العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

كنت في العراق

 

منير بياتلي

 

 

لأسباب عائلية اضطررت الى القيام بزيارة خاطفة الى العراق قبل أسبوعين من الآن... ونظرا لعدم إقتصار هذه الزيارة بمدينة واحدة من مدن عراقنا (الجريح)، فقد أصبحت وسيلة لرسم صورة عامة عن مجمل أوضاع البلد السياسية والأمنية والإقتصادية. يمكننا أن نلخص هذه الجوانب على الشكل التالي:

 

الجانب السياسي:

     إختلفت رؤى الناس في الجانب السياسي ما بين الشمال والجنوب.. ففي الشمال ليس هناك حديث أكثر من حصول الأكراد على منصب رئاسة الجمهورية، وكانت الفرحة قد عمت أرجاء المناطق الكردية بشكل خاص إذبان الإعلان عن تسنم السيد جلال الطالباني مهام عمله رئيسا للعراق.. ولكن سرعان ما تبدد هذه الفرحة عند بعض الأخوة الأكراد عندما أيقنوا بأن هذه الفرحة لن تدوم لأكثر من أشهر قليلة.. بينما لم تكتمل فرحة آخرين منهم حينما إدعى الحزب الديمقراطي الكردستاني بأن حصول الأكراد على هذا المنصب جاء نتيجة نضال الملا مصطفى البرزاني. في حين دفع فضول بعض الأخوة الأكراد نحو الإستفسار عن وجهة نظر تركيا حول تولي الطالباني منصب الرئاسة متناسين بأن تركيا لا تعنيها أيا من كان رئيس جمهورية العراق.. لأنها تحترم المنصب أكثر من إحترامها لمن يشغله.

     أما في الوسط والجنوب فكان هم تشكيل الحكومة الشغل الشاغل لعامة الناس.. وبدا الإستياء واضحا في وجوههم جراء التأخر الحاصل في الإعلان عن تشكيل حكومة إنتقالية أخيرة قبل سن الدستور الدائم الذي سيقر تشكيل حكومة دائمية لفترة إنتقالية يحددها الدستور. ولا أفشي سرا إذا ما قلت بأن الناس كانوا أكثر يئسا لعدم تقديم الأطراف المتحاورة أية تنازلات من أجل الإنتهاء من تشكيل الحكومة ما كان يعني عندهم بأن الحكومة المنتخبة لربما ستجحف بحقوق المواطنين أو ستحرمهم من إمتيازات عديدة، وإن المصالح الحزبية ستغطى على أعمالها. وتبديد مثل هذه المخاوف مكفولة بالزمن لا أقل ولا أكثر...

     تركمانيا، فإن المؤتمر التركماني الرابع الذي أنعقد في 22 نيسان 2005 كان موضع حديث عامة التركمان على إمتداد تواجدهم من الشمال الى الجنوب.. وكان الجميع شبه متفقين على إجراء تغيرات أساسية في بنية الجبهة التركمانية العراقية.. ولكن عدم الإتفاق على طبيعة هذه التغيرات بل وجود الخلافات حولها أدى الى تأجيل أعمال المؤتمر لأيام أخر..

     ولم تكن للخلافات أن تظهر لو كانت الساحة التركمانية موحدة في خط سيرها نحو هدف واحد... وإن غض الطرف عن جزء مهم من الشريحة التركمانية المتمثلة في إخواننا الشيعة كان عاملا مساعدا على تفتت الصف التركماني خصوصا في الإنتخابات.. ولست ألقي اللوم على أية جهة سياسية لتقصيرها في إحتواء هذه المسألة، ولكنني ألوم أطرافا شعبية أخفقت في الدفاع عن القضية القومية للشعب التركماني...

     خلال زيارتي لعيادة أحد الأطباء في بغداد تسائل الطبيب العربي قائلا: "لماذا أخجلتمونا أيها التركمان في الإنتخابات؟؟" حاولت جهد إمكاني إقناعه لكنه لم يقتنع، ثم أردف قائلا: "خلال الستينات من القرن الماضي كنت أمارس عملي في مدينة أربيل.. وكانت اللغة التركمانية في تلك السنوات هي اللغة السائدة في المدينة وكانت تعد لغة الثقافة.. إن التركمان كانوا يعدون طبقة أرستقراطية، ولا يشك أحد بأنهم أثقف مكونات الشعب العراقي"... 

 

الجانب الأمني:

     فكما أن هناك فارق بين الشمال والجنوب في الجانب السياسي، يبدو الفارق واضحا في الجانب الأمني أيضا... فالحياة في شمال العراق تسير بشكل طبيعي بعيدا عن أية عمليات عسكرية تعكر أجواء المنطقة.. وهذا الهدوء النسبي يحمل في طياته معاني كثيرة منها أن هناك صراع عربي- عربي في الوسط والجنوب قائم على أساس طائفي، وليس كما يظن الكثيرون بأنه صراع سني- شيعي بشكل عام.. وإلا فالأكراد سيحصلون على نصيبهم من هكذا صراع كونهم من الطائفة السنية. وجاءت أحداث المدائن لتؤكد صحة ما يقال بأن هناك أطرافا خارجية تقوم بإثارة صراع عربي- عربي (طائفي) وذلك من خلال زرع الفتن بين أبناء الشعب العراقي، وتنسيب مقتل سجناء عراقيين على أيدي القوات الأميركية في سجن أبو غريب الى جماعات يقال أنها قتلتهم في المدائن ثم رمت جثثهم في نهر دجلة.

     شخصيا كنت لا أقتنع بوجود أية منازعات طائفية، وكنت أرد بشدة على الذين يتوقعون نشوب صراع طائفي أو عرقي في العراق.. ورغم كوني متفائلا دائما إلا إنني ولأول مرة أجد نفسي ميالا الى قبول وجود مثل هذا الصراع.. خصوصا بعدما أكد لي أحد سائقي التاكسي في مدينة كركوك (وكان عربيا) بأن صبرهم بدأ ينفذ بسبب تصرفات الأكراد الإستفزازية تجاه عرب المدينة، ولم يعد بإمكانهم السكوت عن مثل هذه الأعمال.. وهذا ما فسر لي أنباءا عن وجود توتر حاد في مدينة كركوك قد يؤدي الى نشوب إقتتال داخلي..

ومع التسليم بعدم صحة الإدعاءات حول وجود صراعات عرقية أو طائفية فإنه لا يخفى بأن الجميع يعيشون في حالة نفسية متردية نظرا للأوضاع الأمنية المتدهورة التي تسلب أحلام الناس قبل أن تسلبهم أرواحهم.. وإنني أعتقد بأن القسم الأعظم من العراقيين ليست لديهم مشاريع مستقبلية يخططون لها.. لأنهم ليسوا بمستيقنين إن كانوا سيرجعون سالمين الى عوائلهم بعد خروجهم للعمل أم لا، بسبب العمليات المسلحة المتزايدة؟ فأحد أقاربنا حدثنا قائلا: "خرجت من البيت لأذهب الى عملي، وحاولت أن أستقل باصا صغيرا (مني باص) كان قد حمل قبل 15- 20 مترا شخصا قبلي، ونظرا لعدم وجود مكان فارغ فيه لم يتوقف لي.. وبعد إبتعاده عني بمائة مترا تقريبا فإذا بسيارة مفخخة تنفجر على رتل عسكري بالقرب منه.. وقد شاهدت الباص وهو يطير في الهواء.. عدت مسرعا الى البيت دون وعي لأجد بأن العائلة مرتكبة وخائفة لأنها تعلم بأنني قد أكون في تلك السيارة"..

     حادث آخر سمعته وهو إن طفلا عاد من مدرسته وملابسه ملخطة بالدماء، سألته أمه متعجبا: "ما الذي حدث لك يا بني؟" أجاب الطفل: "ماما لقد كنت أمشي مع صديقي فإذا بطلقة تخترقه فترديه قتيلا.. لقد حملته في حضني يا أمي!!!".. حادث ثالث: عيارات نارية تطلقها الشرطة العراقية لا على التعيين فإذا بها تصيب عددا من ركاب باص!!!

 

الجانب الإقتصادي

     رغم صعوبة الوضع الأمني، فإن الناس يحاولون جهد إمكانهم ممارسة حياة طبيعة، فيقيمون الأعراس والولائم ويتبادلون الزيارات.. وبسبب تحسن الأجور الشهرية فقد إنخفضت نسبة الفقراء بل وقلّت نسبة المتسولين.. إذ معروف عن الشعب العراقي كرمه وحبه للخير، الأمر الذي أدى الى قيام الكثيرين منهم بمساعدة المحتاجين والفقراء من خلال الراتب الشهري الذي يتقاضونه..

     وهذا التحسن في الرواتب كان سببا في إقتناء الكثيرين للهاتف النقال الذي بات ضرورة تفرض نفسها على واقع مثل الواقع العراقي.. أقلها لأطمئان الناس بعضهم على بعضهم عند حدوث التفجيرات أو التأخر في العودة الى البيت.. بغض النظر عن كون مثل هذه الهواتف ضرورية لإتمام معاملات تجارية أو الرد على الإستفسارات السريعة!!

     ولكن الحريق الذي نشب في عمارة القادسية (البهبهاني سابقا) ومعها في عمارتين أخرتين بمنطقة الشورجة التجارية في بغداد ألقى ـ وإن جزئيا ـ بظلاله على هذا التحسن في الإقتصاد.. وقد قدرت خسائر هذا الحريق بملياري دولار.. الأمر الذي سيحمّل المواطن العادي عبأ هذه الخسائر إن لم تقم الدولة بمساعدة المتضررين من التجار أصحاب المحلات المحترقة.. لأنهم دون شك سيقومون بتعويض خسائرهم من خلال رفع نسبة أرباحهم في بضائعهم المستوردة أو المنتجة لاحقا...

     وبمناسبة الحديث عن حريق الشورجة، فإن البعض كان يظن بأنه حريق متعمد.. إلا أن الحقيقة وحسب ما رواها أحد أصحاب المحلات المحترقة إنه نشب جراء تماس كهربائي، وساعدت وجود كميات كبيرة من مادة البنزين المستخدمة في تشغيل المولدات الكهربائية عند أنقطاع الكهرباء في المحلات على إزدياد حدة الحريق.. فضلا عن وجود مواد التجميل القابلة للإشتعال... ما أدى الى خروجه عن السيطرة حتى إلتهم ما مقداره ملياري دولار من البضاعة...

     وأخيرا لا يسعني إلا القول: إن العراق يسير نحو مستقبل مجهول لا مكان للأمل فيه.. وهذا ليس تشاؤما مني، ولكنه وجهة نظر عراقيي الداخل أنفسهم.. ويكمن الحل في إيجاد صيغة عمل مشتركة بين جميع أطياف الشعب العراقي بمعزل عن قوات الإحتلال التي باتت المستفيد الوحيد من تردي الأوضاع الأمنية...