العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من دفاتر ايام زمان

زيارة جديدة لمدينة كركوك القديمة

وجدي أنور مردان

الحلقة الأخيرة

ضريــح الامام قاسم

الزائر لمحلة أمام قاسم يجب أن يزور ضريح الامام القاسم في المسجد المسمى باسمه، وهو مسجد كبير وقديم جدا. بعد الزيارة وقراءة سورة الفاتحة على روح الامام ( في الحقيقة ليس مؤكدا فيما اذا كان هذا هو فعلا ضريح الامام قاسم أخو الامام الشهيد الحسين أم مقامه)، على اية حال كانت هناك اوقات معينة تؤدي فيها العوائل العربية الشيعية من الجنوب مراسم الزيارة لهذا الضريح، يمكثون قربه ثلاثة او اربعة ايام في المسجد. أن اهالى محلة امام قاسم كانوا كرماء مع زوار الضريح وكانت الصواني المملوءة بالاكل تقدم لهم كل مساء اكراما للامام ولهم. أن العلاقات الانسانية الصافية النقية تبقى علامات بارزة على صفحات التاريخ.

 تأتي محلة عاشور بعد محلة أمام قاسم مباشرة لتمتد الى نهاية مدرسة امام قاسم الابتدائية بحوالي 150 مترا حيث كان نقطة تفتيش مخازن اسلحة الجيش العراقي التي كانت تقع على بعد 3000 مترا من تلك النقطة.

 عرجنا الى الناحية الشمالية الشرقية من المدينة لنصل الى نقطة تفتيش او سيطرة السليمانية التي كانت تحت ( قرمزي كيلسة) بمحاذاة (كورة تبه سي) التي كانت من ممتلكات عائلة كاتب هذه السطور. في هذه النقطة لابد التوجه غربا نحو تكية شيخ جميل الطالباني. الشيخ جميل الطالباني من اشراف الاكراد في كركوك وهم بالاصل من قضاء كفري قدموا الى مدينة كركوك قبل حوالي 200 سنة. ( وحسب معلوماتنا انه لا تربطهم ايةعلاقة بجلال الطالباني لآن الاخير من طالبانبة كويسنجق التابعة لمحافظة السليمانية). هذه التكية المباركة مازالت ترتفع على رابية عالية بشموخ وعز. تكية كبيرة، مريديها على الطريقة القادرية. يقام فيها الذكر كل يوم الثلاثاء والخميس منذ اكثر من قرنين. مريديها من الاكراد والتركمان والعرب . كانت هذه التكية المباركة هدفا للشيوعيين في عهد عبد الكريم قاسم، ولكنها صمدت وحافظت على مكانتها ومكانة شيوخها الاجلاء الذين كان لهم القدح المعلى عند اشراف كركوك وعشائر العبيد في الحويجة والرياض. أما محلة الاسكان وأزادي فلم تشيد الا بعد 1958 اثر النزوح الكردي من القرى والارياف بدفع وتحريض من الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي تنظيم الشمال. لحشد التأييد لهم من خلال تمجيد عبد الكريم قاسم.

فالى صبيحة يوم 14 تموز، يوليو 1958 كان الاخوة الاكراد في ( اوياخا) - الصوب الكبير، يسكنون في المنطقة الواقعة، بين مركز شرطة أمام قاسم مقابل جسر الطبقجلي جنوبا الى نهاية محلة عاشور شمالا، ومن نهاية محلة عاشور الى تكية الشيخ جميل الطالباني شرقا ثم نزولا بامتداد طريق السليمانية غربا لكي تلتقي مع نقطة البداية وهي مركز شرطة أمام قاسم الحالية ومساحة هذه المنطقة كانت أقل من ربع مساحة أويا خا – الصوب الكبير. وكما ذكرنا ان هذا لايعني بانه لم يكن هناك عوائل كردية تسكن في الاحياء التركمانية او عوائل تركمانية تسكن في الاحياء الكردية ولكنه كان بنسب قليلة.

علق شقيقي قائلا: ان جميع الاحياء والخانات والازقة والمحلات  التي مررنا بها  كانت ذات اسماء تركمانية وسكنتها من التركمان، ولم نشاهد في هذا الصوب غير اربع أحياء كردية، ثلاثة منها لايمكن التمييز بينها لتداخلها وصغرها والرابع لم يكن الا زقاقا صغيرا؟. سأل كم كان عدد العوائل القاطنة فيها. أجبته بعدم معرفتي بالعدد على وجه الدقة، بيد ان عدد الساكنين في محلة الشورجة كانت 126 عائلة. ويمكن لأي دارس ان يرجع الى الاحصائية السكانية لمدينة كركوك لعام 1957 سيجد الحقيقة.

نعم لقد كان في كركوك عوائل كردية عريقة سكنوها منذ قرن او قرنين، كعائلة الشيخ جميل الطالباني وسيد أحمد خانقاه الذين، نزحوا الى كركوك من قرية قادر كرم وعائلة معروف البرزنجي وخادم سجادة . وما عدا هذه العوائل فان الملاحظة المهمة التي ينبغي ان تسجل وهي ان أكراد كركوك لاتجمعهم أية رابطة عائلية او عشائرية بعينها، فهناك عائلة او عدة عوائل نزحت من جمجمال وأخرى من قرة داغ او زنكنة او السليمانية...الخ أو بالاحرى انها مجموعات فلاحية نزحت من القرى الكردية في شمال المدينة للعمل في مزارع وبساتين المدينة. وفي الاونة الاخيرة بدأت بعض العوائل تخترع لنفسها بعض الالقاب الكاريكاتورية المضحكة!. ومع هذا فان أي متجول في كركوك ، قبل 1958 كان  يلمس لمس اليد بانها مدينة تركمانية صرفة. وحتى الان، ان اول ما يلاحظه الزائر لها يجد ان غالبية اهلها يتكلمون اللغة التركمانية في البيت والسوق والمدرسة وفي الشارع ويلاحظ ايضا ان اسماء 90% من مرافق المدينة هي اسماء تركمانية صرفة، فمثلا ان جميع المساجد والحسينيات والاحياء والازقة والمقاهي والحمامات والأضرحة والمقابر والانهار والتلال اضافة الى اسماء الاقضية والنواحي والقرى كلها أو جلها، تحمل اسماء تركمانية. ورغما عن ذلك فأن هذه المدينة العراقية الاصيلة تأبى ألا تبقى رمزا للتآخي والتعايش القومي بين جميع الاعراق والاطياف العراقية. فهي المدينة العراقية الوحيدة التي تحتضن جميع مكونات الشعب العراقي، العرقية والاثنية والمذهبية والطائفية والسياسية، لذا تستحق ان تسمى مدينة العراق الاولى. وهي المدينة العراقية الوحيدة تعزف فيها جميع اللغات والابجديات العراقية، التي يمكن أن تسمى سمفونية الاخوة. معظم الكركوليين، سواءً كانوا اكرادا ام تركمانا ام عربا وكثير من الاثوريين والارمن يتحدثون اللغات  التركمانية والكردية والعربية. ولايعلمون كيف تعلموها!! ومن الطرائف التي ربما خافية على كثير من اهل مدينة كركوك، أن اللغة التي يتحدث بها عائلة الشيخ مظهر بك التكريتي وغازي بك التكريتي في البيت هي اللغة التركمانية،وهم عرب اقحاح. وعائلة الشهيدين عطا وأحسان خيرالله كانوا يتحدثون في البيت باللغة العربية، وهما من التركمان الاقحاح!!

ينبغي على جميع العراقيين المحافظة على هذه المدينة بحدقات عيونهم ويدافعوا عنها بسيوفهم واقلامهم واشعارهم . كركوك سمكة ملونة جميلة رقيقة تسبح في بحر العراق، لاتستطيع التنفس والعيش خارج هذا بحر الدافىء الحنون.

 

تاريخ العراق يبدأ من كركوك

حسب المكتشفات الاثرية، ، فأن تاريخ العراق يبدأ من مدينة كركوك، ففي ( يورغان تبه)، أكتشفت أولى الادوات التي أستخدمها الانسان، وفي منطقة عرفة (التي كانت تسمى قديما بـ أرافا أو أرابا ) عبد الانسان الالهة الاربعة التي كانت وجوهها متجهة نحو النار الازلية في منطقة باباكوركور. وعند زيارة المتحف الوطني العراقي، الذي نهب ودمر في زمن الاحتلال، فأن السجل التاريخي للعراق يبدأ من مكتشفات ( يورغان تبة) وتنتهي ببقية الحقبات التاريخية التي مرت على العراق.

 كركوك تحتضن التاريخ وتعشقه، تجد فيه ملاذها الآمن. وقبل ان نعرج الى صوب القورية من المدينة، ينبغي علينا ان نتجول بعجالة في قلعتها الشهيرة.

لقد  أثبتت التنقيبات والدراسات الاثارية أن مدينة كركوك وضواحيها تضم حولي ( 550 ) موقعا و مستوطنا اثريا و ما يقرب من هذا العدد من تلال تضم في بطونها آثارا  غير مكتشفة بعد،تنتظر من يرفع عنها ركام الزمن الغابر. وربما ان الوقت قد حان، أن يكشف الدكتور مؤيد سعيد بسيم، المدير العام لمؤسسة الاثار سابقا، عن ما اسر اليه استاذه المشرف على رسالته للدكتوراه في جامعة هايدلبيرك الالمانية عام 1966 ، حول قلعة كركوك وبعض التلال القريبة من المدينة، نحن نعرف انه حاول وبذل جهودا كثيرة ولكن لابأس من تكرار المحاولة طالما هذا هو ميدانه وساحته. و نعلم أيضا انه حاول جاهدا ومشكورا الحيلولة دون هدم  القلعة لمعرفته بالسر الكامن في اعماقها.

وحسب المكتشفات الاثرية فأن مدينة كركوك القديمة كانت تقوم فوق مستوطن أثري قديم ( القلعة) ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها (51) لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام 1923. وتقول المصادر أن البابليين سموها ( أرابخا ) وسمى الأشوريون المستوطن القريب منهــا ( أرافا ) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى ( عرفه ) .

    تؤكد الكتابات المسمارية في الرقم الطينية التي تم العثور عليها في قلعة كركوك عام 1923 أن مدينة كركوك هي في الأصل مدينة ارابخا ,وهي الدولة المستقلة التي ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد ، وكانت تقوم على مجرى نهر (خاصة صو).

فقلعة كركوك ، هي المدينة القديمة،وهي من أعرق المناطق التي تضم أحياء يسكنها التركمان منذ القدم. تقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك شرقي نهر ( خاصة صو- أو جاي ). يبلغ ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة لها حاولي 18م .تنحدر نحو الأسفل تدريجياً ، شكلها العام دائري تقريباً . ولها أربعة أبواب . ومن المعالم التاريخية التي حرصنا على زيارتها:

1-جامع النبي دانيال : مشهور بمئذنته التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر المغولي ، دلفنا الى الداخل. مازال كما هو، بالعقادات ،والأقواس الجميلة التي تميز سقف بنائه التي تقوم على قاعدة مثمنة. سميت بجامع نبي دانيال، تيمناًً لوجود مقام النبي دانيال وانبياء بني اسرائبل حنين وعزير الذين اسرهم القائد العراقي العظيم نبوخذ نصر وجلبهم من القدس ضمن الاسرى الاسرائيليين بعد تدميره لأورشليم القدس. حبسهم في هذا المكان قبل نقلهم الى بابل عام 567 قبل الميلاد.ومقامهم مازال في سرداب الجامع.

 مازال هذا الجامع محل تعظيم وتكريم المسلمين. و كان اليهود ايضا يحرصون على زيارته خلال اعيادهم الدينية وايام السبت من كل اسبوع، على مدى عشرات السنين قبل هجرتهم. ومن خصائص هذا الجامع انه كان ايضا مكان تجمع الفتيات التركمانيات والكرديات والعربيات العازبات، وامهاتهن اللواتي تبحثن عن الفرص لتزويج بناتهن. واشتهر الجامع ايضا بأن الدعاء فيه مستجاب لفتح نصيب الزواج. وخاصة خلال ايام العيدين الفطر والاضحى المباركين.

 وقريبا من جامع نبي دانيال يشمخ الجامع الكبير ( اولو جامع ) ويسمى أيضاً جامـــع (مريم اَنا ). يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث عشر الميلادي. وهو من الاثار التاريخية العريقة في كركوك. هناك اعتقاد راسخ بين اهالي المدينة بان الرجل الصالح خضر الياس يصلي في هذا الجامع صلاة العيدين الفطر و الاضحى، لذا يحرص اغلب أهالي المدينة اداء صلاة العيدين فيه. يتزاحمون بعد انتهاء الصلاة للوقوف عند بابه لمصافحة المصلين الخارجين وتهنئتهم، لأعتقادهم بأن خضر الياس سيصافحهم، ومن يصافحة يكون مستجاب الدعاء، اما كيف يعرفون بانهم صافحوه؟!!، يقال أن علامة ذلك هي كفه التي تخلوا من العظام  وانها ناعمة كالحرير!!! والله أعلم.

 ثم مررنا بجامع، القبة الزرقاء ( كوك كنبد )، لنستمتع بمشاهدة طرازها المعماري الجميل، وبنائها القائم على قاعدة مثمنة الشكل حيث تتخلله الزخارف الاَجرية النباتية، مطعمة بالقاشاني الملون ، ومزينة بشريط من الكتابة في أعلى البناء من الخارج ، يستدل منها أن القبة استخدمت في عام 762 هـ  ،وتضم رفات الأميرة التركمانية بغداي خاتون. وفي وسط القلعة يشمخ (جامع عريان) الذي  يعود تاريخه إلى سنة 1142 هـ . يتميز هذه الجامع بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية ،ترتكز عليها ثمانية أضلاع تعلوها ستة عشر ضلعاً ، تشكل قاعدة القبة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً. لاتحلو زيارة القلعة من دون زيارة كاتدرائية أم الأحزان،وتسمى أيضاً ( الكنيسة الكلدانية ) يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1862. وقد بنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة.. تستند سقوفها و أروقتها التي بنيت بالحجر والجص، على أقواس  وأعمدة من المرمر. وتعتبر بتيجانها الفخمة أية من آيات الفن المعماري .. المسيحيون الذين كانوا يسكنون القلعة، كانوا من اصول تركمانية ولغتهم تركمانية وليست لهم لغة اخرى، يقيمون بها شعائر الصلاة والعبادة في الكنيسة الخاصة بهم والتي تدعى ( قرمزي كيلسه ) أي الكنيسة الحمراء ، نظراً لوقوعها على تل أحمر. يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس، الانجيل ويسمونه ( مدراش ). وكان اهالي كركوك يسمونهم ( قلعة خرستياني) او (قلعة كاور) وكلاهما تعني مسيحيو القلعة، ومن اشهر العوائل المسيحية التركمانية في القلعة، عائلة ( باجرمي) والمطران اسطيفان جبري ومن مشاهير تجارهم ميناس غريب وانطوان الله ويردي وتوما الهندي. والفنانة عفيفة اسكندر كانت من مسيحي القلعة التركمان أيضا!!

 ولابد لزائر القلعة أن يمتع نفسه بالنظر الى البيوت التراثية النادرة والفريدة، التي تزخر بها قلعة كركوك. ومن اشهرها ( دار طيفور ) ودار ( مجيد سيلاو) ودار (عبد سيلاو) ودار ( سيد هادي) وغيرها. التي تمثل الطراز المعماري التركماني القديم . تتكون كل دار من ثلاثة دور متداخلة. الأولى ذات أعمدة رخامية عراقية بلونها الرصاصي الجميل.مداخل غرفها ونوافذها مؤطرة بالمرمر والزخارف . أما الدار الثانية  فتتكون من مجاز وسرداب وكوشك وخزنة،والدار الثالثة ،التي تسمى، ( كالن ئه ويي)- ( بيت العروس ) فتتكون من ردهة صغيرة ( طارمة ) ،وغرفة على شكل ايوان كبير مستطيلة الشكل، ولها كوة فوق بابها الكبيرة، تسمى بادكير، للتهوية اذ ان الغرفة تكون عادة من دون الشباك. ومن اجمل المظاهر في هذه الغرفة هي بناء السنونو لاعشاشها قرب كوة التهوية. تتميز هذه الدور بسقوفها المعقودة وأقبيتها العالية، وزخارفها الجصية والنباتية والحيوانية وخاصة عند صدر الغرفة ( الايوان) حيث تتزين بالمواعين والقواري والابلام . ولكل دار من دور القلعة التراثية ميزات خاصة نكاد لانجدها في الدور الأخرى التي اعتادت ان تروي همومها وسرورها في جلسات سمر تركمانية.

أما ابواب القلعة فهي اربعة، يدي قزلار قابسي- وحلوه جيلر قابسي في الجهة الشرقية وناردوانلي أو دانيال بيغمبر قابسي. والرابعة التي هي اشهر بوابات القلعة التي مازالت تتحدى الزمن هو بوابة طوب قابي التي تقع في الجهة الغربية منها ، وتطل على نهر خاصه صو. يعود تاريخ بنائها إلى اكثر من مائة وخمسين عاماً. والتي كانت تطل على حديقة شبيهة بالجنائن المعلقة البابلية .

أن اسماء الاحياء والشوارع والشواخص ودور العبادة تعكس الطبيعة الديموغرافية والاجتماعية لآي تجمع سكاني. وكركوك ليست استثناءً. فلايمكن أن تجد في محافظة السليمانية أوالبصرة مثلا، اسماء مثل كوشكلى – طوران- جينلر ساكن- قرمزى- جيملر-بولانجى- نفط خانه- اورطه، تطلق على الطواحين (داكرمانلار) . أو أن الازقة والاحياء في الدهوك والناصرية تسمى بـ: صارى كهيه- بكلر- اغالق –بيريادى- اوجى- بولاغ – قوريه- جقور- مصلى - تسين-  بكللر- آوجيلار-جرت ميدانى. أو تسمى الجوامع والحسينيات فيهما بـ:  مفتى اوغلو جامعي- نيفتجللر جامعي- نانقشلي مناره جامعي- ارسلان جانعي- ملا قاوون جامعي- نائب اوغلو جامعي- باش كه سوك جامعي... ناهيك عن اسماء القرى والارياف، فلا يمكن ان تسمى الاقضية والنواحي في محافظات الانبار او الناصرية او الدهوك بـ: طوز خورماتو- تازه خورماتو -كفري -طاووق -تسين - كومبتلر -تركلان -ليلان –يحياوه-يايجى - افتخار -ترجيل - تركشكان -يايجى -  تسين - ينجيكه - خاصه دارلي -امرلى - جارداخلى - طوبزاوه قره تبه -التون كوبرى. أو أن التلال المحيطة بالسليمانية والحلة يكمن ان تسمى بـ تالم تبه –- جلو تبه- قره تبه- دبك تبه- قوش تبه- كوك تبه- اوجاغ تبه- اوج تبه- قوله تبه- يورغان تبه. أو تسمى الاضرحة والائمة والمقابر فيها باسماء مثل: يدى قيزلار- مزلوم قز- امام خولان- كوزلى بابا- يل امامى- دانيال بيغمبر- - سيد قيزى- شيخ زم زيم- بابا كوركور- نفطجى لر- بى بى خاتون- - كوك كومبت. او البساتين تسمى في دهوك والكوت بـ:كاورباغى – فرهاد باغى- حجى حجيل باغى- مينين باغى- بدري باغى- طوبزاوه باغى- اغا باغى.

ان أي تجمع سكاني يفرض خصوصيته الديموغرافية والاجتماعية والتراثية والثقافية واللغوية وحتى الرمزية على اماكن تجمعاتها. ولذلك تطلق اسماء ابطالها وشخصياتها وعوائلها العريقة او الاحداث الاجتماعية والتاريخية البارزة لتخليد دلالاتها ورمزها،. وليس بنا من حاجة بعد كل الذي ذكرناه اثبات الهوية الحقيقية لهذه المدينة الخالدة.

 

المسيحيون بين لحم عجين وسفن آب

عبرنا جسر الطبقجلي الذي يربط طريق السليمانية بشارع دائرة الكهرباء في صوب القوريــة ( قارشي ياخا). اتجهنا الى منطقة الماس. وما ادراك ما الماس!! الحي الذي خفقت فيه قلوب شباب كركوك أول مرة، احسوا فيه بان للحياة طعم أخر غير الذي كانوا يذوقونه قبل سنوات قليلة رحلت. تحت كل شجرة من اشجارها، وعند كل استدارة من استدارات ازقتها، ترك شاب ما بصماته وزرع ذكرياته وردة في بستان الحبيبة عساها تزهر في يوم ما، في كركوك، أو في المهجر او ربما على ضريح شهيد هوى. محلة الماس هي  الدرة في قلادة المدينة. يسكنها الاثوريون والارمن وخليط من التركمان والاكراد وبعض العرب، وجلهم من العمال والموظفون في شركة نفط العراق ( أي بي سي). شوارعها نظيفة، ازقتها منظمة وانيقة. بيوتها احدث مما هي في (اوياخا ) الصوب الكبير. اينما دلفت فثمة كنيسة جميلة قريبة من مسجد او جامع. كنائس للكاثوليك واخرى للارثوذوكس واتباع الكنيسة الانجيلية والبروتستانت.

ومن الطرائف التي انتشرت فيما بين المسيحيين، حيث قسموا انفسهم الى طائفتين. طــائفة ( لحم عجين) وطائفة (سفن آب)!!!! وكان هذا التقسيم من ابتكار المسيحيين انفسهم من دون اي تدخل خارجي!  فالطائفة التي كانت تحتفل بميلاد السيد المسيح عليه السلام يوم 25 كانون الاول، ديسمبر، اطلق عليها طائفة ( لحم عجين) باعتبار ان سعر لحم عجين في ذلك الوقت كان بـ(25) فلسا!! اما الطائفة التي كانت تحتفل يوم 7 كانون الثاني، يناير عرفوا بطـائفة ( سفن آب)!!

 

محلة الماس ونهر الحب

أغلب شاب التركمان ، عشق محلة الماس لآنه وقع في غرام احدى بناتها الاثوريات أو الارمنيات.، لايهم اذا كان حبا في الخيال أو من طرف واحد او متبادل!! وكثير من هذه المغامرات انتهت بزواج على سنة الله ورسوله مع حضور السيد المسيح.

نادرا ما تجد عائلة تركمانية اوكردية او عربية لاتربطها علاقات صداقة وتزاور مع عوائل أثورية او ارمنية او كلدانية أو مع مسيحيي القلعة. أن الاثوريين ( الاشوريين كما يسمونهم الان) كانوا منفتحين للصداقة والاختلاط اكثر من الارمن.

معظم الاثوريين اشتغلوا عمالا وموظفين في شركة نفط العراق. حظوا بمعاملة خاصة من قبل الانكليز، للخدمات الكبيرة التي قدموها لهم، منذ استقدامهم من منطقة حكاري التركية عبر ايران في العشريينات من القرن العشرين وشكلوا منهم الجيش الليفي واستخدموهم عمالا في شركة النفط في كركوك بعد ان رفض المسلمون، في بداية الامر، العمل فيها باعتبار ان العمل مع الانكليز حرام ولا يجوز شرعا!!!

 وهناك حادثة مهمة ( شجار تطور الى معركة) دارت رحاها بين اهل المدينة التركمان وبين الجيش الليفي، والتي سميت خطأً بـ (ارمني دعواسى )- المعركة الارمنية. وقد ذكر المؤرخ عبد الرزاق الحسيني بعض تفاصيل هذه المعركة في كتاب تاريخ الوزارات العراقية المجلد الاول ص 28 على النحو الاتي:

في يوم 4 ايار 1924 نزلت ثلة من الجيش الليفي الى مدينة كركوك تبتاع حاجة لها في اسواق كركوك ( يقال ان الحادث وقع في سوق القيصرية في بويوك بازار) حيث اختصم افرادها ( الاثوريين) مع الاهلين في السوق، ( بسبب تحرش احد الجنود بسيدة تركمانية)، فأدى ذلك الى جرح احد افرادها مما ادى ايضا الى نزول قوات الليفي الى المدينة يحملون ادوات واسلحة الموت والقتال واشتبكوا مع اهالي المدينة من التركمان وقد قتل وجرح عدد كبير من اهالي المدينة، اضافة الى شرطيين كانا قد حاولا الفصل بين الجانبين فعمد مدير الشرطة وهو مراد مبارك (رحمه الله)  الى منع الشرطة من الخروج من ثكناتها ، فقتل من قتل وجرح من جرح وقارب عدد الاصابات المائتين .

وللتاريخ نود ان نسجل بان الاكراد من محلة أمام قاسم، وقرية تسين، وتازة خورماتو، هبوا الى نجدة اخوانهم التركمان ألا انهم منعوا من قبل الشرطة حتى لاتتفاقم الامور. واثر ذلك تم عزل متصرف ( محافظ) كركوك المرحوم فتاح بك من منصبه وعين مكانه رئيس البلدية انذاك السيد عبدالمجيد اليعقوبي، سبق وان اشرنا ايه. حيث تعهد بتهدئة المدينة لكونه تركمانيا يؤثر على ابناء مدينته واعتقل عددا كبيرا من وجهاء المدينة من التركمان ومن بينـهم حسين بك النفطجي وسليمان بك درويش وخير الله حسن افندي. وقد بعث المعتمد السامي البريطاني في كركوك الى السيد عبد الله الصافي وهو شقيق المتصرف الجديد عبد المجيد اليعقوبي بمبلغ 200.000 روبيه لصرفها على المنكوبين.

ومن الدلائل الملموسة لشفافية التركمان وعدم تعصبهم و تأجج عوامل الثأر لديهم، هو عدم تأثير مجريات هذه المعركة ونتائجها على العلاقة المستقبلية بين التركمان والاثوريين. لقد عاش بعدها القوميتان في المدينة بكل صفاء وحب وتعاون. بل ان عددا لابأس به من شباب التركمان تزوجوا من فتيات الاثوريات أو آشوريات والارمن.

فضل الغالبية العظمى من الاثوريين العمل في شركة النفط. اما الارمن ففضلوا الاعمال الحرة، بل ان بعض الاعمال والمهن اصبحت حكرا عليهم. كالتصوير الشمسي والكهربائي ومن اشهرالمصورين المصور أراكس. صاحب استوديوا اراكس في شارع الجمهورية وابوسيقا صاحب استوديو الكواكب. كذلك اختص الارمن في تصليح السيارات والراديوات وصنع الباسطرمة ولحم بعجين ومن اشهرهم ( العم صهاكيان) و محلات الخياطة الرجالية والنسائية الراقية.

 

العم آرتين والهجرة الى ارمينيا

 من اشهر الشخصيات الارمنية في كركوك السيد آرتين ( صاحب محل بيع الادوات الاحتياطية للسيارات). حدثنا آرتين يوما، انه بعد انتصار الثورة البولشفية في روسيا ومنح الحكم الذاتي لجمهورية أرمينيا السوفيتية، هلل الارمن المقيمون في العراق لوطنهم الجديد. اجتمع وجهائهم في كركوك لبحث موضوع الهجرة الى ارمينيا. وبعد مناقشة حامية بين المؤيدين والمعارضين، قرر الحضور ارسال مجموعة منهم الى ارمينيا ليطلعوا على الاوضاع هناك، وفي ضوء الرسالة التي سيرد من الوفد، يقررون الهجرة من عدمه. برزت مشكلة عويصة. كيف سيبلغ الوفد اخوانهم في العراق اذا كانت الاوضاع هناك سيئة ولا تحتمل. بعد النقاش الحاد، طلبوا ان يرسل الوفد صورة فوتغرافية توضح الحالة، فاذا كانت الاوضاع جيدة ويصون بالهجرة يلتقط الوفد الصورة وهم واقفون، أما اذا كانت الاوضاع سيئة فيرسلون صورة وهم جلوس. بعد عدة اشهر وصلت الرسالة والصورة من ارمينيا السوفيتية، واذا بجميع أعضاء الوفد منبطحون على الارض في الصورة!!!. واستنادا لهذا التقرير الوافي قرر الارمن البقاء في العراق وعدم الهجرة الى ارمينيا السوفيتية.

 ومن الشخصيات الارمنية اللغز، السيد أوانيس. كان اوانيس قصير القامة،لم يتجاوز طوله 120 سنتيمترا. ضخم الجثة. حاد النظرات. الارمني الوحيد في كركوك الذي لايلامس جسمه الماء الا مرة واحدة في السنة، ليلة ميلاد السيد المسيح. باختصار كان اوانيس مجذوبا. يلبس بنطلونا اشبه منه الى الشروال. وسترة ( جاكيت) تحولت الى معطف. جيوبه محشوة بالاوراق وقصاصات الجرائد. يحمل بيدة كتاب يضع عليه ورقة ويمسك بيده قلم رصاص. ينظر الى الافق البعيد كانه يحاول مسك فكرة تسبح في السماء. يقف ساعات دون كلل او ملل ودون ان يكتب شيئا على الورق، ثم يغير مكان وقوفه ويستمر بنفس الحالة. يقال انه كان فيلسوفا تداخلت لديه الامور وتشابكت. والاخرون ادعوا بانه كان عالما ومخترعا الا ان الانكليز حقنوه حقنة فقد من جرائها عقله. نظرية المؤامرة!!!. على اية حال، أن افضل من وثق ملامح وتعابير هذا الرجل، هو المصور أراكس حيث كان يعرض له صورا عديدة معبرة في داخل مرسمه وفي معرضه الزجاجي.

 

قازي ئه ويي وناطحة السحاب

لقد اشرنا الى حديقة أم الربيعين الغناءة في نهاية شارع الماس مقابل ( قازي ئه ويي) – دارسكن القاضي.

 اصبحت دار سكن القاضي أعجوبة من أعاجيب مدينة كركوك عام 1956 لكبر حجمها وارتفاعها الشاهق ثلاثة طوابق. يقال انها كانت تحتوي على ثلاثين غرفة وصالونات ضيوف واربع حمامات، وان الانسان لو وضع على رأسه ( عرقجين) وحاول ان ينظر الى اعالي الدار لوقع العرقجين من رأسه بسبب ارتفاعها الهائل. بنيت الدار، ناطحة السحاب، على مساحة 1000 متر مربع، على سفح تل الملا عبدالله- (ملا عبد الله تبه سي)- في شمال كركوك. دأب الناس الذهاب زرافات لمشاهدة هذه الاعجوبة.

على اية حال ان الجسر الصغير الذي كان يربط شارع الماس بتل ملا عبد الله كانت نقطة سيطرة أربيل ومنها الى الموصل. وبقيت منطقة تل ملا عبدالله ، خارج حدود بلدية كركوك وبعد العام 1958 بدأ الشيوعيون الاكراد وبعض الاثوريين يبنون دورا سكنية فيها، لرخص ثمن قطع الاراضي. أما (رحيم أوه )  فكانت قرية كردية صغيرة، ،تبعد 18 كيلومترا عن مركز مدينة كركوك.

يخترق محلة الماس شارع عريض وطويل ، يمتد من نادي (هومنتمن الارمني) جنوبا الى دار القاضي شمالا. يسكنها الاثوريون والارمن والاكراد والتركمان. وفيها الدار الرسمي لسكن المتصرف ( المحافظ). اتسمت المحلة بنظافة ازقتها وبيوتها الكبيرة الحديثة ذات الحدائق الغناءة. يتسكع شباب كركوك في ازقتها. على أمل ان تتحرك طرفا من ستائر الشباك، او تخرج الحبيبة لتضع الازبال في البرميل قرب الباب، ليعود منتشيا وحالما طوال الليل. هكذا كان الحب العذري. وكم من شاب تفشخت رأسه،وتمزقت قميصه، من أجل نظرة خاطفة لاتتعدى الثواني، اوكلمة سلام  عابرة سمعها شقيق المحبوبة او أباها.

 

ملعب الشركة وعلي دودو

 أنشأت شركة نفط العراق ( آي بي سي) ملعب الشركة لكرة القدم والعاب الساحة والميدان في محلة الماس وكانت تسمى ايضا بـ (شركة ساحه سي) – ساحة شركة نفط العراق. كانت الساحة من أغرب ساحات الالعاب وساحة كرة القدم في العالم، لأنها كانت الساحة الوحيدة نثرت ارضيتها بالنفط الاسود ،( بدلا من زراعتها بالثيل ،الحشيش الاخضر)، لتنعيم الرمل ولتفادي اثارة العجاج ( الطوز) عند اللعب. تخرج من هذه الساحة كبار الرياضيين، الذين انضموا الى المنتخب العراقي لكرة القدم امثال عمو بابا ( الاثوري) وكريم فندي ( الكردي)، وعادل عبدالله ( التركماني) وقاسم ديو ( التركماني) وكاظم ( العربي)  وغيرهم كثيرون لايحضرني اسماءهم في هذه العجالة. وكانت تقام على ملاعبها الاستعراضات السنوية للساحة والميدان والبطولات الرياضية للمدارس الثانوية في المدينة. ومباريات بطولة الاندية العراقية. ولعل ان اعظم مباراة جرت في هذا الملعب هي المباراة الخالدة بين فريق جيش التحرير الجزائري وبين فريق منتخب كركوك الذي كان نصف اعضائه يلعبون في المنتخب العراقي. حامي الهدف وكابتن الفريق الجزائري كان يدعى على دودو. ضخم الجثة طويل القامة، وقد اشعل الساحة بحركاته الرائعة حماسة ومتعة. ان من اعظم مأثر أهل كركوك، بمختلف قومياتهم واديانهم، في هذه المبارات انهم شجعوا الفريق الجزائري بدلا من فريقهم. وكانت هذه المأثرة مبعث فخر واعتزاز سجل لأهالي هذه المدينة الاصيلة.ولكن مع الاسف الشديد شاءت الاقدار أن يستشهد جميع اعضاء الفريق الجزائري اثر سقوط الطائرة التي كانت تقلهم لآجراء مباريات في افريقيا.. تغمدهم الله بواسع رحمته.

 

مجيدية باخجه سي وعرق المستكي

بطبيعة الحال ان من اشهر معالم صوب القورية ( قوريا بازاري) سوق قورية الشهير. وعلى الجانب الايمن من مدخل السوق المقهى الاشهر في كركوك، ( احمد آغا جايخه ناسي)- قهو أحمد آغا. من ميزات هذه السوق خلوه من الخانات، على خلاف شقيقه السوق الكبير في ( أو يه خا) في جانب الصوب الكبير. الدكاكين المشيدة فيه احدث بناءً والباعة اكثر تنوعا، ويضم التركمان والاكراد والعرب والاثوريين والارمن. العطارون والقصابون وباعة الفواكه و الخضراوات. وبين سوق القورية وبين ومحلة الماس، من ناحية الشمال تنتشــــر احياء( صاري كهية محله سي) و(بكللر محله سي) و ( اوجيلار محله سي ) و(شاطرلو محله سي) ومن الجهة الجنوبية أحياء ( جرت ميداني) و(الميدان) و( الحديدين  العرب) و( قارللر بزاري). سكنة هذه الاحياء كانت مختلطة من التركمان وبعض العرب والاكراد.

أما اهم الشوارع في صوب القورية، فهو ( مجيدية جادسي) الذي كان يربط داش كوبري بـ ( اوقاف جادسي) مرورا بالقشلة. و من ابرز معالم هذا الشارع هو ( مجيدية باخجه سي)- حديقة المجيدية الغناءة، وبنيت في ركنها الشمالي نادي الموظفين الراقي، حيث يلتقي الموظفون واعيان المدينة واغنيائها مساء كل يوم لشرب العرق والبيرة ولعب الورق ثم تناول الكباب والمشويات الذيذة والمزات الشهية. وتجدر الاشارة الى ان سعر ربع العرق المستكي او العصرية مع نوعين من المزة كانت (350) فلسا أوالزحلاوي بـ (300) فلسا أما البيرة أمستل أو فريدة فكانت بـ (200) فلسا. وكنت تشاهد مساء كل يوم الموظف التركماني مع زميله الكردي والاثوري أو العربي، يتسامرون وينكتون ويتجادلون بطريقة أكثر حضارية وعمقا، من هذا الزمن العاهر.

في الجهة الجنوبية من الحديقة بنيت ( مجيدية جايخانه سي) كازينو المجيدية.ملتقى النخبة. الاستاذة والمعلمين وكبار موظفي المتصرفية ( المحافظة) والبلدية ودوائر الدولة والبنك وأعيان المدينة. وبجانب المقهى دكانين من اشهر الدكاكين في كركوك حتى عام 1958وهما وكيل شركة عرق العصرية، الاثوري اصطيفان، وبجانبه وكيل شركة عرق المسيح ويدعى الله ويردي من مسيحي القلعة.

 مقابل مقهى المجيدية بنيت العام 1955 السوق العصري الحالي. جمع فيها محلات ( التونجيلار)- صاغة الذهب والفضة. وكانت صياغة الفضة من اختصاص الصابئة. توسط السوق مكتبة العصرية الكبيرة لصاحبه السيد عباس حلمي. حيث أشترينا منها لاول مرة مجلة سمير وميكي ماوس المصرية، ثم الهلال والمختار و مجلة العالم البريطانية ومجلة الحياة في امريكا، التي كانت تباع بـ(50) فلسا للنسخة، اما النشريات المجانية من المطبوعات الامريكية فكانت توزع في المكتبة الامريكية في شارع المجيدية، مكان مطعم الخيام (الحالية) وقرب ملهى كركوك التى غنت فيها فائزة احمد موسما كاملاعام 1954 . اغلقت عام 1956 بعد شجار دام راح ضحيته اكثر من اربعة اشخاص.

وقبل ان نغادر هذا المكان الجميل، بذكرياتها التي تدفقت دمائها ونشوتها في العروق التي بدات تجف من جراء عوامل الزمن، وتحفر في الجسد والمحيا اخاديد ووديانا، كما تحفر الرياح والامطار اخاديدها على سفوح الجبال والتلال.

     باشرت متصرفية كركوك وضمن برنامج مجلس الاعمار لعام 1956، في بناء فندق كبير في ركن الجانب الشرقي من ( مجيديه باخجه سي) في نطقة التقــاء ( مجيدية جاده سي)  بـ ( اوقاف جاده سي). وعندما شارفت البناء على الانتهاء عام 1957 برزت مشكلة تسمية الفندق. طالب الاكراد تسميته بفندق سيروان. فاعترض التركمان اعتراضا شديدا وطلبوا من المتصرفية تسميته بفندق كركوك. وهكذا كان. وكان هذا اول بوادر الاحتكاك في المدينة بين الاكراد والتركمان، لانريد ان ندخل في تفاصيلها في هذا الوقت الحرج.

 

قشــــلة كـــــركوك

تعتير قشلة كركوك من ابرز المعالم التاريخية لمدينة كركوك بعد قلعتها. وهي بمثابة الرأس من الجسد لهذه المدينة، لحضورها الطاغي والمؤثر في ضمير الشخصية التركمانية العراقية، وفي تقافتها وتراثها واشعارها وخورياتها ( نوع من الشعر الرباعي قائم على الجناس). وشاهدة على ألام وافراح واتراح هذه المدينة الخالدة.

 و كلمة ( قشلة )، حسبما أوضحها الكاتب المبدع نصرت مردان، بأنها محرفة مـــن كلمة ( قشلاق ) التركمانية . وهي تتألف من كلمتين ( قش ـ أي الشتاء ) و اللاحقة (لاق ) تفيد معنى ( المكان ) و بذلك تعني الكلمة (المشتى) أو المكان الذي يتجمع في الشتاء. إلا انه بمرور الزمن أطلقت هذه التسمية من قبل العثمانيين على كل بناية تضم ثكنة عسكرية .

 شيدت ( قشلة كركوك ) في سنة 1863 في عهد الوالي العثماني محمد نامق باشا عندما كان واليا على بغداد لتكون مقرا للجيش العثماني في كركوك وسط المدينة. وبنيت على ارض مساحتها (15000 م2 ) منها ( 6000 م2 ) مساحة البناية وملاحقها. 

تمثل القشلة قيمة معمارية نادرة في العالم ، وفريدة في العراق  بشهادة المختصين في فن المعمار. تتكون واجهتها الأمامية من ايوانين يتوسطهما المدخل الرئيسي الذي يفضي إلى رواق طويل على جانبيه عدة غرف كبيرة ذات أقواس دائرية قائمة على ثمانية أعمدة حجرية اسطوانية كبيرة محجلة. تسند البناية من الخارج دعامات مستطيلة الشكل تمتد إلى حد النوافذ. وكانت للقشلة خمسة أبواب واسعة. لم يبق منها نتيجة الهدم بحجة حماية الآثار إلا بابين . باب المدخل الرئيسي المطل على شارع الاوقاف و بابان على الجهة الجنوبية الغربية أحدهما ( باب الخيالة ) و الآخر ( باب المشاة ) . تبلغ مساحة فناء القشلة 29000 م2 وهي بطابقيها مستطيلة الشكل مبنية بالحجر و الجص، وتحتوي على 24 قاعة فسيحة إضافة إلى اثنتي عشرة غرفة. تستند هيكلها على أعمدة عملاقة و أقواس و قبب تؤدي إلى رواق بديع الطراز ذات أعمدة مربعة في الطابق السفلي ، واسطوانية في الطابق العلوي . تمتاز أقواسها بأنها مدببة و متعانقة. أصبحت القشلة بعد الحرب العالمية الأولى مقرا من المقرات العسكرية للفرقة الثانية ( مقر الفرقة الثانية ، امرية موقع كركوك، جمعية المحاربين القدماء، الأنضباط العسكري ،الحسابات العسكرية ،المستودع الطبي ، المحكمة العسكرية الدائمة للفرقة العسكرية الثانية. (كان لكاتب المقال شرف اداء خدمته الالزامية في الجيش في المحكمة العسكرية وفي هذه البناية الاثرية الفريدة.).

بابا كور كور وفتوى ضد الانكليــــز

 لايحلو الكلام عن كركوك، دون التحدث عن باباكوركور. اكتشفت اللعنة ( النفط) في كركوك عام 1927، حيث انفجرت البئر الاولى في باباكوركور. استمر النفط يتدفق بارتفاع ثلاثين مترا طيلة اسبوع كامل. ومن يومها لم يتوقف تدفق دماء العراقيين التي باتت ارخص من سعر التراب بسبب هذه اللعنة السوداء. أنني اكره هذه المادة اللعينة الخسيسة،وادعو الله ان يجفف منابعها وتدفقها ويزيل عنا لعنتها.لقد عاش اجدادنا الاف السنين من دونها، ونحن ايضا نستطيع ان نعيش من دونها، اما الويل فللاخرين الذي وضعوا بيضة تكنولوجيتهم ومستقبل حضارتهم في سلة هذا السائل الاسود الكريه. لقد بنى ابائنا واجدادنا اعظم الامبراطوريات من دون النفط ودولاراته ومؤامراته وقيمه. الامبراطوريات التي اشاعت على العالم القيم الاخلاقية السامية والقيم الانسانية النبيلة وقيم الفروسية. فماذا صنعت حضارة النفط لنا؟!!

على أية حال، اكتشف النفط وتدفق وبدأ الانكليز بسرقته دون ملل، و العراقيون ينظرون في وجل.

في مرحلة العمل والاستكشاف، رفض التركمان والاكراد والعرب، العمل في شركة نفط العراق، لآن العمل مع ( الكفار) حرام، حسب الفتاوي التي أصدرها أحد رجال الدين في ذلك الوقت. ومن الطريف ان الانكليز كانوا لايقبلون توظيف المسلم، التركماني او الكردي أو العربي لوحده بل كانوا يطلبون منه ان يجلب معه ثلاثة اشخاص آخرين ، اخوانه او اصدقائه او اقاربه ليتوظفوا معه!!. ومن أجل كسب عقول الكركوليين وقلوبهم، قاموا بحيلة انكليزية حاذقة لتنفيذ هذا الكسب. نظمو مقاولة عمل رست على أحد وجهاء كركوك، السيد (غ،ك) لنقل تلة قريبة من المنشآت النفطية التي يعملون فيها، الى منطقة تبعد حوالى 150 مترا عن موقع التلة بحجة انها تعيق عملهم. جمع المقاول 200 عامل من التركمان والاكراد والعرب،. بدأ العمل بجد وهمة. وفي احد الايام طلب المشرف الانكليزي على العمل مستر لويس من المقاول مضاعفة العمال، وطلبوا منه أن يعمل على توظيف أبن أو شقيق رجل الدين الذي اصدر الفتوى، مراقبا للعمال وبضعف الاجور. نجح المقاول في تعيين ابن رجل الدين بأجر يومي قدره ( نصف دينار) بحجة انه يعمل لدى مقاول مسلم وليس عند الانكليز!!!.

خلال شهرين وبعمل متواصل، نقل العمال تراب التلة كاملة الى الموقع المخصص. عندما جاء المستر لويس أستشاط غضبا، وصاح ان الموقع الذي نقل اليه التلة خطأ. جدد المقاولة وطلب تقل التراب الى موقع يبعد 150 مترا غرب الموقع الاول.  فرح العمال وزادت اجرة المراقب ( ابن رجل الدين) الى الضعف.وبدأت مظاهر التحسن المعيشي تظهر على العمال وعوائلهم واطفالهم. وفي احد خطب  يوم الجمعة ، شرح رجل الدين الذي اصدر الفتوى الاولى، بان فتواه السابقة لاتشمل اصحاب الكتاب وبما ان الانكليز هم من اصحاب الكتاب فأن طعامهم حلال لنا!! .وهكذا كسب الانكليز العمال ورجل الدين.

 

عـــرفة ومستر تيسو

على اية حال بدأت شركة نفط العراق بتنفيذ برنامج اسكان موظفيها فأنشأت مجمعين سكنيين راقيين، الاولى في منطقة عرفة سميت بـ ( كركوك الجديدة)، ( نيو كركوك) للعمال والموظفين من الدرجات الصغيرة والمتوسطة والثانية في داخل الشركة سميت مجمع ( بابا) لكبار الموظفين الانكليز وعدد محدود من العراقيين. اصبحت منطقة عرفة قبلة اهل كركوك ايام العطل والمناسبات والاعياد للتمتع بجمال حدائقها والتنزه في شوارعها النظيفة الجميلة والتسوق من مجمعات اسواقها. كان السكن فيها بالقرعة، ولكن العدد الاكبر خصص للاثوريين، وهذه من طبيعة الاشياء. ومن أشهر المدراء العامين الذين عملوا في هذه الشركة واليه يعود تنفيذ المشاريع السكنية وانشاء الحدائق والمنتزهات، هو المستر( تيسو) فرنسي الجنسية الذي احب كركوك وقدم لعمال الشركة خدمات جليلة. وهو الذي انشأ في العام 1954 ملعبا للكولف في منطقة بابا كور كور كان يضاهي ملاعب الكولف المقامة الان في الوطن العربي جميعا.

نكتفي بهذا القدر من زيارتنا لهذه المدينة العراقية الجميلة الفريدة الحزينة. المدينة التي كانت على مدى تاريخها الطويل حاضنة حنونة لأبناء العراق على مختلف قومياتهم واعراقهم وطوائفهم ومشاربهم. المدينة التي يعزف التركمان والاكراد والعرب والاشوريون والكلدان والارمن في شوارعها وبيوتها وازقتها ومدارسها ودوائرها سمفونية المحبة والاخوة.

كركوك مدينة عراقية، ولكنها ليست كبقية المدن في شمال الوطن وجنوبه. كركوك كتاب مفتوح القلب والعقل لكل عراقي أصيل. وينبغي على العراقيين المحافظة عليه بحدقات عيونهم وخفقات قلوبهم .