العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

حكاية من كتاب (ده ده قورقوت)

جلال بولات

حكاية بصاط وقتله المارد تبه كوز

     

      هذا الكتاب

*   كتبت مخطوطة كتاب ( حكايات ده ده قورقوت ) قبل حوالي ستمائة عام ، ولكنها كانت متداولة قبل ذلك التاريخ بعدة قرون ، إما على شكل مكتوب أو كقصص ملحمية تتناقلها الأجيال ، وهي تصور حياة قبائل الأوغوز وامجاد أبطالهم وصراعهم مع الوثنيين في حوض بحيرة الخـزر، قبل وبعد ظهور الإسلام في الجزيرة العربية. وأغلب الظن أن تاريخ استنساخها من قبل الوراّق (سيد أحمد بن حسن بالي ) يعود إلى بداية ظهور العثمانيين. ومنذ مطلع القرن الثامن عشر حاول العديد من المستشرقين والباحثين تثبيت تاريخ نشأة الحكايات ، وعلى الدوام كان هنالك سؤال كبير يثار مفاده : من هو ده ده قورقوت ؟ أين ومتى عاش ؟   

*  مخطوطة كتاب ده ده قورقوت اكتشفت في المكتبة الملكية بدرسدن من قبل الباحث الألماني (فليتشر) ولكن مواطنه الباحث ( فون دييز) ترجم حكاية ( تبه كوز) إلى الألمانية ، وقام بمقارنة شخصية المارد ( تبه كوز ) مع العملاق ( بوليفموس ) في ملحمة الاوديسيا لهوميروس . واعتماداً على طول ومساحة تفاصيل الحكاية لدى ده ده قورقوت خلص إلى القول بأن الإغريق قد استلهموا هذه الحكاية من الشرق والمقصود هم الترك .

*  ان أغلب المصادر التاريخية التي شاركت في رسم ملامح شخصية الحكيم ده ده قورقوت قد اعطت بشكل أو بآخر وصفاً مشتركاً عنه ، على أنه فيلسوف شعبي ، عالم حكيم شاعر ومغنٍ ظلت ذكراه متوقدة في أذهان أبناء قومه لزمن طويل وفي مختلف العصور. ومن المعروف أن الأوغوز كانوا قبائل رحل ظلت تحتفظ بروح البداوة إلى عصور قريبة ، كما احتفظت بموروثها الذي عاشته في موطنها الأول ، وظلت متمسكة به في كافة الديار التي ارتحلت إليها في غرب بحيرة الخـزر وشرق الأناضول وأواسطه. ونتيجة للتنوع الذي حصل بسبب الإختلاط الحضاري بين الترك والفرس والأغريق والعرب أضفي على هذا الموروث شيئاً من السحر الخلاب نتيجة النقل واسلوبه ، اضافة إلى تأثر الآخرين به ومشاركتهم الطوعية في محاولة التقليد أو تلفيق ما يشبه هذا الموروث.

 

حكاية بصاط وقتله المارد تبه كوز

  

 في يوم من الأيام وتحت جنح الظلام هجم الأعداء على ديار الأوغوز بينما كان الناس في هدأة الكرى، فدبّ الهلع  بينهم فـنفروا الى الرحيل . وبينما هم في هرج ومرج سقط منهم ابن ( آروز قوجا ) في الطريق فعثرت عليه لبوءة فأخذته الى عرينها في الغابة ليترعرع هناك . بعد ردح من الزمن عاد الناس الى ديارهم ونصب كل واحد منهم خيمته. وفي ذات يوم جاء راعي القطعان الذي يعمل لدى  أوغوز خان  ونقل خبراً غريباً : يا مولاي ! هنالك أسد يخرج من بين أحراش القصب يفترس الخيول ، يمشي حيناً كما يمشي الرجل منا، ولكنه يصرع الحصان ويمتص دمه . قال آروز : يا مولاي ربما كان هذا هو ابني الذي وقع حينما نفرنا الى الرحيل . امتطى الأمراء جيادهم وجاءوا الى عرين الأسد فـقتلوه ، ثم حملوا الصبي الى أبيه آروز فأخذه منهم وجاء به الى بيته . عمّت الفرحة ديار الأوغوز وأقيمت المآدب هنا وهناك . بيد أن الولد لم يصبر على تلك الحالة . فكلما جاءوا به الى البيت فرّ الى البرية ودخل عرين الأسد أمسكوا به مرة أخرى وجاءوا به الى أهله .

   جاء جدي ( ده ده قورقوت) ليكلم الصبي . قال : يا ولدي انت آدمي فلا تصاحب الحيوان ! اذهب لتتعلم ركوب الخيل واتخذ لنفسك أصدقاء من الأمراء . أخوك الكبير يدعى قييان سلجوق فليكن أسمك بصاط أنا أسميتك فليمنحك الله عمراً مديداً .

   وفي ذات يوم خرج الاوغوزيون الى البراري لرعي مواشيهم ، وكان لـ (آروز) راعياً يدعى الراعي الأصفر ( قونور قوجا ) وقد جرت العادة هكذا ، اذ لا أحد من الناس يخرج الى المراعي ما لم يسبقهم الراعي في الخروج ، وكان هنالك نبع  يطلق عليه ( النبع الطويل ) في ذلك الوقت كانت ثمة حوريات من الملائكة يسبحن وتتخافـق اجنحتهن في مياه النبع ، فزعت الخراف منهن فجأةً، الامر الذي دفع بالراعي الى القيام بأستطلاع الجوار فركب دابته وانطلق الى الأمام ليتابع ما يجري عن كثب ، فما راعه إلاّ ان راى الحوريات يحلقـن ويرقصن والواحدة منهن ممسكة بجناح الأخرى ، فألقى الراعي بقبائه عليهن وأمسك واحدة منهن وجامعها على الفور، اذ ذاك دب الهياج بين خرافه فانطلق اليها الراعي متقافزاً أمامها كالمخبول . هناك ضربت الحورية جناحها في الفضاء وحلقت ثم قالت للراعي: أيها الراعي عندما يحول الحول تعال لتأخذ امانتك التي عندي ، ولكنك جلبت الهلاك لقومك . تملكت الرجل خيفة واصفرّت سحنته عندما فارقته الحورية.

   بعد مضي عام بالتمام والكمال خرج الأوغوزيون الى المرعى كسابق عهدهم، يتقدمهم الراعي بقطيعه . جاء إلى النبع ذاته ففزعت الخراف أيضاً . مضى الى الأمام فوجد كومة من لحم براقة غريبة المنظر ترقد على الأرض . هناك جاءت الحورية وقالت : تعال أيها الراعي وخذ أمانتك ! ولكنك جلبت الهلاك لقومك . حينما رأى الراعي كومة اللحم ارتعدت أوصاله خوفاً ، وأخذ يتراجع ويرجم الكومة بالحجارة من مقلاعه . وكلما ضربها كانت تكبر وتكبر حتى تركها وولى هارباً تتبعه خرافه مذعورة .

   في ذلك الوقت كان بايندرخان قد خرج في نزهة على ظهور الخيل مع أمرائه، فجاءوا جميعاً الى النبع فوجدوا كومة عجيبة ليس لها رأس ولا ذنب تفترش على الأرض . تحلقوا حولها. نزل فارس منهم وأخذ يعالجها بقدمه وكلما ركلها كبرت . ترجل فرسان آخرون وأخذوا يركلونها حتى عظم حجمها وانتفخت . ثم ترجل الأمير ( آروز قوجا) وأنشأ يركلها حتى تعـلق مهمازه بها فإنشقت وخرج منها طفل له جسم آدمي وفي رأسه عين واحدة . أخذ (آروز ) ولفه بذيل ثوبه وهو يقول : يا مولاي أعطوني اياه لينشأ مع ابني بصاط .

قال بايندرخان : ليكن لك ! .

   حمل ( آروز ) الطفل ( تبه كوز ) الى بيته ونادى على إحدى المربيات فجاءت لترضعه من لبنها . وضعت حلمة ثديها في فمه فامتص كل حليبها بنفس واحد ثم امتص دمها وبعد ذلك أزهق روحها . جاءوا بالعديد من المرضعات فأهلكهن جميعاً . وجدوا ان هذه الطريقة غير مجدية قالوا : لنعلمه شرب الحليب ، فما كان يرتوي بقدر كبير من الحليب في اليوم الواحد . على أية حال نشأ الطفل حتى شبّ عن الطوق فأصبح يمشي ويلعب مع الصبيان. ولكنه أخذ يلتهم أنف هذا الصبي ويأكل أذن ذاك، حتى ضاقت به الناس ذرعاً ، وعجزوا عن الاتيان بأي شيء ازاء فعاله تجاه أبنائهم ، فراحوا يشكون أمره الى آروز ويتباكون أمامه . أخذ آروز يعنّفه تارة ويضربه ضرباً مبرحاً تارة أخرى. منعه من الخروج الى الناس فلم يأبه لذلك . ضاق به آروز ذرعاً حتى طرده من بيته في نهاية المطاف . جاءت الجنية الى ( تبه كوز ) ووضعت في اصبع الولد خاتماً وقالت : هذا  لكي لا ينغرز السهم في جسمك ولا يؤثر فيك السيف ! خرج تبه كوز تاركاً ديار الأوغوز الى جبل عالٍِ ، منيع ، حيث أمسى هناك قاطع طريق ، أخذ يخطف الرجال حتى طبقت شهرته الآفاق كونه لصاً كبيراً . أرسلوا اليه العديد من الرجال ليرموه بالسهام فلم تنغرز في جلده، ضربوه بالسيوف فما أثرت فيه ، ثم أرادوا طعنه بالرماح إلا انها لم تثقب لحمه. قضى على الرعاة الفتيان جميعاً، أكلهم ، فانفتحت شهيته لأكل البشر حتى أخذ يفترس رجالاً من الأوغوز أيضاً .

   اجتمعت الأوغوز وهجمت عليه . لما رأى تبه كوز القوم قد جاءوا ينوون الفـتك به اقتلع شجرة من أصلها وقذفها عليهم فقتل خلـقاً كثيراً منهم . فارس الفرسان ( قـازان ) تلقى منه ضربة أطارت صوابه . أخوه ( قارا كونه ) هو الآخر ذاق مر الهزيمة ونجـا بأعجوبة من جبروت تبه كوز . أما الفارس (رستم ابن دوزه ن ) فقد استشهد على يده . بطل مثل ( ابن اوشون قوجا ) لقي مصرعه على يد ( تبه كوز ) ثم تبعه اثنان من أشقائه. لفظ ( ماماك ) ذو البدلة الحديدية آخر أنفاسه مخنوقاً في قبضته . ( بوكدوز أمه ن ) ذو الشاربين الداميين هزم أمامه ، كما جعل آروز قوجا ذا اللحية البيضاء يتقيأ دماً ، وتسبب في شق مرارة ابنه قييان سلجوق . بعد أن فشل القوم في النيل من ( تبه كوز) دبّ الذعر في صفوفهم فولوا مدبرين ، ولكنه التف قاطعاً الطريق عليهم ، وبالرغم من كل المحاولات لم يدعهم وشأنهم حتــى أرغمهم على العودة ليعسكروا في مكانهم السابق . باختصار حاول القوم سبع مرات الفرار والنجاة بأرواحهم ، بيد أن تبه كوز قطع عليهم طريق الهرب في المحاولات السبع، وأجبرهم على العودة الى مكانهم السابق، حتى أيقنوا انهم لا حول لهم ولا قوة أمام جبروته ، فذهبوا الى ده ده قورقوت ، وطلبوا اليه الحضور. تداولوا الأمر معه ثم تشاوروا فيما بينهم فاتفقوا على ارسال جدي( ده ده قورقوت ) الى تبه كوز . جاء اليه وألقى التحية سلاماً، قال : يا بني يا تبه كوز لقد لقي الأوغوز على يديك مرّ الهوان وألحقت بهم الهزيمة فأرسلوني الى حضرتك وقالوا لنعـطه خراجاً. قال تبه كوز : أعطوني ستين رجلاً للأكل . قال ده ده قورقوت: اذا تم الاتفاق على هذا فانك لن تبقي فيهم رجلاً واحداً ، تفنيهم عن بكرة أبيهم. ولكن لنعـطك رجلين في اليوم مع خمسمائة رأس من الغنم . حينئذ قال تبه كوز : حسن اتفقنا ! وأعطوني رجلين اثنين ليطبخا طعامي كي أتفرغ أنا للأكل. قفل ده ده قورقوت عائداً الى قومه وقال : أرسلوا ( يونلو قوجا ) و (ياباغيلو قوجا ) ليطبخا الطعام لتبه كوز ، ثم انه طلب فدية رجلين اثنين وخمسمائة رأس من الخرفان يومياً . قبلوا شروطه صاغرين ، فكل من له أربعة أولاد أعطى واحداً وأبقى على ثلاثة، ومن كان له ثلاثة أبناء أعطى واحداً وبقي له أثنان، ومن كان له ولدان أعطى أحدهما ليبقي لديه ولد واحد . كان هناك رجل يدعى (قاباق قان ) كان له ولدان أعطى واحداً منهما وبقي عنده ولد واحد . وقد دارت الأيام وجاء عليه الدور أيضاً فأخذت أمه تبكي وتولول وتشكو لقومها قلة حيلتها . في أثناء ذلك يا مولاي كان بصاط ابن آروز قد عاد الى الديار من الغـزو. قالت المسكينة: عاد بصاط من غـزوة فـلأذهب اليه لعله يعطيني أسيراً أفـتدي به ولدي الوحيد. وبينما كان بصاط جالساً تحت مظلته الذهبية شوهدت امرأة قادمة . جاءت ودخلت اليه . ألقت التحية ثم أجهشت بالبكاء :

يا ذا القوس الأشد بأساً من قرون الماعز المخيفة

يا اشهر الفرسان في الأوغوز قاطبةً

يا مولاي بصاط ابن آروز أنجدني !

   قال بصاط : ماذا تطلبين ؟ قالت المرأة المسكينة : لقد ظهر علينا رجل في هذه الدنيا الفانية وقد تلظت الأوغوز بنار طغيانه ولم يستطع حتى أبرع السيّافون أن يقطعوا شعرة من جسمه . لا رماة الرماح ولا لاعبوا الحراب تمكنوا من طعنه . حتى رماة السهام لم يتمكنوا من اصابته . تطاول على فارس الفرسان قازان وطوح به بضربة . وهـزم أخاه قـارا كونه ، كما انهزم أمامه (بوكدوز امه ن ) ذو الشاربين الداميين ، وجعل أباك آروز يتقيأ دماً وتسبب في مصرع أخيك ( قييان سلجوق ) اذ لقي حتفه بعد ان انشقت مرارته. لقد استرذل أمراء الأوغوز الأصلاء . قتل بعـضهم وألحق الهزيمة والعار ببعـضهم الآخر. وقد دفع الناس الى النفور وترك ديارهم سبع مرات ، وفي كل مرة يحاصرهم ويعيدهم الى سابق مكانهم حتى أجبرهم على دفع الجـزية له . فمن كان له أربعة أولاد أعطى واحداً واكتفى بثلاثة، ومن كان له ثلاثة أبناء أعطى واحداً وبقي له أثنان ، ومن كان له اثنان أعطى واحداً وبقي له ولد واحد . كان لي ولدان أعطيت واحداً فبقي ولد واحد . وقد دارت الدائرة عليّ وها هم يريدون ولـدي الوحيد الآن فساعدني يا مولاي . اغرورقت عينا بصاط بالدموع وأجهش بالبكاء ، فلنسمع يا مولاي ماذا أنشد بحق أخيه : يا أخي! ذلك الغادر هو الذي هدم بيوتك المنصوبة على أرض الهضبة ! وانتقى أفضل خيولك الهاذبة من حظائرها . هو الذي سرق جمالك السريعة ، وافترس خروفك الذي تركته كي تضحي به في احتفالك . وهو الذي فرق بينك وبين العروس التي جئت بها اليك وأنا مبتهج ، وتركت أبي ذا اللحية البيضاء من بعدك وهو يرثيك باكياً ، وتركت والدتي ذات الوجه الناصع ثكلى وهي تندب وتصيح اوآه يا ولدي!

أخي يا قمة جبلي العظيم الراسي قبالتنا

يا عنفوان مياهي النقية الهادرة

أخي يا ظهيري ، يا سندي القوي

يا نور عيني الحالكتين .

لقد افترقت عنا الى الأبد !

قالها نادباً راثياً أخاه ، باكياً بحرقة ثم قـدّم للسيدة أسيراً وقال لها : خذيه لتنقذي ابنك. أخذته المرأة وذهبت تفتدي به ولدها الوحيد ، ثم راحت الى آروز تبشره بقدوم ولده ، ففـزع آروز واصطحب معه أمراء الأوغوز الأصلاء لاستقبال ابنه بصاط . التقيا فـقبّل بصاط يد أبيه ثم أجهش كلاهما بالبكاء . ثم جاء الى بيت والدته فاستقبلته بالأحضان ، قبّل يدها هي الأخرى فانشجت بالبكاء. اجتمع أمراء الأوغوز وبعد أن تناولوا ما لذ وطاب من طعام وشراب قال بصاط : أيها السادة النبلاء سأنازل تبه كوز ثأراً لأخي ، فماذا تقولون ؟ هناك أنشد الأمير (قازان) يا مولاي فلنسمع ماذا قال :

لقد تحول تبه كوز الى تنين مخيف

صارعته في عرش السماء فلم آخذه يا بصاط !

غدا تبه كوز نمراً شرساً

حاصرته في الجبال السوداء العظيمة فلم أنل منه يا بصاط !

إياك أن تحاول مثلما حاولت أنا

فتتسبب في حزن أبيك ذي اللحية البيضاء

وتثكل والدتك ذات العينين الأشيبين .

   قال بصاط : لا محالة فاني عازم على الذهاب. فقال له قازان : أنت أدرى . انبرى أبوه بالبكاء وهو يقول: يا بني لا تقطع ضناي ! اكراماً لله ارجع ! بصاط: كلا اني عازم على الذهاب يا أبتي يا ذا اللحية البيضاء . قالها بحزم وأخذ من جعبته حفنة من السهام ووضعها في حزامه ثم تحزم بسيفه وجعل  قوسه على كتفه ، ثم شمّر ذيل ثوبه . قبّل يد أبيه وودعه قائلاً استودعكم الله . جاء الى الصخرة التي اتخذها تبه كوز مذبحاً له ، فوجده قد ولّى ظهره باتجاه الشمس . سحب سهماً من موقع الظهر من حزامه وصوبه الى أحشاء تبه كوز فتهشم السهم ولم ينغرز في جسمه. أعاد الكرة ثانية فتحطم السهم أيضاً . قال تبه كوز لخادميه : لقد أضجرني ذباب هذا المكان. مرة أخرى صوّب (بصاط) سهمه فتكسر الى قطع صغيرة وسقطت قطعة من السهم قدّام تبه كوز فانتفض ، ولكنه عندما رأى بصاط أطلق ضحكةً مدوية وأخذ يضرب كفاً بكف . قال لخادميه : جاءنا من الأوغوز حمل ظريف آخر. ثم هجم على بصاط وأمسك به ثم علقه من رقبته داخل حذائه الطويل الهائل وذهب الى فراشه. ايها الشيخان أطبخا لي هذا لكي آكله بعد القيلولة. قالها ثم ذهب في النوم . إستل بصاط خنجره وشق الحذاء وخرج منه . قال : أيها الشيخان ! في أي مكان مقتله ؟ قالا : لا ندري ولكن ليس هنالك لحم في جسمه عدا عينه . اقترب بصاط من رأس تبه كوز وأزاح جفنه فوجد أن عينه وحدها من لحم . قال: ضعا لي الحديد في الموقد لكي يحمّر . وضعا الحديد في الموقد حتى إحمّر ، فتناوله بصاط ثم صلى على محمد ذي الاسم البهي ووجه الوتد الى عين تبه كوز بضربة كانت من القوة بمكان اقتلعت العين من أصلها فندت عنه صرخة رهيبة اهتزت لها الجبال والصخور. ثم قفـز بصاط ورمى بنفسه إلى بئر كانت في المغارة . عرف (تبه كوز) أن بصاط ما زال في المغارة فأحاط ببابها واضعاً إياها بين ساقيه . قال: هيا ايها الكبش يا دليل الخراف أخرج بالقطيع واحداً واحداً. بدأت الخراف بالخروج واحداً فواحداً ، و تبه كوز يتلمس رؤوسها بكلتا يديه، قال : يا ذا القرنين المصورين، يا ذا الجبهة التي يشوبها البياض ، أخرج ! فتحرك كبش من مكانه وهم بالذهاب فعاجله بصاط بالسكين وذبحه ثم سلخ جلده ولكنه ترك الرأس والذيل على الجلد ودخل فيه ، ثم جاء الى مقربة من تبه كوز . أدرك تبه كوز ان بصاط داخل الفراء ، فقال مخاطباً الكبش : يا كبش يا ذا الجبهة التي يشوبها البياض كيف عرفت اين هو مقتلي ؟! لأقذف بك هكذا لكي يدهن شحم اليتك جدار المغارة. قدّم بصاط رأس الكبش الى متناول تبه كوز فأمسك هذا بقرنيه. عندما رفعه الى الأعلى أفلت بصاط جلد الكبش وقفز من بين ساقيه خارج المغارة ، فرفع تبه كوز الفراء من القرنين وطوّح به الى الأرض . قال : هل تخلصت ايها الولد ؟ قال بصاط : لقد أنقذني ربي. قال تبه كوز: أيها الولد خذ هذا الخاتم الذي في اصبعي فلن يؤثر فيك سهم أو سيف . أخذ بصاط الخاتم ووضعه في أصبعه سأله تبه كوز : هل أخذت الخاتم ووضعته في اصبعك يا فتى؟ بصاط : أجل وضعته. آنئذ هجم تبه كوز على بصاط وانهال عليه بالخنجر إلا انه كان قد قفز الى بعيد وصار في مكان فسيح فوجد الخاتم مرمياً تحت قدمي تبه كوز. سأله تبه كوز : هل تخلصت ؟ قال بصاط : أنقذني ربي . تبه كوز : أرأيت تلك القبة ؟ بصاط : رأيتها ! تبه كوز : فيها كنـزي ، إذهب واختم عليه لئلا يأخذه الخادمان. دخل بصاط الى جوف القبة فوجد فيها ذهباً كثيراً ودراهم من فضة فنسي نفسه. أمسك تبه كوز مدخل القبة ثم سأله : هل دخلت الى جوف القبة . قال بصاط : دخلت ! تبه كوز: لأضربك إذاً ضربة ساحقة تكفي لتدميرك أنت والقبة معاً. حينئذ جاءت الشهادة على لسان بصاط، نطق بها دون ان يدري ( لا اله إلا الله محمد رسول الله ) فانشقت القبة وانفتحت فيها سبعة أبواب أفلت من إحداها . مدّ تبه كوز يده الى القبة وهزها هزاً عنيفاً حتى تساوت مع الأرض. تبه كوز : هل تخلصت يا ولد ؟ بصاط : أنقذني ربي . تبه كوز: يبدو انه لم يكتب لك الموت. هل رأيت هذه المغارة ؟ بصاط : رأيت . قال تبه كوز : يوجد هناك سيفان ، أحدهما ذو غمد أما الآخر فأجرد. ذلك السيف الأجرد هو الذي يذبحني ، اذهب وأتِ به لتقطع رأسي. بلغ بصاط إلى مدخل المغارة ووقف هناك فرأى سيفاً بلا غمد يهوي ويرتفع بلا توقف . فكر مع نفسه : ينبغي ألا أذهب الى السيف فوراً  قالها ثم استل سيفه وأمسك به تحت السيف النازل فتحطم ، ثم جاء بوتد خشبي ووضعه أمام السيف فشطره السيف الى قسمين. آنذاك تناول قوسه ورمى سهماً صوب السلسلة الحديدية التي كان السيف معـلقاً بها فهوى السيف وغرز في الأرض. أمسك بذلك السيف من قبضته وحمله بقوة ، وجاء يقول : يا تبه كوز كيف حالك الآن ؟ تبه كوز : ألم تمت بعد يا فـتى ؟ بصاط : لقد أنقذني ربي . تبه كوز : يبدو انه لم يكتب لك الموت . قالها ثم أخذ ينشد . فلنسمع يا مولاي ماذا قال في إنشاده:

 يا عيني آه يا عيني الوحيدة

لقد هزمت الأوغوزيون بعين واحدة

سملتها انت ايها الشجاع

فليزهق الله روحك

لأنني أعاني من ألم فقدان العين

أدعو الرب المقتدر ألا يسلب بصر أي شجاع

وقال أيضاً :

ايها الشجاع

عندما تهب الى ساحة الوغى فأين هو مكانك

وما هو رجاؤك حينما تضل طريقك في الليل البهيم

من هو كبيركم الذي يحمل لواءكم العالي

ومن هو الذي يتقدمكم يوم المنازلة ؟

فمن العيب أن يخفي الرجل اسمه عن الرجال ،

قل لي ما اسمك أيها الفتى الشجاع ؟

فأنشد بصاط مخاطباً تبه كوز ، لنسمع يا مولاي ماذا أنشد :

عندما أخرج الى ساحة المنازلة

فإن مكاني هو تحت الشمس .

وعندما أضل طريقي في الليل البهيم

فرجائي هو الله .

حامل لوائنا الخفاق هو قازان ابن سالور .

إن سألت عن أبي فهو جذع الشجرة الغليظ

أما والدتي فهي الملكة الأم

أما اسمي فهو بصاط ابن آروز .

تبه كوز :

اذن فنحن اخوان ، فلا تغدر بي .

بصاط :

ايها المأفون لقد أبكيت أبي ذي اللحية البيضاء

وأثكلت أمي ذات العذارين الأبيضين

قتلت أخي قييان

رملّت إمرأته ذات الوجه الناصع

فكيف أدعك بسلام

لن أدعك حتى أستلّ سيفي الفولاذي العظيم

وأقطع رأسك النتن

وأهرق دمك على أديم الأرض

انتقاماً لقتلك أخي قييان !

هنا أنشد تبه كوز لنسمع يا مولاي ماذا أنشد :

كنت أقول لنفسي عليّ أن أذهب الى الأوغوزيين

وأرجع عن كلامي مع أمرائهم الأصلاء

ونلغي ما إتفقنا  عليه

وليجتمع نبلاء الأوغوز في الهجوم عليّ

عندئذ كنت سألوذ بصخرة المذبح

وأرمي صخرة من المنجنيق الثقيل

عسى أن تنزل على رأسي فأقـتل .

أيها الشجاع لقد سلبت مني بصري

فليزهق الله روحك العزيزة .

وأنشد ايضاً :

لقد أبكيت شيوخاً كثيرة

ربما فقدت عيني بسببهم

وأبكيت نساءً كثيرات

لعلني فقدت عيني لكثر ما ذرفن الدموع بسببي .

وقد أكلت العديد من الشباب في ريعان صباهم

لعل شجاعتهم هي التي أفقدتني نعمة البصر

افترست العديدات من الصبايا وأيديهن مخضبة بالحناء

لا بد أن آهاتهن هي السبب في عماي ،

انني أعاني من الألم في عيني

أدعو الرب المقتدر ألا يسلب بصر أي شجاع .

   استشاط بصاط غضباً فهبّ من مكانه ، وجعل تبه كوز يجثو على ركبتيه مثل الثور وانهال بسيفه على رقبته، شقها ثم سحب الرأس خارجاً الى مدخل المغارة، ثم نادى على يونلو قوجا وياباغيلو قوجا وأرسلهما ليبشرا الأوغوزيين. مضيا الى الديار على ظهر حصانين أحدهما أبيض والآخر أشهب، فانتشر الخبر بين الناس حتى بلغ مسمع آروز قوجا ذي الفم الشبيه بحلق حصان . جاءوا الى داره ركوباً وراجلين وزفوا الفرحة الى أبيه. البشرى! لقد أجهز ابنك على تبه كوز. قادت مجموعة من أمراء الأوغوز خيولها، وجاءت الى المذبح ، ثم أتوا برأس تبه كوز الى الوسط على صخرة المذبح.

   حضر جدي ده ده قورقوت وعزف لحن الفرح واصفاً بطولات المحاربين الأشداء وأنشد مادحاً مآثر بصاط :

حينما تسلك الجبل الأسود أن تذلل أمامك طرقه ،

وعندما تخوض المياه الجارفـة أن يتيسر لك عبورها .

وقال :

يا بصاط لقد ثأرت لأخيك بكل بسالة

وأنقذت أمراء الأوغوز من هذه المحنة

ليجعل الله المقتدر هامتك مرفوعة أبداً يا بصاط .

لندع دعائنا بالخير يا مولاي :

عندما يحل الأجل الموعود ليكن لك فيه متنفساً

وليغفر الله ذنوبك يا مولاي

بجاه محمد المصطفى ذي الاسم الزكي .