العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

مكانة اللغة التركمانية فى الدستور الدائم

 

صبري طرابيه

 

لسنا بحاجه إلى التذكير باهمية اللغه بصفة عامه فى حياة البشر، فاللغه هى الوعاء الأمثل للفكر والحائط الأخير للدفاع عن الهويه، وبدون اللغه لايمكن للإنسان تشكيل هويته الخاصه أو الدفاع عن تراثه الحضارى وموروثه الثقافي، فالإنسان يتعلم اللغه ليعيش ويتعلم حتى تغدو اللغه وسيله لحياته، وأداه لتعلمه وإدراكه، وقد أثبتت الدراسات الحديثه أن اللغه ليست مفردات تتلى وتتردد على الألسنه ولكنها حاله نفسيه وعقليه، ومرآه للتعبير عن الخصوصيات المختلفه للأقوام والمجتمعات.

واللغه التركمانيه هي إحدى اللغات الرئيسيه فى العراق لأنها لغة تركمان العراق الذين يشكلون القوميه الثالثه فى البلاد، ويربو عدد نفوسهم على ثلاثة ملايين مواطن، ومن ثم فلا يمكن الإستهانه بهذه اللغه أو بمن يتخذونها وسيله للتعبير والتخاطب، واللغه التركمانيه لها جذورها التاريخيه فى ارض الرافدين وهي من اللغات العراقيه الغنيه بالتراث ولهذا كانت تعد اللغه الرسميه الثانيه بعد العربيه عقب تأسيس الدوله العراقيه الحديثه، وكانت التركمانيه هي اللغه الرسميه الوحيده للمراسلات والتعاميم الحكوميه فى كركوك، وعندما صدر قانون اللغات المحليه الرقيم ١٧٤ فى عام ١٩٣١ إعتبر اللغتان التركمانيه والكرديه لغتان رسميتان فى المناطق التي يسكنها التركمان والأكراد، وفي التعهد الذي قدمه العراق لعصبة الأمم عام ١٩٣٢ إشاره واضحه إلى إعتبار اللغه التركمانيه والكرديه إلى جانب اللغه العربيه كلغات رسميه فى مناطق شمال العراق. وقد ناضل التركمان فى العهد الجمهوري من أجل الإعتراف دستوريا بلغتهم القوميه كلغه رسميه إلى جانب العربيه واللغات القوميه الأخرى إلا أنهم لم يحصلوا إلا على الحقوق الثقافيه بالقرار رقم ٨٩ الصادر عن مجلس قيادة الثوره فى كانون الثاني ١٩٧٠ والذى صارت بموجبه اللغه التركمانيه هى لغة الدراسه للطلبه التركمان، وصارت جميع وسائل الإيضاح باللغه التركمانيه فى المدارس التركمانيه، وتم إستحداث مديريه للدراسه التركمانيه فى وزارة التربيه والتعليم، وتاسيس إتحاد للأدباء والشعراء التركمان، وإستحداث مديريه للدراسه التركمانيه ترتبط بوزارة الثقافه والإعلام، ونص القرار على إصدار صحيفه أسبوعيه ومجله شهريه باللغه التركمانيه، وزيادة البرامج باللغه التركمانيه فى تلفزيون كركوك، وتبددت آمال التركمان فى تضمين الدستور العراقي نصا يضمن لهم إعتبار اللغه التركمانيه لغة رسميه إلى جانب اللغات القوميه الأخرى إلا أنه ومع سقوط النظام فى التاسع من نيسان / أبريل ٢٠٠٣ تجددت الآمال لدي التركمان فى أن يتضمن الدستور المؤقت هذا النص الحاسم والصريح غير أنهم فوجئوا بصدور قانون إدارة الدوله العراقيه للمرحله الإنتقاليه فى ٨ آذار / مارس ٢٠٠٤ دون النص على إعتبار التركمانيه لغه رسميه للبلاد مع أن هذا الدستور الإنتقالي تضمن توجها جديدا بإعتباره للغه الكرديه لغة رسميه للعراق إلى جانب العربيه، ونصه على صدور الجريده الرسميه (الوقائع العراقيه) بهاتين اللغتين، وإعتبارهما – أي العربيه والكرديه - لغتا التخاطب فى المجالات الرسميه كالجمعيه الوطنيه، ومجلس الوزراء، والمحاكم، والمؤتمرات الرسميه، وإصدار كافة الوثائق الرسميه والأوراق النقديه وجوازات السفر والطوابع بهما، وهو ماكان يمكن إعتباره وبلا شك توجها محمودا لو تضمن النص أيضا على إعتبار اللغه التركمانيه وبقية اللغات القوميه الأخرى لغات رسميه للبلاد لا الإكتفاء بالنص على حقوق تلك القوميات بتعليم أبنائهم باللغة الأم، إن القوميات الأخرى وفى عهد الحريه والديمقراطيه الذى أشرق بنوره على العراق الجديد كانت تتطلع إلى مايضمن لها حقوقها الإنسانيه، ويعيد لها إعتبارها بحسبانها مكون أساسي من مكونات البلاد، وقد درجت الديموقراطيات الحديثه والدول التى تعيش على أراضيها أقوام مختلفه على إعتبار لغات شعوبها لغات رسميه للبلاد، وخير مثال على ذلك الفيدراليه السويسريه التى إعترفت بأربع لغات كلغات رسميه للبلاد ومن بينها لغة (الرومانش) والتى لايزيد عدد من يتحدثونها فى العالم على عشرة آلاف فرد، فكيف بالعراق الجديد أن يتجاهل اللغات الخاصه بملايين من مواطنيه كالتركمان والكلدوآشوريين والأرمن.

إن من الواجب على الجمعيه الوطنيه العراقيه المنتخبه أن تعيد الإعتبار للقوميات العراقيه بأن تضمن الدستور العراقي الدائم نصا يعتبر لغات جميع الأقوام العراقيه مهما صغرت لغات رسميه للبلاد، فالدوله التي لاتحترم آحاد مواطنيها لايمكن أن تحترم جموع الشعب، وعلى الكتله البرلمانيه التركمانيه أن تسعى جاهده من الآن لشرح وجهة نظر التركمان بهذا الخصوص، ومحاولة كسب ود الآخرين وتعاطفهم من أجل ضمان تقرير هذا الحق الدستوري الأصيل ضمن مواد الدستور الدائم للبلاد.

 

كركوك... على مذبح أنانية الانفصالية

 

على مدى عمر تاريخي خصب تشهد له غابر أيام القرون عاشت مدينة (كركوك) ذات الخصوصية الحضارية التركمانية البديعة ابنة للعراق الذي ما زال يفخر بأمجاد تاريخها وموقع بنيان كيانها الصاعد بأهميته على بقعة متوهجة الأصالة من شمال أرض وادي الرافدين موطن ميلاد الحضارات الشاهقة العتيقة ، فصير منها ذاك الموقع المتفرد بتميزه بقعة ليس كمثلها بقعة من بقاع التواصل الجغرافي النادر بين المناطق المتباينة التضاريس التي تطوقها مجاورة لها في المنطقة، وذاك ما صير موقعها ذو حظ مناخي بديع التكوين نالته من كونها تقع على خط اللقاء بين غزارة أمطار وثلوج المناطق الجبلية وبين ارتفاع حرارة وجفاف البوادي والسهول بكفاف أمطارها المفرطة في شحها ..

وشاء مزاج الطبيعة أن يحكم الزراعة على أرضها باعتمادها على أمطار الشتاء التي لطالما كانت عونا لأمزجة الطبيعة على أراضي الواقعة على ضفتي نهر (خاصة صو) والذي حكمت الطبيعة على مياهه بالجريان شتاء وبالقحط المدقع صيفا .. ثم صارت الزراعة هي الآمرة الناهية على حرفة الصناعات اليدوية في أقضية كركوك كذلك .. لكن تلك الثروة النفطية التي رفع ثراؤها الواسع رأسه من قلب أرض كركوك كان وما زال نجم استرعاء رغبات قراصنة الاستعمار الأجنبي للانقضاض على المنطقة من بعد الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا ..

وعلى مدى اتصال أذيال القرن التاسع عشر بأذيال نهايات القرن العشرين نشط خبث أساليب التطفل الأجنبي على خصوصيات حياة المنطقة وأمنها الديني والاجتماعي والسياسي ليبذر سموم العداء في أرض النسيج العراقي بأطيافه الدينية والقومية والطائفية عموما وإن كانت كركوك لخصوصية نسيجها السكاني الفريد قد نالت من ذلك جرعات عالية السمية .. وتعاونت سادية نظام الحكم السابق على إثم ذلك بما تعمدته بحق سكان كركوك وما حولها من تاريخ التعذيب والترحيل وإبادة الحرث والنسل وما لهما من صور العمران والحضارة العتيقة ..

وهاهي جراحات العراق المسرفة في غزارتها ترقب اليوم بهلع تفاقم فصول جرائم اغتيال حياة كركوك بتسارع ينتهز فرصة عبث فوضى آثار الاحتلال على الأرض العراقية الحزينة..ولو كانت أصوات المستصرخين من سكان كركوك الأصليين تزفر بصوت معاناتها على طود من الجليد لانقلب من ساعته حفرة من لهب عصي على الانطفاء لفرط تأثره .. لكن ذلك لا يكاد يبلغ من اهتمام المسامع قياسا لفرط أهميته ما يستحق بحق ..

معضلة قضية كركوك هي مشكلة منطقة وما حول المنطقة، ومأساة حياة الأبرياء من سكان المنطقة المرصودة للاختطاف المتعمد كي تراق حياتها على مذبح أنانية الانفصالية .. ولن تسلب من العراق قطعة أرض جامدة فحسب حين ضياع كركوك ، بل سيسلب تاريخ وتمتهن حقوق وتذوب حضارة مرسومة على صورة حياة المدينة العراقية ذات الخصوصية الحيوية التركمانية بشهادة ضمير التاريخ الفار من عبث نشاط التزييف ..