العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

التركمان و الاستحقاقات العراقية الجديدة

 

                                      د.علي ثويني *

 

لفت نظري ممارسة غريبة من  بعض الأخوة التركمان بأنهم يدعون إنتماءات أما كردية أو عربية. والأمر سيان لي كونهم لم ينأوا عن عراقيتهم ،ولكن تساؤلي عن فحوى تلك التقية والتلون والإستنكاف من الأصل،هل مؤداه خوف من التصريح ،أو إنخراط تطوعي بإتجاه أحدى القطبين الرئيسيين ،بعدما شكل التركمان دائما موقع الصمام الضامن و القلب العراقي النابض والمقرب بين العرب والأكراد والكلدو آشوريين.وربما وقعوا للأسف في موقع حرج من الضغط والإستقطاب وربما الابتزاز من الكماشة "القومية" لغلاة العرب والأكراد على حد سواء.

تشير الدلائل التاريخية إلى أن الشعوب التركمانية  انحدرت من أواسط آسيا(طوران) ،ولم يحدد بوجه التدقيق تاريخ تواجدهم في بلاد النهرين ،لكن أبناء عمومتهم الأذربيجانيين،وهم لأقرب و الأقدم بحسب ادعائهم في المنطقة،وربما يكون اللون التركماني الجميل في فسيفسائنا، هو أرومة انفصلت من تلك الأقوام منذ أزمنة سبقت الإسلام بكثير،وليس من زمن المتوكل وعسكر سامراء في القرن التاسع. وهكذا أمست تلك التجمعات الزرقاء السماوية تشكل اليوم ثالث فئة عددية عراقية.ومن أكثر مايلفت النظر لهم كونهم أكثر العراقيين إعتدادا بعراقيتهم،بعدما أنفصلوا مشيميا عن أقرب أقرانهم من التجمعات التركمانية،وأمست تفصلهم عنهم شعوب وامم ،بما جعلهم ينخرطون في عراقيتهم دون تطلع واه لأمم خارج الحدود(كما الحال لغلاة القوميين الأكراد والعرب) ،مع إعتزازهم بالمشترك اللغوي مع الشعوب التركمانية جمعا.   و لم يمكث من أصولهم إلا لغتهم بعدما أختلطوا بمحيطهم العراقي مثل الماء بالماء،فلا تميزهم  مسحة ما،في أشكالهم أو سحنهم. وفي السياق هذا يجدر التنوية الى أن لغتهم تحاكي إلى حد بعيد البنية الهيكلية للغة السومرية،فهي لغة مقطعية،وليست ألفبائية مثل اللغات العراقية إبتداءا من الأكدية حتى العربية أو حتى الأوربية بتجمعاتها الثلاث اللاتنية والجيرمانية والسلافية.

والتركمان أكثر التجمعات مكوثا في صلب تاريخه وأحداث العراق التاريخية ،حيث تسنى لهم عبر تاريخهم أن يؤسسوا لست سلطات و دول تركمانية على أرضه، وكانوا في القرون المتأخرة وسيطا ناجحا بين سلطان الأستانة المترف والمتسلطن مع الحريم والبخشيش،  وبين جموع المهمشين العراقيين،وهكذا خدموا بلدهم وأهله من خلال لغتهم. وتأسست في الغالب  تجمعاتهم السكانية في خط منحرف  يمتد من الشمال الغربي على أمتداد جبال حمرين، نحو الوسط الشرقي،بحيث شكل تواجدهم ضمانة لأستقرار الأوضاع السياسية والإجتماعية في العراق حتى اليوم،وإذ نجد أن وجودهم المكثف في كركوك وأربيل وخانقين وتلعفر ومدن أخرى شكل ضمانة مختارية وأخلاقية (جنتلمانيه) للحيلولة دون إنفراط العقد الإجتماعي العراقي ،الذي لم ولن يروق لغلاة القوميين على اختلاف تلاوينهم.

وبالرغم من شيوع حمى الحركات القومية التي جلبها الأتراك للشرق ،إلا أن تركماننا بقوا معتدلين و بمنأى عن غلوائها،ولم ينشئوا حركة قومية (طورانية) بالمعنى الصحيح ، بالرغم من شعور الإعتزاز القومي المنتشر في صفوف بعضهم،ولم تطأ تطلعاتهم إلى حلول إبتزازية ضد أخوتهم من الأكراد و العرب. وقد مارس التركمان سجية عراقية محضة،حيث كظموا غيظهم وتألموا بصمت وكتموا أوجاعهم ،خشية التفريط بمعادلة وجودهم الوسطي .وهكذا مرت على كاهلهم كل المصايب القومية ولاسيما حملات  التطهير العرقي البعثية حينما  منعتهم من شراء العقارات في مدنهم العتيدة بهم ،ولاسيما كركوك ،المدينة العراقية التي يشكل التركمان غالبية سكانها.وشجعتهم بالرحيل الى تركيا،التي لم تروق لهم.

ولم يروجوا التركمان للإستحواذ على قطعة من (الكعكة العراقية) كما هو دائر اليوم في سوق النخاسة السياسية،وحمى الانفصال والانفلات الفدرالي غير المحسوب الأبعاد. ولم يشكل التركمان مليشية تبتز الآخرين وتعبث في أرض الله فسادا كما هي مليشيات بدر والبيشمركه ومقتدى الصدر.كل ذلك يحدث بالرغم مما عانوه من مناخات السياسة وتقلباتها المأساوية. وقد كانت أسوأها أحداث 1959 التي مثل في مثقفيهم ،وعلقوا على أعمدة الكهرباء ، بعد حالة إحتقان مفتعل مارسه غلاة القوميين الأكراد،بعدما تسللوا في ظلمة الحركة الشيوعية وأستغلوا فسحة التسامح التي أشاعتها سلطة الجمهورية .وهكذا فالتاريخ يعيد نفسه اليوم، بأقل وقعا، خشية من الأمريكان. و اضطرتهم الظروف أن يلوذوا تحت حماية السلطة العروبية.لكنهم وبالرغم من ذلك،لم يلعبوا دورا قذرا في أجهزة نظام البعث أو أقبية مخابراته ، مثلما فعل الكثيرين ومنهم شيعة و سنة ونصارى ويزيديه وأكراد (الجحوش أو فرسان صلاح الدين)،الذين يشكلون اليوم العمود الفقري لمليشيات البيشمركه .

واليوم وفي لجة الإستحواذ على المناصب والإمتيازات والحظوة، يقبع التركمان المخلصين لعراقيتهم في خانة النسيان،بعدما أكل حقهم وأستلب موقعهم من تكلم بصوت عال(مثلما العاهر)،وطلب الكثير وهو يخبأ في سره لغد الغدر والإنفصال. كل ذلك يستوجب المراجعة الأخلاقية للتجمعات الثقافية والسياسية العراقية، الملتزمة أخلاقيا بنصرة من ظلمهم صدام والبعث بالأمس،ومارس أشنع خطط التطهير العرقي ضدهم.  وبغياب السلطة المركزية الفاعلة،وأستتاب الأمن ،فان التركمان واقعون تحت طائلة إبتزاز القوى القومية من كردية بأسلوب الأتاوة البيشمركي ، وعروبية،من بعض أعراب البعث في الحويجه وغيرها .

وهكذا جاءت النتائج سريعة ومأساوية ،بعيدا عما يعلن عن حسن النوايا ومكارم الممارسة. فقد تصرف البيشمركه ورعاع الأكراد  برعونة تحت جنح الظلام ،و نقلوا في سيارات الحمل فلاحين مساكين كالأغنام ، ليشاركوا في تزوير الإنتخابات التي يعولون عليها بخبث. وتباعا اثبت بطلان اللعبة ،و تبين أن عدد المصوتين في كل دائرة يفوق عدد سكان المنطقة أصلا. والأمر المحير أن هذا الإبتزاز ،وقع تحت مرأى ومسمع المحتل الأمريكي،دون أن يحرك ساكنا. ومن المخجل أن نذكر هنا بأن الطلباني يهب كل أمراة كردية حامل مبلغا معتبرا من المال مقابل وضعها طفلا في مستشفيات كركوك ،كي يسجل هناك،ويفرض غدا  واقعا سكانيا ،ينفع كمسمار جحى أو  كرداء عثمان في حمى الإستحواذ على كركوك.

و اليوم نحن أمام محك حقيقي لتأكيد قيمنا الموروثة،ساعين في دحض الهبوط النوعي العراقي الذي أحدثته سلطة العهر البعثي،بما يستوجب الحذر من المساعي الحثيثة الدائرة ،التي يقودها رهط من بياعين ومبيوعين  الذمم ، ممن يروج لترشيح البرزاني أو الطلباني لقيادة سلطة العراق. فلا ضير في مبدأ الترشيح أساسا كون الرجلين عراقيين لاغبار على ذلك،لكن الإشكال يكمن في كم المثالب التي أثقلت كاهل الرجلين،بما يتطلب خشية  حقيقية  من بيع العراق بلد وأمة وتراث (بالمفرق والقطاعي) على يد الرجلين. وهنا نؤكد على شخص  الطالباني تحديدا، حيث أتسم طول مسيرته بتلونه وقفزاته البهلوانية وتصريحاته المتناقضة،ودسائسه المكشوفه والمستترة وصلاته المريبة، وفساده المالي هو وطاقمه ،ولم نفشي سرا حينما  ننوه عن كم العقارات التي طفق يقتنيها في بلدان الغرب ،ولاسيما لندن ،على هدى و خطى صدام. أن فوز أحد هؤلاء "لاسامح الله " في أحد المناصب الحساسة للدولة العراقية ، سوف يشكل عبئا جديدا على مستقبل العراق الذي يأن أساسا من الفساد الإداري الموروث من حقبة البعث واستمر ساريا نافذا خلال ثنايا وعلاقات عناصر حكومة علاوي،كما هو حال وزير دفاعها حازم الشعلان .وهكذا فالحذر ونحنا نؤسس لمنظومة المكارم القادمة، وإلا فسوف تكون نتائجها وخيمة.

وهاهي الفرصة مؤاتية ،لرفع الغبن ورد الاعتبار وممارسة القسطاس مع أخوتنا التركمان،ونطالب من برلماننا وممن أنتخبناهم ويحملون أمالنا وثقتنا ،أن يرشحوا  منهم أحد العناصر التركمانية النزيهة التي لاغبار عليها، ليكون رئيسا للجمهورية أو الجمعية الوطنية أو حتى رئيس للوزراء. وميزة التركمان أنهم يتمتعوا بقبول وإجماع من قبل جميع الفئات والتوجهات والأهواء العراقية. فالتركماني مسالم ودمث،ولا يحمل ضغائن قومية،ولايحمل نوايا إنفصالية أو حسابات خارجية،بل بالعكس ،فأنه سيكون حلقة وصل طيبة لتقريب الصلات مع الجارة الشقيقة تركيا،التي تعاملت مع القضية العراقية بحذر الحليم ،ومازالت تشكل مصدر توازن فذ،في معادلة جديدة تكافئ التطلع الإيراني الخبيث ونوايا الإستحواذ العروبي الخائب ،ناهيكم عن مشاريع الإنفصال والإستحواذ الداخلي.

وإذ نطالب بان يكون منصب شرفي كبير آخر مناط بأخوتنا من المسيحيين أوالصابئة أواليزيدية أوالشبك، ممن أخلص للعراق ولم يحمل في سجاياه نوايا إستحواذ ، أو لديه مطامح إنفصالية ولا أحلام لماوراء الحدود لقوى مازالت تستأثر بالنفط من أجل أمم هلامية وتعتبر بلد النهرين محض بلد مرور(ترانزيت). أن مطلب إشراك تلك الفئات التي عانت الكثير يمثل توجها للنخب الثقافية العراقية ،حيث أرفع بأسمهم جميعا مسعانا هذا إلى ممثلينا ،كي نضمن سلامة العراق ووحدة أراضيه في مرحلة حرجة وولادة عسيرة تتطلب الحيطة والحذر وتسبيق الشك على حسن النوايا ،إقتداءا بمبدأ أبو الحسنين (ع) (سوء الظن من حسن الفطن).

 

                                                    *معمار وباحث  /موقع كتابات