العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من دفاتر ايام زمان

زيارة جديدة لمدينة كركوك القديمة

وجدي أنور مردان

    

 

   (2)

 

 

قه يساري بازاري- سوق القيصريــــة

في منتصف بويوك بازار، ساحة مدورة، تقع في احد جوانبها سوق القيصرية المشهور وفي الجانب الشرقي من الساحة (خورما خاني)- خان التمر، يقابلها من الجانب الغربي ( يهوديلر خاني) خان اليهود، حيث كان دكاكين ومحلات اليهود قبل هجرتهم الى فلسطين المحتلة عام 1952.

يقع (سوق القيصرية ) التراثي الذي يقاسم سكان هذه المدينة الطيبة منذ اكثر من 170 عاما حياتهم اليومية . على الجهة الجنوبية الشرقية من ( قلعة كركوك) .وقد شيد السوق  كمركز تجاري  لتسهيل عمليات البيع والشراء لسكان المدينة . وقد استقطب السوق أرباب الحرف المختلفة وزبائنهم. شغل دكاكينها : البزازون والعطارون و النساجون و الخفافون و الخياطون وصباغو الأقمشة و الغزول و الأصواف و باعة المفروشات وباعة الجوت وخيوط السوتلي

 وقد تم إنشاء السوق على مقربة من بوابة (السبع بنات ـ يدي قزلار قابسي ) وهي إحدى بوابات قلعة كركوك . يتميز السوق كباقي الأبنية التاريخية والتراثية في كركوك، بطرازه المعماري الجميل، بأقبيته و أقواسه و مقرنصاته  و زخارفه. تعلو سطح القيصرية قبب مسطحة في منتصف كل منها فتحة سقفية لأغراض الإضاءة و التهوية ( بادكير) . أما الأقواس التي تزين مداخل السوق و دكاكينه فهي من الجص أو من الرخام ( المرمر) .

 

                                                                                                    يتميز  سوق القيصرية بفن معماري فريد، لايسع المرء إلا أن يقف مبهورا، أمام التقسيم الفلكي الرائع الذي اعتمده ذلك الفنان التركماني المجهول في تصميم هذا السوق. فالدكاكيـــن الـ (360 ) الموجودة في السوق يرمز إلى أيام السنة. و الشقق الأثنتى عشر المبنية فوق الدكاكين ترمز إلى عدد اشهر السنة . و ثمة أربعة وعشرون ممرا يرمز إلى عدد ساعات الليل و النهار . كما أن مداخل سوق القيصرية السبعة تدل على عدد أيام الأسبوع . ولم يكتف هذا المهندس التركماني العبقري، بذلك بل هداه خياله الخصب إلى أن يجعل أحد المداخل السبعة تستقبل الشمس حين تشرق و آخر يودعها حينما تغيب.

اليـــهود في كــركوك

كان التركمان يشغلون معظم دكاكين القيصرية وقسم منها شغلها اليهود، وبعد هجرتهم الى فلسطين المحتلة، اشترى التجار التركمان محلاتهم مع محتوياتها. ومن الطرائف التي حدثت في ذلك الحين، انه بعد أن استلم التجار المحلات التي اشتروها من اليهود أخذوا يحفرون ارضيتها وأرضية المخازن الملحقة بها في الخانات القريبة، أعتقادا منهم بان اليهود ربما قد نسوا ليرات ذهبية محفوظة تحت ارضية تلك الدكاكين. والسبب الاخر الذي دفعهم الى ذلك هو عثور احد التجار تحت ارضية الدكان الذي اشتراه من اليهودي ( شاؤول موشي) على صندوق مليء بالعملة العثمانية المعدنية من صنف ليرة واحدة وليرتين، فأعتقد اهل كركوك بانه عثر كنز من الليرات الذهبية واخذوا ينظرون اليه نظرة حسد وارتياب والى حد هذا اليوم لم يصدق أحد رواية هذا التاجر الكركوكلي المسكين ( الذي كان والد كاتب هذه السطور).

 اليهود في كركوك كانوا يتكلمون اللغة التركمانية قراءة ويكتبون بها. ويلبسون الزي التركماني، الصاية والزبون والدميري والجراوية المصبوغة باللون الازرق الفاتح!! كان يسمى بـ ( جويت). جلهم كان يسكن في ( يهوديلر محله سي- محلة اليهود) التي كانت تقع في المثلث المحصور بين ( طوقات حمامي- حمام طوقات، و دبه خانة محله سي- محلة الدباخانة و مصلى محله سي- محلة المصلى). أما الكنيس – الذي كان يسميه أهل كركوك بـ( توراة) فكان يقع في قلب نفس الزقاق، تزينه سور من التوراة مكتوبة بشكل بارز باللغة العبرية وباللون الازرق حول الايوان الداخلي للمعبد. حاخام اليهود في كركوك كان رجلا محترما يدعى، على ما أتذكر (موشي هبراعام) ، يلبس الصاية والزبون المقلم اللاماع ودميري. الحاخام موشي والتاجر اليهودي ( شاؤول موشي) الوحيدين اللذين كان يسمح لهما بالجلوس في مقهى ( جوت قحوة )، لأن من تقاليد هذا المقهى العريق، لايجلس فيه الا التجار واسطوات البناء وأعيان المدينة.

 كان هذا المقهى، محل التقاء البنائين والخلفات ومقاولي البناء والذين يشيدون الدور وأصحاب مقالع الاحجار وبيع الجص والحجر..الخ، يجتمعون فيه مساء كل يوم لبحث شؤنهم وأعمالهم واجراء حساباتهم.

وكان من تقاليد هذا المقهى ايضا، هو عدم السماح للعمال بالجلوس في الايوان، داخل المقهى، احتراما للاسطوات وعلية القوم. وأنما يجلسون على التخوت المرصوفة خارج القهوة وفي الشتاء كان يسمح لهم بالجلوس في ملحق المقهى الملاصق له، ولهذا سمي المقهى بـ (جوت قحوة) أي المقهى المزدوج.

ملا أحمد والنار التي لاتخمد اوراها

كان من الرواد الدائميين لمقهى جوت قحوة، المرحوم (ملا أحمد) .. والملا أحمد هذا كان من أعمدة بويوك بازار وعنصر من عناصر بركته. يهابه الرجال قبل النساء، واذا مر من أي زقاق، تتدافع النساء هربا الى داخل بيوتهن. اعتقد بعض الناس بأنه مجذوب. والبعض الاخر عده وليا من اولياء الله. الملا أحمد، كان بهي الطلعة، نظيف الملبس، يلبس دشداشة بيضاء في الصيف ،وأخرى سوداء في الشتاء وفي كلا الفصلين كان يرتدي معطفا سميكا و يعتمر عمامة بيضاء ذات ذؤابة صغيرة من الخلف. كان يجيد اللغتين والكردية والعربية بالاضافة الى لغته الام التركمانية. يحفظ اشعارها باللغات الثلاث. أحيانا كان يتمشى في السوق جيئة وذهابا ، لايتحدث مع أي انسان طيلة يوم كامل. ومن تصرفاته الغريبة أنه كان يقف على احد ابواب سوق القيصرية أو أمام جوت قحوة او أمام خورما خاني. ينظر الى الامام بشكل مستقيم ويضع اصبعه ( البنصر) على اذنه ويفركه بشدة ويقول بصوت يعلو تدريجيا، زززززززززز، اولماز، ززززز اولماز ززززززز، نه بي زززززززز نه بي ززززززززز مايصير زززززززززززز مايصير. لايجرؤ احد من العابرين على الاقتراب منه أو التوقف بجانبه او التعليق على مايفعل. أدعى البعض بأنه يتحادث مع الجن والعفاريت ويمنعهم من فعل المكروه، والبعض الاخر اجتهد بأن بعض الامور تنكشف له. الامر الذي كان يلفت النظر والاستغراب هو انه كان يتحدث بلغات مدينة كركوك الثلاث، التركمانية والكردية والعربية. ألف رحمة على روحك ايها النموذج الكركوكلي الاصيل، نموذج التآخي والاخوة والمحبة والشفافية. من عظيم مآثره رحمه الله، أنه وقف وقفة مشهودة، في بداية شهر تموز من العام 1958 في وسط الساحة المقابلة لجوت قحوة. نظر الى الناس بعيون زائغة حزينة، ورفع نظره الى السماء نظرة متوسل خائف مهموم. ثم ادار جسمه كله ناحية ( ناقشلي مناره جامعي) - مسجد المنارة المزخرفة. حك أذنه ببنصره كعادته، نطق بكلمات سريعة وبعصبية ظاهرة ، اجفل المارة واصحاب الدكاكين ومعارفه.صاح زززززززز أتا ش، أتا ش، أتا ش، سونميان بر اتا ش. زززززز قان قان قان جوق قان توكيلير ززززززززززز. انتابه حالة عصبية وهياج غير مسبوق، ارعب الناس جميعا. وترجمة مقاله:( ززززز نار نار نار، النار التي لاتخمد أوارها زززززز دم دم سيراق دم كثير). وبعده باسبوعين أي في 14 تموز، يوليو1958 وقع الانقلاب العسكري.

وعلى ذكر مقهى (جوت قحوه ) يجدر بنا ان نتحدث عن دورالمقاهي في الحياة الاجتماعية لمدينة كركوك في الخمسينات. كانت هذه للمقاهي مكان التقاء وتجمع الناس لشرب الشاي والسمر وتبادل الاراء واجراء المطاراحات الشعرية، والتحدث في السياسة، يرتاده المثقفون والتجار والحرفيون. وكان ثمة مقاه منها تنقلب إلى مسرح للحكائيين الذين يروون قصص عنترة ابن شداد ،رستم زال، أمير ارسلان، أو كور أغلو،  أو فرهاد وشيرين، أو يقرأون قصائد لفضولي البغدادي واحيانا كانت تقرأ المقام والغناء التركماني والمقام الكردي. أو  يلعبون فيها الشطرنج والداما والطاولي والدومنة           ( الدومينو) والورق (كاغد ـ باباز).  أهم ماكان يميز هذه المقاهي أنها كانت تتحول في أمسيات شهر رمضان المبارك، الى اماكن فرح وسرور حيث يلتقي الاحباب والاصدقاء، لاجراء المبارايات التي تسمى (صيني زرف )، وهي لعبة شبيه بلعبة المحيبس البغدادية، ولكنها تختلف عنها في طريقة اللعب والادوات. هذه اللعبة يلعبها التركمان بشكل خاص في ليالي رمضان. يلعبها فريقان، كل فريق يتكون من خمسة الى عشرة لاعبين، يترأسهم ( اسطة) بمعنى رئيس الفريق وهو الذي يحق له تضنيد الفناجين الصفر الاحد عشر في الصينية النحاسية الصغيرة حيث يخبىء (الخرزة الصدف) تحت أحد الفناجين،  خلف بطانية يرفعها بقية اعضاء الفريق ، بين تهليل الحاضرين وغنائهم ونكاتهم. كانت تجرى مباريات كبيرة بين الاحياء المختلفة، كمباراة سكان محلة (القورية) مع محلة (جاي) أو بين شباب محلة (جقور) و (زيوة الكردية) أو بين شيوخ (أوجيلار) و (بولاغ) أو (بكلر)و (آخر حسين). كما كانت تقام مبارات كبيرة بين شباب او شيوخ مدينة (كركوك) واصدقائهم واقرانهم من مدينة (أربيل). وهذه كانت أقوى المبارات وأكثرها اقبالا للمشاهدة لانها كانت تضم مشاهير اللعبة، ونظرا لمرافقة اشهر المغنين وقراء المقام والخوريات لفريقهم، للتشجيع واضفاء اجواء الالفة و المرح والسرور، وخلال المبارات واوقات الاستراحة كانت توزع على الحاضرين مختلف انواع الحلويات كالبقلاوة والزلابية و(كوبمة) – عوامات اولقمة القاضي أو المحلبية. كما كانت تقام مبارات شعرية وقراءة المقام. كما كنات تجرى مثل هذه المباريات بين شباب كركوك وأصدقائهم واقرانهم في الأقضية والنواحي القريبة لها مثل: ، تازة خورماتو وداقوق، حيث يستمر اللعب حتى وقت السحور. وقبل اذان الفجر تقام ولائم السحور لتناول  القيمر والعسل و التشريب والمشويات. وتجدر الاشارة الى انه كانت ثمة تقاليد اجتماعية مهمة كركوك، فلم يكن الشباب الصغار يقتربون من المقاهي التي يرتادها الكبار أو معلميهم.

 من اشهر هذه المقاهي ، مقهى المجيدية ، أحمد آغا - جوت قهوة- جرت ميدانى –- جاي خانه ي عاشور- سيد وهاب- اسطه سعدى-  برناو- التون كوبرى- ناقشلى مناره- رشه كوله رضا-  صولو قهوه- - دايى نوري- دايى جليل.  .

الى جانب المقاهي زخرت كركوك بالدواوين ( ديوه خانه) أقامها الوجهاء والميسورين وآهل العلم والثقافة لتكون منابر للمناقشات السياسية والثقافية والاجتماعية والادبية. أمتاز أصحابها بالسخاء والكرم وحب الضيافة. ومن أشهر الدواوين في كركوك، على الإطلاق ديوان عبدالقادر أفندي الذي اشتهر بكرمه. وكذلك ديوان سيد أحمد خانقاه ( من الاشراف الاكراد). يقال أنه حضر الى عبد القادر أفندي، في أحد الأيام اثنين من عمال البناء لقياس ديوانه لأن عمه درويش أفندي يود بناء ديوانا على غراره. وهنا  طلب منهما مايلي: قولا لدرويش أفندي أن عليه أن يقيس سعة (الصينية)التي أكرم بها ضيوفي بدلا من أن يقيس مساحة ديواني. ويقال ايضا أن سيد احمد خانقاه كان يطعم 500 شخصا في ديوانه كل يوم.

كانت أبواب الدواوين مفتوحة على مصراعيها طوال أيام رمضان المبارك للافطار وتناول العشاء بعد أداء صلاة التراويح. وصل عدد الدواوين في كركوك الى 62 ديوانا ومن اشهره: ديوان عبدالقادر أفندي،المفتي درويش أفندي، ،ديوان قيردار ،ديوان صالح اليعقوبي، ديوان عمر آغا وأحمد آغا ، ديوان خورشيد آغا ( كردي) ، ديوان الحاج علي دميرجي، ديوان علي بك والحاج حسن آوجي، ديوان كمال زاده لر، ديوان الحاج رضا بيرقدار، ديوان بويوك حافظ ملا محمد ، ديوان بكر أفندي قايتاوان ، ديوان خادم سجادة ( أكراد )، تكية وديوان نجيب الطالباني ( اكراد)، ديوان ملا رضا واعظ، ديوان عزيز مردان آغا. و في صوب القورية كانت اشهرها الدواوين ديوان عائلة النفطجي : صالح باشا،عمر بك، ناظم بك ،حسين بك. وديوان عائلة صاري كهيه:عزت باشا، خليل بك،عبدالرحمن بك. وديوان عائلة الهرمزي:بهاء الدين أفندي، الحاج حبيب آغا ،الحاج مصطفى بك ،الحاج عاشق أفندي . وديوان سيد احمد خانقاه ( أكراد). وديوان عائلة أرسلان : صديق بك،الحاج مصطفى بك. ديوان عائلة تكريت ( العرب):علي بك، وابراهيم بك وقادر بك وغازي بك ومظهر بك. كانت هذه الدواوين منبرا ديمقراطيا حرا لتبادل الاراء يرتادها وجهاء البلد بغض النظر عن قومياتهم واديانهم. لمناقشة وتبادل الاراء حول متخلف الموضوعات الثقافية والاجتماعية والسياسية والادبية، وكانت تجرى فيها مطارحات شعرية رائعة بين الشعراء التركمان والاكراد.

محلة بريادي ودايي حزقيل

دلفنا الى بريادي محله سي- محلة بريادي. مرتع الصبا ونهر الذكريات التي حفرت أيامها عميقة بين تلافيف القلب، ونبضات العين، وخفقات الحب، وارتعاشات النشوة. وقنا أمام قاضي خاني- خان القاضي. على بعد أمتار قليلة منه، تنفست الحياة، على يد القابلة الكردية (داية رعنة) التي احببناها من اعمق اعماقنا، وبقينا اوفياء لها نزورها في الاعياد ونقبل اياديها،  الى ان توفت الى رحمة الله عام 1973 أسكنها فسيح جناته.

قاضي خاني، شاخ وتهرأ. تقطعت اوصاله. سقطت اسنانه. بترت اذرعه وارجله. أصبح اطلالا، يستجدي من ينثر انقاضه وترابه في جنبات كركوك الاربع. وقفت احاكيه. عله يرجع صدى الطفولة المخزون في جوفه. عله يقرأ أبياتا من نشيد العمر الذي فني. نظرت اليه نظرات توسل. عله يعرض شريط الاحباب والاعداء. عربدة الاصدقاء وسهام الحساد. عله يسمعني نشيج (خوريات) السكارى وآهاتهم، بعد منتصف الليل. أبى الخان. اشاح بوجهه كأنه يعاتب الوفاء.

في احدى زوايا مدخله، ترأى لي ( دايي حزقيل ـ الخال حزقيل) مازال جالسا، يخيط الفرفوري والقواري والابلام والمواعين البورسلين، مازال يصلح ويلحم الاواني النحاسية. كان دايي حزقيل يهوديا. محدودب الظهر. كث الشعر. كئيب المنظر. صوته الناعم يثير الشفقة. يتحدث اللهجة التركمانية الكركولية الصافية. يحفظ آلاف الابيات من الخوريات. حاد النظرات، كأنه يريد ان يسبرغور واعماق محدثيه. وعدني يوما بان يصنع لى سطلا صغيرا من ( التنك). نسيت وعده. سألني يوما متى تذهب الى المدرسة ؟ اجبته بانني مازلت لم ابلغ السابعة.

في يوم من ايام العام 1951جاء دايي حزقيل ليودع اصدقائه ومعارفه في المحلة. ناداني وقال خذ هذا السطل الذي وعدك، هدية الوداع!!!. نظر الى الجموع المحتشدة لتوديعه، وعلامات الحزن العميق مرتسم على محياه. قال: لقد طاب لنا العيش معكم. ولدت في هذه المدينة ولاأرغب بتركها، ولكن للضرورات احكام. ثم قال قولا بليغا والدموع تنهمر من عيناه : ( بز صاتغ سز آلدوز سز ساتوزسا كيم آلير؟!!)، ( نحن بعنا فاشتريتم انتم، فاذا بعتم فمن الذي سيشتري؟!!) .

 ومن أدعية المأثورة على من يضايقه، قوله: ( اوسكه كته كورم سانــي)، ومعناه ( اراك في الاعالي ، ويعني في النعش).

محلة البريادي ، محلة مغلقة للتركمان شأنها شأن بولاغ محله سي ، وسقاخانه محله سي، وجقور، ومصلى محله سي، وجاي محله سي، وكادكلر، و دبة خانه، وأما عربلر محله سي فكان خليطا من التركمان والعرب. أغلب العرب الساكنين فيها كانوا باعة وتجــار المواشي ( الاغنام والابقار) أما التركمان فكانوا القصابين.

ديكتاتور محلة بريادي والحاكم بامره، كان  يدعى ( قالة كناس)،  كردي من محلة أمام قاسم. وظيفته كناس المحلة. و أسم (قالة) هو أسم الدلال لعبد القادر. كان متزوجا من تركمانية اسمها ( بهية أوز ألان)- بهية الحفافة. ( قالة كناس) كان يحكم نساء المحلة بالحديد والنار، وخاصة اللواتي لايحففن وجوههن عند زوجته، أو اللواتي لا يبتعن المكانس التي كان يسرقها من البلدية منه. يمنع خروج ماء الغسيل الى الساقية الوسطية للزقاق، ويطبق عليهن تعليمات البلدية بحذافيرها. يغرم المخالف بقطع الماء الصافي لمدة ثلاثة ايام ودفع مبلـــغ ( 250) فلسا. قالة كناس كان حكومة بحق وحقيق وليس كحكومات هذه الأيام. قالة كناس كان ضخم الجثة. مشوه الجسم. رجلاه كانتا طويلتين ركبت عليهما جذعا قصيرا، كانه أفلام كارتون. اما بطنه فكان يبدأ بعد عنقه بشبر. ولأخفاء هذا الشكل العجيب، كان يلبس شروالا أسود اللون، يقال انه كان في عصر ما أبيض اللون. ففي ايام غسل الملابس، كنا نحن الاطفال نقف أمام الباب أو في رأس المحلة لمراقبة تحركات (قالة كناس) وبيدنا خرقة من القماش الملفوف لسد فتحة الماء.

ولكنه كان طيب القلب، يبلغ اهالي المحلة عن مواعيد احسان كشاف ( كشاف  البلدية) لتفتيش المحلة والتأكد من عدم مخالفة سكانها تعليمات البلدية. كان (احسان كشاف) من ارومة عربية من أهل الحويجة. يصل الى المحلة على دراجته الهوائية ماركة (همبر) مزهوا، مرفوع الرأس،كأنه قائد عسكري يخطط لهزيمة عسكرية. بطيء الخطى كالوزراء. رابط الجأش كالحكام، صارما معتدا بنفسه، فلو كان حيا في يومنا هذا لرشح نائبا لرئيس الوزراء!!!

 ده لي خليل  و قرمزي درمان

المحلة الملاصقة لمحلة بريادي ، هي جقور محله سي- محلة جقور، أي المحلة المنخفضة. وهي منبسطة من ناحية محلة بريادي ولكنها منخفضة جدا عن الشارع الموازي للقلعة من الجانب الغربي، النزول اليها كان بـ(14) درجة عن مستوى الشارع، ثم تنحدر تتدريجيا الى أن تتساوى مع محلة بريادي. كانت هذه المحلة كئيبة جدا، يسكنها الخفافون التركمان. كنا نتحاشى العبور منها . لسببين، الاول خوفنا مـن ( ده لي خليل)- خليل المجذوب. ده لي خليل شاب في مقتبل العمر. ضخم الجثة. الشجعان من الاطفال كانوا يجازفون الوصول والوقوف تحت شباك غرفته. يظن الاطفال انه لو خرج الى المحلة لمزقهم اربا اربا. يظلون واقفين ساعات وساعات مقابل شباك غرفته، حتى يطل عليهم لينتشوا بالركض رعبا، وهم يصيحون (ده لي خليل جيختي) خرج المجذوب خليل. وفي اليوم الذي كان لايظهرفيه ، يقول الاطفال بحزن وأسف انه اليوم مربوط بالزنجيل.

 أما السبب الثاني، فهو (الحجية نجمة) وكنا نسميها بـ (حجي نه نه) أي ماما حجية. فالحجية هذه كانت أما لسبعة أولاد وستة بنات. ضخمة الجثة. بشوشة المحيا جميلة الابتسامة. مقورة بملابسها الكردية الملونة الجميلة. متزوجة من تاجر تركماني من أهالي (تركلان). كانت طبيبة المحلة. متخصصة بتداوي العيون. لم تسجل طريقة علاجها في المجلات الطبية العلمية الامريكية أو العالمية. فلم ولن يتوصل العلم الحديث الى اكتشاف طريقة علاجها وفعاليته. فعندما كانت تصاب عيوننا بالاحمرار والحكة وتتساقط الدموع ويتكثف السائل الحليبي على زوايا الاجفان، نساق اليها سوقا لتلقي العلاج.

 فالعلاج كان يتم على مرحلتين حسب الحالة وشدتها. المرحلة الاولى: كي العينين بـ ( 7) بعرورات لكل واحدة. كانت (حجي نه نه) تحتفظ في علبة معدنية بكمية كبيرة من بعرور الخرفان. منقاة وحدة وحدة. ومن الشروط الطبية للبعرور ينبغي ان يكون صحيحا غير مثلوم. تغرز البعرور بأبرة، تقربها من نار الفحم في المنقلة. تقيس بخبرتها درجة حرارته. تضعه على طرف العين بحيث يلامس القرنية ملامسة خفيفة، وهكذا الى ان تنتهي من البعرورات الـ (14) ، (7) في كل عين. و في اليوم التالي يشفي المريض تماما، لااحمرار ولاحكة ولا دموع. هذه المرحلة من العلاج كانت خفيفة.

اما اذا لم يشفى المريض في اليوم التالي، فيسحب سحبا ويدفع دفعا الى (حجي نه نه) للعلاج بالمرحلة الثانية. فكان علاج هذه المرحلة بـ ( قرمزي درمان)- الدواء الاحمر. لاأتمناه لعدوي كما يقول المثل. هذه المرحلة كانت تتطلب مرافقة ثلاثة اشخاص ( عادة النساء) لكي يساعدوا في السيطرة على المريض.الذي كان يطرح ارضا، تجلس احدى النساء على رجله، والاخرتين يمسكنه من يديه وضبط رأسه. وفي هذه اللحظة تضع حجي نه نه الدواء الاحمر في عين المريض، ويتعالى صراخة يشق عنان السماء، وبحركة خاطفة، يقلبون الطفل المريض على بطنه، لتقوم حجي نه نه بوضع كمية من هذا الدواء اللعين في شرجه!!!!! ويتعالى الصياح مرة اخرى. ثم يهدأ بعد حوالي نصف دقيقة. اذا كان القارىء الكريم يرغب في معرفة لماذا كان صياح الطفل يشق عنان السماء فليجرب بوضع كمية من مسحوق الفلفل الاحمر في عينه ودبره!!.

على اية حال كان العلاج نافعا ناجعا وفعالا 100%، يظهر مفعوله بعد 24 ساعة من ملامسة البعرور للاجفان والدبر. ورغم شفاء المصاب التام، كان يعتكف في البيت لمدة يومين أو ثلاثة، خشية الاستهزاء والتعليقات اللاسعة، من اللوحة التجريدية الحمراء المرسومة على وجهه وخوف انكشاف السر ايضا.

لم أفهم، الى هذه اللحظة، العلاقة الجدلية بين العيون والدبر وبين قرمزي درمان- الدواء الاحمر؟!! ربما حجي نه نه كانت تعرف ولم اسألها رحمها الله.

مررنا بـ تاندورجللر محله سي- محلة صانعي التنور ( لشي الخبز)، القريبة من الدباخانة ودلفنا الى محلة المصلى لنصل الى مرقد (ابو علوك) في وسط مقبرة المصلى. أبو علوك هذا كان يعتبر من الاولياء ومن السادة الرفاعية، نسب اليه بعض الكرامات وخاصة فتح نصيب البنات العازبات للزواج.. وللتاريخ ينبغي ان نسجل لشباب محلة المصلى القدح المعلى في حفظ التراث التركماني والروحية التركمانية الاصيلة. يضيق المجال بنا هنا من ذكر تفاصيلها.

ومن الشخصيات الفريدة في محلة المصلى ( ملا عابد). الملا عابد هذا كان من اشهر زهاد كركوك وعباده. لم يكن له سلف ولا سلف. نشأ وترعرع وشاب وهرم ومات في الجامع الذي اشتهر بأسمه( ملا عابد جامعي). كان رحمه الله نحيف الجسم، قوي البنية، الرجال و الشباب يلهثون عندما يرافقونه لزيارة احد رجال الدين او أحد المساجد. لم يتكلم بغير الدين والزهد والحكمة والتربية الاخلاقية. كان يدرس الاطفال القرآن الكريم. ويقيم حلقة ذكر هادئة يوم الخميس من كل اسبوع. يقال انه كان يهوديا وأسلم عندما كان في السابعة أو العاشرة من عمره. كان يجيد التركمانية والكردية والعربية بطلاقة. وعندما سأله احد الاشخاص يوما هل هو تركماني ام كردي أم عربي، أجاب يا بني السنا كلنا عباد الله الواحد الاحد، وسكت ولم يزد حرفا. كان محترما يهابه الجميع. يقال لم يغضب في حياته، ولم يلفظ بأنه جوعان. رزقه كان وفيرا، ففي وقت المغرب كانت الصواني المملوءة بما لذ وطاب من الاكل والفواكه يحملها الجيران حتى سابع جار اليه، يدعو المصلين صلاة المغرب مشاركته الزاد، ولم تنقطع هذه الصواني عن مسجده المتواضع حتى وافاه الاجل عن عمر ناهز المئة عام. رحمه الله واحسن اليه، كان يقال انه كان من اعمدة البركة في كركوك.

وعلى ذكر (الكتاتيب) أو الملالي الذين كانو يدرسون ويحفظون القرآن الكريم، لابد وان نعرج على ( ملا بهية)- الملاية بهية- حيث حفظ على يديها معظم اطفال بريادي محله سي أجزاء من القرآن الكريم. كانت ملا بهية كردية، وبعلها تركماني من أم كردية، كان يدعي (خولا بصوان) ويعني ( خليل الناطور)، يعمل ناطورا ليليا ويبيع دجاجات سوداء ايام الجمع تحت القلعة!!! .

 ملا بهية. عندما يشاهدها المرء يظن انها رجل متنكر بزي امرأة!!! تلبس الصاية والعباية الكردية مع شروال داخلي، لا تشبه منتجات فكتوريا سيكرت أطلاقا!!. على اية حال كان الدرس يبدأ من جزء (عم). بعد حفظ سورة الفاتحة اولا مع التهجي. فهاكم الكلمة الاولى من السورة ( الحمد) وكيف حفظناها. ( ألف لام زه بر حا، الحا، دال به شتو، الحمدُ ). وهكذا الى نهاية السورة. وكلما كانت الملا بهية تشتهي أكل الدجاج كانت تحفظ سورة النصر لأحد الاطفال، وعلى النحو الاتي: ( بسم الله الرحمن الرحيم. اذا جاء نصر الله والحمد ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا. فسبح بأسم ربك واستغفره انه كان توابا.... ( بير قرة طاووق صوابا ) هذه اللازمة كانت ضرورية جدا بالنسبة لملا بهية بمعنى ان هدية حفظ هذه السورة وثوابها هي جلب الطفل دجاجة سوداء في اليوم التالي. والويل كل الويل لمن لايجلب الدجاجة السوداء!!. كانت تجمع الدجاجات السوداء ليبيعها  زوجها ،خولا بصوان، يوم الجمعة على سفح القلعة.

الذرة من أجل السلام وينكي قصابخانة

من مصلى محله سي دلفنا الى جاي محله سي  لنعرج الى ( ينكي قصابخانة)، المجزرة الجديدة. أقيمت في هذه المجزرة يوم افتتاحها عام 1954 (الذرة من اجل السلام) ضمن المساعدات الامريكية التي امر بها الرئيس الامريكي الاسبق ديفيد ايزنهاور. افتتحه الملك فيصل الثاني رحمه الله. اصطففنا على جانبي الطريق بملابس الكشافة، نهتف ونصفق ونلوح بالاعلام العراقية والامريكية، الناس في تلك الايام كانت تحب الامريكان وتكره الانكليز. المعرض في الحقيقة أحدثت نقلة نوعية في حياة اهل كركوك، بعد ان شاهدوا المنجزات العلمية، وكان صدمة كهربائية عنيفة اهتزت لها عقول الشباب. دشن هذا المعرض انطلاقة السيد (شكر النجار) الى عالم الموبيليا. بعد ان لفت معروضاته انتباه الملك فيصل الذي اعجب بها ايما اعجاب. سأله الملك عن نوعية الخشب الذي استعمله في الاثاث المعروض أجابه بأن جميع الاخشاب هي من شجر البلوط العراقية من الشمال الحبيب. فرح جلالة الملك. ثم اشترى طقم غرفة الجلوس، حسبما رواه السيد شكر النجار لكاتب هذه السطور.

بنيت المجزرة الجديدة خارج حدود بلدية كركوك، التي كانت الحدود الجنوبية الشرقية للمدينة لغاية العام 1962.

ألتفت الي شقيقي وعلامة التعجب مرتسمة على وجهه. سألني لقد تجولنا في الازقة والمحلات والمقاهي والاسواق وتبين بان جميعها تركمانية، فأين كان يسكن أخواننا الاكراد والعرب والسريان والارمن والكلدان؟ سؤال وجيه وفي محله. أجبته بأننا سنزورها في طريقنا الى صوب ( قورية) الجزء الحديث من مدينة كركوك.

قرمزي كيلسة وشورجة محله سي

عبرنا مقبرة المصلى- ( مصلا توربه لغي) بعد أن قرأنا سورة الفاتحة على الاموات، لنصل الى شورجة محله سي- محلة شورجة الواقعة في الشمال الشرقي لمدينة كركوك. أنشئت هذه المحلة في بداية العشرينات ، عندما وفد الاخوة الاكراد الفلاحين من قرى زنكنة وقرة عنجير وجمجمال للعمل في مزارع الخضار التي كانت تمتد، من هذه المنطقة الى سفوح قرمزي تبة التي بنيت عليها ( قرمزي كيلسه) الكنيسة الحمراء العائدة للمسيحيين التركمان الذين كانوا يسمون بـ ( قلعة كاوري- مسيحيو القلعة). كان الفلاحون الاكراد يعملون عند اصحاب هذه المزارع، وملاكها من التركمان. لقد كانت هذه المزارع تجهز أهالي كركوك بالخضراوات الصيفية والشتوية. واشهرها (آغا باغي). كان معظم هذه المزارع ملكا للجد الاكبر لكاتب هذه السطور. اما كلمة الـ ( شورجة) التي اطلقت على هذه المنطقة فهي كلمة تركمانية خالصة ( شور، وتعني، مالح ) والكلمة تعني منطقة مالحة ، بمعنى انها كانت (صبخة) وهي كانت كذلك بالفعل. والاسم منحوت على غرار الكلمات التركمانية ( ينكيجه ، باخجه، عربجه، تركمانجة كورد جه). عدد العوائل التي سكنت في هذه المحلة وحسب احصائيات العام 1957 هو (126) عائلة كردية فقط. وبحكم عمل معظم هؤلاء الفلاحين لدي أصحاب المزارع التركمان وبسبب حب واحترام التركمان للغريب، توطدت العلاقة بين هذه العوائل والعوائل التركمانية التي كانت تقطن في محلة المصلى والدباخانة ومحلة جاي. وتطورت بعضها الى التزاوج وعلاقات النسب.

ولكي نزور المناطق الكردية الاخرى ينبغي ان نعبر من جوت قحوة مرة أخرى، وينبغي ان نجتاز كادكللر محله سي، لنشاهد معالم الاخرى حتى نصل الى غايتنا.

المنطقة المحصورة بين جوت قحوة واشهر حمام تركي في كركوك ( حج باقي حمامي)- حمام الحاج عبد الباقي، كانت تدعى (خنجرجيللر) الحرفيون الذين يصنعون الخناجر الكركوكية الشهيرة بـ ( دبان)، ثم داميرجيلر ( الحدادون) ثم دبانجيللار، الحرفيون الذين يعيدون حشو خراطيش البنادق واطلاقات المسدسات بالبارود، الصنفين الاول والثاني كانوا من التركمان أما الصنف الثالث فكانوا اكرادا ماهرين في هذه الحرفة الدقيقة.

أشهر شخصية في هذه المنطقة كان (اسطة شكور بربر) كان اسطة شكر صاحب محل حلاقة قرب حمام الحاج باقي. جراحا ماهرا، بل قل قصابا مشهورا، يأتي اليه  المصابون من كل حدب وصوب. يجري العمليات الكبرى والصغرى ومابينهما. بدون مخدر. سيان لو كان الجرح او الورم في الرأس او في الصدر أو في المناطق الحساسة. أكثر زبائنه كانوا من مساكين القرى والارياف. اسطة شكر كان نحيف الجسم. طويل القامة.حاد النظرات. اصابعه كأصابع عازفي البيانو أو كاصابع الجراح الشهير مايكل دبغي. حاسم في قراراته. القطع يعني القطع والبتر كذلك أو شق الجرح للتنظيف. صياح المرضى المعالجين ونواحهم أشد من صياح ونواح الاحرار في معتقلات التعذيب في هذه الايام... كان عالما بسر مهنته، دقيقا في تشخيصه، صائبا في وصفاته، وحاذقا في عمله. أما أكثر الادوية رعبا والما ووحشية كانت المادة المعقمة المسمى ( تـنـتـريـوك) مادة بني اللون يتحول لونها الى أصفر- برتقالي كأنها نار جهنم.

الدارسين وحجر الجهنـــــم

لا يمكن للمرء ان ينسى طعم ورائحة الدارسين المغلي، الحلو المذاق، بعد الاسترخــاء على ( جهنم داشي)- حجر الجهنم، في حمام الحاج باقي، أسمة الكامل (حاج عبد الباقي حمامي- حمام الحاج عبد الباقي). هذا الحمام من اشهر حمامات كركوك البخارية. بني على طراز الحمامات التركية الشهيرة ويعتبر الآن من الأبنية الأثرية القديمة في كركوك. يقابل الحمام ( سيف الدين خاني) والخان هذا كان علوة للمخضرات و مقر مبيت ونزول الفلاحين والزوار الاكراد لكركوك. فيه دكاكين ومشاغل لصنع الكلاش ( الكلاش، نوع من الخف المشغول بالخيوط على ارضية من اللاستيك او الجلد) من اطارات القديمة للسيارات. كان صناعة الكلاش من الصناعات المهمة في النصف الاول من القرن العشرين وبداية الخمسنييات. سيارت الحمل ( اللوري) تصل الى الخان، قادمة من بغداد والموصل  وهي محملة بالاطارات المستعملة مختلفة الاحجام والاستهلاك. فحال استلامها يقوم العمل المهرة بتصنيفها  الى الانواع العادية الخفيفية، والانواع الثقيلة، ( هفي ديوتي) التي كانت تصنع من اطارات سيارات الحمل ( اللوري). ثم يقوم العمال بتنظيفها وتجفيفها.بعد ذلك يقوم الاسطة او الخلفة، مساعد الاسطة، بعملية التقطيع و التفصيل حسب الاحجام والقياسات، 42 او 44 او 45 او 48....الخ وبعد هذه العملية الشاقة والدقيقة تبدأ عملية حياكة سافين او ثلاثة كاساس للكلاش. هذه العملية كانت من اختصاص النساء في البيوت. وبعد شرائه تقوم زوجة المشتري بأكمال حياكته، وكان هناك كلاشات جاهزة ايضا كانت تباع في الدكاكين الخارجية للخان. كان معظم زبائن هذا الخان من الفلاحين الاكراد والتركمان، ونادرا من الفلاحين العرب. اشهر بائعي الكلاش في كركوك في ذلك الزمان كان (عصمان كلاشجي) وهو تركماني، وصديقه وغريمه ومنافسه الكردي ( مجة سور) ومجة هو اسم الدلال الكردي لمصطفى أما كلمة، سور، فتعني احمر باللغة الكردية، لأن شعررأسه ولحيته كان احمرا مثل الاسكتلنديين.وكان له بعض الشبه بالرسام الهولندي فان كوخ.

اجتزنا باب القلعة الشرقي (حلوه جللر قابسي)- باب باعة الحلوى- مقابل جقور محله سي، باتجاه ( بويوك زيوه محله سي)- محلة زيوة الكبيرة. هذه المحلة كانت تقسم الى ثلاثة أقسام ، محلة أخر حسين و الصحيح هو ( أخي حسين)، ومحلة أمام قاسم ومحلة عاشور، على التوالي. يسكنها الاكراد مع بعض العوائل التركمانية – الكردية المختلطة المتناثرة هنا وهناك، ( كردي متزوج من تركمانية او بالعكس، وأولادهم يتكلمون اللغتين بطلاقة). فقبل ان ندخل الى محلة (أخي حسين) التي كانت تبدأ من (نائب اغلو جامعي)- جامع أبن النائب الى مخبز ( فهيم به لوان). وسميت المحلة بهذا الاسم تيمنا بالامام قاسم شقيق الامام الشهيد الحسين. فقبل الدخول الى هذه المحلة كان ينبغي المرور بالحدائق  الغناءة التي أقامها أعظم رئيس بلدية ثم شهدته هذه المدينة الحزينة وهو المرحوم عبد المجيد اليعقوبي، ثم أكمل شامل اليعقوبي ما بدأءه المرحوم والده عبد المجيد اليعقوبي. قام هذا العملاق بمصادرة منطقة ( يدي حماملار) الحمامات السبعة، بعد تعويض اصحابها ثم حول المنطقة و سفح القلعة من الجانب المطل على محلة زيوه الكبيرة وعلى امتداد حوالي 3 كيلومترات الى حدائق غناءة وعلى طراز الجنائن المعلقة البابلية. و على شكل مدرجات زرعت فيها اشجار الصنوبر العملاقة والازهار والنباتات الجميلة بحيث اصبحت رئة الصوب الكبير من  المدينة. وقد جعل هذا العملاق هذه الحدائق مكانا للمحبة وملعبا للاطفال، نصب فيها المراجيح و (الزحليكات)، تفتح ابوابها الساعة الرابعة عصرا وحتى الساعة الثامنة مساءً. تجتمع وتلتقي فيها العوائل التركمانية والكردية واطفالهم  يلعبون ويتعارفون ويتخاصمون ويتعاركون ويتسلون. والله اعلم كم من زيجات، على سنة الله ورسوله، قد حدثت في هذه الحدائق حيث اختارت الامهات العرائس لاولادهن. ولم يكتف هذا الرجل بهذه المنطقة فهو الذي بنى حديقة المجيدية ونادي الموظفين في الجانب الغربي من نهر خاصة صو وحديقة أم الربيعين على الجهة الشمالية الغربية من المدينة، يقابله نادي الضباط بحدائقه الغناءة. رحم الله مجيدا و شامل. ومما يؤسف اليه أن من عادة العراقيين أنهم لايجلون البناة العظام. فمن واجب اهل كركوك تشييد نصب تذكاري لابنها البار عبد المجيد اليعقوبي وابنه شامل.

دلفنا الى محلة أخي حسين باتجاه محلة أمام قاسم. لايختلف طابع البناء وشكل البيوت في هذه المنطقة عن اية منطقة اخرى في المدينة. ولكنه تتميز بطابع الفقر. ولو ان الفقر في ذلك الوقت كان السمة الغالبة لجميع المدن العراقية.

من  الشخصيات المشهورة في هذه المحلة ( م.ص) .ابنه يحتل منصبا كبيرا الان. كان استاذا للمقام والغناء التركماني. لم يضاهيه احد في نظم الخوريات. مرجعا مهما لبعض الشعراء والمطربين التركمان وكان صوته شجيا ويغني باللغتين الكردية والتركمانية. وشخص لطيف آخر كان يدعى (طه شل ) - طه المشلول. واطلق عليه هذا اللقب لانه كان مصابا بالشلل النصفي. من منطقة الحزام الى الاسفل.يتنقل على دراجة هوائية بثلاثة عجلات من صنعه. كان طه شل متخصصا في تصليح اي شيء وكل شيء مهما كان بسيطا او معقدا، من أجهزة الراديو الىالبريموزات والدراجات الهوائية والبخارية والساعات ومكائن الخياطة ...الخ ولو طلب منه تصليح صواريخ عابرة القارات لم يكن يتردد مطلقا. كان يتحدث بعض المرات بكلمات لم نعرف كنهها ولم نفك الغازها الا بعد زمن طويل، فكان يقول أن البروليتاريا  يجب ان يأخذ حقوقه كاملة أو أن التحليل الديالكتيكي للتاريخ.... أشياء من هذا القبيل. أما أصعب كلمة سمعناها منه فكانت كومبرادورية. كنا نظن انه يخرف، وبعد ثورة تموز 1958 برز طه شل كادرا شيوعيا ضمن تنظيمات الشمال. الشخصية الغريبة الاخرى.و بالضد من طه شل، كانت حوسه شلمان، ( حوسة أسم الدلال لأسم حسين، والشيلمان كناية بانه كذاب). حوسة شيلمان كان عاملا في شركة نفط العراق ( أي ،بي،سي) معجبا بالامريكان أشد الاعجاب، يقلدهم في كل شيء، يمشي مثلهم . يدخن الغليون (البايب)، يلبس الجينز ويعتمر قبعة تكساسية. كان يحفظ اسماء رؤسائها وشخصياتها ولايمل عن الحديث عنهم. فلو كان حيا في هذه الايام ربما اختاروه وزيرا. لم نكن نعلم عن الصراع العقائدي بين الرفيق طه شل ومستر حوسة شيلمان. فحسب معلوماتنا انه كان عاملا غير ماهر يناول المعدات ، (درنفيس اسبانة شاكوش) للفنيين. وكان من عادتة، ولكي يداهر غريمه طه شل، كان يسلم عليه صباحا بـ (كود مورنينك وفي المساء بـ ( كود أفينيننك) ويرفع قبعته التكساسية المتهرئة اهانة بطه شل . على اية حال، فلو كانت هناك وزارة للكذب لتبوأ حوسة شيلمان منصب الوزير فيها من دون منازع كما أختير كثير منهم في هذا الزمان. فمن اكاذيبه الخفيفة والتي من اجله تغير اسمه. ذكر في احد الايام في (جايخانة عاشور) بان المدير العام لشركة ( فوستر ويللر) ارسل لرئيس المهندسين الامريكي في كركوك ثلاث رقيات طول احداها مترين ووزن الواحدة منها اكثر من خمسين كيلوغراما، وحباتها بحجم حبة الزيتون. اندهش الجالسون بين مصدق ومكذب. وأكد انه وبالحاح من رئيس المهندسين ذاقها ايضا، وكان لونها مثل لون الدم وطعمها احلىمن العسل. استغل طه شل هذه الرواية واطلق عليه أسم ( حوسة شوتي) و معنى كلمة شوتي بالكردية تعني الرقي. وعمد الى رسم صورة للرقي بطول مترين وكتب تحته ( حوسة شوتي). هذه الصورة كانت باقية الى العام 1962. على جدار الدار المقابل لدكان طه شل. رحمهما الله. بقي أن نقول ان حوسة شيلمان او شوتي، كان يتكلم التركمانية بطلاقة لآن جدته من امه كانت تركمانية.

                                                                                      يتبع