|
|
عصمت ئوزجان والفضاء الشعري التركماني
1946
–
1994
د. محمد مردان
الشاعر في
مجمل كتاباته انما يعبر وفق ايديولوجية خاصة عن حالة العشق والحلم والهواجس
الجميلة من خلال قصائد حافلة بالصور الشعرية التي ينتقيها بدقة ، حيث تتقمص الحالة
التي يكتب عنها شكل الخطاب الشعري او الحوار الاحادي ، ويقترب هذا الحوار بشكل
اليف من رسائل الحب ذات المغزى الفاجع والاقتراب من المرارة والوجع. وقصائد الشاعر
حافلة بالاسئلة القلقة وهذا ما يجسد المنحى الذي فيه من الادانة والتحدي الشئ
الكثير ويجعل الطريق سالكا نحو دائرة الضوء ويعطي لرموزه الكثافة والاستمرار ، ان
احساس الشاعر بجريان الزمن في الاتجاه المعاكس وانعدام الوشائج الحقيقية قد افرز
نمطا خاصا واتجاها قاسيا وخلق عنده النزع نحو القصيدة القلقة. والنص المتوتر ، الا
ان الشاعر رغم بروز هذا الاتجاه في قصائده الا ان فيه توقا كبيرا للحضور والوقوف
في وجه الريح واطلاق صوته في كل الاتجاهات والاداء بقوة حنجرته التي تتسع لكل
اطوار الغناء ، ومما يؤدي الى ترسيخ هذه الخاصية في قصائد الشاعر ان موقفه هذا ليس
انفعاليا بل انه ينطلق من ارضية صلبة وخصبة في آن واحد ومما لا شك فيه انه يكتنف
لغة الشاعر حزن آسر يحاصر قصائده وتجربته الا ان هذا الحزن يبدو حزنا وديعا ينام
في القصائد حتى يبدو جزءا حميما من اركانها ويؤدي الحزن دورا مهما في تاجيج الوعي
بالزمن والوقوف على مشارف الحلم. ان الشاعر
عصمت ئوزجان وجد نفسه محاصرا بمجموعة من المكابدات وفي جو ملئ بالضباب ومن خلال
هذا المسرح الذي يفتقر الى الجمهور فانه يتشكل اسمه وتتألق كلماته ويعلن صلته بتلك
العلاقات الروحية التي لا بد لها ان تسود ، ويشيع اتجاهه الذي يعتقد انه يثري
تجربته الشعرية وموقفه كانسان اولا وكشاعر ثانيا من خلال استخدام لغة تمتاز بثراء
مفرداتها ونزوعها نحو الايحاء والتأويل حد اننا نحس ان الشاعر انما يكتب قصائده
وفق تخطيط محكم هادفا من وراء ذلك ان تعرف القصيدة نفسها بنفسها ، وموقفه من
الاحداث والمشاكل الانسانية واحساسه المزمن بالغربة وهو في قصائده يقترب كثيرا من
هذا المغهوم ويتوغل فيه عميقا في كنه وحقيقة الموجودات ويحمل على كتفيه احزان
انسان هذا العصر لا سيما احزان الاناس اللصيقين به والذين يحملون الهواجس ذاتها
والمكابدات نفسها ، فقد اكتشف الشاعر من خلال احتكاكه بالحياة مغزى الرموز المحيطة
به وعدم ثبات الاشياء فقام باعادة تركيبها وفق ما يراه ويحس به ، وحول الحقائق
المقررة الى حقائق اخرى اجدر بالمعايشة والانتماء اليها واعتناقها ، وكان كل هذا
الكشف وكل هذا اليقين عن طريق تسليط اضاءات اضافية الى الانوار الاخرى التي يراها
غير كافية لكشف الحقيقة والتغلغل الى الاعماق من اجل الوصول الى تركيبة الاشياء
وحشد رصيد كاف لكل شكل من الاشكال الثابتة عن طريق الخواص الاساسية المشتركة بين
احاسيس الاشياء المتحققة وبين احاسيس الاشياء التي يتمناها الشاعر والتي يريد
انضاجها عن طريق طروحاته عبر قصائده ومن خلال حواره الجدلي مع الذات ومع الآخرين ،
ان الصراع الذي يقوده الشاعر عبر نماذجه يمثل حالة ذات حدين الوصول الى الجوهر
والوقوف بالضد مع الحالات المتردية لان كل ما هجين وغير حقيقي اخذ يستفحل بينما
القيم النبيلة اخذت تضيق وتتضائل والمعادلة التي يدعو اليها الشاعر ويشير عليها
بكل اصابعه واحاسيسه تنطبق ليس على الحالات الانسانية بل على الابداع ايضا لذا
وتحقيقا لهذا النهج الذي اختطه الشاعر لنفسه فانه يستعين بنماذج معينة ذات غنى
وتأثير تشكل عالمه ورموزه المعبرة لكي يستطيع ان يقدم لنا رؤية وتجربة بالشكل الذي
يريده ، حاملا ملامحه ومجسدا مبادئه ، تلك المبادئ التي لن يحيد عنها والتي امتزجت
بدمائه والتي تسكن شرايينه وتدور فيها باستمرار. لم يكن للشاعر
ديوان مطبوع وقد قام كل من الدكتور محمد عمر قازانجي والفنان بهجت مردان غمكين
وزوجة الشاعر فاطمة ئورجان بجمع نتاجات الشاعر المنشورة في الصحف والمجلات
والدوريات التركمانية وقد قامت مديرية الثقافة التركمانية في اربيل بطبعه على شكل
ديوان تحت عنوان (ئولومه زمان اركه ن) بمعنى الوقت مبكر للموت ان الجهد المبارك
الذي قام به هذا الفريق المجاهد قد سد فراغا كبيرا في المكتبة الوطنية التركمانية
وحال دون ضياع قصائد هذا الشاعر الذي اختطفه الموت منا وكان يعدنا بالشئ الكثير
انسانا وطنيا مبدعا من نوع خاص . نماذج من قصائده
في سنواتي
التي لم اعرف فيها القدر والتي فاحت
بالنفسج كنت اول من
امسكت بزمام روحي انت التي
جعلتني اتجول في درب
التبان مخمورا ليندا يا زهرة عيني
يا ليندا لقد شارف حزني
على ربع قرن يداك الخشنتان
اللتان
تتجولان في احلامي افلا تستطيعان
تقديم باقة ازهار
ابدا وان لبستا
قفازا مطاطيا اغنية وحشية
قطرة دم حبة رمان اغنية العصر
الجديدة المقام وحشي كاه العازفون اوركسترا آكلة لحوم
البشر انا موجود
لست غير موجود انا موجود فانحنِ شوكا للعدو حبيبا للصديق انا جبل اشم مكلل بالثلوج لن يعطي ممرا انا موجود موجود موجود موجود اللعنة
سحبت لعنتي مع سهم قوسي رميتها مع تأوهاتي الى السماء لعلها تكوي جسد الغيوم فتمطر بردا في مشهد قلبي انت ماض مرير
ما زال في
عينيك ذلك الحزن
القديم مرة اخرى يبكي
وجهك المضيء اعرف يا صاحبتي لماذا لا
تبتسمين انت ايضا قد دونوك مثل الايام
الماضية فوق الرفوف في دفتر
الذكريات المنسية لعلك الآن توقيع لعلك عبارة عن
كتابة ذات نصف سطر تتواجدين مع
الغبار في تلك
الاوراق الصفراء لم تمارسي السحر مرارا كل ليلة لم تشعلي
البخور ملء اناء لم تثمر تلك الاوراق
المطلسمة ولا تلك
الشموع التي اوقدتها في قبور
الواصلين لم تعودي الا نقطة
سوداء مثل الكتابة
التي على الجبين غير آيلة للمسح الموقف الاخير
عندما يجثم
الظلام على مدينتي اذهب للبحث عن
الذكريات هناك في ذلك الركن سكير مستاء من حظه يعشق الاحزان يقول : تعال يا صاحبي واجلس على تلك
المنضدة هنا موقفنا الاخير
لم تبق ثمة محطة لم نشاهدها ليس هناك من لوح بمنديل
ولا من ابتسم في وجوهنا يقول اجلس يا شريكي في
همي لم نضحك في هذه
الدنيا فلنعتن بالذين
يضحكون على الاقل
الموصل |