معروفاً بالحرص على التقاليد الرسمية (البروتوكول)، حتى انه كان يدعو ابنه حين يتحدث عنه : عارف حكمت باشا حضرتلري ، ولا يقول : ولدي عارف ! . وكان ابنه هذا قد تقلد وزارة العدلية العثمانية واقترن بالاميرة نائلة ابنة السلطان عبد الحميد سنة 1905 .

       وكان ممتاز الدفتري ( خال محمود صبحي ) قد اتم دراسته الاعدادية في استانبول وعين مدير ناحية في ولاية ادرنة ، وكان واليها انذاك عبد الرحمن باشا والي بغداد سابقاً وذهب مدير الناحية ليسلم على الوالي ، فساله عن اسمه ، فقال : ممتاز البغدادي . ولما سمع الباشا باسم بغداد ، هاجته الذكريات اليها ، فادنى الشاب منه وقال له :

   ـ انت من بغداد ؟ ومن أي محلاتها ؟

   ـ من محلة الحيدر خانة ، يا سيدي الباشا .

   ـ وهل داركم قريبة من دار ابراهيم افندي ( الدفتري ) رئيس البلدية ؟ .

   ـ ان ابراهيم افندي جدي ، يا سيدي الباشا ، ولما علم الوالي بذلك ربت على كتف ممتاز افندي واجلسه الى جانبه ولاطفه ، وقال للحاضرين : ان هذا الشاب حفيد صديقي ابراهيم افندي رئيس بلدية بغداد . وانا لا اذكر بغداد الا ذكرت ابراهيم افندي ، ولا اسمع اسم ابراهيم ، اياً كان ، الا ذكرت بغداد ! .

 

 

السيد سلمان نقيب

والوالي مصطفى عاصم باشا

 

      حدثني محمود صبحي الدفتري ان السيد سلمان الكيلاني نقيب الاشراف عاد من استانبول سنة 1887 بعد رحلة نال فيها رعاية السلطان عبد الحميد الثاني والطافه وحصل على اوسمة رفيعة لنفسه وابناء اسرته . فاصبحت له مكانة مرموقة لدى الوالي والموظفين الاتراك فضلاً عن مقامه لدى الاهلين . وقدم بغداد انذاك والٍ جديد قوي الشكيمة ، معتد بنفسه هو المشير مصطفى عاصم باشا . وسرعان ما حدث خلاف بين الوالي والنقيب ، وتدخل الوالي في شؤون الاوقاف القادرية واراد الوقيعة بالسيد سلمان وتقليص نفوذه ، فقام هذا بالتشنيع عليه وشكايته الى الباب العالي في استانبول .

      وحل شهر رمضان ، وكان مجلس ادارة الولاية يجتمع في اثنائه ليلاً في السراي المطل على نهر دجلة . وكان اعضاء المجلس يتواردون على السراي بعد الافطار ، منهم في عرباتهم التي تجرها الخيل ، ومنهم على اقدامهم يتقدمهم خادم يحمل مصباحاً لينير الازقة المظلمة . وكان ابناء الاشراف والموظفون ياتون الى السراي في ليالي اجتماع المجلس ، فيجلسون على نهر دجلة يتسامرون ويحتسون القهوة ويتسقطون الاخبار الرسمية وشؤون الولاية . والتأم المجلس ذات مساء ، وجاء مصطفى عاصم باشا يتميز غيظاً بعد ان سمع بشكاية النقيب عليه ، ودخل وعيناه تقدحان شرراً وقال : أين النقيب ، لاهيننه الليلة واعرفه منزلته واضعه في موضعه فلا يتطاول بعد هذا على مقام الولاية.

       وكان السيد سلمان ، وهو من اعضاء المجلس . قد تاخر في المجيء . فخرج اسماعيل الدفتري ( جد محمود صبحي ) من قاعة الجلسة ونادى ابنه فؤاد ، وكان حاضراً في السراي ، وافهمه الموقف وقال له : اذا جاء السيد سلمان فكلمه متلطفاً وحل دون دخوله الى القاعة . وأوصاه ان لايخبره بما دار في المجلس لانه رجل جريء مقدام ولا يتورع عن مجابهة الوالي وتحديه علناً ، وتكون انذاك الطامة الكبرى .

       وقف فؤاد الدفتري في باب السراي . ولم تمض دقائق
حتى قدمت عربة النقيب . فترجل بابهة ووقار ، واسرع فؤاد فحياه باحترام فائق واخذ بيده وقال له : سيدي النقيب ، الا
تتفضل فتشرفنا هنيهة وتشرب القهوة معنا ؟ . قال النقيب : ولكن المجلس قد اجتمع . فلاطفه فؤاد وقال له : ان الجلسة تنتهي قريباً ولا يليق بك ان تحضر اواخرها . وما زال به حتى مضى الى مقاعد الاشراف والشبان على شاطئ النهر ، ولعله علم ان شيئاً ما قد حدث فالافضل ان لايحضر الاجتماع .

      واستمر النزاع بين الوالي والنقيب حتى ابتليت بغداد بوباء الهيضة في ايلول 1889 وتوفي بها حبر اليهود الحاخام عبدالله ابراهيم سوميخ ، فدفن في مرقد يوشع الكاهن الاكبر بجانب الكرخ . وامر الوالي باخراج جثته واعادة دفنها خارج السور ، فهاج اليهود وشكوا الامر الى السلطان .

      وتفاقمت القضية ، فاستدعى الصدر الاعظم الوالي على الة البرق وكلمه بحضور السلطان يساله عن الموضوع فتكلم مصطفى عاصم باشا بحدة . قال له الصدر الاعظم : ان مولانا امير المؤمنين حاضر يستمع الى افادتك ، فقال الوالي : انا خادم مولانا السلطان والثم قدميه . لكنه لم يخفف من غلوائه ، فأمر السلطان بنقله من ولاية بغداد فوراً الى ولاية أطنة ، وهي من ولايات الصنف الثالث.

      غادر المشير مصطفى عاصم باشا بغداد بعد ايام قاصداً الأناضول عن طريق عنة وحديثة وحلب. ورق له قلب السلطان فامر بنقله والياً للشام بدلاً من اطنة ، والشام مثل بغداد من
ولايات الصنف الأول . ووردت البرقية الى بغداد بعد مغادرة مصطفى عاصم اياها ، فاستدعي احد الضباط وكلف باللحاق به وتبليغه الامر السلطاني في الطريق .

       امتطى الضابط صهوة جواده وقطع المنازل بلا هوادة ولا راحة ، حتى ادرك الوالي المنقول في حديثة ، فتبلغ بالامر مسرورا وانعم على الضابط بهدايا ثمينة . ومضى الى دمشق مركز ولاية الجديدة .

       وقد توفي مصطفى عاصم باشا بعد سنتين ( 1891 ) .

 

 

 

رئيس الهيئة الاصلاحية

 

كان ناظم باشا رئيس الهيئة الاصلاحية من رجال الدولة التركية البارزين بالرغم من صغر سنه ، اذ لم يكن بتجاوز عمره حين قدم العراق 45 عاماً . وقد اقترح تأسيس مدرسة حقوق ومدارس اخرى ، وطلب عزل واليي الموصل والبصرة ونقل والي بغداد ، فنفذت مقترحاتها جميعاً .

      وكان والي البصرة انذاك ينتمي الى اسرة مرموقة ترتبط بوشيجة المصاهرة مع الاسرة العثمانية المالكة ، وكان ابوه من الصدور العظام . لكن هذا الوالي الشاب كان مرتشياً لا يعبأ بالقانون ولا يخاف العقاب وكانت زوجته فرنسية . وقد استطاع خلال اشهر قليلة من مكوثه في البصرة ان يجمع 25 الف ليرة ذهب . واقترح رئيس الهيئة الاصلاحية عزله . فعزل بالرغم من نفوذ عائلته .

      قال محمود صبحي الدفتري : ورد امر عزل الوالي من استانبول برقياً عشية عيد جلوس السلطان عبد الحميد ، فذهب مدير البرق اليه ليبلغه بالعزل . فقال له الوالي : ان غداً عيد الدولة ويجب علي ان احضر مراسيم الاحتفال باسم السلطان ، فارجوا ان تحتفظ بالبرقية الى ظهر الغد فتبلغني بها بعد انتهاء التشريفات . ووافق مدير البرق على ذلك .

      واسرع الوالي المعزول فعمل الترتيبات اللازمة للسفر على باخرة انكليزية تقلع من الميناء ظهيرة الغد . وفي الصباح ارسل زوجته وامتعته والليرات الذهبية الكثيرة سراً الى الباخرة اما هو فلبس بزته الرسمية وتقلد اوسمته وترأس الاحتفالات عيد الجلوس. وتقبل تهاني الموظفين والاهلين في السراي، ثم مضى الى الميناء لتحية القوة التركية البحرية. ولما انتهى من ذلك استقل زورق الولاية البخاري مع مرافقيه وحاشيته ، وبدلاً من العودة الى البصرة امر الملاح بالتوجه الى الباخرة البريطانية وقال لاصحابه وهو يهم بالصعود اليها : انني قد عزلت من الولاية ، وفي وسعكم تسلم البرقية من مدير البرق . فاستودعكم الله ، فانني مسافر على هذه الباخرة عائداً الى بلادي .

      ولكنه لم يرجع الى استانبول بل ذهب الى مصر عن طريق بمبي ، واقام فيها متمتعاً بثروته المحرمة .

 

 

 

عودة الى عبد الحق حامد

وادباء الترك

 

حدثني محمود صبحي الدفتري عن اول لقاء جمعه
بعبد الحق حامد فقال : وصلت استانبول لاول مرة في نيسان 1917 . ومرت ايام قليلة ، وفيما انا سائر في الشارع بصحبة فؤاد الجيبة جي النائب في مجلس المبعوثين ، اذا به يجرني من يدي جراً ويقول : انظر هناك
، هذا عبد الحق حامد شاعر الترك يأتي قبالتنا ! . وتقدم منا عبد الحق ومعه سليمان نظيف بك والي
بغداد الاسبق ، وسرعان ما عرفني بالشاعر الشيخ . ومد يده يصافحني فاخذتها لاقبلها ، لكنه سحبها . فقال له الجيبة جي : دعه يقبل يدك ، يا استاذ فهو هائم بك ، عاشق لادبك ، وطالما حدثنا عنك في بغداد ، وقرأ لنا شعرك وترك دروسه
، وهو
طالب ، ليكب على المطالعه " مقبر " و " طارق "
ودعاني
عبد الحق حامد الى زيارته في منزله فذهبت اليه مع سليمان
نظيف ولما خرجنا من لدنه ، وقف الشاعر الكبير ونحن نودعه عند الباب ، ولم يتورع عن الباسي معطفي لفرط ادبه ومجاملته . فادرت له ظهري ورفعت كتفي وقلت : تفضل يا أستاذ ، والبسني معطفي كما تشأ . وإن اولادي واحفادي سيفتخرون بعد اعوام مديدة ويقولون : ان عبد الحق حامد قد البس ابانا معطفه ! .

      وقد كلف الشاعر الكبير محمود صبحي بنسخ اشعار له . فنسخها بعناية واعاد الاشعار المنسوخة بخطه محتفظاً بالاصل الذي بخط عبد الحق تذكاراً .

*******

       كان فائق عالي شاعر الجمال ، يهيم به ويتحسس ويهش له ويتحمس . كان مأخوذاً بجمال الطبيعة ، وجمال النفوس ، وجمال الوجوه ، فلم ير غادة جميلة إلا نظم فيها شعراً. قال محمود صبحي الدفتري : كنت جالساً واياه ذات يوم في مقهى طوقاتليان ، ارقى اندية استانبول ، فمرت الانسة سيسيل وامها . والانسة سيسيل فتاة رائعة الجمال لم يخلق الله لها مثيلاً ، ولدت في بغداد لام فرنسية واب مجري ، فلما احتل الانكليز بغداد هربت عائلتها الى العاصمة التركية خوفاً من الاعتقال. ودعوتها ووالدتها الى الجلوس، وقدمتها الى الاديب التركي الذي بهر حسنها انفاسه ، وقلت له : ألا تنظم فيها شعراً ؟ . قال : امهلني حتى استرد نفسي.

      وفي يوم التالي نظم فائق عالي قصيدة من اروع قصائده تغني فيها بجمال الغادة البغدادية وفتنتها ، وقرنها بجمال دجلة الخالدة وسماء العراق الصافية الزرقاء وبلاد السحر والروعة التي الهمت من قبل فضولي وسائر الشعراء . وترجم الدفتري معاني القصيدة للكاعب الحسناء فسرت بها ايما سرور . وقال عالي له ضاحكاً : انا اتعب لانظم الشعر وانتِ تقبض الجائزة .

      ومرت اعوام طويلة وعادت الفتاة الى بغداد وتزوجت ، ورحلت الى فرنسة حيث اتخذت مسكنها . وبعد خمسين سنة تلقى الدفتري رسالة منها من باريس تطلب قصيدة الشاعر التركي الذي تغزل بها قديماً .

      ولعلها تذكرت صباها الذاهب فتأسّت بصاحبة الشاعر الفرنسي رونسار ، تلك الغادة اللعوب المدللة التي خاطبها قائلاً :

      " حينما تبلغين من العمرعتياً ،  وانت جالسة تصطلين بالنار مساءً ، تنسجين وتحوكين على ضوء الشموع ، ستقولين اذ تنشدين شعري في زهو وخيلاء : ان رونسار قد اشاد بذكري يوم كنت رائعة الجمال " .

 

 

 

 

 

بغداد في العهد العثماني الاخير

 

حدثني محمود صبحي الدفتري انه يذكر ، وهو غلام يافع ، ان خاله رفعت الجادرجي ، وكان رئيس بلدية بغداد انذاك ، قرر ان يتفقد البلدة ليلاً . فاستدعى مساعده وعدداً من موظفي البلدية والمراقبين والحراس فاجتمعوا في داره في الليلة المقررة ولما اقترب منتصف الليل خرج الموكب يتقدمه حملة المشاعل والفوانيس النفطية وسار في الطرق الملتوية والازقة الضيقة المملوءة بالحفر والاخاديد كانت بغداد في مطلع القرن العشرين تهجع في الظلام يكاد يكون دامساً ، لايشقه إلا ضوء ضئيل من الفوانيس التي ثبتت على جدران المنازل في مسافات متباعدة . وكان المستخدمون المعنيون لهذا الغرض يخرجون كل مساء حاملين السلالم ووعاء النفط فيمرون بالازقة ويضعون النفط في الفوانيس ويوقدونها .

        وكان نورها من الخفوت بحيث يضرب البغداديون بها المثل قائلين : مثل فوانيس البلدية ما تضيئ إلا نفسها .

        ولم يكن في بغداد أي شارع يستحق هذا الاسم ، اذ ان
اول شارع قد شق خلال الحرب العظمى بامر الوالي خليل باشا وافتتحه رئيس البلدية رؤوف الجادرجي ( ابن رفعت الجادرجي ) في 23 تموز 1916 ، وهو الذي سمي في بادئ الامر جادة خليل باشا وعرف بعد ذلك باسم شارع الرشيد . وكان اهل بغداد
يعودون الى دورهم
قبل حلول الظلام ، فاذا اضطر احدهم الى الخروج ليلاً لشأن مهم ، حمل الفانوس بيده او حمله امامه بعض خدمه اذا كان من الموسرين .

        وسار رفعت الجادرجي في الازقة تتبعه حاشيته،
فتقد الفوانيس النفطية التي لم تكن تضيئ سوى نفسها
- كما
كان يقال
- ولاحظ الحراس الذين كانوا يسهرون في
منعطفات الطرق،ودوريات
"البوليس" القليلة التي كانت
تعقب السراق والمجرمين.ثم عاد الى داره في الهزيع الاخير من الليل.

       وظلت جولة رئيس البلدية حديث العام والخاص اياماً طويلة وعدت حدثاً ذا شأن قليل النظير ! .

     وقد وصف بغداد ذلك العهد الشاعر عبد الحسين الأزري فقال:

يريبك من بغــــداد ضيـق دروبهـا

                           كانـك تمشـي في دهـاليز مــن غار

وتزداد منها في دجى اللـيــل ريبـة

                        فلست ترى من مأمن خارج الدار
مصابيحــها ترنو اليك كانهــــا

                        عيون سنانير يفتشن عن فار
      وقال معروف الرصافي :   

أيا سائلا عنا ببــغداد اننــــا

                        بهائم في بغداد أعوزها النبت
علت أمة الغرب السمـاء وأشرفت

                        علينا فظلنا ننظر القوم من تحت
فنحن أنــاس لم نزل في  بطالة

                        كانا يهود كل ايامنا سبت
   وقال أيضاً يصف الشارع الكبير ببغداد:

نكـب الشاعر الكبير ببغداد  (م)

                        ولا تمش فيه الا اضطرارا
شـــارع ان ركبت متنيه يوماً

                        تلق فيه السهول والأوعارا
تترامى سنـابك الخيل فيـــه

                        ان تقحمن وعثه والخبارا
فهي تحثو التراب فيه على الأوجه (م)

                        حثـــواً وتقــذف الأحــجــارا

 

الدفتري واوستن ايستوود

 

كان المستر اوستن ايستوود من البريطانيين المعروفين في المحافل الاجتماعية في بغداد . جاء الى العراق في الحملة العسكرية خلال الحرب العظمى الأولى ، ثم انصرف بعد الهدنة الى الأعمال الاقتصادية ، فأسس اول محلج آلى حديث للقطن سنة 1920 ، وشجع زراعة هذا المنتوج بمنح القروض للزراع وايجاد اسواق خارجية للتصريف .

وكان رجلاً دقيقاً غريب الأطوار شديد الاعتزاز بنفسه ، وكان صديقاً حميماً لمحمود صبحي الدفتري الذي يشبهه في الدقة ومراعاة اصول " الاتيكيت " وحب المناقشة والكلام .

      كيف تعارف الصديقان ؟ كان محمود صبحي يجلس لأصدقائه ومحبيه في سنة 1919 و 1920 في الساحة المقابلة لدار ابيه في الزقاق المسمى باسم جده " ابراهيم افندي " في الحيدرخانة . فكان الخدم يرشون الساحة بالماء عصر ايام الجمعة في الصيف ويضعون فيها الكراسي والموائد ، ويهيئون القهوة و الشاي للزوار من " الهاي لايف " في المجتمع العراقي .

ولما كان الزقاق ضيقاً لا يتسع للمارة فقد كان احد الخدم يقف في منعطف الطريق ويرجو الناس ان يتحولوا في سيرهم الى عطفة اخرى .

       وحدث ان ارسل اوستن ايستوود بعض خدمه في مهمة خاصة، فلما جاء ليمر بزقاق ابراهيم افندي رجاه خادم محمود صبحي ان يمضي في طريق اخر .

       ولم يكن من الرجل إلا ان عاد الى سيده الانكليزي واخبره ان احدهم منعه من المرور في الطريق ليصل الى المحل الذي يبغيه. واخذت المستر ايستوود العزة وصاح : كيف يجوز لأحد ان يقطع الطريق على المارة في بغداد تحت الحكم البريطاني العادل ؟. واخذ عصاه واعتمر قبعته ومضى يتقدمه خادمه ليؤدب المذنبين .

      وحينما بلغ الزقاق المقصود وهو يحتدم غيظأ قوبل باحترام واخذ الى صاحب الديوان المعقود في الطريق الذي رحب به واجلسه في صدر المجلس . وتم التعارف على قدح من القهوة فعقدت اواصر الصداقة بين " الجنتلمان " الانكليزي والوجيه العراقي .

      وكثيراً ما كان الخصام اول خطوة للتعارف والسلام .

 

 

 

قصص قديمة من الحياة

 

من القصص التي يرويها محمود صبحي الدفتري عن اشراف بغداد القدماء ان احدهم ، وكان من آل الربيعي الأسرة المشهورة ، عمل مديراً للواردات في ولاية البصرة اعواماً طويلة ولما اعتزل الخدمة وعاد الى بغداد ،دأب على الذهاب الى الفيحاء كل خريف حين يطيب الهواء لقضاء اسابيع مع اصدقائه وخلانه.

واصطحب معه في احدى السنين الفكه الظريف الملا عبدالله الخياط لينادمه في الطريق . ولما وصلا الى البصرة ركبا زورقاً في العشار للمضي الى المدينة . وكان الوقت مساءاً
والظلال تنشر جناحها على الماء ، والوجيه البغدادي ملتف
بعباءته لا يكاد يبين وجهه ، يستمع بلذة الى لطائف رفيقه وقصصه . وظهر فجأة على الشاطئ احد " القولجية " ، وهو شرطي مكافحة التهريب ، فنادى على القارب بالوقوف . لكن الربيعي اوعز الى النوتي بمواصلة التجذيف وعدم الاهتمام بايعاز القولجي . وغضب هذا ورفع بندقيته وصاح ب
أعلى صوته : قفوا حالاً وإلا رميتكم ! .  فلم يكن من السري ، الذي عرف في القولجي خادماً له كان قد اخذه معه الى البصرة وعينه في وظيفته، الا ان رفع راسه ببطء ووقار . وعرفه المأمور فارتبك وقال : عفواً ، اقبل يديك وقدميك

        فقال الملا ، وكان قد خاف ان يرمى برصاصة : يا سيدي ، ما دام لديك مثل هذا الجواز فلم لم ترفع رأسك فوراً لتنقذنا من صولة هذا الجبار ! .

*    *    *

حدثني محمود صبحي الدفتري ان بعض الاسر الموصلية المعروفة ولعلها الاسرة الجليلية او العمرية اشترت في اوائل القرن التاسع عشر مملوكاً كرجياً وربته على عادة ذلك الزمان . وسافر رب الاسرة الى استانبول فاصطحب مملوكه ، وكان غلاماً يافعاً ، وادخله في بعض المعاهد العسكرية ثم عاد الى الموصل تاركاً اياه في العاصمة العثمانية .

         وكان المملوك فتى ذكياً تفوق في دروسه وملك فنون
الفروسية. ومضت عدة سنين ، وقد انخرط في سلك موظفي
الدولة ومنح رتبة البكوية ، فارسل في مهمة الى البلد الذي نشأ فيه . وجاء الى دار سيده السابق فقبل يديه ووقف امامه باحترام
رافضاً ان يجلس الى الديوان. ثم نزع ملابسه الرسمية
وارتدى ملابس الخدم ومضى الى المطبخ يلاطف العبيد والجواري ويساعدهم في اعمالهم المنزلية .

 

 


محمود صبحي والادباء

 

شجرت نفرة بين الشاعرين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي فدعاهما محمود صبحي الدفتري الى حفلة عشاء في داره ودعا معهما نخبة من رجال البلد وادبائه ، وذلك في 8 كانون الاول 1928 . وكان ذلك حدثاً ادبياً من احداث بغداد القى فيه الزهاوي قصيدة قال فيها :

جمـع الاديـب الـحر صبحـي شملنـا

                         فـي داره، اكـرم بـها من دار!
لـو لــم تكـن لـي لحيـة وسـدارة

                         لحسبتنـي طيـراً مـن اللاطيار
    اما الرصافي فألقى قصيدة عنوانها " غادة الانتداب " ، وهي قصيدة سياسية جريئة وجم لها الحاضرون الذين جاؤوا للاستمتاع بمحفل ادبي وليس لمناقشة السياسة في تلك الظروف العصبية . قال الرصافي :

دع مـزعـج اللـوم وخـل العتـاب

                         واســمـع الى الامر العجيب العجــاب

وعرض بدار الاعتماد في جانب الكرخ ونعتها بالنعوت الشنيعة وشبه الحكومة بفتاة موقرة بالحلى ، مبرقعة بالنقاب ، مخضوبة الكفين ، تمشي مشية الدل والخيلاء وتخلب الناس بوضعها المنكر

قـال جليسـي يـوم مـرت بنا :

                         مـن هـذه الغـادة ذات الحجـاب ؟
قلـت لــه: تلـك لاوطـاننـا

                         حكـومـة جـاد بهـا الانتــداب
       اخبرني مصطفى علي انه كان مع نفر من اصدقاء الرصافي ومريديه ين
تظرونه في داره .

    فلما عاد من حفلة الدفتري وقص عليهم ما جرى ، سالوه ان يقرأ لهم قصيدته ، فقراها ، وساد الجمع الوجوم ، فلم ينطقوا ببنت شفة .

*    *    *

كان مجلس الجمعة يعج برجال السياسة والادارة
والادب ، وكان صاحبه محمود صبحي الدفتري لا يحب ان
تحتدم فيه المجادلات السياسية لان زواره ينتمون الى الاحزاب والفئات المختلفة ، فلا يريد ان يكون " صالونه " محل مناقشة وعراك . فاذا جرى البحث في المواضيع العامة وتطرق
الحاضرون الى الشؤون السياسية ، اسرع فشرع يقص قصة ممتعة من ذكريات استانبول ، او قرأ شعراً تركياً قديماً يفسره ويحلله ، او شغل المجلس بقططه واخبارها الطريفة . وفي ذات مرة رأى لجاجاً من احدهم في المناقشة ، فلم يكن منه الا ان صاح: أين فرج ؟ابحثوا عن فرج !
واستدعى خدمه وصرخ بهم ، والحاضرون يتسألون من هو فرج وما شأنه ؟ . ولم تمض لحظات حتى دخل عوني يتقدمه هرّ كبير يسير متمهلاً ، وكانه قائد منصور يلقي على الجمع نظرات متعالية .

        وضحك الحاضرون ونسوا المناقشة السياسية . وقال احد شيوخ العشائر بلهجته البدوية : أهذا فرج؟ . ظننت انه مدير ناحية

        وقد رأينا ابراهيم صالح شكر يلازم مجلس الدفتري ويتصدر حلقة الادب في احد جوانبه ، مطرق الراس ، قليل الكلام . اما احمد حامد الصراف فكان يصول ويجول ، يرتل الشعر ويروي النوادر واللطائف ويمزج العربية بالتركية والفارسية ويرطن بالانكليزية والفرنسية . وقد حضر صاحب المجلس حلقتنا في احد الايام واخذ يحدثنا حديثاً طويلاً والصراف لا يستطيع السكوت فيقاطع كلامه مرة بعد اخرى .

       قال الدفتري : يا احمد ، اعرني سمعــك دقـائق معدودات

ولا تقاطعني ثم تكلم كما تشاء . وسكت الصراف وتدفق الدفتري كالسيل الجارف ، حتى اذا ما فرغ من حديثه قام منصرفاً الى حلقة اخرى وقال : تكلم الان ، يا احمد ، كما تريد .

        ودعا الدفتري صديقه الدكتور رضا توفيق الاديب الوزير التركي الى زيارة بغداد سنة 1940 ، فلبث قي ضيافة الحكومة العراقية اشهراً . وكان رضا توفيق ، كالدفتري والصراف ، مولعاً بكثرة الكلام لا ينقطع سيل حديثه حتى ضاق به جلساؤه ذرعاً وطووا عنه كشحاً ، الا نفر مثلنا من الشباب ظلوا يزورونه ويصغون اليه باعجاب واحترام ، وهو يتحدث بلغات شتى وعن مواضيع مختلفة من الادب والموسيقى والتاريخ الى الطب والسياسة والاثار

 

 

 

محمود صبحي واستانبول

 

لعل محمود صبحي الدفتري قد احب في حياته شيئين كما احبهما من قبله اديب فرنسة الكبيرة بيير لوتي : تركيا والقطط .

احب لوتي استانبول السلاطين ، فلبس القفطان واعتمر العمامة ودخن النارجيلة وابتنى في داره في فرنسة مسجداً بمحرابه وسجاجيده وخطوطه العربية . واحاط نفسه بالقطط في داره وفي السفن الحربية التي خدم فيها ضابطاً بحرياً . وكتب اجمل الصفحات عن استانبول واحيائها القديمة وفتياتها المحجبات السجينات في قصور الحريم .

والدفتري ملأ داره وحديقته بعشرات القطط وعين لها خادماً خاصاً . وكان يرعاها ويدللها وياخذها بنفسه الى المستشفى البيطري اذا مرضت . وكان يبيح لها دخول " صالونه " والتنقل بين ارجل ضيوفه والجلوس الى جانبهم على الارائك الوثيرة .

اما حبه لتركية فنشأ عن نشأته في العهد العثماني وثقافته

التركية الاصيلة وقضائه سنوات في استانبول في نهاية الحرب العظمى الاولى وفي اعقابها . وقد تعرف الى كبار الادباء في ذلك العهد ، وظل يردد ادبهم وادب السابقين لهم الى اخر حياته . سكر باشعار فضولي وباقي ونفعي ونديم وعبد الحق حامد وسليمان نظيف . وزاره في بغداد المؤرخ والوزير الشهير فؤاد كوبرولو فاعجب بادبه وفضله ، وحمل الحكومة العراقية ، وهو وزير العدلية ، على دعوة الأديب الشاعر الدكتور رضا توفيق الى بغداد ،وهو المغضوب عليه من الحكومة الكمالية ، ضيفاً مكرماً .وقد مدح الدفتري بقصيدة تركية من الطراز الكلاسيكي الأصيل .ولولا ان العراق قد خرج عن دائرة الثقافية التركية بعد الحرب العظمى وان مصطفى كمال أتاتورك قد غير الحروف العربية واصطنع الثقافة اللاتينية فقطع الصلة بتركية العثمانية القديمة وادابها لكان الدفتري في عداد الادباء الكلاسيكيين الاتراك .

وقد زار اسطنبول بعد ذلك مراراً فذهب الى مكتباتها القديمة باحثاً عن الكتب الصفر ذات الحروف العربية . ان
اسطنبول التي احبها ، كما احبها بيير لوتي من قبله ، هي عاصمة السلاطين التي عرفت باسم " فروق " لتفريقها بين البر والبحر ، بين اوروبا واسيا . لقد تغيرت معالمها بعد نقل العاصمة الى
انقرة ، فلم يبق من مشاهدها الاصيلة ســوى الاحيـاء  الشعبية

والمساجد والمقابر والقصور السلطانية التي اصبحت متاحف .

    تلك اسطنبول التي قال فيها احمد شوقي يوم خلع السلطان عبد الحميد :

ســل يلديــزاً ذات القــــصـــور

                            هل جاءها نبأ البدور ؟ .
لـو تـسـتـطـيـع اجـابــــــة

                           لبتك بالدمع الغزير
اخـنـى عـليـهــا ما انـــــاخ

                          على الخورنق والسدير
ذهــب الـجـمـيـع فلا القصــور

                          ترى ولا اهل القصور
    تلك اسطنبول التي ودعها ولي الدين يكن يوم نفاه عنها السلطان عبد الحميد:

وداعا منـــك ، ياوطنـــي وداعا

                         ارى من بعده ان لا اجتماعا
         وقال أيضاً

ودع " فـروق " لقـد أجـد فــراق

                        ماذا تطيق ، هل الوداع يطاق ؟

         وقال يبكيها:

نفـدت دمــوعي والأسـى لا ينفد

                        اليوم يبكيني ويبكيني الغد
أفــروق ، مالك في البرية منجد

                        كلا ولا لي في البرية منجد
فستظلمين كما ظلمت بمعشر

                        سادوا وأكثرهم بأرضك أعبد
      وسوف يبقى ادب ييير لوتي وذكريات الدفتري صورة حية لعالم مضى بخيره وشره ، بعظمته وبؤسه ، بجماله الرومانتيكي وخياله المبدع القديم .

******

        توفي محمود صبحي الدفتري في بغداد في 7 كانون الأول 1979 .

 

 

 

محمود صبحي الدفتري

في أيامه الأخيرة

 

على أثر وفاة الدفتري كتبت إلي ابنته السيدة لميس زوجة خيري العمري في رسالة لها مؤرخة 18 حزيران 1980 تقول :

 " لقد عاش والدي تسعين عاماً ناقصاً 7 أيام : فقد ولد في بغداد في 14 كانون الأول 1889 وتوفي في 7 كانون الأول 1979 . وبقى الى آخر يوم من حياته قوى الملاحظة ، سريع النكتة ، راوياً للشعر . ولا أنسى انني سالته قبل وفاته بأيام معدودة عن الشعر الذي نظمه بحقه الشاعر التركي  المعروف رضا توفيق ، وكنت أعتقد أنه سيذكر لي أبياتاً قليلة منه ، واذا به ينبري وهو في فراشه بانشاد ما يقرب من العشرين بيتاً .

       " لقد رحل جميع اصدقائه قبله وعاش سنواته الاخيرة يعيد (ذكرياته) عنهم ويتسلى بها . ولم ينس ولا واحداً منهم ، وكنت انت احدهم .

       " في مساء ليلة وفاته عقب العملية الجراحية التي اجريـت

له كان يبدو بصحة جيدة ، وعاده الدكتور هادي السباك الجراح الذي اجرى العملية ، فقال له والدي : اتمنى ان تكون الصديق الدائم المستديم ، واتمنى الا اشفى حتى تزورني يومياً ، لانني لو شفيت فستكف عن زيارتي .

       " وقبلها بيومين كلم ابنتي صبوح بالتلفون وقال لها مشجعاً: إنني بحالة جيدة ، وبعد ايام قليلة ساخرج من المستشفى واشترى لك حاجيات كثيرة .

       ويمكننا القول انه بانتقال محمود صبحي الى الرفيق الاعلى فصمت اخر صلة للعراق بتركية القديمة ، بل اخر صلة بعراق الامس بارستقراطيته الاجتماعية والادبية واصول مجاملاته وصلاته الماضية .

 

 

 

تراجم قصيرة

       

 لابد ان نختتم بحثنا بمعلومات قصيرة عن السلاطين والولاة والادباء والاتراك الذين ورد ذكرهم في ذكريات محمود صبحي الدفتري :

السلاطين  

     1. السلطان مراد الرابع ( 1611 1640 ) ابن السلطان احمد الاول ، خلف عمه مصطفى الاول على عرش آل عثمان سنة 1623 وتسلم السلطة وعمره عشرون سنة .

     عرف بقسوته الشديدة ويقال ان ضحاياه تجاوز عددهم مائة الف . وقد قاد الجيش بنفسه في حربه مع الفرس فاسترجع بغداد سنة 1638 . وكان ينظم الشعر باسم " مرادي " .

      2. السلطان ابراهيم اخو السلطان مراد الرابع ، وقد خلفه على العرش سنة 1640 . كان ضعيف المدارك غير لائق للحكم ، فاستسلم للملذات وتحكمت والدته في شؤون الدولة ،
واضطربت احوال السلطنة . واخيراً قتل في عصيان الجيش سنة

 1648 وخلفه ابنه محمد الرابع ، وكان عمره سبع سنوات .

      3. السلطان عبد الحميد الثاني ( 1842 1918 ) ارتقى العرش سنة 1876 واعلن الدستور الذي وضعه الصدر الاعظم احمد مدحت باشا . لكنه لم يلبث ان عزل مدحت وفض المجلس النيابي والغى الدستور وتولى الحكم بنفسه مستبدأ في شؤون الدولة . وقد نشبت الثورة بقيادة حزب تركية الفتاة سنة 1908 واعيد الدستور . وفي السنة التالية قامت ثورة رجعية اخمدت فوراً وخلع السلطان .

       4. السلطان محمد رشاد الخامس ( 1844 1918 ) نصب سلطاناً خلفاً لاخيه السلطان عبد الحميد ( 1909 ) ولم يكن في يده شيء من الحكم . ودخلت تركية الحرب العظمى سنة 1914  الى جانب المانية فخسرت الحرب ومزقت الامبراطورية العثمانية .

       5. السلطان محمد وحيد الدين السادس (1861 1926) خلف اخاه السلطان محمد الخامس سنة 1918 وخلعه المجلس الوطني الكبير سنة 1922 فالغيت السلطنة وعهد بالخلافة الى عبد المجيد الثاني الذي خلع هو نفسه سنة 1924 .

ولاة بغداد

    1. الـوالي المصلـح احمد مدحت باشا  (1822 1884 )

تولى ولاية بغداد سنة 1869 ودام حكمه ثلاث سنوات قام خلالها بتامين الامن وانشاء مشاريع عديدة . واصبح بعد ذلك صدراً اعظم لامد قصير فوالياً لسلانيك . عاد الى الصدارة ووضع الدستور ، لكن السلطان عبد الحميد عزله واستبد بالحكم . وتولى بعد ذلك ولاية سورية سنة 1878 فولاية ازمير ، ثم حوكم بتهمة الاشتراك في اغتيال السلطان عبد العزيز ونفي الى الطائف حيث ادركته الوفاة .

       2. تقي الدين باشا ينتمي الى اسرة علمية تعرف بال المدرس في حلب ، نشأ نشأة دينية وكان مفتي بلده . ثم انتقل الى الادارة وكان متصرف شهرزور فوالي بغداد ( 1868 69 ) . وعين والياً لبغداد للمرة الثانية سنة 1880 الى استقالته (1887) ومضى الى استانبول حيث توفي سنة 1892 .

      3. عبد الرحمن باشا ( 1833 1912 ) وهو عبد الرحمن نور الدين باشا ابن الحاج علي باشا تولى ولاية بغداد مرتين ( 1875 1877 ) و ( 1879 1881 ) . عاد الى استانبول فكان صدراً اعظم امداً قصيراً . وعين بعد ذلك والياً لقسطموني فادرنة فوزير العدلية من 1895 الى 1908 .

      4. مصطـفى عاصم باشا كان واليـاً لا شـقودرة ونقل الى

 ولاية بغداد سنة 1887 فولاية سورية ( 1889 ) . وتوفي سنة 1891 .

       5. عبد الوهاب باشا الارناؤطي ( الألباني ) كان والياً سابقاً للموصل ، عين والياً لبغداد سنة 1904 ولم تطل ولايته اكثر من سنة .

      6. نجم الدين ملا عين والياً لبغداد سنة 1908 واستمر حكمه الى ما بعد اعلان الدستور . ثم عين وزيراً للعدلية فغادر بغداد سنة 1909 .

       7. ناظم باشا ( 1862 1909 ) ابن علي طيفور بك من اشراف ينيشهر ، تقلب في مناصب عديدة في الموصل وارضروم ودياربكر  وقسطموني . وعين رئيساً للهيئة الاصلاحية في العراق سنة 1908 . واصبح بعد ذلك وزيراً للعدلية العثمانية وقتل في اثناء الثورة الرجعية .

    وهو غير الوالي الشهير الفريق الاول حسين ناظم باشا ( 1849 1913 ) الذي ولى الحكم في بغداد سنة 1910 1911 وعرف بـ" مدحت باشا الثاني " لاصلاحاته التي قام بها رغم مدة ولايته القصيرة التي قلت عن سنة واحدة . وكان بعد ذلك وزيرا للحربية حتى اغتيل بسبب النزاع السياسي بين الاتحاديين والائتلافيين .

الأدباء الاتراك

     1. عبد الحق حامد بك(طرخان)(18521937)اشهر شعراء الترك في عصره ، ينتمي الى اسرة علمية عريقة . خدم في السلك الدبلوماسي في باريس وروسية واليونان وبمبي ولندن والهاي ، واخيراً كان سفيراً في بروكسيل . عين بعد صدور الدستور عضواً بمجلس الاعيان وكان نائباً لرئيسه خلال الحرب العظمى . انتخب نائباً بالمجلس الوطني سنة 1928 في العهد الجمهوري .

      اشهر مؤلفاته : " مقبر " قصيدة طويلة في رثاء زوجته فاطمة التي توفيت سنة 1885 . وقد نقل قسماً من هذه المرثية الى العربية فهمي عرب اغا وطبعها في بغداد سنة 1953 . وجدير بالذكر ان من الشعراء الذين نظموا ديواناً كاملاً في الرثاء الشاعر الانكليزي الشهير الفرد تنيسن ( لورد تنسين ) ( 1809 1892 ) وهو في رثاء صديقه آرثر هلام .

      ولعبد الحق حامد مؤلفات كثيرة منها : ما جراي عشق ، صبر وثبات ، دختري هندو ، طارق فاتح الاندلس ، صحراء ، اشبر ، زينب ، والدم ، طرخان ، الهام ، وطن ، مكتوبلر ، عبدالله الصغير ، يادكار حرب ، ابن موسى ، يابانجي دوستلر ، غرام ارضلر ، خاقان  الخ .

       2- سليمان نظيف بك ( 1868 1927 ) ابن الوالي الاديب سعيد باشا الديار بكري ، شاعر اديب عرف بارائه الحرة ونزعته الدستورية . كان والياً للبصرة وقسطموني والموصل وبغداد ( 1915 ) ولم يطل عهده في بغداد اكثر من ستة اشهر . له مؤلفات كثيرة منها : نامق كمال ، فضولي ، فراق عراق ، جالنمش اولكه ( الاملاك المسروقة ) الشاه ناصر الدين والبابية ، بطارية ايله اتش ( المدافع والنار ) الخ .

      وعرف اخوه الشاعر فائق عالي بك . ولد في ديار بكر سنة 1875 وكان متصرفاً للاستانة خلال الحرب العظمى الاولى واصبح والياً بعد ذلك . من مؤلفاته : الحان وطن ، مدحت باشا ، ومجموعات شعرية .

     3- نيكار هانم عثمان ( 1871 1918 ) عرفت شاعرة مجيدة .

     4- باقي ( 1526 1600 ) وهو محمود باقي شاعر الغزل والرثاء ، اتصل بالسلطان سليمان القانوني فقربه اليه ورعاه، ولما مات السلطان رثاه بقصيدة رائعة ترجم بعضها الى العربية وحيد الدين بهاء الدين في كتابه " اعلام من الادب التركي". ونال الحظوة لدى خلفاءالسلطان سليمان وعين قاضياً في استانبول والمدينة ومكة واخيراً شيخاً للاسلام .

     5-ابراهيم شناسي ( 1826 1871 ) من الشعراء المجددين ، اصدر جريدة ترجمان احوال وجريدة تصوير افكار له دواوين شعر ومؤلفات اخرى .

     6- نامق كمال ( 1840 1888 ) الشاعر الوطني الحر الثائر ، انتسب الى جمعية العثمانيين الجدد التي انشئت لمناهضة الادارة الرجعية وسياسة الاستبداد في عهد السلطان عبد العزيز ، فابعد الى ارضروم حيث عين معاوناً لمتصرفها . لكنه هرب الى باريس ولندن حيث واصل مساعيه الحرة . واعلن العفو العام فعاد الى استانبول لمواصلة العمل السياسي . وكتب المقالات النارية في الصحف ووضع مسرحية الوطن اوسلستر . وعطلت جريدته " عبرت " ونفي الى قبرص . واطلق سراحه بعد ثلاث سنوات فعاد الى العاصمة . وارتقى العرش السلطان عبد الحميد فنفاه الى جزيرة مدللي .

      وضع مسرحيات وروايات ومؤلفات تاريخية وترجم الى التركية بعض اثار مونتسيكو وجان جاك روسو .

     7- سليمان نسيب بك ( 1867 1917 ) وهو محمد سامي بك ابن القائد العثماني الشهير سليمان باشا . كان مدير معارف بغداد التي نشأ فيها بعد ان نفى السلطان عبد الحميد الثاني والده اليها . وعاد سليمان نسيب الى استانبول وكان مديراً عاماً لجامعتها " دار الفنون " . وقد رثاه عند موته معروف الرصافي وفهمي المدرس ومحمود صبحي الدفتري وابراهيم الحيدري الذي أصبح فيما بعد شيخ الاسلام ووزير الأوقاف العراقية .

       8- الدكتور رضا توفيق ( 1868 1950 ) الطبيب الشاعر الفيلسوف ومن رجال تركية الأحرار . أبعد عن تركية فكان مدير الآثار في شرقي الأردن . وزار بغداد سنة 1940 بدعوة من محمود صبحي الدفتري . وقد عاد بعد ذلك الى تركية وتوفي بها . له أشعار ومولفات عديدة منها كتاب عن عمر الخيام ألفه بالاشتراك مع الأديب الايراني حسين دانش .

 

 

 

 

 

 

محمد فاضل باشا الداغستاني

 

       في سهول داغستان الدافئة ووديانها المترامية من سفوح القفقاس الى شواطئ بحر قزوين تعيش القبائل الاسلامية منذ عصور ، قوية الشكيمة عزيزة الجانب ، تتنفس هواء الحرية ملء خياشيمها شأن افراسها المطهمة التي تعض ارسانها وتنفث الزبد من اشداقها ، وتنطلق كالرياح العاتية في الاراضي الممتدة الى خطوط الافق . لم تخضع هذه القبائل لحكم قيصر الروس في بطر سبورج الا بعنت وصعوبة . فلما رفع الشيخ شامل زعيمها الروحي والمدني راية الجهاد سنة 1834 ، دارت الحرب سجالاً بين فرسان القفقاس والجيوش القيصرية ربع قرن حتى اضطر الشيخ باسل في اخر الامر ان يعنو للقوة القاهرة ، فاستسلم والقى سلاح في سنة 1859 ، وقد احسن الروس معاملته وسمحوا له بالعيش في مدنهم تحت رقابة السلطة ، ثم مضى الى الحج فادركه الحمام في مكة سنة 1871 . وكان في نحو الرابعة والسبعين من عمره.

لقد خـلـد الكاتب الروسـي الكـبير تولسـتوي حيـاة هذا القوم

الابي المناضل في روايته " الحاج مراد " ورسم لابطال الجركس والجاجان والقفقاس وداغستان صورة حية رائعة الجمال .

        وفي سنة 1860 هاجرت جماعة كبيرة من رجال داغستان الى البلاد العثمانية واستوطنت ربوعها ، حتى اذا ما جاء مدحت باشا والياً على العراق سنة 1869 ، دعا فريقاً منهم الى القدوم، واسكنهم في بغداد وجهات المنصورية ، وعهد الى رجالهم مناصب في قوات الجيش والشرطة لما اتصفوا به من بسالة واخلاص في الخدمة .

        وفي مرابع داغستان الشامسة ، في قرية جوه من اعمال القفقاس ولد الفريق الاول محمد فاضل باشا في نحو سنة 1846 ، وكان ابوه داود لاو من السلالة الافارية من اسرة المشايخ المتصلة بالشيخ شامل بوشائج القرابة . ولما كبر وبلغ اشده اخذ الى بطر سبورج العاصمة شان اقرانه من ابناء الاشراف وادخل المدرسة العسكرية ، فتخرج ضابطاً في الجيش القيصري في الثامنة عشرة من عمره . ولم تمض ثماني سنوات حتى استقال من الجيش الروسي وذهب الى الاستانة مؤثراً اللحاق بزوج اخته الغازي محمد باشا ابن الشيخ شامل الذي انضم الى الجيش العثماني ونال الحظوة لدى السلطان .

         ونشبت الحرب التركية الروسية سنة 1877 فحارب محمد

فاضل في صفوف العثمانين برتبة رئيس اول واظهر شجاعة فائقة. وعلى اثر ذلك عينه السلطان عبد الحميد الثاني مرافقاً له ، ورفع في ايار 1882 الى رتبة امير لواء ، ثم عين قائداً للخيالة في الفيلق السادس في بغداد ( شباط 1884 ) .

    روى المهندس الانكليزي السر وليام ويلكوكس في مذكراته ، وكان قد تعرف بمحمد فاضل باشا في اثناء قيامه ببناء سد الهندية على الفرات قبيل الحرب العظمى ، ان الداغستاني كان من حرس السلطان عبد الحميد ، فانطلق اسد من قفصه فلم يكن منه الا ان تقدم اليه بسيفه وهاجمه حتى رده على اعقابه .

واشار الجواسيس على السلطان بابعاده بدعوى انه رجل خطر لا يهاب الاسود ، فينبغي الحذر من بأسه . وابعده السلطان الى بغداد، لكنه بقي بالرغم من ذلك يحترم الخليفة ويقدس ذكره ، ولو امره بالانتحار لفعل طاعة له .

    وفي صدد قضية الاسد ذكر هلال الصابئ في كتابه " رسوم دار الخلافة " عن المعتضد بالله الخليفة العباسي ان سبعاً افلت من يدي سباع في حضرته ، فهرب الناس من بين يديه مذعورين ، لكن الخليفة ثبت في موضعه .

       وذكر عباس العزاوي في المجلد الخامس من " تاريخ العراق بين احتلالين " ان احمد باشا والي بغداد من المماليك
خرج للصيد سنة 1732 ومعه الخيل والحشم ، فتوجه الى هور عقرقوف وسار في طريقه في الاجام . ووجد في تلك الانحاء اسداً، فهرب اعوان الوالي في هلع شديد ، لكن هذا اغار على الوحش الضاري بقوة ج
أش ورماه بحربة اصابت احشاءه ، ثم ترجل وصال واجهز عليه بسيفه . وغضب الوالي على اعوانه اللائذين بالفرار وانحى عليهم بالائمة ، فقال له ظريف منهم : ان اسدين تقارعا، فما شأن الكلاب بينهما !.واستشهد العزاوي ببيت المتنبي:

امعفـر اللـيث الهـزبر بسـوطه

                    لمن ادخرت الصارم المسلولا ؟.
       جاء محمد فاضل باشا الى العراق فقضى فيه زهاء ثلث قرن واسشهد على تربته . وقد اصبح من رجال بغداد المرموقين ، مهيب الطلعة ، كث اللحية
، اصم الاذنين ، منطلق الاسارير. وكانت داره موئل البغادة ، يقصدها العوام لمشاهدة الاسود
والدببة والقرود التي سجنت في اقفاص حديد بناحية منها ، ويرتادها الخواص لحضور مجلس القائد الذي يتصدر قاعة الاستقبال جالساً على سرج  حصان لشدة ولعه بالفروسية وتفضيله صهوة الخيل .

       وعهد اليه بتأديب عشائر الهماوند التي عاثت فساداً فطاردها في اطراف مندلي وخانقين ( 1885 1886 ) واسر رؤساءها وخضد شوكتها . ورفع سنة 1904 الى رتبة فريق وعين قائداً في لاهيجان وبسوه على الحدود الايرانية . وعاد الى بغداد سنة   1907 قائداً للفيلق السادس . وعهد اليه بوكالة ولاية بغداد ( ايار 1909 ) ، ثم عين والياً للموصل وقائداً لقواتها ( اب 1909 ) ، واعتزل الخدمة بعد ذلك .

        اعيد الى الجيش في تموز 1913 مفتشاً لفيلق العراق . وقاد حملة عسكرية لتاديب عشائر بارزان المتمردة بزعامة الشيخ عبد السلام . واسند اليه منصب الوالي بالوكالة مرة ثانية في 10 ايلول 1913 فقام باعبائه اربعة اشهر الى 18 كانون الثاني (يناير) 1914 حين قدم الوالي الاصيل جاويد باشا . واتيح له خلال هذه المدة ان افتتح سد الهندية الذي اقامه المهندس السر وليام ويلكوكس في 12 كانون الاول ( دسمبر ) 1913 .

       ولما اعلنت الحرب العامة واصطلت الدولة التركية بنارها عاد القائد الشيخ الى امتطاء فرسه وسل سيفه من غمده ، اذ عين قائداً لقوات العشائر والجيش غير النظامي في منطقة الحويزة ( اذار 1915 ) . وحارب في سوح العراق الجنوبية ، وانسحب مع قواته امام الجيوش البريطانية الزاحفة. والحق به الضابط النظامي توفيق بك الخالدي ضابط ركن ، وكان مع الحملة التركية من العلماء الشيخ مهدي الخالصي وعبد الكريم الجزائري وغيرهما . ووصل الداغستاني بقواته الى مدينة الكوت حين فرض عليها الجيش التركي الحصار . وفي معركة شنها الانكليز لرفع الحصار استبسلت القوات التركية وجموع العشائر في رد المغيرين وكتب لها النصر في ذلك اليوم ، لكن سقط الفريق الاول محمد فاضل باشا شهيداً في حومة الوغى في 11 اذار 1916 . وقد دفن في اليوم التالي باحتفال عسكري مهيب وانطلقت في رثائه السنة الشعراء ، ومنهم جميل صدقي الزهاوي وعبد الوهاب النائب

قال الزهاوي يندبه :

المــوت ، اذ وطن الابــي مهــدد

                      مجد يشايع او حياة تخلد
مامـــات في ارض الجهـاد  محمد

                      بل عاش في ارض الجهاد محمد
افديك مــن بطـل هوى عن طرفه(1)

                      والسيف في يده تشد به اليد
شبت من الجيشــين حرب نارهـا

                    تشوي الوجوه فلم يرعك المشهد
اذ كانـت الاعداء تــسعر نارهـا

                    والنار منك قريبة لا تبعد

(1) الطرفة : الجواد

ولقد رسـوت امام جـحـفلهم كـمـا

                     في صدر مجرى السيل يرسو الجلمد
اما الحمـام فـكـان يبـرز نـابــه

                    ويطيل من نظر اليك ويرصد
حيـث الق
نابل في ميــادين الوغــى

                   نفدت ، وعزمك وافر لا ينفد
النـاس حـــامـدة ثبـات  محمــد

                   والدين يحمد والمواطن تحمد
صاحوا:الجهاد،ضــحى فـلبى عالمـاً

                   ان الجهاد هو الطريق الاقصد
شبـت فـاقسـم بالبـــسـالة  انــه

                   بالرغم عن هرم به لايقعد
ما زال في ظل الهــلال مـجـاهــداً

                   حتى اصابته بمنفلق يد
فبكى عليه سـيفــــه وجــــواده

                   وبكى عليه صلاحه والمسجد
لاقـى الردى فــوق الجـــواد كانما

                   متن الجواد الى التلاقي موعد
لله تلك النــفـس والخلــق الــذي

                   يرضي وذاك الخاطـــــر المتوقـــــد

ورثاه عبد الوهاب النائب فقال :

ان القبــور تـباشــرت بـمحـمـد

                         الفاضل الندب الكريم الامجد
في النشـأتين له عظيـم مــفـاخـر

                         ودم الشهادة شاهد بالمقصد
ذاك الــذي بذل الحيـــاة لدينــه

                        ويلي عليه وويل كل موحد
      كتب عنه نجدة فتحي صفوة بعد اعوام طويلة فقال :" كان محمد فاضل باشا الداغستاني شخصية مهيبة ، له قامة فارعة ولحية بيضاء طويلة . وكان يوصف بالشهامة والكرم والتمسك بشعائر الدين ، وكانت له في بغداد وفي جميع انحاء العراق سمعة حميدة ، ومن الخصال ما حببه الى القلوب العشائر واهل المدن على السواء
"

         اعقب محمد فاضل باشا ولدين هما داود بك واللواء غازي. وبناته تزوجن اللواء عزت باشا الكركوكي والفريق احمد جودت العزاوي والدكتور شوكت الزهاوي وحكمت سليمان وتوفيق عبد الكريم السعدون ونجيب الراوي .

        روى عباس العزاوي قصة تدل على شهامة الداغستاني وفتوته . فقد القى القبض على حمه مام سليمان احد رؤساء الهماوند ، وذلك في انحاء خانقين حينما كلف بتاديب هذه العشيرة العابثة بالامن ، فاكرمه ومنحه فرساً وبندقية . لكن حمه مام انتهز الفرصة في احدى الليالي وفر هارباً .

        ولما علم محمد فاضل باشا بهروبه لحق به ، فقال حمه مام : ان كنت رجلاً فقف امامي وجهاً لوجه بمعزل عن الجيش ووافق القائد فتبادلا اطلاق الرصاص . وهرب الهماوندي ، وتبعه القائد على فرسه ولم يتركه حتى استسلم في مقر الحكومة في كركوك . وعابته على فعله ، فقال حمه مام : وماذا يأمل القائد من حمه مام بعد ان ملك بندقية وفرساً ؟ .

       وقال غازي الداغستاني ان اسرته سافرت به الى
كركوك بعد مقتل والده في حرب الكوت ، فلما عادوا الى بغداد قام اولاد حمه مام بحراستهم وفاءاً بحق ابيهم بعد اكثر من ثلاثين سنة.

        ولده : اللواء غازي محمد فاضل الداغستاني كان من المع ضباط الجيش العراقي . ولد في بغداد سنة 1910 ودرس في مدرسة الاليانس وكلية فكتوريا بالاسكندرية . وانتمى بعد ذلك الى المدرسة العسكرية في بغداد والتحق بالجيش العراقي سنة 1928. وقد اوفد لمواصلة دراسته في كلية الاركان في كويتا
بالهند( الحقت بعد ذلك بالباكستان ) ، واشترك في دورات
عسكرية في انكلترة وفي كلية ووليج في لندن، وقد اختص
بالهندسة . واشترك في حملة ت
أديب الاثوريين سنة 1933 ، وكان برتبة ملازم ثان .

       حارب الانكليز في ايار 1941 وكان برتبة رائد ركن واوفد في مساء 30 ايار الى السفارة البريطانية المحاصرة في بغداد لطلب الهدنة من السفير السر كنهان كورنواليس . وفي صباح 31 منه حمل علم الهدنة عبر الجسر الخر الحديدي امام أرتال الجيش البريطاني القادم نحو بغداد .

      وحارب في فلسطين في ايار 1948 . وتولى مديرية الاشغال العسكرية ، ثم عين سنة 1952 ملحقاً عسكرياً في السفارة العراقية في لندن . ورفع في كانون الاول ( دسمبر ) 1955 الى رتبة لواء ، وعين معاوناً لرئيس اركان الجيش وقائداً للفرقة الثالثة في بغداد .

       ولما نشبت ثورة 14 تموز 1958 اعتقل وحكم عليه بالاعدام ، ثم عفي عنه واطلق سراحه ( 1961 ) . مضى بعد ذلك الى لندن  وتوفي بها في 11 كانون الثاني ( يناير ) 1966 .

 

167

 



168

 

 

 

الفريق خليل باشا

 

والي بغداد التركي الاخير وقائد العراق امير اللواء خليل باشا ، وهو ابن احمد وعم القائد الشهير انور باشا وزير الحربية (1881 1922) .

ولد خليل باشا سنة 1881 وتخرج في المدرسة العسكرية في استانبول سنة 1904 برتبة يوزباشي ممتاز . حارب في طرابلس الغرب والبلقان ، واصبح سنة 1913 عقيد اركان حرب .

اشترك في حرب القفقاس ، ثم ارسل الى العراق ، وهو انذاك الزعيم خليل بك ، على رأس حملة عسكرية وصلت الموصل في اواخر شباط 1915 وحاربت القوات الروسية في اورمية وديلمان ، ثم انسحبت الى ولاية وان في ايار من السنة نفسها.وفي اواخر تلك السنة نقل الى ساحة الكوت قائداً للفيلق الثامن عشر بامرة قوات العراق الزعيم نور الدين بك .

    ورفع الى رتبة " مير لوا " وعين والياً لبغداد وقائداً لجيش

العراق في 12 كانون الثاني 1916 .

    عقدت عليه الامال وهنأه الشاعر عبد الرحمن ابراهيم المصري قائلاً :

يا قائــداً جيش العراق ، لك الثنـا

                            والحمد والشكران والاطراء
بـك لا بغيرك تستـرد بـلادنــا

                           وبسيف عزمك تمحق الاعداء
       تولى خليل باشا قيادة الجبهة العراقية ، وكان الجيش البريطاني قد تقدم من الجنوب واحتل الكوت في 28 ايلول 1915  بعد معركة السن التي دحر فيها الجيش التركي
واسر منه 1650 رجلاً . وزحفت القوات البريطانية في تشرين الثاني حتى بلغت سلمان باك ، لكن الجيش التركي صد هجماتها وكبدها خسائر جسيمة . واضطر القائد الانكليزي الجنرال شارلس تاونسند ان يرتد بقواته الانكليزية الهندية الى الكوت فبلغها في 3 كانون الاول وتحصن بها . وطوق
تها القوات التركية وشددت الحصار عليها ، ودارت الحرب سجالاً بين الفريقين حولها . لكن نفاد المؤن ارغم الجنرال تاونسند على الاستسلام بعد ان فقد الامل في الخلاص ، وحمل اسيراً مع 9250 رجلاً من الانكليز والهنود في 29 نيسان 1916. وكانت المحاولات التي بذلها الانكليز لاستردادها في الاسابيع السالفة قد كلفتهم فقدان 24 الف رجل . وقد عرضت الحكومة البريطانية سراً خليل باشا مبلغ مليون باون استرليني ذهباً لفك الحصار عن الكوت فابى . قال في ذلك ستيفن لونغريغ في كتابه " العراق1900 1950 " ماترجمته:" وقد لجأ الى محاولة يائسة ومنافية للياقة في سبيل شراء سلامة الحامية بالنقد من القائد التركي ، لكنها قوبلت بالرفض. فقد اوفد
(توماس ادورد) لورنس واوبري هربرت الى العراق للقيام بالمحاولة التي لم تحظ بقبول كوكس (السر برسي كوكس رئيس الضباط السياسين "

       لكن مجرى الحرب تغير في اواخر السنة بعد تعزيز القوات البريطانية وتعيين الجنرال السر ستانلي مود قائداً عاماً . وكان خليل باشا قد جاء الى بغداد في 11 ايار 1916 قادماً من ميدان الحرب في زورق بخاري مسلح وتولى مقاليد الولاية . وعرف لدى الاهلين بالميل الى العبث واللهو ، وقد شق شارعاً رئيسياً في بغداد سمي " جادة خليل باشا " ، ثم اطلق عليه بعد ذلك اسم شارع الرشيد .

        غادر خليل باشا مدينة بغداد قبيل سقوطها في ايدي الجيش البريطاني في 11 اذار 1917 وظل يقود الجيش التركي المنسحب الى الشمال . وكان اللواء علي احسان باشا نائباً له في ساحة الموصل ، ثم خلفه في القيادة ، فقام بتسليم المدينة بعد الهدنة في 8 تشرين الثاني 1918 .

      نقل خليل باشا في تموز 1918 الى ساحة القفقاس برتبة فريق وعين قائداً لجحفل الجيوش الشرقية . وفتح باكو في ايلول 1918 . وعند اعلان الهدنة اعتقل في باطوم ، لكنه هرب في اوائل 1919 وعاد الى استانبول . واعيد اعتقاله بتهمة تقتيل الارمن ، واستطاع الفرار في اب 1919 الى الاناضول . وكلفه مصطفى كمال باشا ( اتاتورك ) بالحصول على اسلحة ومساعدات مالية من البلشفيك ، فمضى الى روسية ووصل الى موسكو في ايار 1920 ، وحصل على بعض المساعدات .

      ثم قام بجولات في روسية وطرابزون تأييداً لمساعي انور باشا في إنشاء مجالس شعبية في الاناضول منافسة للحركة الكمالية . وقد طرده الكماليون من طرابزون سنة 1922 ومضى الى برلين . ثم عاد الى استانبول بعد انتصار الحركة الكمالية . واعتزل الخدمة برتبة فريق اول. وحين اعلن قانون القاب الاسر التركية سنة 1934 اتخذ لنفسه لقب (كوت) باسم المدينة العراقية  التي استسلمت له خلال الحرب العامة ، فاصبح يعرف باسم خليل كوت .

      وعاش بعد ذلك في استانبول حتى قضى نحبه فيها في
 21 آب 1957 . وكان آخر ولاة الدولة العثمانية في عاصمة العباسيين اختتمت به صفحة تاريخية حافلة دامت نحواً من اربعمائة سنة .

    كان لانتصار خليل باشا على الانكليز وردهم على أعقابهم وضرب الحصار على الكوت أثر بالغ في نفوس العراقين ، فقال محمد رضا الشبيبي في قصيدته " يوم المدائن وتل السور " :

لـولا بلى طيسفــون ، والبلى حـرم،

                            دكت كما دك من اركانه الطور
رواية النصــر صبـت بعدما اشتبهت

                            وحينما رجمت عنك الأخابير
لتذكــري بخليــل أو بفيلـقـــه

                            سعداً ، وفيلق سعد فيك منصور
كل همــام وكــل ليـــث ملحمة

                            أزل دامية منه الأظافير
يوم أغـر من الإيــام منـبلـــج

                            وموقف في سبيل الله مأثور
       لكن الفريق محمد أمين العمري ينتقد خليل باشا في المجلد الثاني من " تاريخ حرب العراق " (1935 ) ، فيقول انه لم يتوخ هدفاً معيناً بعد اندحار جبهة الفلاحية وتراجعه نحو بغداد ،
ولم يعد خطة معينة ، بل كان متردداً لم يهيئ مواضيع دفاعية متعاقبة وراء الجبهة خلال فترة السكون التي مضت في صيف
عام 1916 وخريفه . وقد تقاعس حتى عن درس الأراضي الصالحة للدفاع ، ولم يعتقد بحراج
ة موقفه حتى عند اشتداد هجوم الجنرال مود في ‏كانون الثاني ‏1917 . وكانت النتيجة المحتومة لذلك زحف القوات البريطانية واحتلالها بغداد .

 

 

محمود صبحي الدفتري

يتحدث عن الوالي خليل باشا

 

    حدثني الدفتري عن خليل باشا ، قال انه تولى ولاية بغداد وقيادة ساحة العراق شاباً . وكان مرحاً متواضعا مرفوع الكلفة لطيف المعاشرة بخلاف سلفه نورالدين باشا القائد الوقور المتزمت.

       قال الدفتري : كنت في استانبول حين عقدت الهدنة في أواخر سنة 1918 ودخل الحلفاء الى عاصمة الخلافة فاتحين . وعلى الأثر فر زعماء الحكم المخذول أنور باشا وجمال باشا وطلعت باشا، وقبض على الزعماء الآخرين كالامير محمد سعيد حليم باشا وزجوا في السجن ، ثم أبعدوا الى مالطا. وذهبت الى السجن لازور صديقاً لي من الضباط المعتقلين ، فلم اجده ، وقيل لي انه نفي مع المنفيين ، ولكنني وجدت في السجن خليل باشا ، والي بغداد السابق ، وكانت لي به معرفة فطفقت احادثه
واساله عن حاله . وقد أخبرني انه قد اعتقل عند احتلال
الآستانة، ولم يكن يشكو شيئاً في سجنه لان الموظفين والحراس من اعوانه فيخدمونه ويحترمونه . ولكنه علم ان في ني
ة الحكومة الجديدة تقديمه الى المحاكمة بتهمة الاختلاس ، وذلك ما يغيظه اشد الغيظ . فقد قال خليل باشا انه خسر موقعة خطيرة وضيع بغداد على الدولة ،فهو يرحب بتقديمه الى المحكمة بتلك التهمة ، اما ان يحقر بمحاسبته على سرقة ارزاق الجيش او أكياس طحين وعلف ، فتلك اعظم اهانة يمكن ان تحيق به ، فانه رفض الملايين التي لوح بها للاخلال بواجبه ، وهو قد كان يتصرف في اكياس الذهب من المصاريف السرية فيمنحها لمن هبّ ودبّ ، ولم يرض ان يأخذ لنفسه شيئاً منها . فكيف يقبل ان يكون هزأة للناس في محاكمة عن اختلاس موهوم ؟ . وقال انه اذا تحقق لديه مثل تلك الاشاعة فسيعلم كيف يفر من سجنه .

     ولم تمض أيام قليلة على ذلك الحديث حتى شاع امر فرارخليل باشا من سجنه بتدبير من مدير السجن الذي آثر الفرار معه الى الاناضول .

 

 

 

 

 

كلمة أخيرة في خليل باشا

 

حينما حوصر الجنرال تاونسند في الكوت كلف توماس ادورد لورنس ( الذي اشتهر فيما بعد باسم لورنس بلاد العرب ) بمهمة غريبة في حرب العراق . كان آنذاك برتبة كابتن في الجيش البريطاني في القاهرة ، وعمره لايتجاوز الثامنة والعشرين ، وقد أمر ان يتصل بالقائد التركي خليل باشا في اوائل سنة 1916 ويعرض عليه مبلغ مليون باون لاطلاق سراح القوات البريطانية المحاصرة . وكان التكليف صادراً من رئيس اركان الجيش الامبراطوري في لندن السر وليام روبرنسن ، لكن السر برسي كوكس رئيس الضباط السياسيين في العراق رفض ان يشارك في هذا المشروع المشبوه .

       كان عدد القوة البريطانية المحصورة في الكوت عشرة الاف رجل من البريطانين والهنود .

      وصل الكابتن لورنس الى البصرة في آخر آذار 1916 وكان معه اوبري هربرت من دائرة استخبارات الجيش . اتصل الرجلان بخليل باشا وعرضا عليه مليون باون ، ثم مليونين ، فرفض الرشوة بسخرية واباء . ثم لم يلبث تاونسند ان استسلم بلا قيد ولا شرط بعد ان نفدت ذخيرته وطعامه وابتلي افراد جيشه بالملاريا والزحار . لكن لورنس وصاحبه عاودا الاتصال بخليل في 29 نيسان لترتيب تفاصيل الاستسلام ، وحاولا البحث في مصير أهالي الكوت الذين رحبوا بالانكليز ، غير ان القائد التركي ذكرهما ان الاستسلام كان بلا شرط . وقد اكتفى بعد ذلك باعدام تسعة أشخاص منهم اثنان من المختارين ومثلهما من الشيوخ .

      كتب لورنس تقريراً عن مهمته الخائبة . ومدح خليل باشا فقال انه في نحو الخامسة والثلاثين من عمره ، قوي البنية نشيط الحركة . ولايظهر انه شديد الذكاء ، لكن له ذاكرة قوية وفكر يقظ مع شخصية قوية وادب جم وشجاعة اشتهر بها . وكان مع خليل ضباط اركان عددهم 12 احدهم الماني حسب الظاهر .

*   *  *

      كان خليل باشا جندياً تركياً محضاً لاهم له في الادارة وتدبير معيشة الأهلين وابناء الشعب ، وكان ضباطه بعد احتلال بغداد وانتقاله بجيشه الى شمال العراق يصادرون الحبوب والمؤن لتموين القوة العسكرية غير مبالين بجوع الناس وتلفهم . وكانوا يهدمون المباني والكنائس ويستولون على أخشابها للتدفئة في موسم البرد الشديد .

وقد ذكر عبد العزيز القصاب في كتابه " من ذكرياتي " أنه مضى الى الموصل في أواخر سنة 1917 وتجول في ازقتها ، فشاهد الفقراء والمهاجرين من ولاية وان وهم في حالة مزرية رجالاً ونساءً ، منتشرين في الطرق والأسواق . ويختفي بعضهم تحت دكاكين البقالين والخبازين يتصيدون المشترين يهاجمونهم ويستولون على ما اشتروه من خبز او سمن . وشاهد ماموري البلدية معهم الحمالون يجمعون جثث الميتين جوعاً كما يجمعون الحطب والنفايات ويضعونها في سلالهم ، وقد استحالت الى هياكل عظمية رقيقة .

       وزار القائد العام خليل باشا ، وكان له معرفة به في بغداد ، فصار يحدثه عن الشدة التي يلاقيها الجيش من ندرة الذخيرة والغذاء . قال القائد ان الجيش ، حين كان في بغداد ، كان بامكانه عند الحاجة أكل التمر ، اما هنا فلا يجد ما بقتات به .

      ولم يبد خليل باشا اقل اهتمام بحالة البلد والمجاعة القاتلة المنتشرة فيه .

 

 

 

 

                  كركوك مدينة النفط

 

إذا ذكر التركمان في العراق فلا بد من ذكر كركوك مدينة النفط . عثر على الذهب الأسود في أماكن مختلفة من العراق شماليه وجنوببه ، لكن كركوك كانت اولى هذه الأماكن واقدمها في الاستثمار واكثرها شهرة .

       يرجع الاهتمام بالنفط العراقي الى اواخر القرن التاسع عشر حين كان السلطان عبد الحميد الثاني يهيمن من قصره المطل على البوسفور على مقادير امبراطورية واسعة الارجاء ، مترامية الاطراف ، تجمع بين قارات ثلاث وتزخر بشتى الموارد والمرافق. وفي العقد الاخير من ذلك القرن تطلعت الولايات المتحدة الاميركية الى الاستيلاء على منابع النفط العراقية الغزيرة ، فقدم الى
الاستانة نائب امير البحر كولوي شستر لمفاوضة الباب العالي بشأن الامتياز . ولم يكد المفاوض الاميركي يشرع بمباحثة السلطان حتى بادر دارسي الانكليزي وجماعة " الدويتش بنك " الألماني في مزاحمته على هذه الثروة الكامنة . وطالت المفاوضات سنوات ، لكن السلطــان  الداهية لم يضع وقتاً لضم منطقة النفط العراقية الى الاملاك السنية . وكان ذلك منشأ الدعاوي التي ادعاها بعدئذٍ امراء الاسرة العثمانية المخلوعة في المطالبة باراضي النفط في شمال العراق .

      غير ان الانقلاب العثماني قد وقع ، فخلع السلطان عبد الحميد قبل منح امتياز النفط العراقي الى احد الطامعين فيه . وبرز عندئذٍ الى الميدان رجل ارمني من اهل الذكاء والدهاء اسمه كالوست سركيس غولبنكيان ، فلم يمض وقت طويل حتى وقعت الحكومة التركية في 23 تشرين الاول 1912 على الاتفاق القاضي بمنح الامتياز المنشود الى المصرف الوطني التركي وكتلتي : شل " الانكليزية و " دويتش بنك " الالمانية بنسبة 50 بالمائة للاول و25 بالمائة لكل من الكتلتين الاثنتين . ثم والى غولبنكيان الوسيط جهوده فاسفرت بعد سنة ونصف عن تنازل المصرف الوطني التركي عن حصته لشركة النفط الانكليزية الفارسية وكوفئ المفاوض الداهية بهدية 5 في المائة من اسهم الشركة المؤلفة لاستثمار النفط العراقي ، وقيمة هذه الاسهم اصبحت تساوي بعد بدء الاسثمار بملايين الجنيهات . واعلنت الحرب العظمى بعد اشهر قليلة  في اواخر سنة 1914 ، فقرر تحويل حصة الكتلة الالمانية الى كتل " شل " الانكليزية . وهكذا اصبحت بريطانية تمتلك امتياز النفط العراقي برمته .

       وكانت قد الفت شـركة لاستثمــار هذا الامتياز برمته منذ

اوائل سنة 1900 في لندن باسم " شركة الامتيازات الافريقية والشرقية المحدودة " وبراس مال قدره 50 الف باون . ثم استبدل اسم الشركة عند الحصول على الامتياز بـ"شركة النفط التركية " ورفع راس مالها الى 80 الف باون . واصبح اسم الشركة منذ 1929 " شركة النفط العراقية " وارتفع راس مالها شيئاً فشيئاً الى 14.5 مليون باون .

      واستعرت نيران الحرب سنة 1914 ودارت رحى المعارك في انحاء العراق ، واصبح العالم في شغل عن النفط وامتيازه وانتهت الحرب باندحار تركية وفوز انكلترة . ثم تتابعت الحوادث والحقت منطقة الموصل بالعراق .  ولم تتاخر شركة النفط التركية بعد ذلك عن مفاوضة الحكومة العراقية لتجديد امتيازها الذي حصلت عليه من الحكومة التركية السابقة . وفي 14 اذار 1925 وقع المندوب العراقي وممثل شركة النفط على اتفاق يقضي بمنح الشركة امتياز استثمار النفط لمدة 75 سنة . وعدلت شروط الامتياز بعد ست سنوات ، فحددت منطقة الامتياز باراضي ولايتي الموصل وبغداد السابقتين شرقي نهر دجلة على مساحة قدرها 32 الف ميل مربع ، وجعل رسم الحكومة على النفط المستخرج اربعة شلنات ذهبية للطن الواحد على ان يكون الحد الادنى للرسوم السنوية  400000 باون ذهب .

       اما  حصص شركة النفط العراقية فبقيت بضعة اعوام مـثار

نزاع بين الكتل العالمية الكبرى حتى تم الاتفاق على توزيعها بنسب متساوية بين شركة النفط الانكليزية الايرانية وكتلة " دتش شل " الهولندية البريطانية وشركة النفط الفرنسية وكتلة " ستاندارد " الاميركية ، وذلك باستثناء حصة آل غولبنكيان البالغة 5 بالمائة . وعند استنزاف كل هذه المراحل ازفت ساعة استنباط النفط العراقي الكامن واستثماره ، وباشرت الشركة اعمال الحفر والتنقيب .

      اذا اقترب القادم من كركوك بدت له في حواشي الافق عواميد تتصاعد ناراً ودخاناً وتتجمع في سحب كثيفة يشقها وميض اللهب المتاجج . وداعبت انفاسه رائحة غريبة تهيج خيشومه . لقد اشرف على منطقة النفط الواسعة التي تفجر اديمها منذ القدم بالمعدن السائل وظلت ينابيع ثروتها تفيض في البقاع الجرد اعواماً وقروناً ، حتى انتبه لها العلم فالجمها بعدده والاته وصبها في المسارب الفولاذية المتلوية في جوف الارض ، وافراغها في الانابيب التي تذهب بها الى كل بحر وقطر .

      في وسط تلك الاراضي المضطربة بالنار الازلية انتصبت كركوك ، مدينة النفط ، مطلة من علياء قلعتها القديمة على الابار والعيون المتدفقة حواليها . وقد عرفت نواة هذه البلدة قبل مئات السنين باسم كرخ سلوق ، ثم اصبحت على عهد صاحب معجم البلدان ، ياقوت الحموي ، تدعى كرخيني . وبقيت الى عهد
قريب واحة منزوية في صحراء النفط ، حقيرة البيوت ، ضيقة الطرقات ، رتيبة الحياة . لكن عصا النفط الساحرة قد مستها ذات يوم فاذاعت ذكرها في الخافقين ، ونفخت في ربوعها روح حياة ونشاط جديدين ، واوفدت اليها القصاد من اربعة اطراف الافق ، ورفعت في جوانبها دياراً معمورة وابراجاً الية ومصانع صاخبة ، وافاءت عليها نعمة سابغة ضافية الذيول . وافادت البلدة من هذه الحركة بركة وعمراناً وبسطة عيش ، فاتسعت مرابعها وكثرت مبانيها ومغانيها وزاد سكانها عدداً ورفاهية ، واصبحت الارض الفضاء التي تحيط بها عامرة بالمساكن والمعامل والاجهزة ومراكز السعي والنشاط .

      بدات اعمال الحفر في منطقة كركوك في اوائل نيسان 1927 بعد درس دقيق لطبقات الارض ، فلم تمض اشهر ستة حتى انبثق النفط من بئر بابا كركر على مسافة احد عشر كيلو متراً شمال شرقي كركوك . اندفع المعدن السائل من سجنه الارضي بقوة هائلة ودوي شديد فارتفع الى علو 25 متراً فوق فوهة البئر ، وتدفق في الاراضي المجاورة مكوناً بحيرة نفطية اغرقت العامر والغامر . واستمر تدفق النفط على هذا الشكل ثمانية ايام ليلاً ونهاراً حتى امكن كم فوهة البئر وكبح جماح السائل المتفجر.

      ووالت شركة النفط العراقية اعمال الحفر في نواحي مختلفة، فحفرت خلال تسع سنين ما يقارب خمسة الاف متر مكعب من الارض ، وعثرت على النفط في اماكن متعددة . غير ان الاستثمار تاخر سنوات حتى كشف طريق خطوط الانابيب التي تصل المنابع النفطية بساحل البحر واتفق عن مدها . وبوشر العمل
في إنشاء الانابيب في الاشهر الاولى من سنة 1932 ، وتم انجازها في 30 شهراً وبلغت كلفتها نحو عشرة ملايين دينار . وكان هذا المشروع من المشاريع الهائلة التي تستفد القوى وتقتضي استخدام كل ما ابدعه العلم واتقنته الصناعة من الات وعدد . وقد قر الراي على مد خطين للانابيب يمتدان متوازيين من كركوك على ارتفاع 800 متر من سطح البحر ، فيجتازان قعر نهر دجلة حتى يتفرعا على مسافة 160 كيلو متراً عند حديثة الواقعة على الفرات . فيتجه احدهما الى الجنوب لينتهي في حيفا على طول 990 كلم . وينحرف الخط الاخر الى الشمال فيمر بالقائم وتدمر وحمص وينتهي في ميناء طرابلس على طول 850 كيلو متراً . وشرع بتخطيط طريق الانابيب ، فعبدت المسالك ، واعدت احدث الالات واضخمها من السيارات والحفارات والناقلات والرافعات عدا الطيارات المستخدمة في نقل المهندسين والمديرين ، وهيئت ف
رق متنقلة من العمال مزودة بالماء والطعام . وكانت كل فرقة تتألف من 30 موظفاً مسؤولاً وما يختلف بين 250 و 1200 عامل ، فتنقل مضاربها في مراحل مسافة كل منها 50 كيلو متراً . وصارات الحفارات تحفر كل يوم نحو 1600 متر من الخنادق الى عمق 90 سنتيمتراً وبعرض 60 سنتيمتراً ، مع الاستعانة بالبارود في نسف الصخور . وتوضع في الخنادق انابيب فولاذية يقارب قطرها الـ30 سنتيمتراً ، تلحم قطعها بطريقة كهربائية وتغطى بطبقة من القار ومواد واقية اخرى قبل ان يهال عليها التراب . وتصب الانابيب في اقصى نهايتها في احواض ضخمة تسع عشرات الالاف من الاطنان ، كما تمد انابيب اخرى الى مسافة الف متر ونيف في البحر لصب النفط في البواخر التي لا تستطيع الدنو من الساحل . وانشئ على طول خطوط الانابيب اثنا عشر مركزاً للضخ مجهزة بـ245 محركاً ذات قوة 22500  حصان لدفع السائل الكثيف الى الموانئ البحرية .

     احتفل بافتتاح خطوط الانابيب في 14 كانون الثاني 1935 ، وشرع بتصدير النفط من العراق بانتظام منذ ذلك الحين . وكان انتاج النفط قد بلغ مائة الف طن سنة 1929 ، فقارب المليون طن 1934 ، وارتفع في السنة التالية على اثر البدء بتصديره الى ثلاثة ملايين ونصف ، ثم زاد بعد سنتين على اربعة ملايين من الاطنان . وتستخرج شركة النفط العراقية النفط من ابار منطقة كركوك التي ينوف عددها على الاربعين ، وهي تقذف النفط الخام بضغط يتراوح بين 15 و 20 كيلو غراماً للسنتيمتر المربع وبكمية يقارب مجموعها 12 الف طن يومياً . ويرسل بالنفط
الخام المستخرج الى معامل تفصله من الغازات الطبيعية العالقة به، ثم يصب في احواض اولى محطات الضخ توطئة لاسالته في خطوط الانابيب . ويصدر النفط العراقي الى الخارج خاماً ، لكن شركة النفط العراقية قد انشأت مصفى لها بجوار بابا كركر  لتجهيزها بما تحتاج اليه من المنتجات المختلفة(1) .

      ومنحت امتيازات نفطية الى شركات اخرى لاستثمار النفط العراقي في النفطخانة بين مندلي وخانقين ، والمنطقة الشمالية غربي نهر دجلة في القيارة ، وجنوبي العراق في منطقة البصرة . واصبح العراق في عداد الدول العالمية الكبرى المصدرة للنفط .

      وقد مد خط انابيب اخر قطره 16 عقدة ( انش ) الى طرابلس وبدأ الضخ فيه تموز 1949 . ثم مد خط اخر قطره 30 عقدة من كركوك الى ميناء بانياس في سورية بطول 888 كيلو متراً ،
وهو اوسع خطوط الانابيب . وقد انجز سنة 1952 بكلفة 41      مليون باون استرليني . وبلغ مجموع اطوال هذه الخطوط 4540 كيلومتراً . وقد اوقف الضخ في الخط المنتهي الى حيفا في سنة 1948  على اثر تاسيس دولة اسرائيل .

 


(1) من حديث للمؤلف اذاعه من اذاعة بغداد في 21 كانون الاول 1940 ونشر في مجلة غرفة تجارة بغداد ، ثم اعيد نشره في كتابه "مباحث في الاقتصاد العراقي"(طبع بغداد،  ( 1948)) .

       وتم في سنة 1952 تعديل اتفاقيات النفط لصالح العراق واشترك العراق سنة 1960 في تاسيس منطقة الدول المصدرة للنفط ( اوبك ) . واصدر رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في كانون الاول 1961 قانوناً يقضي باسترداد الاراضي غير المستثمرة من شركات النفط . وقد بلغ مجموع كميات النفط المستخرجة من حقول كركوك من 1934 الى نهاية سنة 1960 : نحو 270 مليون طن .

      انشأت الحكومة العراقية مصافي للنفط والدهون والقير واخذت تستثمر الغاز الطبيعي . وفي سنة 1972 قامت بتاميم عمليات شركة نفط العراق ، ثم اممت سائر الشركات الاجنبية .

     وشيدت الحكومة العراقية في سنة 1976 انبوباً نفطياً جديداً عرضه 40 عقدة من كركوك الى تركية يصب في خليج اسكندرونة على ساحل البحر المتوسط . بلغت كلفة الخط 850 مليون دولار دفع العراق منها 250 مليوناً وتركية 600 مليون . وبلغ طول الانبوب 980 كيلومتراً منها 341 كيلومتراً في العراق و 639 في تركية ، وحصل الاتفاق مع تركية على ان يدفع العراق رسم مرور عبر تركية(بلغت الرسوم100مليون دولار سنة 1977 ) ، على ان يكون لتركية الخيار في شراء 10 ملايين طن من النفط في السنة الاولى و 14 مليون طن سنوياً بعد ذلك باسعار متفق عليها . وبدأ

الضخ في هذا الانبوب في ايار 1977 .

     تلك لمحة عن كركوك ونفطها ذكرتها املاً ان يجد القارئ فيها بعض المتعة والفائدة .

   

 

 

 

مصادر البحث

 

1-                        دائرة المعارف الاسلامية ( بالانكليزية ) .

2-                        دائرة المعارف البريطانية ( بالانكليزية ) .

3-          عباس العزاوي : تاريخ العراق بين احتلالين ( الاجزاء الثاني والثالث والرابع والخامس ) . ( بغداد 1936 1953 ) . الكاكائية في التاريخ ( بغداد 1949 )

4-                        الدكتور مصطفى جواد : سيدات البلاط العباسي ( بيروت ، 1950 ) .

5-          عبد القادر الخطيبي الشهراباني : تذكرة الشعراء ( نشره الاب انستاس ماري الكرملي ، بغداد ، 1936 ) .

6-                        الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936 .

7-                        جداول كبار موظفي الدولة العراقية ( لسنوات مختلفة ) .

8-                        ابراهيم الداقوقي : فنون الادب الشعبي التركماني ( بغداد ، 1962 ) .

9-          وحيد الدين بهاء الدين : من ادب التركمان ( بغداد 1962 ) اعلام من الادب التركي ( بغداد ، 1965 ) .

10-                    احمد حامد الصراف : الشبك ( بغداد ، 1954 ) .

  جرائد ومجلات مختلفة ومعلومات شخصية .