|
|
الملا صابر والفلكلور التركماني وحيد الدين بهاء الدين
تعقد
الحياة البشرية أوجد ظاهرة خليقة بالرعاية … وهي أن الأمم الناهضة , الضالعة في
ركب الحضارة , والساعية في تطوير القيم السائدة في تطوير القيم السائدة , طفقت
تعني أعظم ألعناية بتراثها الشعبي الأصيل وتوليه كل ما يستحق من أسباب الاستقراء
والاستقصاء ليغدوا , لبنات صالحة في بناء حياة هيكل الحياة الاجتماعية والروحية
فالمأثورات الشعبية لها جذورها التاريخية العميقة في تربة الوجود … تتميز بالضرورة
بالصدق والأصالة والصراحة , وتبتعد عن التهويل والافتعال والتعقد , لا شيء ألا
لأنها تتميز نابعة من وجدان أنساني بريء ومن طبيعة نقية خالية من مركبات وترسبات ,
ومن عقلية نامية … ساذجة بذا انتهجت الأبحاث الثقافية المعاصرة في الشرق والغرب ,
هذا النهج الجديد والفريد ووجود هنا دارسة الآداب الشعبية التي هي مرآة مجلوه تعكس
واقع الشعوب البدائية والمتمدنة الراهن كذلك هي باب وسيع يفضي بالباحث الحصيف إلى
ذلك العالم المتداخل , المتلاحم فيلم كنتيجة لتحليلاته وموازنته بنفسية الشعب , أي
شعب , ويطلع على عادته وتقاليده , ويهضم طبائعه وعنعناته ويعي معضلاته ومفارقات مجتمعة
, ثم يستوعب العوامل البيئية والزمانية والحضارية التي ساعدت على أيجاد مقوماته
السياسية ويبدوا أن هذه الدراسات الفلكلورية لم تقفلا عند حدودها المقررة لها
بالافتراض منذ البداية بل توسعت وتشعبت على نحو أدهش حتى المطلعين أنفسهم , فجعل
كل باحث يتجه إلى ناحية معين دراسة مالها وما عليها , تاركاً غيرها لمن يعني به , ويميل أليه فكحان أن لفظت
وما تبرح تلفظ , المطابع في أرجاء العالم , مؤلفات ومصنفات قيمة , تتناول وتحلل وتثمن فنون الأدب الشعبي على أوسع
ما عرف ويعرف من نطاق , بل وتسد في المكتبة الحديثة ذلك الفراغ الفظيع الهائل. كان الملأ صابر مهتماً بحكم نشأته
وتكوينه بالفلكلور التركماني مطلعاً على جوانبه الخفية والظاهرة , معيراً له
الأهمية التامة , مقدار قيمته الأدبية والفنية والاجتماعية مبينا تأثيره في مجرى
الأفكار والنفوس , مؤلفاً فيها كتباً تسفر عن وجه الأدب الشعبي التركماني المضيء …
وربما كان من حقي أن أزعم أن الملأ
صابر , أول باحث تركز في هذه الناحية , اهتمامه البالغ الذي يدعو إلى كبير أعجاب ,
انه بذل جهوده , منفقاً الأعوام الطوال في سبيل أعداد مواد خام , توطئه لوضع لما
أراده من بحوث ودراسات , تنهض بشأن الفلكلور , وتكسبها القدرة على النماء والعطاء
أجيال مديدة . لنر…؟ كانت
الأزياء الشعبية موضع رعاية الملأ صابر , سدد فيها البصر والبصيرة مشبعاً ببواعثها
ونتائجها وتأثيراتها تفسير وتعليل , متوخياً من وراء ذلك استئصال شافة الحرافات
الناشبة في بعض العقول العليا حتى تم له إحضار كتاب عنوانه (العمامة والطربوش) وهو
دراسة واقعية, ومقارنة وافية . مدعمة
بالأدلة والحجج , أوضح فيها عدم
معارضة لباس الرأس للدين الإسلامي الحنيف أطلاقا , بل يؤكد على وجوب
اعتمارها , لما لها من أهمية ووجاهة , إضافة إلى هذا , ابدي العناية الفائقة بوصف
الأحذية الشعبية والملابس المحلية والقومية والصناعات اليدوية البسيطة التي اشتهرت
بها كركوك وتميزت غيرها من المدن , كما جمع تلكم الطرائف والحكايات والتعابير الشعبية , لا سيما ما يتعلق منها بمدح
المرأة وقدحها على أن الباحث المتقاعد شاكر صابر الضابط , قد أدرج ذلك كله باسم
الملأ صابر في كتابه الجديد الموسوم بـ (الحياة الاجتماعية في كركوك) ثمة عادة
أستئصلت في أغوار النفس , وتمكنت منها على مرور الأيام , حتى أضحى الأقلاع عنها ,
وإعادة النظر في شأنها من العسر بمكان , تلك هي جواز زيارات القبور , و(التوسل)
أصحابها من ذوي الكرامات , قصد استمداد العون والشفاء منهم , والاستعانة بهم على
نيل المنى , وبلوغ المبتغى …! أن موضوعا خطيراً كهذا , كان وما يتفتا يثير تعليقات
, وخلافات لم تنته بعد , يذهب بها المجتهدون مذاهب … ولما كان له من الأهمية في
تقرير حالة اجتماعية راهنة , وتطمين
واقع نفسي , وتعميق الاعتقاد في
أداء الحقائق , لدى مختلف الطبقات الشعبية , فقد أنبر الملأ صابر , فألف كتابه
(التوسل) شعراء بأربعة أجزاء , مجيزاً فيه زيارة القبور , معززاً ذلك بالآيات
والأحاديث , مفندا بشروح مستيقظة , مزاعم المذاهب الأبتداعية ,ة كالوهابية وغيرها … وتطرق
الملأ صابر في كتابه المطبوع والمخطوطة إلى أمور ذات بال … فدرس ما وسعه , مظاهر
الحياة الأدبية والفكرية , وعالج جوانب من الأحوال الاجتماعية والدينية , وتناول
أطرافاً من الفنون الشعبية … كان يعكف وينشط من أجل تحقيق وطن العزيمة عليه طيلة حياته
القلقة الحافلة التي امتصت منه حيويته وخصوبته , ولكن الطابع الديني , ولا سيما
اكتراثه للمعتقدات الدينية والطرق والمذاهب , يغلب على نتائجه عموماً بسبب من
تأثره بـ عوامل المحيط والدين وبمن تافنهم وأطمئن إليهم من شخصيات وأعلام ففي
كتابه (الأئمة الأثنا عشر) ويقع في ستة أجزاء , بحث مفصل عن تعداد مناقب هؤلاء
الأئمة الذين لهم ما لهم من رفيع المقام , وعظيم الشأن وضمنه مدائح من أشعار الترك
من أهل السنة وسعيه في مضمار الأدب الشعبي غير المقصور على هذا كله , بل أعداه بالى أبعد من ذلك فتناول
الأعياد الدينية والمواسم التي يعبر
فيها الناس عن مكنون أفكارهم , ومكبوت مشاعرهم من الوجهة الفلكلورية مشيراً إلى ما
أصابها من تبدلات تطورات مشيراً إلى ما أصابها من تبدلات وتطورات معدداً خصائصها وفضائلها ,
معيينا مكانته في التاريخ الإسلامي ومما له صلة وثقة بهذا كله , كتابه , (النوروز
في الإسلام) ففيه يعالج الملا صابر النوروز من الأعياد التي يحتفل بها بعض الأقوام
منذ القدم , بالتفسير والتحليل , ثم يناقش معناه وطبيعته ومراحله بآراء وبأسانيد
وبفتاوى العلماء مناقشة قوامها تجرد وأمانة وموضعية يخرج منها القارئ مقتنعاً بأن
النوروز حرام , وباطل , وباطل من الأساس فأما كتابه (مناقب الطريق القادرية) فيسلط
الملأ صابر الضوء على لفظة القادرية , ومصدرها وفحواها إلى جانب شرح أسلوبه الخاص
الذي يتبعه القادريون في حياتهم ومجتمعهم دون حيدة عنه , مع إلمام بتطبيقاتها ,
وعلاقتها التي تربطها بالطرق الأخرى , إضافة إلى أنه يترجم لبعض من أقطابها المشهورين بكركوك وحاوليها . كان
علامة بلا منازع ألا انه أشتهر
بين معاصريه الأعلام بلقب (الملا)
أورثه إياه أبوه الملأ محمد الحافظ
الكبير , هذا الذي يعد من خيرة رجالات كركوك الموصوفين بسعة
العلم وحدة الذكاء , وسماحة الخلق , في زمانه تخرج على يده عدد من
المشايخ والقراء … أطل الملأ صابر على الدنيا سنة 1893بمحلة القلعة بكركوك … تركمانيان أبواه … كان
التعليم والتدريس يومئذ محصوراً بين
جدران الجوامع والمساجد , ومن هنا درس العلوم الدينية والدنيوية عند الملأ
طاهر أربيل , كما أنه تأثر بعيداً بابيه فضلاً وعلما هكذا تفجرت ملكته الفطرية
فاستقام له السبيل نحو المجد المنتظر … بفضل من تحصيله العلم , وشغفه بالعلم , وشغفه بالأدب , وتوقه إلى الدين ,
والاغتراف من مناهل الحياة … على أن
شعره الديني والاجتماعي والحكمي ناضج بعاطفة متأججة ونظرة مثلى , بينما كتابته تنم
على نزاهة الذهن , وغرازة المادة , وشرف
الغاية … كان يحرص على اقتناء
نفائس الكتب وجمع نوادر المخطوطات حتى تجمعت لديه مكتبة كبيرة عامرة , أوصى
بقسم منها , قبل وفاته , لمتحف الآثار العراقية , وفي معترك الحياة قاس الملا صابر
شيئاً غير ضئيل من تباريح ومشاكل والألم , وتلقى ممن تفسخ ضمائرهم طعنات وجفاء
وازورارا … ولكن تحدى كل ذلك بآباء وشمم دون أن تطاطا له هامة , وفي صيف سنة 1961
فاضت روحه الطاهرة , وهو بالمستشفى طريح كسير , إلى بارئها , تشكو جور الإنسان
لأخيه الإنسان … وقد رثاه الشاعر محمد صادق بقصيدة طويلة تنخس كوامن الشجون , وتجدد الحسرات , وتعيد إلى الخيال صورة المأساة : مسكين. تداعت تحت الضربات , قواه , بحسرة توارى عن الدنيا, ذاهباً قرباناً
للأمة في سبيل
الشعب جاهد,حتى خرا
شهيداً: كمداً
وصخباً,أنار في القلوب ضياعه: أيا
أسفا,قضا عمره, تحدق به
الصوارف : لعله
بات فرييسة , لا يرجى له شفاء لم ينل
حقاً رغم ما أسداه من فضل يغشى الأسى , اليوم من أدرك علوا همته أنما قدر الأديب بعد الموت مذكور... وبغم , تتوارد أيامه , لا يلاقي حرمه... كان ذي علم غريز … وفكر لميع … وخلق
رزين ! ترك كركوك فراغاً , تشيعه الرحمات . أما
أثاره غير التي ذكرنها , أطلعني عليها شاكر صابر الضابط , فعديدة منها :
كتابه الشعري الضخم (شعراء كركوك)
في أربعة أجزاء , والدال على معاناة في التحقيق , وجلد على البحث وتحفته , ((لاله زار كربلا)) في
واحد وعشرين جزءا , والمأمول أن تتاح لها أسباب الطبع والنشر أعماماًَ لفائدتها
التاريخية والأدبية , ثم كتابه (المقارنة بين الأديان السماوية) وكتابه (الموعظة الحسنة) وكتابه في تحليل القران في
جزءين , وكتبه المطبوعة هي (درويشلك) (كلشن علما) (ومشاعره) (شهرستاني كيمدر) والقوريات
هو اللون الفني لفلكلور التركماني والوجه المعبر عنه , والألصق به مما عداه …
تستأثر به كركوك إلى درجة قضية أكسبتها جيلاً بعد جيل تلك الشهرة المتوارثة
والمعروف أن القوريات رباعية شعرية
شعبية غنائية تتضمن معاني عميقة شتى , مشتقاة من أحوال الإنسان وظروفه ,
والمفارقات المتخللة لحياته ووجوده , وكان من البديهي أن يغدوا القوريات سجلا
حافلاً لمآثر التركمان , وماسيهم , ومنازعهم , وتقاليدهم , وخبراتهم وصراعهم مع
الأقدار وأحداث الزمن … كان الملأ صابر من أولئك الذين شاقهم القوريات منذ الصبا
فأولعوا بنظمه وأحداث الزمن وترديده أيما ايلاع ثم عنوا بتسجيله وجمعه تمهيداً
للقيام بمشروع أدبي جليل , حتى أذا توافرت لديه كميات هائلة منه وفق لإصدار ثلاثة
أجزاء من أصل عشرة خلال سنتي
1951/1954 تحت عنوان ((كركوك منتخب خورياتلارى)) بعد أن أضم أليها عدداً مما نظمه:
لا أعرف
أين أنا … ! فاني ذو حظ عاثر … غدوت
كبومة لا عش لها , كل يوم في وطن.. * , الزهر والشوك , يحف الشوك بالزهر , فمن وجنة حبيبتي يقطر الورد عوض العرق * داء الزهر , في البلبل داء الزهر , أحببت أنا فحصدت ألماً بينما العذال جنوا الزهور… …
الفولكلورية , الدنيا , ذاهباً قرباناً للأمة , في سبيل الشعب جاهد حتى خرا
شهيداً, كمدا وصخبا , أثار في
القلوب ضياعة … أيا أسفاً , قضى عمره , تحذف به الصوارف , … ! لعله بات فريسة , لا يرجى له شفاء … لم ينال حقاً , رغم ما أسداه من
فضل , يغشى الأسى , اليوم , من أدراك علو همته , أنما قدر ألأديب بعد الموت . |