|
|
لماذا يستوجب اعتبار التركمان
العراقيين عنصرا فاعلا ثالثا في النسيج العراقي؟
د.ماهر النقيب
أجمع الباحثون والكتاب الأتراك والعرب والغربيون
على أن التركمان الذين اعتنقوا الدين الإسلامي قد تعاقبوا على اتخاذ العراق وطنا
منذ أواخر العصر العباسي وقويت شوكتهم بعد دخول السلاجقة إلى العراق عام 1055م،
حيث تعاقبت الهجرات التركمانية وتكثفت في شمال العراق. وقد انضم التركمان القزلباش
في العهد الصفوي إلى هذه الهجرات مما نجم عن تواجد كثيف للتركمان الشيعة على
التراب العراقي. ويستفاد
من مدونة كركوك التي أمر السلطان سليمان القانوني، كاتبه نصوح المطرقجي بتسجيلها
أثناء مروره من كركوك بعد فتحه بغداد، أن التركمان الذين كانوا يسكنون على مر
الطريق المؤدي من بغداد إلى كركوك هم من القزلباشية، في حين كان التركمان الذين
يقطنون قلعة كركوك من الذين يعتنقون المذهب السني. أما
النزوح من سهل الأناضول إلى شمال العراق فقد كان محدودا ولم يبدأ إلا عندما عمد
السلطان مراد الرابع إلى فتح بغداد ثانية، وشمل المدن الرئيسية مثل الموصل واربيل
وكركوك وبغداد. يستفاد من ذلك أن موطن التركمان العراقيين في يومنا يبدأ من تلعفر
على تخوم الحدود السورية- العراقية- التركية ويمتد إلى الموصل فأربيل، ثم يمتد إلى
التون كوبري وكركوك وداقوق وطوز خورماتو بشكل رئيسي، وينتهي في سهول خانقين ومندلي
قرب الحدود الإيرانية. وتفصل المنطقة التركمانية بذلك الأراضي التي يقطنها الأكراد
عن تلك التي يسكنها العرب بشكل واضح، وقد أدى ذلك إلى تمازج واضح للمواطنين
التركمان مع الأكراد والعرب على جانبي الخط المذكور. ومن
المعلوم أن المناطق التي يسكنها العرب والأكراد والتركمان تختلف في تضاريسها
ومقوماتها الجغرافية لدى كل بقعة، فالأكراد يسكنون المناطق الجبلية الوعرة بينما
يسكن التركمان في الهضبات والسهول و يسكن العرب الأراضي المنبسطة تماما. ويلاحظ أن
أسماء الجبال التي تقع في المنطقة الكردية هي كردية في معظمها، بينما تطلق على
المدن والقصبات الواقعة في المناطق التركمانية أسماء تركمانية، وفي حين يغلب
الطابع العربي على أسماء المدن والسهول التي يقطنها هؤلاء. لقد
دأبت القوات البريطانية على اعتبار التركمان امتدادا للحكم العثماني منذ عام 1918
عندما احتلت هذه البقاع، ثم اعتبرتهم امتدادا للحكم التركي الجمهوري ابتداء من عام
1924، إلا أنها وإزاء الحاجة الملحة لم تمنع استخدام اللغة التركية في مدارس
ودوائر ومحاكم المنطقة التي يغلب عليها الطابع التركماني. ولم يختلف الموقف إزاء
التركمان في العهد الملكي بكثير، إلا أن الحزب الشيوعي العراقي والذي كان يخطط
للسيطرة على مقاليد الحكم، وبالتعاون مع بعض الأحزاب السياسية الكردية قد بدأ بعد
إعلان النظام الجمهوري في 14 تموز(يوليو) 1958 إلى اتهام كل مواطن تركماني بأنه
جاسوس محتمل للجمهورية التركية، وألصقت بهم تهمة الطورانية والانتماء إلى تركيا
بشكل مستمر. وقد اتهم الشهداء الخمسة والعشرون الذين لقوا مصرعهم في خضم أحداث
مجزرة كركوك الرهيبة عام 1959 بالطورانية والموالاة لتركيا. وكان في سدة الحكم في
تركيا آنذاك حزب يميني برئاسة عدنان مندريس والذي كان يتبع سياسة موالية للولايات
المتحدة ومناوئة للاتحاد السوفيتي وعمد إلى المشاركة في تأسيس حلف بغداد. وبتأويل
آخر يمكننا القول بأن الاتهامات الموجهة إلى المواطنين التركمان لم تكن إلا نتيجة
لسياسة تركيا المتوافقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما
استولى حزب البعث على السلطة في العراق عام 1968 وعندما بدأ التسلط الصدامي منذ
أواخر السبعينات فقد كان على رأس مبررات إبعاد المواطنين التركمان من كركوك إلى
جنوب العراق هو إبعادهم من مناطق منابع البترول ومن الحدود مع تركيا، وعندما علم
هذا النظام بانزعاج الحكومة التركية من إعدام أربعة من زعماء التركمان عام 1980
فقد كان الموقف الرسمي لحكومة البعث آنذاك ينص على: " إذا كانت هناك بقية من
رعايا العثمانيين في العراق، فإن لتركيا أن تأتي وتسترجعهم!". إلا أن
الأحداث التي أعقبت شهر آذار(مارس) من عام 2003 لم تثبت كل ما ذهب إليه هؤلاء، فقد
انضمت الجماهير التركمانية إلى حركات سياسية تبنت المواطنة العراقية في المقام
الأول، وحثت جميع هذه الحركات على التمسك بوحدة التراب الوطني العراقي والتضامن
بين المواطنين العراقيين. لم يقم التركمان الذين يقطنون كركوك وتلعفر بكثافة إلى
إنزال العلم العراقي، ولم يشتركوا في أي حادث لنهب الدوائر الرسمية والحكومية
وإحراقها، ولا عجب أن لم يكن بين من القي القبض عليهم لأسباب جنائية أي مواطن
تركماني. ومن
الملاحظ أن التركمان لم يرفعوا راية العصيان ضد الدولة حتى في العهود السابقة ولم
يعمدوا إلى رفع السلاح، كما لم ينشئوا أية منظمات تدعو إلى الاستقلال أو الارتباط
بجهة أجنبية. وبالرغم من تعرضهم لمجازر وحملات تنكيل بشعة فلم يحدث أن قتل
تركماني، مواطنا كرديا أو عربيا لأسباب سياسية. وبعبارة أخرى فان التركمان الذين
هضمت حقوقهم لم يعمدوا إلى هضم حقوق الآخرين وان تمكنوا من ذلك. فالتركمان في
العراق يجنحون إلى الحل السلمي وهم يشكلون طبقة متعلمة مستنيرة من النسيج
الاجتماعي ولم ينظموا إلى أية حركات عنصرية أو متطرفة، ولا أدل على ذلك بان
التركمان لم يشكلوا إطلاقا حزبا شيوعيا على مدى تاريخهم رغم انتشار الأحزاب
الشيوعية بين المواطنين العرب والأكراد، كما لم ينتسب أي تركماني إلى الحزب
الشيوعي العراقي. وإذا كانت هناك أحزاب سياسية إسلامية على الساحة التركمانية
حاليا فإن أيا منها لم تجنح إلى حركات متطرفة أو متشددة. إن
المجتمع التركماني يشهد حاليا اتجاهات ثلاثة، وهم القوميون والإسلاميون الشيعة،
والمتعاونون مع الحركات السياسية الكردية. وهؤلاء مجتمعين قد أرسلوا خمسة عشر عضوا
إلى الجمعية الوطنية العراقية. والملاحظ من الخطاب السياسي لهذه المجموعات أنها
تختلف جذريا في مفاهيم معينة، إلا أن أيا منها لم تبشر بالانفصال عن العراق أو
تسعى إلى ذلك. لم يشكل
التركمان حزبا سياسيا على التراب العراقي حتى عام 2003 وذلك لرفض السلطات الحاكمة
في بغداد للسماح بذلك للتركمان، إلا أن نادي الإخاء التركماني الذي أسس عام 1960
ورخص له بالعمل وفروعه في الموصل واربيل قد شكل مظلة واسعة للمواطنين التركمان في
تنظيم صفوفهم والحفاظ على هويتهم القومية والثقافية، وقد وضع النادي لبنات
الممارسة الديمقراطية الحرة في مشاهد لم يسبق لها مثيل في العراق حيث قامت
الجماهير وحتى عام 1977 بانتخاب الهيئة الإدارية للنادي ورئيسه ولجانه الفرعية في
ممارسة ديمقراطية متميزة. وفي عام 1977 أصدر صدام حسين مرسوما جمهوريا أجهض به
الممارسة الديمقراطية وشكل هيئة إدارية موالية لنظامه بشكل تسلطي. وباستقراء
هذه المعطيات، نرى أن المواطنين التركمان متمسكون بوحدة التراب العراقي وينبذون
التوجه العنصري والتعصب القومي والنظرات الفوقية وأحادية الجانب ويتبنون الحلول
السلمية والديمقراطية والحضارية في خطابهم السياسي. ويمكن اعتبارهم بهذه الشاكلة
لبنة للتقارب العربي والكردي ونبذ التوجهات العنصرية والمتشددة في الجانبين وجسرا
للتواصل بين القوميات المتآخية في الوطن. كما يمكن الاحتكام إلى التركمان بسبب من
واقعهم المعاش وتمسكهم بتلك المباديء لحل أي إشكال يقع بين الجوانب المتصارعة
فالتركمان ينقسمون بالتساوي تقريبا بين المذهبين السني والشيعي إلا أنهم لم
يختلفوا بسبب التمايز المذهبي ولم يكنوا حقدا أو ضغينة لأي طرف قومي في العراق،
مما منعهم من الانخراط في أية حركات انتقامية أو متشددة لتصفية حسابات الماضي، ولم
تؤثر الأحداث المتعاقبة على تواصلهم وتصاهرهم مع المواطنين العرب والأكراد وحفاظهم
على حسن الجوار مع كل الطوائف. يتبين
ذلك أن إهمال ما لا يقل عن مليونين من تركمان العراق في النسيج الديمقراطي أو
محاولات تهميشهم سوف لن يعود بالنفع على الصالح العراقي، في حين أن الإقرار
بواقعهم القومي كعنصر رئيسي ثالث في الوطن وتحميلهم أعباء وواجبات خدمة البلد
سيعود بأقصى المنافع وصلا لمستقبل زاهر يحظى به الوطن العراقي. إن
الأرضية الشرعية لمثل هذا الإقرار وتأمين تلاحم المواطنين التركمان بالشأن العراقي
هي الدستور العراقي الدائم المزمع إصداره، فان جميع الأصوات التركمانية ستنصب في
خانة قبول الدستور الدائم إذا تم الإقرار بواقعهم كعنصر رئيسي ثالث في الوطن، دون
إزاحتهم إلى صفوف المعارضة للمستقبل العراقي المزمع إنشاؤه بإجماع الجميع.
كتابات تعليق
من الموقع : نذكر
الكاتب الفاضل على أن أول تنظيم سياسي علني للتركمان في العراق ،كان بتأسيس الحزب
الوطني التركماني العراقي في أربيل عام 1992 ، وليس كما ورد في مقاله 2003 . |