من دفاتر ايام زمان
زيارة جديدة لمدينة كركوك القديمة
وجدي
أنور مردان

ملاحظة : أستميح القارىء الكريم عذرا، وأرجوه
ان يتفضل بقراءة الملاحظة في الادنى قبل قراءة هذه السطور.
ملاحظة لابد منها:
1-
المقال هو
بعض من ذكريات كاتبه. الذي ولد وترعرع وعاش شطرا مهما من حياته فيها..
2-
المواقع التي سترافق الكاتب بزيارتها
حقيقية والشخصيات التي ستتعرف عليها عاشت في هذه المدينة، ذابت فيها عصارة شبابها
وسكبت على جنباتها دموع كهولتها وتنهدت من اعماقها أهات شيخوختها. أسمائها حقيقية
الا قليلا، كي لانسبب احراجا لأولادهم وأحفادهم.
3-
تبدأ الزيارة من بداية شهر تموز 1958
وتنتهي عند اكتشاف النفط وبدأ شركة نفط العراق ( آي. بي. سي) بالعمل.
4-
يعود الفضل الى ايقاظ هذه الذكريات من سباتها الى الاخ الاستاذ
الكاتب نصرت مردان، وله خالص الشكر والامتنان.
5-
انها كتبت من الذاكرة، ولم يتسنى للكاتب الرجوع الى الهوامش
والقصاصات التي دونها على مدى عقود لبعدها عنه 7000 كيلومتر.
6-
ان كانت
للغربة من فضل فأن فضلها الوحيد، هو انها تجعلك تعيش في الوطن، وانت خارج الوطن.
وكلما طال البعاد كلما انحشرت في ازقته وحاراته. في الوطن لاترى الوطن. في الغربة يتحول
الى لوحة بانورامية،تعيش فيه ومعه ومن أجله. تشاهده في حدقة العين كلما رمش العين وتجده في القلب كلما نبض القلب.
7-
يلاحظ
القارىء الكريم خلو بعض الكلمات من اداة التعريف، لأن اللغة التركمانية خالية
منها.
(1)
هذه الزيارة، نتاج قصاصات و ملاحظات كتبت
على هامش الزمان. علاها الغبار ولفها النسيان. سكب القلم في زواياها دموعه، كلما
جاش القلب حبا و عشقا، وكلما انقلبت الافراح اتراحا. ذكريات قفزت من تحت شواهد
اندثرت، وشواخص أزيلت عن سابق قصد وترصد، من أجل اغتيال التاريخ وطمس الهوية.
شواهد حفرت اخاديد الالم في قلوب المحبين، واينعت شقائق النعمان على صدور الشهداء.
رؤية الشواخص الشامخة، تؤرق أشباه البشر. يخالون ان قطع الرأس
وفقء العيون، يقطع الحوار اليومي الصامت، بينها وبين الازهار والانهار.بينها وبين
العيون التي ترنو مع اشراقة
الشمس وتهجع مع مغيب القمر.
قصاصات وكلمات استيقظت بعد طول الضجر ،انبعثت بعد سبات عميق،
كاد ان يصيبها الخدر . تنفست الحياة مع عسعسة الصبح لتحكي سطرا واحد من قصة مدينة
الاحزان والشجن حجرا فوق حجر.
كركوك لاتتعب ولا تضجر من احتضان، كل
نسمات العراق، كل شقائق النعمان وكل حدائق الريحان. كركوك، الوردة التي عشقتها قبل
أن يلد الزمان وقبل ان تولد الاحلام وينظم لها الشعراء نشيد الاحزان وقوافي
الاشجان.
لاأدري لماذا، كلما ألمت بهذه السيدة
الجميلة محنة، وكلما طمع بحسنها وجواهرها الطامعون، تذكرت الاسطورة التي رواها لى
أبي في ليلة شتاء قارس وهو ينظر الى فاكهة الشتاء تتلظى في المنقلة. حاول ان يجمع
الدفء الذي يسري فى اوصاله. أتكأ على الحاجز الرخامي المنحوت، تنهد وأسترسل كانه
يطلب ان ننحت ما يروي على متكأه.
حفرت هذه الاسطورة أخدودا عميقا في
وجداني منذ الصغر. تستيقظ كلما ألمت بهذه السيدة الوادعة الانيقة، محنة!! وتنتفض الى الذاكرة كلما حاول
اغتصابها طامع أثيم.
تقول الاسطورة:
في قديم الزمان. قدمت اسرة كبيرة من الاسر الرحالة.. لم يكتب
تاريخها، ولم يدون في الصحف اسمها. سكنت على سفح تل على ضفاف نهر هادر. رمت الاسره
اثقالها وفرحت لتوفر الماء والكلأ لمواشيها. أسندت ظهرها على ثالث التلال المطلة
على النهر. استقرت وطاب لها العيش في أرضها الجديدة.
أراد رب الاسرة أن يؤسس على الارض
الجديدة، قرية. جمع اولاده ،شاورهم في الامر. استحسنوا الاقامة. قسمهم الى اربع
مجموعات. أمر أن يسيركل مجموعة
مسيرة ربع يوم بالاتجاهات الاربع. تضع كل مجموعة علامة حيث تصل. أنجز الاولاد
الامر. طلب الاب في اليوم التالي المباشرة بايصل العلامات بسورمن الطين. ليكون
اساس قريتهم. فقبل أن يباشر الاولاد بالعمل. انفرد الاب بأبنه البكر وأسر له سراً.
ذهب الاولاد لتنفيذ العمل. حفروا الاساس لبناء السور. وقف الاخ
البكر وطلب من اخوته، طبقا للتقاليد وأمر والدهم، أن يختاروا أحدهم لينثر دمه على
الاساس قرباناً للالهة ثم دفن جثة الذبيح في أساس السور.
أجروا القرعة فوقعت على شقيقهم الاصغر.
بكى الطفل وألح في البكاء والتوسل . رق قلوب اشقائه وحنت. احتار الاخ الكبير ماذا
عساه أن يفعل؟! وفيما هو غارق في التفكير واذا بشخص غريب قادم نحوهم من بعيد.
انتفضوا . وكأن القادم هبط هبةً من السماء. هجم عليه الاخوة. ذبحوه!! نثروا دمه
على الطين المهيأ لبناء الاساس. دفنوا جثة الغريب في الاساس وبنوا عليها.
فرح الاب لانجاز أولاده ما أمرهم به،
ولكنه اندهش وأغتم لعودة ابنائه جميعا سالمين دون نقصان.
سألهم بألم وحزن وبحدة، ومن الذي دفنتموه في الاساس؟!!.
أجاب الابن البكر: شاهدنا غريبا قادما نحونا، فذبحناه ودفناه في
الاساس بدلا من اخينا الصغير الذي وقعت القرعة عليه.
بكى الاب بكاءً مريرا وحزن حزنا شديدا.
ماذا بك ياأبي؟
قال الابن البكر، لقد بنينا لك السور ورجعنا اليك سالمين !!
قال الاب: يا بني بفعلكم هذا وهبتم خير هذه المدينة للغرباء
ستشقون وتتعبون ويجني الغرباء ثمار جهدكم ويحسدونكم ويحاولون طردكم منها!!
سألني شقيقي: كيف كانت كركوك عندما
ولدت؟!
ولدت قبل عشرة أيام من ذبح كركوك
ياشقيقي. في الشهر الذي اغتصب فيه اشجارها، وبالدم صبغت شوارعها ، وبالحبال سحلت
شبابها. ولدت في الشهر الذي كانت كركوك تستعد لليلة عرسها.
ـ وكيف كانت كركوك في ذلك الزمان؟ سألني
كمن يريد ان يستنطق التاريخ.
قلت له سنقوم غدا بزيارة المدينة
الحزينة، وأروي لك بعضا من قصصها وذكرياتها الجميلة.
عبرنا شارع( الملك غازي)- شارع الثورة.
باب بغداد، حيث نقطة السيطرة كانت عند حافة بناية المحافظة الحالية. وما بعدها
كانت خارج حدود بلدية كركوك عام 1958. في احد جانبيه بنيت ( مليك خستخانه سي)
المستشفى الملكي العام، ثم المستشفى الجمهوري. شارع غازي كان أحد معالم كركوك، يمر
زوارها تحت ظلال اشجار الليوكالبتوس الشاهقة كأنها تريد النجوم. الحدائق المزهرة
المسيجة باشجار الدفلة الدافئة في وسطه. . زرعها في الثلاثينات من القرن الماضي،
أعظم رئيس بلدية شهدته كركوك وهو المرحوم عبد المجيد اليعقوبي. هذا الرجل كان
مولعا بالحدائق. حول المدينة الى حديقة غناءة سنزورها جميعا خلال جولتنا.
أوياخا-
الصوب الكبير ويوم القيامة
اتجهنا الى (
أوياخا)- الصوب الكبير، ولابد لنا من عبور الجسر الجديد،( ينكي كوبري). رغم
بنائه قبل أكثر من نصف قرن.
وقفنا عند مدخل
الجسر. تنهدت. رجعت بي الايام الى نصف قرن خلت. في الجنب الايسر بناية سينما الملك
غازي الشتوي وفي الجانب الايمن الصيفي. شاهدنا فيهما اجمل
الافلام الامريكية والهندية والعربية تعرفنا على الكلمات والجمل الانكليزية (
هاندس أب) وكنــا نلفظها ( هانز أب) وكنا نسمي بطل الفلم( اوغلان)- الولد والهنود
الحمر المساكين (خائن). هكذا علمتنا افلام هوليوود، فالولد ومن معه اخيار والهنود
الحمر والعصابات ومن معهم اشرار. معنا أو ضدنا، هكذا تكلوا وعلموا وثقفوا. وشاهدنا
فيهما أو في سينما العلمين او سينما الحمراء ، لأول مرة افلام الطرزان جون
ويسمولر، وشزام وفلاش كوردن والمملكة تحت البحار وقاهر الجواسيس والملاك الطائر
وفيلم أم الهند وصفقنا لمشهد الدعاء وقراءة القرآن فيه . أما أغرب الافلام قاطبة و
الذي أصبح حديث الرجال في كركوك على مدار عام كامل .لم تشهده النساء المسكينات ولم
يصدقن روايات ازواجهن، وقسم منهن اعتبرن بان بعولهن قد مسهم الشيطان . لا اتذكر
اسم الفيلم على وجه التحديد، ولكنه كان من أفلام من ذوات ( الابعاد الثلاثة)، (
ثري دايمنشن). عرض في سينما الملك غازي الصيفي عام 1956. تم تزويد المشاهدين، مع
كل تذكرة، بعوينات ورقية، حمراء وزرقاء . طلب مشغل الفيلم في منتصف العرض من المشاهدين لبس
العوينات. ففعل المشاهدون. ثم تعالت صيحات الرجال، هذا يصيح بالتركمانية ( أي هاوار قيامت قوبتي) أي انه يوم القيامة، وأخر يصيح بالكـــردية ( كوره شيطان
درجو)، أي خرج الشيطان والاخر يصيح بالعربية ( الحكوني راح أموت). وهناك من يتعوذ
من الشيطان الرجيم.
شاهدنا في اللقطة الاولى هيكل عظمي
لأنسان يحمل مجرفة، يرفع فيها كمية كبيرة من العقارب والحيات والحشرات الميتة
ويدفعها نحو الجمهور. يعتقد المشاهد بأن الحشرات ستدخل في فمه.. ثم لقطة اخرى
لمعركة حربية بالمدافع والبنادق، الطلقات التي يتراشق بها المتحاربون تتجه صوب
المشاهدين. ساد الهرج والمرج في قاعة السينما. هذا يلتفت يمينا وذاك شمالا وأخرون
يضعون رؤوسهم في احضانهم لتلافي أكل الحشرات والعقارب والحيات والاصابة بالطلقات
والهاوانات. أما اجمل لقطة، فكانت اللقطة التي يقبل فيها بطل الفيلم الممثلة، وكأن المشاهد هو الذي يقبلها .
هدمت سينما الملك غازي في العام 1957 من
القرن الماضي، شييدت بناية مصرف الرافدين الحالية مكانه. أما السينما الصيفي فأصبح
مدخلا لشارع الكورنيش الحالية بالقرب من جامع السيد عبد الرزاق الساعاتي.
وقفنا في منتصف الجسر الجديد( ينكي كوبري). نظرت الى نهر ( خاصة صو)، الذي لايجري
فيه ماءً كثير أكثر من الدمعتين الساخنتين، اللتين كادتا ان تحرقا خداي من فرط
حرارتها وسخونتها كسخونة احجاره العطشى. تسمرت مقلتاي على اطياف ( داش كوبري)-
الجسر الحجري. تجسد امامي ببياضه المهيب. خلت بان التاريخ يأبى ان ينسى جريمة هدم
هذا الاثر التاريخي. كم تركماني عانق خاله الكردي على هذا الجسر، وكم عربي عانق
عديله أو نسيبه التركماني، عند مدخله وهويحمل له الكمأة ( الجمة- دونبلان) من
الحويجة. وكم آثوري تأبط ذراع صديقه الكردي وهم يعبرونه ليأكلوا الباجة الكركولية اللذيذة قرب ( خورما خاني ). لم أعثر على التاريخ الدقيق لبنائه. يعتقد
انه بنيَ قبل بناء القشلة ، مقر الجيش العثماني في (اوقاف جاده سي)- شارع الاوقاف
عام 1863. وقيل قبل ذلك. على اية حال، المهم أنه
كان بناء فريدا، بنيَ من الحجر والجص الممزوج بالنورة وبياض البيض. ولم نستطع في
حينه ان نخمن او نحسب كمية البيض التي استعملت في بنائه!!
احتضار
داش كوبري
في العام 1954، امطرت السماء لمدة 10 ايام بدون انقطاع. فاض نهر
(خاصة صو) فيضانا هائلا ومرعبا. تسبت المياه الى الجانب الايسر والايمن من النهر
ومن فوقه وجرفت العين الاول من جانب
الصوب الكبير مقابل باب القلعة المسمى ( ناردوانلار
قابسي) باب السلالم. وسميت هذا الباب بهذا الاسم لأن الصعود الى القلعة
منها كان بواسطة الســلالم ( الدرج). الجانب الايسركان مخصصا للنزول والايمن
للصعود.
لبس أهل كركوك الحزن لهذا المصاب
واعتمروا الغم. تطوع خيرة البنائين فيها وفي مدينة أربيل، لاعادة بناء الجزء
المتضرر، بنفس المواصفات. وعلى رأس هؤلاء البنائين الاشراف الاسطة ( شكر فيلفان)
أو ( شكر بهلوان) . كان اسطة شكر كرديا متزوجا من سيدة تركمانية. مشهود له
بالكفاءة والفن في البناء. بنى لنفسه بيتا من ثلاثة طوابق قرب تكية الشيخ جميل الطالباني في محلة
الامام قاسم. اصبح اعجوبة زمانه في كركوك. شد الناس الرحال لمشاهدته والتفرج على
فنه المعماري، مازال انقاضه تحكي قصة مجد غابر. كذلك بنى قصر القاضـي( قازي ئه وي) في نهاية شارع أم الربيعين و بداية (ملا عبد الله تبه سي) ، يفصل بينهما جسر صغير كان
نهاية حدود بلدية كركوك لغاية العام 1959. كان وقع بناء بيت القاضي، بطوابقه
الثلاث وغرفه الثلاثين، ومساحته الالف متر مربع، ربما كوقع بناء ناطحة السحاب في
كركوك في هذه الايام العصيبة.
ماطلت المتصرفية ( المحافظة) في الموافقة
على اعادة بناء الجزء المتضرر من الجسر، وبقيت لغزا محيرا لأهل كركوك ومحبيها. الى
ان حدث فيضان آخر في السنة التالية وجرف عينا آخر من الجهة الثانية. وتقرر هدمه.
يبدو ان قرار هدم ( داش كوبري) لم يخلو من
الابعاد السياسية.
الذكريات، توقظ عند الانسان، احيانا،
شعورا لااراديا للبكاء ورغبة جامحة للصراخ، وحنينا مؤلما لمراتع الصبا والاهل
والخلان.
تكرمت بلدية كركوك ببناء سلمين من
الاسمنت، على طرفي النهر،بالقرب من الجسر المجروح المثلوم. لعبور اهل المدينة الى
الجهة الثانية. ظل الناس ولمدة أكثر من ثلاثة سنوات يعبرون نهر خاصة صو الى صوب
القورية باتجاه شارع المجيدية مشيا على الاقدام في فصل الصيف، وعلى ظهور الحمالين
والبغال في الشتاء.
استغل الباعة المتجولون الوضع وفرشوا بضاعتهم على جانبي الطريق
في قاع النهر الجاف، بحيث اصبح من الاسواق المشهورة وسمي بـ ( جاي بازاري) . مشاهد طريفة كانت تحدث في هذا السوق
العجيب. من اغربها تجمع الناس لمشاهدة السادة الرفاعية أيام الثلاثاء حيث يتركون
الحيات والعقارب تتلوى بين الناس دون ان تؤذيهم. ويقومون بالعاب الدروشة، يدخلون
الشيش في خدودهم ويتمتمون التعاويذ. كان الناس يصدقونهم لكونهم من السادة النعيمية
اصحاب الكرامات و(شاربين طريقة). بعد العرض المثير كانوا يوزعون خرقا خضراء مفيد
ضد الحسد وتمنع الاصاية بالعين،ويبيعون صور ملونة تمثل كفا وفي وسطه عين ومكتوب
فوقها الحسود لايسود، لقاء عانة واحدة ( العانة كانت تساوي 4 فلوس). بعد انقلاب
1958 زاد الزعيم عبد الكريم قاسم العانة فلس فاصبحت 5 فلوس .
لم تتوقف مأساة داش كوبري، بل جرت
محاولات خفية عديدة لـهدم ( القشلة)
البناية الاثرية التي يعود بنائها الى القرن الثامن عشر لولا تدخل بعض الخيرين
العرب والتركمان والاكراد. ولكن المأساة الحقيقية الكبرى هي جريمة محاولة اغتيال
قلعة كركوك بعد عذبوها ونكلوا بها وهجروا اهلها التركمان المسلمين والمسيحيين
بالقوة ، ثم هدمت شواخصها وازيلت معالمها الاثرية المهمة، التي كانت تعود الى
قرون. ففي الوقت الذي تنفق الدول الملايين للمحافظة على تراثها وآثارها، فأن
الحكومات المتعاقبة أرادت ان تنتقم من هذه المدينة بازالة آثاراها وطمس معالمها.
فأصبحت القلعة التي بناها نبوخذنصر وحجز فيها اربعاً من انبياء بني اسرائيل،جسدا بلا
رأس. لنا عودة اليها لاحقا.
عبرنا الجسر الجديد، الى (أوياخا) الصوب الكبير او بالاحرى الجانب الاخر. وهو
الجزء القديم من المدينة.
بويوك
بازار- السوق الكبير وسلسلة الخانات
وقفنا عند مدخل ( بويوك بازار) السوق
الكبير. نظرت يمينا ويسارا. ففي الجانب الايمن، كان يجلس باعة الطعام، يرصفون قدور
الطعام، بعد الساعة الرابعة عصرا، موعد عودة عمال المسطر وعمال البناء من كفاحهم
اليومي. يتقوتون ما لذ وطاب من الطعام على الهواء الطلق.وكذلك زوار المدينة الذين
يقضون ليلتهم فيها. من اشهر بائعات الطعام في هذه السلسلة،كانت سيدة كردية تدعى (
كلبهار). ومعناها باللغتين التركمانية والكردية ( وردة الربيع) ولكن السيدة اياها،
كانت اسما على غير مسمى، فكانت تشبه،
صبير الصحراء. ولكن يقال أن طعامها كانت من اشهى المأكولات، وخاصة دولمة
ورق العنب، فبدلا من اللحم كانت تستخدم ( لية الخروف) أي شحمه. منافستها
التركمانية كانت تدعى ( هيبت قزان) اشتهرت ببيع ،كبة الحامض. وكان هناك باعة التمن
والمرق والكباب والتشريب وغيرها.
الاسعار الاطعمة، كانت:
ماعون دولمة (20) فلسا. ماعون كبة حامض مع خبز بـ (24) فلسا . التمن
والمرق، ( الرز زائدا المرق، طبق اليوم، مع قطعة لحم وقرص خبز) بسعــر (40) فلسا
وكان هذا الطبق بمثابة خمس نجوم. أما الكباب والانواع الاخرى فكانت تتراوح بين
(14-20) فلسا.
الجانب الايسر من الجسر، وعلى امتداد سفح
القلعة الغربي كان سوقا للدواجن والحمام وعلى شيش ( الديك الرومي) والبيض. وكان
قريبا من كراج الحويجة، مقر تجمع والتقاء القرويين القادمين من الحويجة والرياض
ويايجي وتزة خورماتو ودوزخورماتو وبشير وتركلان. يجلبون منتجاتهم الزراعية
والدواجن والزبد الحيواني، يبيعونها ويشترون ما يحتاجون ويتلذذون بأكل الكباب،
وتسعد نسائهم بشراء بعض قطع القماش ذات الالوان الزاهية.
على يسار مدخل السوق، خان كبير، مرعب،
يسمى كومور خاني- خان الفحم، كان سرا من الاسرار. كان محظورا علينا التقرب منه او
المشي بمحاذاته، لسبب لم نكتشفه الا بعد سنين طويلة. حيث كان كومور خاني- خان
الفحم هذا، بؤرة للحشاشين. هدمت عام 1960 وشيد مكانه سوق الاقمشة الحالي.
رشه
كوله رضا وكومور خاني
من أهم معالم هذا الخان كان مقهى
المرحـــوم ( رشه كوله رضا ) رشيد القصير. كان بهي الطلعة، وجهه في استدارته
كالقمر ليلة البدر، يزينة لحية بيضاء مشذبة، سريع الخطى ، كان يرمي جسمه الى
الامام، كأن رأسه يسبق رجليه. ، منحني الظهر قليلا، قصير القامة مربوعا، ويبدوا أن
كنية ( كوله) اي قصير جاء من قصر طوله. نظيف الملبس، تركماني الزي، الصايا والزبون
والدميري والجراوية. كان يشبك يديه خلف ظهره عندما يمشي، يسلم بحركة سريعة من يده
اليمنى، أكثر تحياته كان ( مرحبا ده ده) بمعنى ( مرحبا بابا) . كلما شاهدت صورة
للكاتب الامريكي آرنست همنغواي، تذكرت المرحوم رشه كوله رضا، ربما لتشابه
ملامحهما. كان رشه فنانا شاعرا، اجاد المقام العراقي والخوريات التركماني ، تدرب
على يديه نخبة ممتازة من المغنين التركمان امثال عبد الواحد كوزه جي وعبد الرحمان قزل
آي وممد قلاي وغيرهم. سجلت له الاذاعة التركمانية في بغداد عددا من الاغاني. صوته
كان عميقا، قريب الشبة من أصوات مغني الجاز الامريكية ارمسترونغ. على أية حال، كان
المرحوم رشا نموذجا فريدا قائما بذاته. من طرائفه. انه كان من اصحاب الكيف، ففي
احد الايام وهو سكران، مر بمجموعة من الاكراد يحملون نعشا لدفنه. شاهدوا صاحبنا
بوقاره وبياض لحيته وجراويته النظيفة ظنوه ولي من أولياء الله تعالى، رجوه ان يصلي
على الميت. وافق وصلى عليه فبدلا من يكبر أربع مرات كبر 14 مرة وذوي واصدقاء
المرحوم يرددون وراءه، وبعدالصلاة توسلوا اليه أن يلقن الميت بعد الدفن. بدأ
التلقين قائلا باللغة العربية: سيأتيك الان ملكان كريمان يلعنون سنسفيل اهلك
ويخرجون كل قطرة حليب رضعته من صدر امك ثم اكمل التلقين. شكره اهل المتوفي على
احسانه. عندما سأله زملائه، لماذا فعلت ذلك وانت سكران. أجاب ( لوكان خوش آدمي ما دفع الله سكرانا ليصلي عليه
ويلقنه).
كركوك بحكم موقعها الجغرافي، نقطة الوصل
بين شمال العراق وجنوبه، مركز تجاري مهم.لذا أصبحت محط القوافل التجارية، الكردية
من السليمانية واربيل والقوافل العربية من بغداد والبصرة والموصل. بالاضافة الى
مركز تسوق الفلاحين والمزارعين، من الاقضية والنواحي والقرى المحيطة بها، لبيع
منتجاتهم الزراعية وشراء السلع التي يحتاجون اليها.
ولاجل
راحة هذه القوافل، شيدت الخانات المتخصصة التي كانت تقوم مقام الفنادق ليرتاح فيها التجار والمرافقين
للقوافل طيلة مكوثه في المدينة.
وكانت تحتوي ايضا على اصطبلات لايواء دوابهم والاعتناء بها. وخزن السلع ،إضافة إلى
دورها في عقد الصفقات التجارية بين تجار القوافل المختلفة، و مسرحا للقاء التجار
القادمين من المدن والبلدات البعيدة حيث يتجاذبون أطراف الحديث عن الحالة
الاجتماعية والثقافية لمدنهم وبلداتهم، وكانت جلسات السمر هذه وسيلة لتقارب
الثقافات المختلفة.
الخانات
في كركوك كانت تتميز بالتخصص، لذلك سميت خاناتها باسماء تلك السلع مثل: (خورما
خاني ـ خان التمر ـ ويوغورت خاني ـ خان اللبن ، كومور خاني ـ خان الفحم..الخ) .
ومن اشهر الخانات، (بلدية خاني - خان البلدية، كمرك خاني ـ خان الجمارك، أسعد
بك خاني، كلباني خاني ، كاورلر خاني ـ خان المسيحين ،جقور خان ، ده ده حمدي خاني ،
أوقاف خاني، صادق صراف خاني ، سيدعمر خاني ، قورية خاني، قازي خاني).
يقابل كومور خاني، سوق ( قزانجيلار بازاري)
أي سوق الصفارين. وبالقرب منه ، (هنديلر خاني
ـ خان الهنود ) وهو من الخانات المشهورة في كركوك. يقع هذا الخان في السفح الغربي
من قلعة كركوك عند مدخل (بويوك بازارـ السوق الكبير) . يعود تاريخ بنائه إلى عام
1875 . وسبب التسميته هو الزوار الهنود للعتبات والاماكن المقدسة في العراق، حيث
اعتادوا الإقامة فيه عند وصولهم إلى مدينة كركوك. وبمرور الزمن تحول الى سوق تجاري
لبيع الاقمشة و الجوت و الادوات المنزلية.
تميزت اسواق كركوك بالتخصص، فلكل صنعة او مجموعة من
السلع سوقها الخاص مثل: سبزه جيلر بزاري- سوق باعة
الخضراوات- بلانجلار- حلوه جيلر ،الحلويات-
دنكجيلار- زورناجلار- عربانجيلار- التونجيلار، الصاغة- داميرجلار، الحدادون-
قزانجلار، سوق الصفارين- بامبوغجلار، باعة القطن-.
أما سوق الصفافير( قزانجيلار بازاري)
فهوعالم قائم بذاته. يستقبل الزائر او المشتري على انغام المطارق والشواشيك، التي
تنهال على النحاس والصفر بتناسق فريد، كتناسق عازفي الفرق السيمفونية. لا أدري
لماذا كلما استمعت الى سمفونيات جايكوفسكي، اتذكر هذا السوق ذي الرائحة الخاصة
والنكهة الفريدة والنشيج الاصيل. الضجيج والاصوات المنبعثة من كل مكان لايمنع
ولايحجب قدرة الصفارون التحدث فيما بينهم والقاء النكت والنقاش والمساومة بكل يسر
ودون أي زعيق او صياح. وعلى أنغام المطارق والشواشيك، كان عدد من الاطفال في داخل
الدكاكين ينهمكون بتبييض وطلاء الاواني النحاسية،يقفون على على قطعة من الكونية
(جوت) واياديهم مسندة على الحائط يحركون جذعهم الاسفل يمنيا وشمالا، كأنهم يرقصون
رقصة الديسكو الصاخبة، ويجري التنظيف بفرك قاع الاناء او الطشت النحاسي، بمسحوق
خاص.
لم أعثر على التاريخ المحدد لبناء السوق
الكبير ( بويوك بازار)، الشريان الحيوي لمدينة كركوك.
سوق متكامل، مقسم بشكل منطقي الى اصناف المهن والحرف. ما عدا
تداخلات طفيفية. فمثلا هناك خانات متخصصة، اشرنا الى قسم منها، لعل اشهرها ( خورما
خاني) في منتصف السوق، الذي كان متخصصا ببيع التمر على مدار السنة وبجنبه علوة
المخضرات. و(خان صلاح الدين) قرب حمام الشفاء للرجال من أملاك عائلة (كدك
المشهورة). كان خان صلاح الدين مشهورا في خزن السلع للتجار و ببيع الجوز الهورماني
المشهور ببياض لبه وكبر حجمه، فكان هذا الخان قبلة الاكراد الذين كانوا يزورون
كركوك ويعتبرونه فندقا ذات خمس نجوم، مثل فندق هلتون هذه الايام،ومن الامور التي
كانت تثير اهتمامهم ويستمرون بالتحدث عنه كيف يمكن لشخص وهو واقف في مكانه ويلف
قطعة حديدية صفراء،فوق اسطوانه صغيرة معقوفة ( الحنفية) ليتدفق الماء زلالا. فكان
ذلك بالنسبة للقرويين من العجائب في بداية الخمسينات من القرن الماضي.
على جانبي مدخل السوق، تصطف الدكاكين
التي تبيع المواد المنزلية والملابس الجاهزة والعطارية وبعض الخياطين وكلما توغل
الزائر أو المشتري الى داخل السوق يتضح التخصص. فيبدأ بسلسلة من دكاكين بيع
الاقمشة، اشهرهم دكان( حسو) ودكاكين ( يدي قرداشلار)، الاخوة السبعة، وكانت
الاقمشة تباع بالاذرع (80 سنتيمتر).. ثم تبدا دكاكين العطارين ودكاكين بيع
البهارات والبقوليات والزبيب والمكانس. لم اكتشف العلاقة الجدلية بين المكناسة
وبين والبهارات والبقوليات. ولماذا يعرض جميع هؤلاء الباعة المكانس المصنوعة من
خوص سعف النخيل مع البقوليات والبهارات؟!!. وبعدهذه الدكاكين تأتي دكاكين القصابين
ولعل ان اشهرهم كان السيد ( كوردة قصاب).
كان كوردة قصاب ديكتاتورا لطيفا، لاأحد
يستطيع لمس ( لشة اللحم) مهما كان منصبه وموقعه رجلا أو امرأة. يعرف زبائنه تمام
المعرفة، يسأل زبون كلمة واحدة فقط: كفتة، بامية، تشريب، كباب، وفي ضوء الجواب
يستلم الزبون لحمه ويدفع ثمنه دون ان ينبس بحرف أخر. كان عبوسا قمطريرا، لايضحك،
ونادرا ما يتكلم، اعور العين، ذو صوت شجي. أمي لايقرأ ولايكتب ولكنه كان من عشاق
السيدة أم كلثوم، يحفظ جميع اغانيها عن ظهر قلب، و يحتفظ بمكتبة رائعة تضم تسجيلات لجميع اغانيها،كان يسافر الى
القاهرة خصيصا لحضور حفلاتها.
يتبع