|
أحداث وشخصيات وسيرة مدينة في رواية فاضل العزاوي (آخر الملائكة
) نصرت مردان حسنا فعل فاضل العزاوي عندما لم ينجرف
إلى وصف مدينة خيالية جريا على عادة بعض الكناب العراقيين والعرب بعد إطلاعهم على
" مدن الخيال " لكالفينو .بل قادته ذاكرته صوب مدينته كركوك وبالذات الحي
العتيد (جقور ) فجعله محورا لأحداث روايته (آخر الملائكة ). بعد أن حولت ذاكرته الروائية حيا منسيا في افياء قلعة كركوك إلى موضوع لرواية ممتعة ،حيث أشرك
القاريء معه في وهو يجوب في رحلته الواقعية التي اختلط فيها الوهم بالحقيقة
والخيال بالواقع
. استحضر العزاوي بمهارة الروائي المقتدر
الكثير من الحوادث وأعاد تشكيلها وصاغها ، ليضفي على حي (جقور) أبعادا جديدة
وصاغها معتمدا بالدرجة الأولى على ذاكرته وتهويماتها .وإذا كان العزاوي يحلم
فانه جعل أحد أحياء المدينة ، مكانا لأحلامه لإدراكه بأنه ليس ثمة حلم غير مرتبط
بمكان وزمان معينين . ولج الراوي إلى الحياة اليومية في ذلك
الحي الشعبي في أزمان مختلفة ،تبدأ من العهد الملكي وصولا إلى يومنا هذا .في
مهرجان من الشخوص والأحداث يعيش فيه الجان والأرواح جنبا إلى جنب مع الوعي الخرافي
الحلمي الأسطوري والغرائبي والسياسي لشخوص الرواية. بحيث اختلط على القاريء
الحقيقة من الوهم والتاريخ من الأسطورة. شخوص الرواية لا يعيشون زمنا معينا
فالزمان في الرواية ليس زمنا محددا بل أزمنة متعددة.يبدأ بالوجود البريطاني ويستمر
من الحكم الملكي إلى الجمهورية وصولا إلى الفترة الراهنة،أي كل المراحل الزمنية
التي عايشها الكاتب نفسه ، منتقلا في شخصية برهان عبدالله الذي أضاع نفسه في المدن
والقارات وبين أزمنة الموت وأزمنة الحياة الأخرى .حيث يعود وثمة قبعة رمادية
تغطي صلعته بعد غربة استمرت ستة وأربعين عاما . أغلب شخوص الرواية مستمدة من شخصيات حقيقة ومعروفة في كركوك مثل
حميد نايلون ،الذي تبدأ الرواية بطرده من عمله من شركة النفط التي يهيمن على
إدارتها الإنكليز بعد محاولته التودد الى (هيلين (
زوجة المستر ماكنلي. بعد محاولته كسب ودها
بشراء (جورب نايلون ) لها . فتهب محلة (جقور ) عن بكرة أبيها المدينة للدفاع عن
ابنها البار في مظاهرة صاخبة ضد الإنكليز . ويعتبر حميد نايلون من أهم شخوص
الرواية الذي يدخل في صراع مع الملا زين العابدين بعد قوله في خطبة الجمعة من أن
الإنكليز أكثر رحمة من كثير من المسلمين ،والذي يختفي على اثر مجزرة كاورباغي
وتشيع زوجته أنه سافر إلى لبنان ، ثم يشاع انه انضم إلى الوحدات العسكرية التركية
المقاتلة في كوريا .. وصولا إلى تمرده المسلح ضد الإنكليز .
وهنالك
شخصية الملا زين العابدين القادري ، الذي تقوده الشرطة إلى مركز الأمن بتهمة
الشيوعية لأنه هاجم الإنكليز الذين كانوا قد فصلوا حميد نايلون من عمله في شركة
النفط . وكذلك المجنون ده لي احسان الذي يعرفه الراوي بأنه ليس من البشر وإنما من
الفصيلة المسلمة للجان .لذلك يتناول من الدكاكين ما يريد دون اعتراض . وبرهان
عبدالله الصبي الذي لا هم له غير العفاريت ، وخضر علي القصاب الذي يتوجه مع زوجته
وبناته الثلاث للعمل في منطقة (الحويجة) التي يعيش فيها حياة مثيرة ثم يعود معتكفا
في تكية لكنه يعلن في يوم ما أنه استلم رسالة من الغيب تأمره بالخروج والبحث عن
شقيقيه المفقودين منذ الحرب العالمية الأولى ثم يعود بعد رحلة غرائبية ممتعة
، حيث يقابل غناما يطلق على نفسه اسم درويش بهلول ، وفي المغارة التي يدعوه
إليها يعترف له بأنه الموت ، ويشارك بهلول مع الوفد الذي يتوجه لزيارة الملك لحل
أزمة هدم المقبرة ، ويعرف درويش بهلول بعد لقاء الملك الذي يعلن ان حرمة الأموات
يجب أن تظل مصانة ، بأن البراءة التي أظهرها الملك لن تدوم طويلا وسوف يخترقها
الرصاص ذات صباح حتى قبل ان يدرك الملك تماما ماذا حدث ،ويودع بهلول أعضاء الوفد
بهذه الكلمات (( أنا الذي ينتظركم منذ لحظة الولادة . وداعا والى لقاء )) .
وهناك أيضا شخصية محمود العربي اللص الشريف الذي يحمي محلته جقور من اللصوص
، مشيرا أنه لا يمكن أن يخون وطنه لقاء كسرة خبز ، وهو يعني بالوطن محلته نفسها ،
إضافة الى عشرات الشخصيات المثيرة والممتعة . عمل العزاوي من خلال شخوص الرواية
وأحداثها على مزج الخيال بالواقع والحلم بالوهم والواقعية بالميتاواقعية ليمزج
وقائع تاريخية من حياة كركوك متمثلة بحيها العتيد (جقور) بدفق من الخيال الملازم
للحياة الإنسانية.فينمو الحلم ويتطور خطوة خطوة مع أحداث ووقائع الرواية.وبذلك جعل
الروائي (جقور) محورا لكل الأحداث التي مرت بالعراق ،وأصبحت جزءا من تاريخه. لقد
نجح العزاوي أيما نجاح في أن لا يخلق للحي أسطورته المحلية بل جعلها جزءا من أحداث
عامة مرت بالعراق.
رغم كون حي (جقور)
محورا للأحداث، إلا أن ثمة أماكن تقع فيها أحداث مؤثرة في الرواية
ولعل أهم رقعة مكانية هي (كاورباغي ) التي وقعت فيها أحداث أول إضراب عمالي
، والتي سميت باسم (كاورباغي) نظرا لتجمع المضربين والمتعاطفين معهم فيها ، حيث
دام والذي استمر سبعة عشر يوما وأسفر عن ثلاثة عشر قتيلا. وظف العزاوي هذه
الواقعة التاريخية توظيفا رائعا في تطور أحداث الرواية ، فعندما تخترق
المظاهرة محلة جقور ذهابا وايابا ،وتتوهم النساء اللواتي يتفرجن من السطوح إنها
موكب لاستجلاب المطر بسبب الوجوه المصبوغة بالسخام ورؤوس الماعز فيسكبن الماء فوق
رؤوس المتظاهرين ( وهو وصف دقيق وفي سطور محدودة للطقوس التي كانت سائدة في كركوك
لاستجلاب المطر ويسمى باللغة التركمانية (كوسة كلدي) ،ويساهم الإضراب في زيادة
نقمة حميد نايلون على الإنكليز ، بل في تعاطفه مع الحزب الشيوعي. أما الحادثة ا الثانية التي وظفها
العزاوي أيضا في (آخر الملائكة ) فهي حادثة هدم المقبرة ، والتي لا تزال نابضة في
ذاكرة أهالي كركوك ، والتي نشبت بسببه نزاعات وصدامات مع قوات الشرطة بعد
اتخاذ بلدية كركوك قرارا بشق طريق عبر المقبرة القريبة الواقعة في المصلى معتبرين
هذا القرار المجحف تحديا لمشاعر الأهالي و لا يمكن القبول به لأنه يعني نبش قبور
الآباء والأجداد وأولياء الله الصالحين. ( كتبت بدوري قصة عن هذه الحادثة بمعالجة
جديدة قبل عدة سنوات ، نشرت قبل عامين بمجلة المسلة تحت عنوان (تلك الرائحة القديمة)
) .في الرواية ما أن يسمع أهالي محلة (جقور) بالحادث الشنيع حتى يبادروا للاتصال
بخضر موسى للتوسط لدى المتصرف أو الملك ، ويتم الاتفاق فيما بعد على تشكيل وفد
للذهاب الى مقابلة الملك . ويترأس الوفد الشاعر هجري ده ده ، الذي يسمى في الرواية
ده ده هجري ،والذي يعتبره الملا زين العابدين القادري بأنه ( أعظم شاعر أنجبته
المدينة) ويعتبر هذا الفصل حقا من الفصول الممتعة في هذه الرواية المهمة التي
تتداخل فيها القصص والحكايات والأساطير والخرافات بحيث لا يمكن لأي عرض أو سرد
أن توفيه حقه ، نظرا لثراء الأجواء الدرامية فيها ، وعذوبة السرد وتوارد الأحداث
المتلاحقة التي تزيد من متعة القارىء وتحقق استمراره في قراءتها حتى صفحتها الأخيرة
. ولا يفوت العزاوي في أن يطل في روايته
على أماكن تاريخية عريقة في المدينة مثل السوق الكبير والقيصرية وسوق الدواب وأحياء
عريقة مثل القورية وشاطرلو وصاري كهيه . كما يتحدث عن ملهى الهناء ، وهي كانت
قائمة فعلا في كركوك (لربما باسم آخر ) وكان آخر عهد كركوك بالملاهي بعد إغلاقها
عقب جريمة قتل فيها . في الرواية الشقي (عباس بهلوان ) الذي هو في الواقع
(عباس وطني ) من زبائن الملهى لتولعه بالراقصة (كواكب ) حيث تخرج مظاهرات
نسائية تردد ( ملهى العاهرات خرب بيوتنا ) وينضم إليهن الدراويش مرددين شعارات
سياسية ( القدس للمسلمين ) و ( تسقط الشيوعية ) ! مثل عادة العزاوي في أعماله الروائية
في اختزان التوتر حتى النهاية و يفجرها مفاجئا قراءه ، يعتبر الفصل الأخير من
رواية (آخر الملائكة ) خلاصة لمهارة الكاتب في توليف الواقع الاجتماعي مع الحس الفنطازي
والميثولوجي وربطهما بالحياة اليومية في حي (جقور )المنسي وجعله محورا لحوادث وحكايات غرائبية .تختلط فيها الواقع بالخيال
،التاريخ بالوهم
. في الفصل
الأخير من الرواية أضفى العزاوي أفاقا أخاذة ، أطل فيه الشعر بسحره وعذوبته على
الواقع ليذكر القاريء أن السحر والحلم مهددان بواقع قبيح . لقد انساب الشعر في هذا
الفصل والتحم بلغة السرد التحاما رائعا . لم يقع فاضل العزاوي في (آخر الملائكة ) في مطب الحديث عن مدينة مجردة
من البعد الإنساني والحديث عن مدينة خالية وأماكن مغلقة على البعد الإنساني . بل
عايش المكان معايشة فيها ملامح إنسانية مؤثرة ضمن أحداث واقعية وتاريخية للمدينة
.ويكمن سر ذلك إحساسه الروائي المتدفق بأنها مدينته التي لا يمكن استبدال خصوصيتها
وملامحها اليومية وشخوصها بمكان آخر . لعل توجه العزاوي بمثل هذا الاقتدار
الروائي الباهر عن حي (جقور) وتحويله إلى مسرح ينعكس عليه كل الأحداث في المدينة
على اعتبار أن المدن هي الذاكرة ،وهي التاريخ الصادق الذي لم تلوثه أقلام الساسة ،
وليس هناك من هو أجدر من شعرائها وكتابها في الحديث عن المدن بأحيائها ومعالمها
ومقاهيها ومقابرها وأناسها زاوج العزاوي في روايته بين الواقع
والمتخيل ، وجعل الواقع أكثر ثراء من المتخيل ، وجعل المتخيل جزءا من الواقع . وهو
حينما عمد إلى الواقع والمتخيل والخيالي والأسطوري ، فانه لم يفعل ذلك لشهوة المحاولة
فقط بل لأن النص فرض عليه المنطقة التي يكتب منها . الرواية الجيدة كما هو معروف هي تلك التي
تجيد التعامل مع الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي وتتغلغل في الذات وليس العكس
في تصوير الواقع تصويرا جامدا لا طرافة فيه ولا إبداع . ان كل نص يحتمل في ذاته
أكثر من قراءة ،وان كل قراءة هي خلق جديد للنص الروائي فالقاريء عند قراءته للنص
يخلع على الصور والمعاني والمفاهيم والأخيلة صورا ومفاهيم ومعان متعددة .كل نص روائي
له منطقه الخاص ويحمل إشارات تقبل التأويل والتفسير والتخيل مع كل قراءة . (آخر الملائكة ) تجربة حياة قبل أن تكون
تجربة لغة . اللغة الروائية فيها ، لغة سلسة منقادة تغري بالتواصل حتى آخر صفحة من
عدد صفحات الرواية الضخمة . وهي حينما تحكي فإنها تتوهج في تفاصيل كل رحلة ،مع كل
جملة وكل صفحة . باستنطاق النص يبدو لنا فضاء المدينة ليس
مجرد خريطة جغرافية في (آخر الملائكة ) مدينة حية ،دافئة ،نابضة بالحياة داخل ثراء
مكاني رائع تتحرك فيه الشخصيات لتصبح عنصرا مهما من عناصر تطور الحدث في الرواية .
ولم يكن كل ذلك مجرد وصفا فوتوغرافيا وإنما يحمل المكان قيما مختلفة وأحيانا
متعاكسة .نجح العزاوي في استثمار خزين ذاكرته الخصبة في خدمة إعادة تاريخ المدينة
من خلال حيوات الناس الذين يعيشون فيها وكأنهم جزء من ذلك التاريخ . العزاوي فعل في ( آخر الملائكة ) ما لم
يفعله الروائيون العراقيون .فهو تحدث عن تاريخ مدينة وواقعه المعاش في صور
بانورامية رائعة متنقلا بجدارة بين الواقع والمتخيل .حيث نجح في أن يجعل
فضاء روايته مشرع النوافذ لإدراكه بأنه يكتب الرواية لنفسه أولا .بل انه كتب
فيها نفسه مما أسهم في نجاحه كروائي . ان المكان في آخر الملائكة ليس معزولا عن
الزمان والحركة لانهما يتمثلان في وحدة عضوية متلاحقة ، وتضفي الأحداث عليها
الحيوية والدفء . المكان ليس متخيلا بقدر ما هو واضح ومحدد ، والصور فيها ليست
مطابقة للواقع حرفيا ، بل ثمة دور ولمسة للمخيلة في صياغة جديدة للمكان وإضافات لا
تتطابق بالضرورة مع مشاهد المكان والأحداث . المكان في الرواية كما في بقعة في
العالم يكتسب قيمتها من زمان تتفاعل فيه الرؤى والأحداث والحلم . فالمكان في
الرواية هو الزمان ،والزمان حركة في المكان . وفضائه يتمظهر في حي جقور . مثلما أكتشف لينين واقع روسيا من خلال
أعمال تولستوي ، فأن القاريء سيكتشف من خلال غوصه في ذاكرة مدينة كركوك
،جزءا من سيرة هذه المدينة بأناسها وتاريخها من خلال رواية ( آخر الملائكة ) التي
أتمنى ان تترجم إلى لغات أجنبية عدة . |