|
من
دفاتر ايام زمان
زيارة جديدة لمدينة كركوك
القديمة
وجدي
أنور مردان
ملاحظة : أستميح القارىء
الكريم عذرا، وأرجوه ان يتفضل بقراءة الملاحظة في الادنى قبل قراءة هذه السطور.
ملاحظة لابد منها: 1-
المقال هو بعض من ذكريات كاتبه. الذي ولد وترعرع وعاش شطرا
مهما من حياته فيها.. 2-
المواقع التي سترافق
الكاتب بزيارتها حقيقية والشخصيات التي ستتعرف عليها عاشت في هذه المدينة، ذابت
فيها عصارة شبابها وسكبت على جنباتها دموع كهولتها وتنهدت من اعماقها أهات
شيخوختها. أسمائها حقيقية الا قليلا، كي لانسبب احراجا لأولادهم وأحفادهم. 3-
تبدأ الزيارة من
بداية شهر تموز 1958 وتنتهي عند اكتشاف النفط وبدأ شركة نفط العراق ( آي. بي. سي)
بالعمل. 4-
يعود الفضل الى ايقاظ هذه الذكريات من سباتها
الى الاخ الاستاذ الكاتب نصرت مردان، وله خالص الشكر والامتنان. 5-
انها كتبت من الذاكرة، ولم يتسنى للكاتب الرجوع
الى الهوامش والقصاصات التي دونها على مدى عقود لبعدها عنه 7000 كيلومتر. 6-
ان كانت للغربة من فضل فأن فضلها الوحيد، هو انها تجعلك تعيش
في الوطن، وانت خارج الوطن. وكلما طال البعاد كلما انحشرت في ازقته وحاراته. في
الوطن لاترى الوطن. في الغربة يتحول الى لوحة بانورامية،تعيش فيه ومعه ومن أجله.
تشاهده في حدقة العين كلما رمش العين
وتجده في القلب كلما نبض القلب. 7-
يلاحظ القارىء الكريم خلو بعض الكلمات من اداة التعريف، لأن
اللغة التركمانية خالية منها. هذه الزيارة، نتاج
قصاصات و ملاحظات كتبت على هامش الزمان. علاها الغبار ولفها النسيان. سكب القلم في
زواياها دموعه، كلما جاش القلب حبا و عشقا، وكلما انقلبت الافراح اتراحا. ذكريات
قفزت من تحت شواهد اندثرت، وشواخص أزيلت عن سابق قصد وترصد، من أجل اغتيال التاريخ
وطمس الهوية. شواهد حفرت اخاديد الالم في قلوب المحبين، واينعت شقائق النعمان على
صدور الشهداء. رؤية الشواخص الشامخة، تؤرق أشباه البشر. يخالون
ان قطع الرأس وفقء العيون، يقطع الحوار اليومي الصامت، بينها وبين الازهار
والانهار.بينها وبين العيون التي ترنو مع اشراقة الشمس
وتهجع مع مغيب القمر. قصاصات وكلمات استيقظت بعد طول الضجر ،انبعثت
بعد سبات عميق، كاد ان يصيبها الخدر . تنفست الحياة مع عسعسة الصبح لتحكي سطرا
واحد من قصة مدينة الاحزان والشجن حجرا فوق حجر.
كركوك لاتتعب ولا تضجر
من احتضان، كل نسمات العراق، كل شقائق النعمان وكل حدائق الريحان. كركوك، الوردة
التي عشقتها قبل أن يلد الزمان وقبل ان تولد الاحلام وينظم لها الشعراء نشيد
الاحزان وقوافي الاشجان. لاأدري لماذا، كلما
ألمت بهذه السيدة الجميلة محنة، وكلما طمع بحسنها وجواهرها الطامعون، تذكرت
الاسطورة التي رواها لى أبي في ليلة شتاء قارس وهو ينظر الى فاكهة الشتاء تتلظى في
المنقلة. حاول ان يجمع الدفء الذي يسري فى اوصاله. أتكأ على الحاجز الرخامي
المنحوت، تنهد وأسترسل كانه يطلب ان ننحت ما يروي على متكأه. حفرت هذه الاسطورة
أخدودا عميقا في وجداني منذ الصغر. تستيقظ كلما ألمت بهذه السيدة الوادعة الانيقة، محنة!! وتنتفض الى الذاكرة
كلما حاول اغتصابها طامع أثيم. تقول الاسطورة: في قديم الزمان. قدمت اسرة كبيرة من الاسر
الرحالة.. لم يكتب تاريخها، ولم يدون في الصحف اسمها. سكنت على سفح تل على ضفاف
نهر هادر. رمت الاسره اثقالها وفرحت لتوفر الماء والكلأ لمواشيها. أسندت ظهرها على
ثالث التلال المطلة على النهر. استقرت وطاب لها العيش في أرضها الجديدة. أراد رب الاسرة أن يؤسس
على الارض الجديدة، قرية. جمع اولاده ،شاورهم في الامر. استحسنوا الاقامة. قسمهم
الى اربع مجموعات. أمر أن يسيركل مجموعة
مسيرة ربع يوم بالاتجاهات الاربع. تضع كل مجموعة علامة حيث تصل. أنجز الاولاد
الامر. طلب الاب في اليوم التالي المباشرة بايصل العلامات بسورمن الطين. ليكون
اساس قريتهم. فقبل أن يباشر الاولاد بالعمل. انفرد الاب بأبنه البكر وأسر له سراً. ذهب الاولاد لتنفيذ العمل. حفروا الاساس لبناء
السور. وقف الاخ البكر وطلب من اخوته، طبقا للتقاليد وأمر والدهم، أن يختاروا
أحدهم لينثر دمه على الاساس قرباناً للالهة ثم دفن جثة الذبيح في أساس السور. أجروا القرعة فوقعت على
شقيقهم الاصغر. بكى الطفل وألح في البكاء والتوسل . رق قلوب اشقائه وحنت. احتار
الاخ الكبير ماذا عساه أن يفعل؟! وفيما هو غارق في التفكير واذا بشخص غريب قادم
نحوهم من بعيد. انتفضوا . وكأن القادم هبط هبةً من السماء. هجم عليه الاخوة.
ذبحوه!! نثروا دمه على الطين المهيأ لبناء الاساس. دفنوا جثة الغريب في الاساس
وبنوا عليها. فرح الاب لانجاز أولاده
ما أمرهم به، ولكنه اندهش وأغتم لعودة ابنائه جميعا سالمين دون نقصان. سألهم بألم وحزن وبحدة، ومن الذي دفنتموه في
الاساس؟!!. أجاب الابن البكر: شاهدنا غريبا قادما نحونا،
فذبحناه ودفناه في الاساس بدلا من اخينا الصغير الذي وقعت القرعة عليه. بكى الاب بكاءً مريرا
وحزن حزنا شديدا. ماذا بك
ياأبي؟ قال الابن البكر، لقد بنينا لك السور ورجعنا اليك سالمين !! قال الاب: يا بني بفعلكم هذا وهبتم خير هذه
المدينة للغرباء ستشقون وتتعبون ويجني الغرباء ثمار جهدكم ويحسدونكم ويحاولون
طردكم منها!! سألني شقيقي: كيف كانت
كركوك عندما ولدت؟! ولدت قبل عشرة أيام من
ذبح كركوك ياشقيقي. في الشهر الذي اغتصب فيه اشجارها، وبالدم صبغت شوارعها ،
وبالحبال سحلت شبابها. ولدت في الشهر الذي كانت كركوك تستعد لليلة عرسها. ـ وكيف كانت كركوك في
ذلك الزمان؟ سألني كمن يريد ان يستنطق التاريخ. قلت له سنقوم غدا
بزيارة المدينة الحزينة، وأروي لك بعضا من قصصها وذكرياتها الجميلة. عبرنا شارع( الملك
غازي)- شارع الثورة. باب بغداد، حيث نقطة السيطرة كانت عند حافة بناية المحافظة
الحالية. وما بعدها كانت خارج حدود بلدية كركوك عام 1958. في احد جانبيه بنيت (
مليك خستخانه سي) المستشفى الملكي العام، ثم المستشفى الجمهوري. شارع غازي كان أحد
معالم كركوك، يمر زوارها تحت ظلال اشجار الليوكالبتوس الشاهقة كأنها تريد النجوم.
الحدائق المزهرة المسيجة باشجار الدفلة الدافئة في وسطه. . زرعها في الثلاثينات من
القرن الماضي، أعظم رئيس بلدية شهدته كركوك وهو المرحوم عبد المجيد اليعقوبي. هذا
الرجل كان مولعا بالحدائق. حول المدينة الى حديقة غناءة سنزورها جميعا خلال
جولتنا. أوياخا-
الصوب الكبير ويوم القيامة
اتجهنا الى ( أوياخا)-
الصوب الكبير، ولابد لنا من عبور الجسر الجديد،( ينكي كوبري). رغم بنائه قبل أكثر
من نصف قرن. وقفنا عند مدخل الجسر.
تنهدت. رجعت بي الايام الى نصف قرن خلت. في الجنب الايسر بناية سينما الملك غازي
الشتوي وفي الجانب الايمن الصيفي. شاهدنا فيهما اجمل الافلام الامريكية والهندية
والعربية تعرفنا على الكلمات والجمل الانكليزية ( هاندس أب) وكنــا نلفظها ( هانز
أب) وكنا نسمي بطل الفلم( اوغلان)- الولد والهنود الحمر المساكين (خائن). هكذا
علمتنا افلام هوليوود، فالولد ومن معه اخيار والهنود الحمر والعصابات ومن معهم
اشرار. معنا أو ضدنا، هكذا تكلوا وعلموا وثقفوا. وشاهدنا فيهما أو في سينما
العلمين او سينما الحمراء ، لأول مرة افلام الطرزان جون ويسمولر، وشزام وفلاش
كوردن والمملكة تحت البحار وقاهر الجواسيس والملاك الطائر وفيلم أم الهند وصفقنا
لمشهد الدعاء وقراءة القرآن فيه . أما أغرب الافلام قاطبة و الذي أصبح حديث الرجال
في كركوك على مدار عام كامل .لم تشهده النساء المسكينات ولم يصدقن روايات ازواجهن،
وقسم منهن اعتبرن بان بعولهن قد مسهم الشيطان . لا اتذكر اسم الفيلم على وجه
التحديد، ولكنه كان من أفلام من ذوات ( الابعاد الثلاثة)، ( ثري دايمنشن). عرض في
سينما الملك غازي الصيفي عام 1956. تم تزويد المشاهدين، مع كل تذكرة، بعوينات
ورقية، حمراء وزرقاء . طلب مشغل الفيلم في
منتصف العرض من المشاهدين لبس العوينات. ففعل المشاهدون. ثم تعالت صيحات الرجال،
هذا يصيح بالتركمانية ( أي هاوار قيامت قوبتي)
أي انه يوم القيامة، وأخر يصيح بالكـــردية ( كوره شيطان درجو)، أي خرج
الشيطان والاخر يصيح بالعربية ( الحكوني راح أموت). وهناك من يتعوذ من الشيطان
الرجيم. شاهدنا في اللقطة
الاولى هيكل عظمي لأنسان يحمل مجرفة، يرفع فيها كمية كبيرة من العقارب والحيات
والحشرات الميتة ويدفعها نحو الجمهور. يعتقد المشاهد بأن الحشرات ستدخل في فمه..
ثم لقطة اخرى لمعركة حربية بالمدافع والبنادق، الطلقات التي يتراشق بها المتحاربون
تتجه صوب المشاهدين. ساد الهرج والمرج في قاعة السينما. هذا يلتفت يمينا وذاك
شمالا وأخرون يضعون رؤوسهم في احضانهم لتلافي أكل الحشرات والعقارب والحيات
والاصابة بالطلقات والهاوانات. أما اجمل لقطة، فكانت اللقطة التي يقبل فيها بطل الفيلم الممثلة، وكأن المشاهد هو
الذي يقبلها . هدمت سينما الملك غازي
في العام 1957 من القرن الماضي، شييدت بناية مصرف الرافدين الحالية مكانه. أما
السينما الصيفي فأصبح مدخلا لشارع الكورنيش الحالية بالقرب من جامع السيد عبد
الرزاق الساعاتي.
وقفنا في منتصف الجسر
الجديد( ينكي كوبري). نظرت الى نهر ( خاصة صو)، الذي لايجري فيه ماءً كثير أكثر من
الدمعتين الساخنتين، اللتين كادتا ان تحرقا خداي من فرط حرارتها وسخونتها كسخونة
احجاره العطشى. تسمرت مقلتاي على اطياف ( داش كوبري)- الجسر الحجري. تجسد امامي
ببياضه المهيب. خلت بان التاريخ يأبى ان ينسى جريمة هدم هذا الاثر التاريخي. كم
تركماني عانق خاله الكردي على هذا الجسر، وكم عربي عانق عديله أو نسيبه التركماني،
عند مدخله وهويحمل له الكمأة ( الجمة- دونبلان) من الحويجة. وكم آثوري تأبط ذراع
صديقه الكردي وهم يعبرونه ليأكلوا الباجة الكركولية
اللذيذة قرب ( خورما خاني ). لم أعثر على التاريخ الدقيق لبنائه. يعتقد انه بنيَ
قبل بناء القشلة ، مقر الجيش العثماني في (اوقاف جاده سي)- شارع الاوقاف عام 1863.
وقيل قبل ذلك. على اية حال، المهم أنه كان بناء فريدا، بنيَ من الحجر والجص
الممزوج بالنورة وبياض البيض. ولم نستطع في حينه ان نخمن او نحسب كمية البيض التي
استعملت في بنائه!! احتضار
داش كوبري
في العام 1954، امطرت السماء لمدة 10 ايام بدون
انقطاع. فاض نهر (خاصة صو) فيضانا هائلا ومرعبا. تسبت المياه الى الجانب الايسر
والايمن من النهر ومن فوقه وجرفت العين الاول
من جانب الصوب الكبير مقابل باب القلعة المسمى ( ناردوانلار قابسي) باب
السلالم. وسميت هذا الباب بهذا الاسم لأن الصعود الى القلعة منها كان بواسطة
الســلالم ( الدرج). الجانب الايسركان مخصصا للنزول والايمن للصعود. لبس أهل كركوك الحزن
لهذا المصاب واعتمروا الغم. تطوع خيرة البنائين فيها وفي مدينة أربيل، لاعادة بناء
الجزء المتضرر، بنفس المواصفات. وعلى رأس هؤلاء البنائين الاشراف الاسطة ( شكر
فيلفان) أو ( شكر بهلوان) . كان اسطة شكر كرديا متزوجا من سيدة تركمانية. مشهود له
بالكفاءة والفن في البناء. بنى لنفسه بيتا من ثلاثة طوابق قرب تكية الشيخ جميل الطالباني في محلة الامام
قاسم. اصبح اعجوبة زمانه في كركوك. شد الناس الرحال لمشاهدته والتفرج على فنه
المعماري، مازال انقاضه تحكي قصة مجد غابر. كذلك بنى قصر القاضـي( قازي ئه وي) في
نهاية شارع أم الربيعين و بداية (ملا عبد الله تبه سي) ، يفصل بينهما جسر صغير كان
نهاية حدود بلدية كركوك لغاية العام 1959. كان وقع بناء بيت القاضي، بطوابقه
الثلاث وغرفه الثلاثين، ومساحته الالف متر مربع، ربما كوقع بناء ناطحة السحاب في
كركوك في هذه الايام العصيبة. ماطلت المتصرفية (
المحافظة) في الموافقة على اعادة بناء الجزء المتضرر من الجسر، وبقيت لغزا محيرا
لأهل كركوك ومحبيها. الى ان حدث فيضان آخر في السنة التالية وجرف عينا آخر من
الجهة الثانية. وتقرر هدمه. يبدو ان قرار هدم ( داش كوبري) لم يخلو من الابعاد
السياسية. الذكريات، توقظ عند
الانسان، احيانا، شعورا لااراديا للبكاء ورغبة جامحة للصراخ، وحنينا مؤلما لمراتع
الصبا والاهل والخلان. تكرمت بلدية كركوك
ببناء سلمين من الاسمنت، على طرفي النهر،بالقرب من الجسر المجروح المثلوم. لعبور
اهل المدينة الى الجهة الثانية. ظل الناس ولمدة أكثر من ثلاثة سنوات يعبرون نهر
خاصة صو الى صوب القورية باتجاه شارع المجيدية مشيا على الاقدام في فصل الصيف،
وعلى ظهور الحمالين والبغال في الشتاء. استغل الباعة المتجولون الوضع وفرشوا بضاعتهم
على جانبي الطريق في قاع النهر الجاف، بحيث اصبح من الاسواق المشهورة وسمي بـ (
جاي بازاري) . مشاهد طريفة كانت تحدث في هذا السوق العجيب. من اغربها تجمع الناس
لمشاهدة السادة الرفاعية أيام الثلاثاء حيث يتركون الحيات والعقارب تتلوى بين
الناس دون ان تؤذيهم. ويقومون بالعاب الدروشة، يدخلون الشيش في خدودهم ويتمتمون
التعاويذ. كان الناس يصدقونهم لكونهم من السادة النعيمية اصحاب الكرامات و(شاربين
طريقة). بعد العرض المثير كانوا يوزعون خرقا خضراء مفيد ضد الحسد وتمنع الاصاية
بالعين،ويبيعون صور ملونة تمثل كفا وفي وسطه عين ومكتوب فوقها الحسود لايسود، لقاء
عانة واحدة ( العانة كانت تساوي 4 فلوس). بعد انقلاب 1958 زاد الزعيم عبد الكريم
قاسم العانة فلس فاصبحت 5 فلوس . لم تتوقف مأساة داش
كوبري، بل جرت محاولات خفية عديدة لـهدم (
القشلة) البناية الاثرية التي يعود بنائها الى القرن الثامن عشر لولا تدخل بعض
الخيرين العرب والتركمان والاكراد. ولكن المأساة الحقيقية الكبرى هي جريمة محاولة اغتيال
قلعة كركوك بعد عذبوها ونكلوا بها وهجروا اهلها التركمان المسلمين والمسيحيين
بالقوة ، ثم هدمت شواخصها وازيلت معالمها الاثرية المهمة، التي كانت تعود الى
قرون. ففي الوقت الذي تنفق الدول الملايين للمحافظة على تراثها وآثارها، فأن
الحكومات المتعاقبة أرادت ان تنتقم من هذه المدينة بازالة آثاراها وطمس معالمها.
فأصبحت القلعة التي بناها نبوخذنصر وحجز فيها اربعاً من انبياء بني اسرائيل،جسدا
بلا رأس. لنا عودة اليها لاحقا. عبرنا الجسر الجديد،
الى (أوياخا) الصوب الكبير او بالاحرى الجانب الاخر. وهو الجزء القديم من المدينة. بويوك
بازار- السوق الكبير وسلسلة الخانات
وقفنا عند مدخل ( بويوك
بازار) السوق الكبير. نظرت يمينا ويسارا. ففي الجانب الايمن، كان يجلس باعة
الطعام، يرصفون قدور الطعام، بعد الساعة الرابعة عصرا، موعد عودة عمال المسطر
وعمال البناء من كفاحهم اليومي. يتقوتون ما لذ وطاب من الطعام على الهواء
الطلق.وكذلك زوار المدينة الذين يقضون ليلتهم فيها. من اشهر بائعات الطعام في هذه
السلسلة،كانت سيدة كردية تدعى ( كلبهار). ومعناها باللغتين التركمانية والكردية (
وردة الربيع) ولكن السيدة اياها، كانت اسما على غير مسمى، فكانت تشبه، صبير الصحراء. ولكن يقال أن طعامها كانت من
اشهى المأكولات، وخاصة دولمة ورق العنب، فبدلا من اللحم كانت تستخدم ( لية الخروف)
أي شحمه. منافستها التركمانية كانت تدعى ( هيبت قزان) اشتهرت ببيع ،كبة الحامض.
وكان هناك باعة التمن والمرق والكباب والتشريب وغيرها. الاسعار الاطعمة، كانت: ماعون دولمة (20) فلسا. ماعون كبة حامض مع خبز
بـ (24) فلسا . التمن والمرق، ( الرز زائدا المرق، طبق اليوم، مع قطعة لحم وقرص
خبز) بسعــر (40) فلسا وكان هذا الطبق بمثابة خمس نجوم. أما الكباب والانواع
الاخرى فكانت تتراوح بين (14-20) فلسا. الجانب الايسر من الجسر،
وعلى امتداد سفح القلعة الغربي كان سوقا للدواجن والحمام وعلى شيش ( الديك الرومي)
والبيض. وكان قريبا من كراج الحويجة، مقر تجمع والتقاء القرويين القادمين من
الحويجة والرياض ويايجي وتزة خورماتو ودوزخورماتو وبشير وتركلان. يجلبون منتجاتهم
الزراعية والدواجن والزبد الحيواني، يبيعونها ويشترون ما يحتاجون ويتلذذون بأكل
الكباب، وتسعد نسائهم بشراء بعض قطع القماش ذات الالوان الزاهية. على يسار مدخل السوق،
خان كبير، مرعب، يسمى كومور خاني- خان الفحم، كان سرا من الاسرار. كان محظورا
علينا التقرب منه او المشي بمحاذاته، لسبب لم نكتشفه الا بعد سنين طويلة. حيث كان
كومور خاني- خان الفحم هذا، بؤرة للحشاشين. هدمت عام 1960 وشيد مكانه سوق الاقمشة
الحالي. رشه
كوله رضا وكومور خاني
من أهم معالم هذا الخان
كان مقهى المرحـــوم ( رشه كوله رضا ) رشيد القصير. كان بهي الطلعة، وجهه في
استدارته كالقمر ليلة البدر، يزينة لحية بيضاء مشذبة، سريع الخطى ، كان يرمي جسمه
الى الامام، كأن رأسه يسبق رجليه. ، منحني الظهر قليلا، قصير القامة مربوعا،
ويبدوا أن كنية ( كوله) اي قصير جاء من قصر طوله. نظيف الملبس، تركماني الزي،
الصايا والزبون والدميري والجراوية. كان يشبك يديه خلف ظهره عندما يمشي، يسلم
بحركة سريعة من يده اليمنى، أكثر تحياته كان ( مرحبا ده ده) بمعنى ( مرحبا بابا) .
كلما شاهدت صورة للكاتب الامريكي آرنست همنغواي، تذكرت المرحوم رشه كوله رضا، ربما
لتشابه ملامحهما. كان رشه فنانا شاعرا، اجاد المقام العراقي والخوريات التركماني ،
تدرب على يديه نخبة ممتازة من المغنين التركمان امثال عبد الواحد كوزه جي وعبد
الرحمان قزل آي وممد قلاي وغيرهم. سجلت له الاذاعة التركمانية في بغداد عددا من
الاغاني. صوته كان عميقا، قريب الشبة من أصوات مغني الجاز الامريكية ارمسترونغ. على
أية حال، كان المرحوم رشا نموذجا فريدا قائما بذاته. من طرائفه. انه كان من اصحاب
الكيف، ففي احد الايام وهو سكران، مر بمجموعة من الاكراد يحملون نعشا لدفنه.
شاهدوا صاحبنا بوقاره وبياض لحيته وجراويته النظيفة ظنوه ولي من أولياء الله
تعالى، رجوه ان يصلي على الميت. وافق وصلى عليه فبدلا من يكبر أربع مرات كبر 14
مرة وذوي واصدقاء المرحوم يرددون وراءه، وبعدالصلاة توسلوا اليه أن يلقن الميت بعد
الدفن. بدأ التلقين قائلا باللغة العربية: سيأتيك الان ملكان كريمان يلعنون سنسفيل
اهلك ويخرجون كل قطرة حليب رضعته من صدر امك ثم اكمل التلقين. شكره اهل المتوفي
على احسانه. عندما سأله زملائه، لماذا فعلت ذلك وانت سكران. أجاب ( لوكان خوش آدمي ما دفع الله سكرانا ليصلي عليه
ويلقنه). كركوك
بحكم موقعها الجغرافي، نقطة الوصل بين شمال العراق وجنوبه، مركز تجاري مهم.لذا
أصبحت محط القوافل التجارية، الكردية من السليمانية واربيل والقوافل العربية من
بغداد والبصرة والموصل. بالاضافة الى مركز تسوق الفلاحين والمزارعين، من الاقضية
والنواحي والقرى المحيطة بها، لبيع منتجاتهم الزراعية وشراء السلع التي يحتاجون
اليها. ولاجل
راحة هذه القوافل، شيدت الخانات المتخصصة التي كانت تقوم مقام الفنادق ليرتاح فيها التجار والمرافقين للقوافل طيلة مكوثه في المدينة. وكانت تحتوي ايضا على
اصطبلات لايواء دوابهم والاعتناء بها. وخزن السلع ،إضافة إلى دورها في عقد الصفقات
التجارية بين تجار القوافل المختلفة، و مسرحا للقاء التجار القادمين من المدن
والبلدات البعيدة حيث يتجاذبون أطراف الحديث عن الحالة الاجتماعية والثقافية
لمدنهم وبلداتهم، وكانت جلسات السمر هذه وسيلة لتقارب الثقافات المختلفة. الخانات
في كركوك كانت تتميز بالتخصص، لذلك سميت خاناتها باسماء تلك السلع مثل: (خورما
خاني ـ خان التمر ـ ويوغورت خاني ـ خان اللبن ، كومور خاني ـ خان الفحم..الخ) .
ومن اشهر الخانات، (بلدية خاني - خان البلدية، كمرك خاني ـ خان الجمارك، أسعد
بك خاني، كلباني خاني ، كاورلر خاني ـ خان المسيحين ،جقور خان ، ده ده حمدي خاني ،
أوقاف خاني، صادق صراف خاني ، سيدعمر خاني ، قورية خاني، قازي خاني). يقابل كومور خاني، سوق
( قزانجيلار بازاري) أي سوق الصفارين. وبالقرب منه ، (هنديلر خاني ـ خان الهنود ) وهو من الخانات المشهورة في كركوك. يقع هذا
الخان في السفح الغربي من قلعة كركوك عند مدخل (بويوك بازارـ السوق الكبير) . يعود
تاريخ بنائه إلى عام 1875 . وسبب التسميته هو الزوار الهنود للعتبات والاماكن
المقدسة في العراق، حيث اعتادوا الإقامة فيه عند وصولهم إلى مدينة كركوك. وبمرور
الزمن تحول الى سوق تجاري لبيع الاقمشة و الجوت و الادوات المنزلية. تميزت اسواق كركوك بالتخصص، فلكل صنعة او مجموعة من السلع
سوقها الخاص مثل: سبزه جيلر بزاري- سوق باعة الخضراوات- بلانجلار- حلوه جيلر ،الحلويات- دنكجيلار- زورناجلار- عربانجيلار-
التونجيلار، الصاغة- داميرجلار، الحدادون- قزانجلار، سوق الصفارين- بامبوغجلار،
باعة القطن-. أما سوق الصفافير(
قزانجيلار بازاري) فهوعالم قائم بذاته. يستقبل الزائر او المشتري على انغام
المطارق والشواشيك، التي تنهال على النحاس والصفر بتناسق فريد، كتناسق عازفي الفرق
السيمفونية. لا أدري لماذا كلما استمعت الى سمفونيات جايكوفسكي، اتذكر هذا السوق
ذي الرائحة الخاصة والنكهة الفريدة والنشيج الاصيل. الضجيج والاصوات المنبعثة من
كل مكان لايمنع ولايحجب قدرة الصفارون التحدث فيما بينهم والقاء النكت والنقاش
والمساومة بكل يسر ودون أي زعيق او صياح. وعلى أنغام المطارق والشواشيك، كان عدد
من الاطفال في داخل الدكاكين ينهمكون بتبييض وطلاء الاواني النحاسية،يقفون على على
قطعة من الكونية (جوت) واياديهم مسندة على الحائط يحركون جذعهم الاسفل يمنيا
وشمالا، كأنهم يرقصون رقصة الديسكو الصاخبة، ويجري التنظيف بفرك قاع الاناء او
الطشت النحاسي، بمسحوق خاص. لم أعثر على التاريخ
المحدد لبناء السوق الكبير ( بويوك بازار)، الشريان الحيوي لمدينة كركوك. سوق متكامل، مقسم بشكل منطقي الى اصناف المهن
والحرف. ما عدا تداخلات طفيفية. فمثلا هناك خانات متخصصة، اشرنا الى قسم منها، لعل
اشهرها ( خورما خاني) في منتصف السوق، الذي كان متخصصا ببيع التمر على مدار السنة
وبجنبه علوة المخضرات. و(خان صلاح الدين) قرب حمام الشفاء للرجال من أملاك عائلة
(كدك المشهورة). كان خان صلاح الدين مشهورا في خزن السلع للتجار و ببيع الجوز
الهورماني المشهور ببياض لبه وكبر حجمه، فكان هذا الخان قبلة الاكراد الذين كانوا
يزورون كركوك ويعتبرونه فندقا ذات خمس نجوم، مثل فندق هلتون هذه الايام،ومن الامور
التي كانت تثير اهتمامهم ويستمرون بالتحدث عنه كيف يمكن لشخص وهو واقف في مكانه
ويلف قطعة حديدية صفراء،فوق اسطوانه صغيرة معقوفة ( الحنفية) ليتدفق الماء زلالا.
فكان ذلك بالنسبة للقرويين من العجائب في بداية الخمسينات من القرن الماضي. على جانبي مدخل السوق،
تصطف الدكاكين التي تبيع المواد المنزلية والملابس الجاهزة والعطارية وبعض
الخياطين وكلما توغل الزائر أو المشتري الى داخل السوق يتضح التخصص. فيبدأ بسلسلة
من دكاكين بيع الاقمشة، اشهرهم دكان( حسو) ودكاكين ( يدي قرداشلار)، الاخوة
السبعة، وكانت الاقمشة تباع بالاذرع (80 سنتيمتر).. ثم تبدا دكاكين العطارين
ودكاكين بيع البهارات والبقوليات والزبيب والمكانس. لم اكتشف العلاقة الجدلية بين
المكناسة وبين والبهارات والبقوليات. ولماذا يعرض جميع هؤلاء الباعة المكانس
المصنوعة من خوص سعف النخيل مع البقوليات والبهارات؟!!. وبعدهذه الدكاكين تأتي
دكاكين القصابين ولعل ان اشهرهم كان السيد ( كوردة قصاب). كان كوردة قصاب
ديكتاتورا لطيفا، لاأحد يستطيع لمس ( لشة اللحم) مهما كان منصبه وموقعه رجلا أو
امرأة. يعرف زبائنه تمام المعرفة، يسأل زبون كلمة واحدة فقط: كفتة، بامية، تشريب،
كباب، وفي ضوء الجواب يستلم الزبون لحمه ويدفع ثمنه دون ان ينبس بحرف أخر. كان
عبوسا قمطريرا، لايضحك، ونادرا ما يتكلم، اعور العين، ذو صوت شجي. أمي لايقرأ
ولايكتب ولكنه كان من عشاق السيدة أم كلثوم، يحفظ جميع اغانيها عن ظهر قلب، و يحتفظ بمكتبة رائعة تضم تسجيلات لجميع
اغانيها،كان يسافر الى القاهرة خصيصا لحضور حفلاتها. قه
يساري بازاري- سوق القيصريــــة
في منتصف بويوك بازار،
ساحة مدورة، تقع في احد جوانبها سوق القيصرية المشهور وفي الجانب الشرقي من الساحة
(خورما خاني)- خان التمر، يقابلها من الجانب الغربي ( يهوديلر خاني) خان اليهود،
حيث كان دكاكين ومحلات اليهود قبل هجرتهم الى فلسطين المحتلة عام 1952. يقع
(سوق القيصرية ) التراثي الذي يقاسم سكان هذه المدينة الطيبة منذ اكثر من 170 عاما
حياتهم اليومية . على الجهة الجنوبية الشرقية من ( قلعة كركوك) .وقد شيد
السوق كمركز تجاري لتسهيل عمليات البيع والشراء لسكان المدينة . وقد
استقطب السوق أرباب الحرف المختلفة وزبائنهم. شغل دكاكينها : البزازون والعطارون و
النساجون و الخفافون و الخياطون وصباغو الأقمشة و الغزول و الأصواف و باعة
المفروشات وباعة الجوت وخيوط السوتلي وقد تم إنشاء السوق على مقربة من بوابة (السبع
بنات ـ يدي قزلار قابسي ) وهي إحدى بوابات قلعة كركوك . يتميز السوق كباقي الأبنية التاريخية والتراثية في كركوك، بطرازه المعماري
الجميل، بأقبيته و أقواسه و مقرنصاته و
زخارفه. تعلو سطح القيصرية قبب مسطحة في منتصف كل منها فتحة سقفية لأغراض الإضاءة
و التهوية ( بادكير) . أما الأقواس التي تزين مداخل السوق و دكاكينه فهي من الجص
أو من الرخام ( المرمر) يتميز سوق القيصرية بفن معماري فريد، لايسع المرء إلا
أن يقف مبهورا، أمام التقسيم الفلكي الرائع الذي اعتمده ذلك الفنان التركماني
المجهول في تصميم هذا السوق. فالدكاكيـــن الـ (360 ) الموجودة في السوق يرمز إلى
أيام السنة. و الشقق الأثنتى عشر المبنية فوق الدكاكين ترمز إلى عدد اشهر السنة .
و ثمة أربعة وعشرون ممرا يرمز إلى عدد ساعات الليل و النهار . كما أن مداخل سوق القيصرية
السبعة تدل على عدد أيام الأسبوع . ولم يكتف هذا المهندس التركماني العبقري، بذلك
بل هداه خياله الخصب إلى أن يجعل أحد المداخل السبعة تستقبل الشمس حين تشرق و آخر
يودعها حينما تغيب. اليـــهود
في كــركوك كان
التركمان يشغلون معظم دكاكين القيصرية وقسم منها شغلها اليهود، وبعد هجرتهم الى
فلسطين المحتلة، اشترى التجار التركمان محلاتهم مع محتوياتها. ومن الطرائف التي
حدثت في ذلك الحين، انه بعد أن استلم التجار المحلات التي اشتروها من اليهود أخذوا
يحفرون ارضيتها وأرضية المخازن الملحقة بها في الخانات القريبة، أعتقادا منهم بان
اليهود ربما قد نسوا ليرات ذهبية محفوظة تحت ارضية تلك الدكاكين. والسبب الاخر
الذي دفعهم الى ذلك هو عثور احد التجار تحت ارضية الدكان الذي اشتراه من اليهودي (
شاؤول موشي) على صندوق مليء بالعملة العثمانية المعدنية من صنف ليرة واحدة
وليرتين، فأعتقد اهل كركوك بانه عثر كنز من الليرات الذهبية واخذوا ينظرون اليه
نظرة حسد وارتياب والى حد هذا اليوم لم يصدق أحد رواية هذا التاجر الكركوكلي
المسكين ( الذي كان والد كاتب هذه السطور). اليهود في كركوك كانوا يتكلمون اللغة التركمانية
قراءة ويكتبون بها. ويلبسون الزي التركماني، الصاية والزبون والدميري والجراوية
المصبوغة باللون الازرق الفاتح!! كان يسمى بـ ( جويت). جلهم كان يسكن في ( يهوديلر
محله سي- محلة اليهود) التي كانت تقع في المثلث المحصور بين ( طوقات حمامي- حمام
طوقات، و دبه خانة محله سي- محلة الدباخانة و مصلى محله سي- محلة المصلى). أما
الكنيس – الذي كان يسميه أهل كركوك بـ( توراة) فكان يقع في قلب نفس الزقاق، تزينه
سور من التوراة مكتوبة بشكل بارز باللغة العبرية وباللون الازرق حول الايوان
الداخلي للمعبد. حاخام اليهود في كركوك كان رجلا محترما يدعى، على ما أتذكر (موشي
هبراعام) ، يلبس الصاية والزبون المقلم اللاماع ودميري. الحاخام موشي والتاجر
اليهودي ( شاؤول موشي) الوحيدين اللذين كان يسمح لهما بالجلوس في مقهى ( جوت قحوة
)، لأن من تقاليد هذا المقهى العريق، لايجلس فيه الا التجار واسطوات البناء وأعيان
المدينة. كان هذا المقهى، محل التقاء البنائين والخلفات
ومقاولي البناء والذين يشيدون الدور وأصحاب مقالع الاحجار وبيع الجص والحجر..الخ،
يجتمعون فيه مساء كل يوم لبحث شؤنهم وأعمالهم واجراء حساباتهم. وكان
من تقاليد هذا المقهى ايضا، هو عدم السماح للعمال بالجلوس في الايوان، داخل
المقهى، احتراما للاسطوات وعلية القوم. وأنما يجلسون على التخوت المرصوفة خارج
القهوة وفي الشتاء كان يسمح لهم بالجلوس في ملحق المقهى الملاصق له، ولهذا سمي
المقهى بـ (جوت قحوة) أي المقهى المزدوج. ملا أحمد والنار التي لاتخمد اوراها
كان
من الرواد الدائميين لمقهى جوت قحوة، المرحوم (ملا أحمد) .. والملا أحمد هذا كان
من أعمدة بويوك بازار وعنصر من عناصر بركته. يهابه الرجال قبل النساء، واذا مر من
أي زقاق، تتدافع النساء هربا الى داخل بيوتهن. اعتقد بعض الناس بأنه مجذوب. والبعض
الاخر عده وليا من اولياء الله. الملا أحمد، كان بهي الطلعة، نظيف الملبس، يلبس
دشداشة بيضاء في الصيف ،وأخرى سوداء في الشتاء وفي كلا الفصلين كان يرتدي معطفا
سميكا و يعتمر عمامة بيضاء ذات ذؤابة صغيرة من الخلف. كان يجيد اللغتين والكردية
والعربية بالاضافة الى لغته الام التركمانية. يحفظ اشعارها باللغات الثلاث. أحيانا
كان يتمشى في السوق جيئة وذهابا ، لايتحدث مع أي انسان طيلة يوم كامل. ومن تصرفاته
الغريبة أنه كان يقف على احد ابواب سوق القيصرية أو أمام جوت قحوة او أمام خورما
خاني. ينظر الى الامام بشكل مستقيم ويضع اصبعه ( البنصر) على اذنه ويفركه بشدة
ويقول بصوت يعلو تدريجيا، زززززززززز، اولماز، ززززز اولماز ززززززز، نه بي
زززززززز نه بي ززززززززز مايصير زززززززززززز مايصير. لايجرؤ احد من العابرين على
الاقتراب منه أو التوقف بجانبه او التعليق على مايفعل. أدعى البعض بأنه يتحادث مع
الجن والعفاريت ويمنعهم من فعل المكروه، والبعض الاخر اجتهد بأن بعض الامور تنكشف
له. الامر الذي كان يلفت النظر والاستغراب هو انه كان يتحدث بلغات مدينة كركوك
الثلاث، التركمانية والكردية والعربية. ألف رحمة على روحك ايها النموذج الكركوكلي
الاصيل، نموذج التآخي والاخوة والمحبة والشفافية. من عظيم مآثره رحمه الله، أنه
وقف وقفة مشهودة، في بداية شهر تموز من العام 1958 في وسط الساحة المقابلة لجوت
قحوة. نظر الى الناس بعيون زائغة حزينة، ورفع نظره الى السماء نظرة متوسل خائف
مهموم. ثم ادار جسمه كله ناحية ( ناقشلي مناره جامعي) - مسجد المنارة المزخرفة. حك
أذنه ببنصره كعادته، نطق بكلمات سريعة وبعصبية ظاهرة ، اجفل المارة واصحاب
الدكاكين ومعارفه.صاح زززززززز أتا ش، أتا ش، أتا ش، سونميان بر اتا ش. زززززز قان
قان قان جوق قان توكيلير ززززززززززز. انتابه حالة عصبية وهياج غير مسبوق، ارعب
الناس جميعا. وترجمة مقاله:( ززززز نار نار نار، النار التي لاتخمد أوارها زززززز
دم دم سيراق دم كثير). وبعده باسبوعين أي في 14 تموز، يوليو1958 وقع الانقلاب
العسكري. وعلى
ذكر مقهى (جوت قحوه ) يجدر بنا ان نتحدث عن دورالمقاهي في الحياة الاجتماعية
لمدينة كركوك في الخمسينات. كانت هذه للمقاهي مكان التقاء وتجمع الناس لشرب الشاي
والسمر وتبادل الاراء واجراء المطاراحات الشعرية، والتحدث في السياسة، يرتاده
المثقفون والتجار والحرفيون. وكان ثمة مقاه منها تنقلب إلى مسرح للحكائيين الذين
يروون قصص عنترة ابن شداد ،رستم زال، أمير ارسلان، أو كور أغلو، أو فرهاد وشيرين، أو يقرأون قصائد لفضولي
البغدادي واحيانا كانت تقرأ المقام والغناء التركماني والمقام الكردي.
أو يلعبون فيها الشطرنج والداما والطاولي
والدومنة ( الدومينو) والورق (كاغد ـ باباز). أهم ماكان يميز هذه المقاهي أنها كانت تتحول في
أمسيات شهر رمضان المبارك، الى اماكن فرح وسرور حيث يلتقي الاحباب والاصدقاء،
لاجراء المبارايات التي تسمى (صيني زرف )، وهي لعبة شبيه بلعبة المحيبس البغدادية،
ولكنها تختلف عنها في طريقة اللعب والادوات. هذه اللعبة يلعبها التركمان بشكل خاص
في ليالي رمضان. يلعبها فريقان، كل فريق يتكون من خمسة الى عشرة لاعبين، يترأسهم (
اسطة) بمعنى رئيس الفريق وهو الذي يحق له تضنيد الفناجين الصفر الاحد عشر في
الصينية النحاسية الصغيرة حيث يخبىء (الخرزة الصدف) تحت أحد الفناجين، خلف بطانية يرفعها بقية اعضاء الفريق ، بين
تهليل الحاضرين وغنائهم ونكاتهم. كانت تجرى مباريات كبيرة بين الاحياء المختلفة،
كمباراة سكان محلة (القورية) مع محلة (جاي) أو بين شباب محلة (جقور) و (زيوة
الكردية) أو بين شيوخ (أوجيلار) و (بولاغ) أو (بكلر)و (آخر حسين). كما كانت تقام
مبارات كبيرة بين شباب او شيوخ مدينة (كركوك) واصدقائهم واقرانهم من مدينة
(أربيل). وهذه كانت أقوى المبارات وأكثرها اقبالا للمشاهدة لانها كانت تضم مشاهير
اللعبة، ونظرا لمرافقة اشهر المغنين وقراء المقام والخوريات لفريقهم، للتشجيع
واضفاء اجواء الالفة و المرح والسرور، وخلال المبارات واوقات الاستراحة كانت توزع
على الحاضرين مختلف انواع الحلويات كالبقلاوة والزلابية و(كوبمة) – عوامات اولقمة
القاضي أو المحلبية. كما كانت تقام مبارات شعرية وقراءة المقام. كما كنات تجرى مثل
هذه المباريات بين شباب كركوك وأصدقائهم واقرانهم في الأقضية والنواحي القريبة لها
مثل: ، تازة خورماتو وداقوق، حيث يستمر اللعب حتى وقت السحور. وقبل اذان الفجر
تقام ولائم السحور لتناول القيمر والعسل و
التشريب والمشويات. وتجدر الاشارة الى انه كانت ثمة تقاليد اجتماعية مهمة كركوك،
فلم يكن الشباب الصغار يقتربون من المقاهي التي يرتادها الكبار أو معلميهم. من اشهر هذه المقاهي ، مقهى المجيدية ، أحمد آغا
- جوت قهوة- جرت ميدانى –- جاي خانه ي عاشور- سيد وهاب-
اسطه سعدى- برناو- التون كوبرى- ناقشلى
مناره- رشه كوله رضا- صولو قهوه- - دايى
نوري- دايى جليل. . الى
جانب المقاهي زخرت كركوك بالدواوين ( ديوه خانه) أقامها الوجهاء والميسورين وآهل
العلم والثقافة لتكون منابر للمناقشات السياسية والثقافية والاجتماعية والادبية.
أمتاز أصحابها بالسخاء والكرم وحب الضيافة. ومن أشهر الدواوين في كركوك، على
الإطلاق ديوان عبدالقادر أفندي الذي اشتهر بكرمه. وكذلك ديوان سيد أحمد خانقاه (
من الاشراف الاكراد). يقال أنه حضر الى عبد القادر أفندي، في أحد الأيام اثنين من
عمال البناء لقياس ديوانه لأن عمه درويش أفندي يود بناء ديوانا على غراره.
وهنا طلب منهما مايلي: قولا لدرويش أفندي أن عليه أن يقيس سعة (الصينية)التي
أكرم بها ضيوفي بدلا من أن يقيس مساحة ديواني. ويقال ايضا أن سيد احمد خانقاه كان
يطعم 500 شخصا في ديوانه كل يوم. كانت
أبواب الدواوين مفتوحة على مصراعيها طوال أيام رمضان المبارك للافطار وتناول
العشاء بعد أداء صلاة التراويح. وصل عدد الدواوين في كركوك الى 62 ديوانا ومن
اشهره: ديوان عبدالقادر أفندي،المفتي درويش أفندي، ،ديوان قيردار ،ديوان صالح
اليعقوبي، ديوان عمر آغا وأحمد آغا ، ديوان خورشيد آغا ( كردي) ، ديوان الحاج علي
دميرجي، ديوان علي بك والحاج حسن آوجي، ديوان كمال زاده لر، ديوان الحاج رضا
بيرقدار، ديوان بويوك حافظ ملا محمد ، ديوان بكر أفندي قايتاوان ، ديوان خادم
سجادة ( أكراد )، تكية وديوان نجيب الطالباني ( اكراد)، ديوان ملا رضا واعظ، ديوان
عزيز مردان آغا. و في صوب القورية كانت اشهرها الدواوين ديوان عائلة النفطجي :
صالح باشا،عمر بك، ناظم بك ،حسين بك. وديوان عائلة صاري كهيه:عزت باشا، خليل
بك،عبدالرحمن بك. وديوان عائلة الهرمزي:بهاء الدين أفندي، الحاج حبيب آغا ،الحاج
مصطفى بك ،الحاج عاشق أفندي . وديوان سيد احمد خانقاه ( أكراد). وديوان عائلة
أرسلان : صديق بك،الحاج مصطفى بك. ديوان عائلة تكريت ( العرب):علي بك، وابراهيم بك
وقادر بك وغازي بك ومظهر بك. كانت هذه الدواوين منبرا ديمقراطيا حرا لتبادل الاراء
يرتادها وجهاء البلد بغض النظر عن قومياتهم واديانهم. لمناقشة وتبادل الاراء حول
متخلف الموضوعات الثقافية والاجتماعية والسياسية والادبية، وكانت تجرى فيها
مطارحات شعرية رائعة بين الشعراء التركمان والاكراد. محلة بريادي ودايي حزقيل
دلفنا
الى بريادي محله سي- محلة بريادي. مرتع الصبا ونهر الذكريات التي حفرت أيامها
عميقة بين تلافيف القلب، ونبضات العين، وخفقات الحب، وارتعاشات النشوة. وقنا أمام
قاضي خاني- خان القاضي. على بعد أمتار قليلة منه، تنفست الحياة، على يد القابلة الكردية
(داية رعنة) التي احببناها من اعمق اعماقنا، وبقينا اوفياء لها نزورها في الاعياد
ونقبل اياديها، الى ان توفت الى رحمة الله
عام 1973 أسكنها فسيح جناته. قاضي
خاني، شاخ وتهرأ. تقطعت اوصاله. سقطت اسنانه. بترت اذرعه وارجله. أصبح اطلالا،
يستجدي من ينثر انقاضه وترابه في جنبات كركوك الاربع. وقفت احاكيه. عله يرجع صدى
الطفولة المخزون في جوفه. عله يقرأ أبياتا من نشيد العمر الذي فني. نظرت اليه
نظرات توسل. عله يعرض شريط الاحباب والاعداء. عربدة الاصدقاء وسهام الحساد. عله
يسمعني نشيج (خوريات) السكارى وآهاتهم، بعد منتصف الليل. أبى الخان. اشاح بوجهه
كأنه يعاتب الوفاء. في
احدى زوايا مدخله، ترأى لي ( دايي حزقيل ـ الخال حزقيل) مازال جالسا، يخيط
الفرفوري والقواري والابلام والمواعين البورسلين، مازال يصلح ويلحم الاواني
النحاسية. كان دايي حزقيل يهوديا. محدودب الظهر. كث الشعر. كئيب المنظر. صوته
الناعم يثير الشفقة. يتحدث اللهجة التركمانية الكركولية الصافية. يحفظ آلاف
الابيات من الخوريات. حاد النظرات، كأنه يريد ان يسبرغور واعماق محدثيه. وعدني
يوما بان يصنع لى سطلا صغيرا من ( التنك). نسيت وعده. سألني يوما متى تذهب الى
المدرسة ؟ اجبته بانني مازلت لم ابلغ السابعة. في
يوم من ايام العام 1951جاء دايي حزقيل ليودع اصدقائه ومعارفه في المحلة. ناداني
وقال خذ هذا السطل الذي وعدك، هدية الوداع!!!. نظر الى الجموع المحتشدة لتوديعه،
وعلامات الحزن العميق مرتسم على محياه. قال: لقد طاب لنا العيش معكم. ولدت في هذه
المدينة ولاأرغب بتركها، ولكن للضرورات احكام. ثم قال قولا بليغا والدموع تنهمر من
عيناه : ( بز صاتغ سز آلدوز سز ساتوزسا كيم آلير؟!!)، ( نحن بعنا فاشتريتم انتم،
فاذا بعتم فمن الذي سيشتري؟!!) . ومن أدعية المأثورة على من يضايقه، قوله: (
اوسكه كته كورم سانــي)، ومعناه ( اراك في الاعالي ، ويعني في النعش). محلة
البريادي ، محلة مغلقة للتركمان شأنها شأن بولاغ محله سي ، وسقاخانه محله سي،
وجقور، ومصلى محله سي، وجاي محله سي، وكادكلر، و دبة خانه، وأما عربلر محله سي
فكان خليطا من التركمان والعرب. أغلب العرب الساكنين فيها كانوا باعة وتجــار
المواشي ( الاغنام والابقار) أما التركمان فكانوا القصابين. ديكتاتور
محلة بريادي والحاكم بامره، كان يدعى (
قالة كناس)، كردي من محلة أمام قاسم.
وظيفته كناس المحلة. و أسم (قالة) هو أسم الدلال لعبد القادر. كان متزوجا من
تركمانية اسمها ( بهية أوز ألان)- بهية الحفافة. ( قالة كناس) كان يحكم نساء
المحلة بالحديد والنار، وخاصة اللواتي لايحففن وجوههن عند زوجته، أو اللواتي لا
يبتعن المكانس التي كان يسرقها من البلدية منه. يمنع خروج ماء الغسيل الى الساقية
الوسطية للزقاق، ويطبق عليهن تعليمات البلدية بحذافيرها. يغرم المخالف بقطع الماء
الصافي لمدة ثلاثة ايام ودفع مبلـــغ ( 250) فلسا. قالة كناس كان حكومة بحق وحقيق
وليس كحكومات هذه الأيام. قالة كناس كان ضخم الجثة. مشوه الجسم. رجلاه كانتا
طويلتين ركبت عليهما جذعا قصيرا، كانه أفلام كارتون. اما بطنه فكان يبدأ بعد عنقه
بشبر. ولأخفاء هذا الشكل العجيب، كان يلبس شروالا أسود اللون، يقال انه كان في عصر
ما أبيض اللون. ففي ايام غسل الملابس، كنا نحن الاطفال نقف أمام الباب أو في رأس
المحلة لمراقبة تحركات (قالة كناس) وبيدنا خرقة من القماش الملفوف لسد فتحة الماء. ولكنه
كان طيب القلب، يبلغ اهالي المحلة عن مواعيد احسان كشاف ( كشاف البلدية) لتفتيش المحلة والتأكد من عدم مخالفة
سكانها تعليمات البلدية. كان (احسان كشاف) من ارومة عربية من أهل الحويجة. يصل الى
المحلة على دراجته الهوائية ماركة (همبر) مزهوا، مرفوع الرأس،كأنه قائد عسكري يخطط
لهزيمة عسكرية. بطيء الخطى كالوزراء. رابط الجأش كالحكام، صارما معتدا بنفسه، فلو
كان حيا في يومنا هذا لرشح نائبا لرئيس الوزراء!!! ده لي خليل و قرمزي درمان
المحلة
الملاصقة لمحلة بريادي ، هي جقور محله سي- محلة جقور، أي المحلة المنخفضة. وهي
منبسطة من ناحية محلة بريادي ولكنها منخفضة جدا عن الشارع الموازي للقلعة من
الجانب الغربي، النزول اليها كان بـ(14) درجة عن مستوى الشارع، ثم تنحدر تتدريجيا
الى أن تتساوى مع محلة بريادي. كانت هذه المحلة كئيبة جدا، يسكنها الخفافون
التركمان. كنا نتحاشى العبور منها . لسببين، الاول خوفنا مـن ( ده لي خليل)- خليل
المجذوب. ده لي خليل شاب في مقتبل العمر. ضخم الجثة. الشجعان من الاطفال كانوا
يجازفون الوصول والوقوف تحت شباك غرفته. يظن الاطفال انه لو خرج الى المحلة لمزقهم
اربا اربا. يظلون واقفين ساعات وساعات مقابل شباك غرفته، حتى يطل عليهم لينتشوا
بالركض رعبا، وهم يصيحون (ده لي خليل جيختي) خرج المجذوب خليل. وفي اليوم الذي كان
لايظهرفيه ، يقول الاطفال بحزن وأسف انه اليوم مربوط بالزنجيل. أما السبب الثاني، فهو (الحجية نجمة) وكنا
نسميها بـ (حجي نه نه) أي ماما حجية. فالحجية هذه كانت أما لسبعة أولاد وستة بنات.
ضخمة الجثة. بشوشة المحيا جميلة الابتسامة. مقورة بملابسها الكردية الملونة
الجميلة. متزوجة من تاجر تركماني من أهالي (تركلان). كانت طبيبة المحلة. متخصصة
بتداوي العيون. لم تسجل طريقة علاجها في المجلات الطبية العلمية الامريكية أو
العالمية. فلم ولن يتوصل العلم الحديث الى اكتشاف طريقة علاجها وفعاليته. فعندما
كانت تصاب عيوننا بالاحمرار والحكة وتتساقط الدموع ويتكثف السائل الحليبي على
زوايا الاجفان، نساق اليها سوقا لتلقي العلاج. فالعلاج كان يتم على مرحلتين حسب الحالة وشدتها.
المرحلة الاولى: كي العينين بـ ( 7) بعرورات لكل واحدة. كانت (حجي نه نه) تحتفظ في
علبة معدنية بكمية كبيرة من بعرور الخرفان. منقاة وحدة وحدة. ومن الشروط الطبية
للبعرور ينبغي ان يكون صحيحا غير مثلوم. تغرز البعرور بأبرة، تقربها من نار الفحم
في المنقلة. تقيس بخبرتها درجة حرارته. تضعه على طرف العين بحيث يلامس القرنية
ملامسة خفيفة، وهكذا الى ان تنتهي من البعرورات الـ (14) ، (7) في كل عين. و في
اليوم التالي يشفي المريض تماما، لااحمرار ولاحكة ولا دموع. هذه المرحلة من العلاج
كانت خفيفة. اما
اذا لم يشفى المريض في اليوم التالي، فيسحب سحبا ويدفع دفعا الى (حجي نه نه)
للعلاج بالمرحلة الثانية. فكان علاج هذه المرحلة بـ ( قرمزي درمان)- الدواء
الاحمر. لاأتمناه لعدوي كما يقول المثل. هذه المرحلة كانت تتطلب مرافقة ثلاثة
اشخاص ( عادة النساء) لكي يساعدوا في السيطرة على المريض.الذي كان يطرح ارضا، تجلس
احدى النساء على رجله، والاخرتين يمسكنه من يديه وضبط رأسه. وفي هذه اللحظة تضع
حجي نه نه الدواء الاحمر في عين المريض، ويتعالى صراخة يشق عنان السماء، وبحركة
خاطفة، يقلبون الطفل المريض على بطنه، لتقوم حجي نه نه بوضع كمية من هذا الدواء
اللعين في شرجه!!!!! ويتعالى الصياح مرة اخرى. ثم يهدأ بعد حوالي نصف دقيقة. اذا
كان القارىء الكريم يرغب في معرفة لماذا كان صياح الطفل يشق عنان السماء فليجرب
بوضع كمية من مسحوق الفلفل الاحمر في عينه ودبره!!. على
اية حال كان العلاج نافعا ناجعا وفعالا 100%، يظهر مفعوله بعد 24 ساعة من ملامسة
البعرور للاجفان والدبر. ورغم شفاء المصاب التام، كان يعتكف في البيت لمدة يومين
أو ثلاثة، خشية الاستهزاء والتعليقات اللاسعة، من اللوحة التجريدية الحمراء
المرسومة على وجهه وخوف انكشاف السر ايضا. لم
أفهم، الى هذه اللحظة، العلاقة الجدلية بين العيون والدبر وبين قرمزي درمان-
الدواء الاحمر؟!! ربما حجي نه نه كانت تعرف ولم اسألها رحمها الله. مررنا
بـ تاندورجللر محله سي- محلة صانعي التنور ( لشي الخبز)، القريبة من الدباخانة
ودلفنا الى محلة المصلى لنصل الى مرقد (ابو علوك) في وسط مقبرة المصلى. أبو علوك
هذا كان يعتبر من الاولياء ومن السادة الرفاعية، نسب اليه بعض الكرامات وخاصة فتح
نصيب البنات العازبات للزواج.. وللتاريخ ينبغي ان نسجل لشباب محلة المصلى القدح
المعلى في حفظ التراث التركماني والروحية التركمانية الاصيلة. يضيق المجال بنا هنا
من ذكر تفاصيلها. ومن
الشخصيات الفريدة في محلة المصلى ( ملا عابد). الملا عابد هذا كان من اشهر زهاد
كركوك وعباده. لم يكن له سلف ولا سلف. نشأ وترعرع وشاب وهرم ومات في الجامع الذي
اشتهر بأسمه( ملا عابد جامعي). كان رحمه الله نحيف الجسم، قوي البنية، الرجال و
الشباب يلهثون عندما يرافقونه لزيارة احد رجال الدين او أحد المساجد. لم يتكلم
بغير الدين والزهد والحكمة والتربية الاخلاقية. كان يدرس الاطفال القرآن الكريم.
ويقيم حلقة ذكر هادئة يوم الخميس من كل اسبوع. يقال انه كان يهوديا وأسلم عندما
كان في السابعة أو العاشرة من عمره. كان يجيد التركمانية والكردية والعربية
بطلاقة. وعندما سأله احد الاشخاص يوما هل هو تركماني ام كردي أم عربي، أجاب يا بني
السنا كلنا عباد الله الواحد الاحد، وسكت ولم يزد حرفا. كان محترما يهابه الجميع.
يقال لم يغضب في حياته، ولم يلفظ بأنه جوعان. رزقه كان وفيرا، ففي وقت المغرب كانت
الصواني المملوءة بما لذ وطاب من الاكل والفواكه يحملها الجيران حتى سابع جار
اليه، يدعو المصلين صلاة المغرب مشاركته الزاد، ولم تنقطع هذه الصواني عن مسجده
المتواضع حتى وافاه الاجل عن عمر ناهز المئة عام. رحمه الله واحسن اليه، كان يقال
انه كان من اعمدة البركة في كركوك. وعلى
ذكر (الكتاتيب) أو الملالي الذين كانو يدرسون ويحفظون القرآن الكريم، لابد وان
نعرج على ( ملا بهية)- الملاية بهية- حيث حفظ على يديها معظم اطفال بريادي محله سي
أجزاء من القرآن الكريم. كانت ملا بهية كردية، وبعلها تركماني من أم كردية، كان
يدعي (خولا بصوان) ويعني ( خليل الناطور)، يعمل ناطورا ليليا ويبيع دجاجات سوداء
ايام الجمع تحت القلعة!!! . ملا بهية. عندما يشاهدها المرء يظن انها رجل
متنكر بزي امرأة!!! تلبس الصاية والعباية الكردية مع شروال داخلي، لا تشبه منتجات
فكتوريا سيكرت أطلاقا!!. على اية حال كان الدرس يبدأ من جزء (عم). بعد حفظ سورة
الفاتحة اولا مع التهجي. فهاكم الكلمة الاولى من السورة ( الحمد) وكيف حفظناها. (
ألف لام زه بر حا، الحا، دال به شتو، الحمدُ ). وهكذا الى نهاية السورة. وكلما
كانت الملا بهية تشتهي أكل الدجاج كانت تحفظ سورة النصر لأحد الاطفال، وعلى النحو
الاتي: ( بسم الله الرحمن الرحيم. اذا جاء نصر الله والحمد ورأيت الناس يدخلون في
دين الله افواجا. فسبح بأسم ربك واستغفره انه كان توابا.... ( بير قرة طاووق صوابا
) هذه اللازمة كانت ضرورية جدا بالنسبة لملا بهية بمعنى ان هدية حفظ هذه السورة
وثوابها هي جلب الطفل دجاجة سوداء في اليوم التالي. والويل كل الويل لمن لايجلب
الدجاجة السوداء!!. كانت تجمع الدجاجات السوداء ليبيعها زوجها ،خولا بصوان، يوم الجمعة على سفح القلعة.
الذرة من أجل السلام وينكي قصابخانة
من
مصلى محله سي دلفنا الى جاي محله سي لنعرج
الى ( ينكي قصابخانة)، المجزرة الجديدة. أقيمت في هذه المجزرة يوم افتتاحها عام
1954 (الذرة من اجل السلام) ضمن المساعدات الامريكية التي امر بها الرئيس الامريكي
الاسبق ديفيد ايزنهاور. افتتحه الملك فيصل الثاني رحمه الله. اصطففنا على جانبي
الطريق بملابس الكشافة، نهتف ونصفق ونلوح بالاعلام العراقية والامريكية، الناس في
تلك الايام كانت تحب الامريكان وتكره الانكليز. المعرض في الحقيقة أحدثت نقلة
نوعية في حياة اهل كركوك، بعد ان شاهدوا المنجزات العلمية، وكان صدمة كهربائية
عنيفة اهتزت لها عقول الشباب. دشن هذا المعرض انطلاقة السيد (شكر النجار) الى عالم
الموبيليا. بعد ان لفت معروضاته انتباه الملك فيصل الذي اعجب بها ايما اعجاب. سأله
الملك عن نوعية الخشب الذي استعمله في الاثاث المعروض أجابه بأن جميع الاخشاب هي
من شجر البلوط العراقية من الشمال الحبيب. فرح جلالة الملك. ثم اشترى طقم غرفة
الجلوس، حسبما رواه السيد شكر النجار لكاتب هذه السطور. بنيت
المجزرة الجديدة خارج حدود بلدية كركوك، التي كانت الحدود الجنوبية الشرقية
للمدينة لغاية العام 1962. ألتفت
الي شقيقي وعلامة التعجب مرتسمة على وجهه. سألني لقد تجولنا في الازقة والمحلات
والمقاهي والاسواق وتبين بان جميعها تركمانية، فأين كان يسكن أخواننا الاكراد
والعرب والسريان والارمن والكلدان؟ سؤال وجيه وفي محله. أجبته بأننا سنزورها في
طريقنا الى صوب ( قورية) الجزء الحديث من مدينة كركوك. قرمزي كيلسة وشورجة محله سي
عبرنا
مقبرة المصلى- ( مصلا توربه لغي) بعد أن قرأنا سورة الفاتحة على الاموات، لنصل الى
شورجة محله سي- محلة شورجة الواقعة في الشمال الشرقي لمدينة كركوك. أنشئت هذه
المحلة في بداية العشرينات ، عندما وفد الاخوة الاكراد الفلاحين من قرى زنكنة وقرة
عنجير وجمجمال للعمل في مزارع الخضار التي كانت تمتد، من هذه المنطقة الى سفوح
قرمزي تبة التي بنيت عليها ( قرمزي كيلسه) الكنيسة الحمراء العائدة للمسيحيين
التركمان الذين كانوا يسمون بـ ( قلعة كاوري- مسيحيو القلعة). كان الفلاحون
الاكراد يعملون عند اصحاب هذه المزارع، وملاكها من التركمان. لقد كانت هذه المزارع
تجهز أهالي كركوك بالخضراوات الصيفية والشتوية. واشهرها (آغا باغي). كان معظم هذه
المزارع ملكا للجد الاكبر لكاتب هذه السطور. اما كلمة الـ ( شورجة) التي اطلقت على
هذه المنطقة فهي كلمة تركمانية خالصة ( شور، وتعني، مالح ) والكلمة تعني منطقة
مالحة ، بمعنى انها كانت (صبخة) وهي كانت كذلك بالفعل. والاسم منحوت على غرار
الكلمات التركمانية ( ينكيجه ، باخجه، عربجه، تركمانجة كورد جه). عدد العوائل التي
سكنت في هذه المحلة وحسب احصائيات العام 1957 هو (126) عائلة كردية فقط. وبحكم عمل
معظم هؤلاء الفلاحين لدي أصحاب المزارع التركمان وبسبب حب واحترام التركمان
للغريب، توطدت العلاقة بين هذه العوائل والعوائل التركمانية التي كانت تقطن في
محلة المصلى والدباخانة ومحلة جاي. وتطورت بعضها الى التزاوج وعلاقات النسب. ولكي
نزور المناطق الكردية الاخرى ينبغي ان نعبر من جوت قحوة مرة أخرى، وينبغي ان نجتاز
كادكللر محله سي، لنشاهد معالم الاخرى حتى نصل الى غايتنا. المنطقة
المحصورة بين جوت قحوة واشهر حمام تركي في كركوك ( حج باقي حمامي)- حمام الحاج عبد
الباقي، كانت تدعى (خنجرجيللر) الحرفيون الذين يصنعون الخناجر الكركوكية الشهيرة
بـ ( دبان)، ثم داميرجيلر ( الحدادون) ثم دبانجيللار، الحرفيون الذين يعيدون حشو
خراطيش البنادق واطلاقات المسدسات بالبارود، الصنفين الاول والثاني كانوا من
التركمان أما الصنف الثالث فكانوا اكرادا ماهرين في هذه الحرفة الدقيقة. أشهر
شخصية في هذه المنطقة كان (اسطة شكور بربر) كان اسطة شكر صاحب محل حلاقة قرب حمام
الحاج باقي. جراحا ماهرا، بل قل قصابا مشهورا، يأتي اليه المصابون من كل حدب وصوب. يجري العمليات الكبرى
والصغرى ومابينهما. بدون مخدر. سيان لو كان الجرح او الورم في الرأس او في الصدر
أو في المناطق الحساسة. أكثر زبائنه كانوا من مساكين القرى والارياف. اسطة شكر كان
نحيف الجسم. طويل القامة.حاد النظرات. اصابعه كأصابع عازفي البيانو أو كاصابع
الجراح الشهير مايكل دبغي. حاسم في قراراته. القطع يعني القطع والبتر كذلك أو شق
الجرح للتنظيف. صياح المرضى المعالجين ونواحهم أشد من صياح ونواح الاحرار في
معتقلات التعذيب في هذه الايام... كان عالما بسر مهنته، دقيقا في تشخيصه، صائبا في
وصفاته، وحاذقا في عمله. أما أكثر الادوية رعبا والما ووحشية كانت المادة المعقمة المسمى
( تـنـتـريـوك) مادة بني اللون يتحول لونها الى أصفر- برتقالي كأنها نار جهنم. الدارسين وحجر الجهنـــــم
لا
يمكن للمرء ان ينسى طعم ورائحة الدارسين المغلي، الحلو المذاق، بعد الاسترخــاء
على ( جهنم داشي)- حجر الجهنم، في حمام الحاج باقي، أسمة الكامل (حاج عبد الباقي
حمامي- حمام الحاج عبد الباقي). هذا الحمام من اشهر حمامات كركوك البخارية. بني
على طراز الحمامات التركية الشهيرة ويعتبر الآن من الأبنية الأثرية القديمة في
كركوك. يقابل الحمام ( سيف الدين خاني) والخان هذا كان علوة للمخضرات و مقر مبيت
ونزول الفلاحين والزوار الاكراد لكركوك. فيه دكاكين ومشاغل لصنع الكلاش ( الكلاش،
نوع من الخف المشغول بالخيوط على ارضية من اللاستيك او الجلد) من اطارات القديمة
للسيارات. كان صناعة الكلاش من الصناعات المهمة في النصف الاول من القرن العشرين
وبداية الخمسنييات. سيارت الحمل ( اللوري) تصل الى الخان، قادمة من بغداد
والموصل وهي محملة بالاطارات المستعملة
مختلفة الاحجام والاستهلاك. فحال استلامها يقوم العمل المهرة بتصنيفها الى الانواع العادية الخفيفية، والانواع
الثقيلة، ( هفي ديوتي) التي كانت تصنع من اطارات سيارات الحمل ( اللوري). ثم يقوم
العمال بتنظيفها وتجفيفها.بعد ذلك يقوم الاسطة او الخلفة، مساعد الاسطة، بعملية
التقطيع و التفصيل حسب الاحجام والقياسات، 42 او 44 او 45 او 48....الخ وبعد هذه
العملية الشاقة والدقيقة تبدأ عملية حياكة سافين او ثلاثة كاساس للكلاش. هذه
العملية كانت من اختصاص النساء في البيوت. وبعد شرائه تقوم زوجة المشتري بأكمال
حياكته، وكان هناك كلاشات جاهزة ايضا كانت تباع في الدكاكين الخارجية للخان. كان
معظم زبائن هذا الخان من الفلاحين الاكراد والتركمان، ونادرا من الفلاحين العرب.
اشهر بائعي الكلاش في كركوك في ذلك الزمان كان (عصمان كلاشجي) وهو تركماني، وصديقه
وغريمه ومنافسه الكردي ( مجة سور) ومجة هو اسم الدلال الكردي لمصطفى أما كلمة،
سور، فتعني احمر باللغة الكردية، لأن شعررأسه ولحيته كان احمرا مثل
الاسكتلنديين.وكان له بعض الشبه بالرسام الهولندي فان كوخ. اجتزنا
باب القلعة الشرقي (حلوه جللر قابسي)- باب باعة الحلوى- مقابل جقور محله سي،
باتجاه ( بويوك زيوه محله سي)- محلة زيوة الكبيرة. هذه المحلة كانت تقسم الى ثلاثة
أقسام ، محلة أخر حسين و الصحيح هو ( أخي حسين)، ومحلة أمام قاسم ومحلة عاشور، على
التوالي. يسكنها الاكراد مع بعض العوائل التركمانية – الكردية المختلطة المتناثرة
هنا وهناك، ( كردي متزوج من تركمانية او بالعكس، وأولادهم يتكلمون اللغتين
بطلاقة). فقبل ان ندخل الى محلة (أخي حسين) التي كانت تبدأ من (نائب اغلو جامعي)-
جامع أبن النائب الى مخبز ( فهيم به لوان). وسميت المحلة بهذا الاسم تيمنا بالامام
قاسم شقيق الامام الشهيد الحسين. فقبل الدخول الى هذه المحلة كان ينبغي المرور
بالحدائق الغناءة التي أقامها أعظم رئيس
بلدية ثم شهدته هذه المدينة الحزينة وهو المرحوم عبد المجيد اليعقوبي، ثم أكمل
شامل اليعقوبي ما بدأءه المرحوم والده عبد المجيد اليعقوبي. قام هذا العملاق
بمصادرة منطقة ( يدي حماملار) الحمامات السبعة، بعد تعويض اصحابها ثم حول المنطقة
و سفح القلعة من الجانب المطل على محلة زيوه الكبيرة وعلى امتداد حوالي 3
كيلومترات الى حدائق غناءة وعلى طراز الجنائن المعلقة البابلية. و على شكل مدرجات زرعت
فيها اشجار الصنوبر العملاقة والازهار والنباتات الجميلة بحيث اصبحت رئة الصوب
الكبير من المدينة. وقد جعل هذا العملاق
هذه الحدائق مكانا للمحبة وملعبا للاطفال، نصب فيها المراجيح و (الزحليكات)، تفتح
ابوابها الساعة الرابعة عصرا وحتى الساعة الثامنة مساءً. تجتمع وتلتقي فيها
العوائل التركمانية والكردية واطفالهم
يلعبون ويتعارفون ويتخاصمون ويتعاركون ويتسلون. والله اعلم كم من زيجات،
على سنة الله ورسوله، قد حدثت في هذه الحدائق حيث اختارت الامهات العرائس
لاولادهن. ولم يكتف هذا الرجل بهذه المنطقة فهو الذي بنى حديقة المجيدية ونادي
الموظفين في الجانب الغربي من نهر خاصة صو وحديقة أم الربيعين على الجهة الشمالية
الغربية من المدينة، يقابله نادي الضباط بحدائقه الغناءة. رحم الله مجيدا و شامل.
ومما يؤسف اليه أن من عادة العراقيين أنهم لايجلون البناة العظام. فمن واجب اهل
كركوك تشييد نصب تذكاري لابنها البار عبد المجيد اليعقوبي وابنه شامل. دلفنا
الى محلة أخي حسين باتجاه محلة أمام قاسم. لايختلف طابع البناء وشكل البيوت في هذه
المنطقة عن اية منطقة اخرى في المدينة. ولكنه تتميز بطابع الفقر. ولو ان الفقر في
ذلك الوقت كان السمة الغالبة لجميع المدن العراقية. من الشخصيات المشهورة في هذه المحلة ( م.ص) .ابنه
يحتل منصبا كبيرا الان. كان استاذا للمقام والغناء التركماني. لم يضاهيه احد في
نظم الخوريات. مرجعا مهما لبعض الشعراء والمطربين التركمان وكان صوته شجيا ويغني
باللغتين الكردية والتركمانية. وشخص لطيف آخر كان يدعى (طه شل ) - طه المشلول.
واطلق عليه هذا اللقب لانه كان مصابا بالشلل النصفي. من منطقة الحزام الى
الاسفل.يتنقل على دراجة هوائية بثلاثة عجلات من صنعه. كان طه شل متخصصا في تصليح
اي شيء وكل شيء مهما كان بسيطا او معقدا، من أجهزة الراديو الىالبريموزات
والدراجات الهوائية والبخارية والساعات ومكائن الخياطة ...الخ ولو طلب منه تصليح
صواريخ عابرة القارات لم يكن يتردد مطلقا. كان يتحدث بعض المرات بكلمات لم نعرف
كنهها ولم نفك الغازها الا بعد زمن طويل، فكان يقول أن البروليتاريا يجب ان يأخذ حقوقه كاملة أو أن التحليل
الديالكتيكي للتاريخ.... أشياء من هذا القبيل. أما أصعب كلمة سمعناها منه فكانت
كومبرادورية. كنا نظن انه يخرف، وبعد ثورة تموز 1958 برز طه شل كادرا شيوعيا ضمن
تنظيمات الشمال. الشخصية الغريبة الاخرى.و بالضد من طه شل، كانت حوسه شلمان، (
حوسة أسم الدلال لأسم حسين، والشيلمان كناية بانه كذاب). حوسة شيلمان كان عاملا في
شركة نفط العراق ( أي ،بي،سي) معجبا بالامريكان أشد الاعجاب، يقلدهم في كل شيء،
يمشي مثلهم . يدخن الغليون (البايب)، يلبس الجينز ويعتمر قبعة تكساسية. كان يحفظ
اسماء رؤسائها وشخصياتها ولايمل عن الحديث عنهم. فلو كان حيا في هذه الايام ربما
اختاروه وزيرا. لم نكن نعلم عن الصراع العقائدي بين الرفيق طه شل ومستر حوسة
شيلمان. فحسب معلوماتنا انه كان عاملا غير ماهر يناول المعدات ، (درنفيس اسبانة
شاكوش) للفنيين. وكان من عادتة، ولكي يداهر غريمه طه شل، كان يسلم عليه صباحا بـ
(كود مورنينك وفي المساء بـ ( كود أفينيننك) ويرفع قبعته التكساسية المتهرئة اهانة
بطه شل . على اية حال، فلو كانت هناك وزارة للكذب لتبوأ حوسة شيلمان منصب الوزير
فيها من دون منازع كما أختير كثير منهم في هذا الزمان. فمن اكاذيبه الخفيفة والتي
من اجله تغير اسمه. ذكر في احد الايام في (جايخانة عاشور) بان المدير العام لشركة
( فوستر ويللر) ارسل لرئيس المهندسين الامريكي في كركوك ثلاث رقيات طول احداها
مترين ووزن الواحدة منها اكثر من خمسين كيلوغراما، وحباتها بحجم حبة الزيتون.
اندهش الجالسون بين مصدق ومكذب. وأكد انه وبالحاح من رئيس المهندسين ذاقها ايضا،
وكان لونها مثل لون الدم وطعمها احلىمن العسل. استغل طه شل هذه الرواية واطلق عليه
أسم ( حوسة شوتي) و معنى كلمة شوتي بالكردية تعني الرقي. وعمد الى رسم صورة للرقي
بطول مترين وكتب تحته ( حوسة شوتي). هذه الصورة كانت باقية الى العام 1962. على
جدار الدار المقابل لدكان طه شل. رحمهما الله. بقي أن نقول ان حوسة شيلمان او
شوتي، كان يتكلم التركمانية بطلاقة لآن جدته من امه كانت تركمانية. ضريــح الامام قاسم
الزائر
لمحلة أمام قاسم يجب أن يزور ضريح الامام القاسم في المسجد المسمى باسمه، وهو مسجد
كبير وقديم جدا. بعد الزيارة وقراءة سورة الفاتحة على روح الامام ( في الحقيقة ليس
مؤكدا فيما اذا كان هذا هو فعلا ضريح الامام قاسم أخو الامام الشهيد الحسين أم
مقامه)، على اية حال كانت هناك اوقات معينة تؤدي فيها العوائل العربية الشيعية من الجنوب
مراسم الزيارة لهذا الضريح، يمكثون قربه ثلاثة او اربعة ايام في المسجد. أن اهالى
محلة امام قاسم كانوا كرماء مع زوار الضريح وكانت الصواني المملوءة بالاكل تقدم
لهم كل مساء اكراما للامام ولهم. أن العلاقات الانسانية الصافية النقية تبقى
كعلامات بارزة على صفحات التاريخ. تقع محلة عاشور بعد محلة أمام قاسم لتمتد الى
نهاية مدرسة امام قاسم الابتدائية بحوالي 150 مترا حيث كان نقطة تفتيش مخازن اسلحة
الجيش العراقي التي كانت تقع بعد تلك النقطة بحدود 3000 مترا. عرجنا الى ناحية الشمالي الشرقي من المدينة لنصل
الى نقطة تفتيش او سيطرة السليمانية التي كانت تحت ( قرمزي كيلسة) بمحاذاة (كورة
تبه سي) التي كانت من ممتلكات عائلة كاتب هذه السطور. في هذه النقطة لابد التوجه
غربا نحو تكية شيخ جميل الطالباني. الشيخ جميل الطالباني اشراف الاكراد في كركوك.
( وحسب معلوماتنا انه لا تربطهم ايةعلاقة بجلال الطالباني). هذه التكية المباركة
مازالت ترتفع على رابية عالية بشموخ وعز. تكية كبيرة، مريديها على الطريقة
القادرية. يقام فيها الذكر كل يوم الثلاثاء والخميس منذ اكثر من قرنين. مريديها من
الاكراد والتركمان والعرب . كانت هذه التكية المباركة هدفا للشيوعيين في عهد عبد
الكريم قاسم، ولكنها صمدت وحافظت على مكانتها ومكانه شيوخها الاجلاء الذين كان لهم
القدح المعلى عند اشراف كركوك وعشائر العبيد في الحويجة والرياض. أما محلة الاسكان
وأزادي فلم تشيد الا بعد 1958 اثر النزوح الكردي من القرى والارياف بدفع وتحريض من
الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي تنظيم الشمال. لحشد التأييد
لهم من خلال تمجيد عبد الكريم قاسم. فالى
صبيحة يوم 14 تموز، يوليو 1958 كان الاخوة الاكراد في ( اوياخا) - الصوب الكبير،
يسكنون في المنطقة الواقعة، بين مركز شرطة أمام قاسم مقابل جسر الطبقجلي جنوبا الى
نهاية محلة عاشور شمالا، ومن نهاية محلة عاشور الى تكية الشيخ جميل الطالباني شرقا
ثم نزولا بامتداد طريق السليمانية غربا لكي تلتقي مع نقطة البداية وهي مركز شرطة
أمام قاسم الحالية ومساحة هذه المنطقة كانت أقل من ربع مساحة أويا خا – الصوب
الكبير. وكما ذكرنا ان هذا لايعني بانه لم يكن هناك عوائل كردية تسكن في الاحياء
التركمانية او عوائل تركمانية تسكن في الاحياء الكردية ولكنه كان بنسب قليلة. علق شقيقي قائلا: ان جميع الاحياء والخانات والازقة
والمحلات التي مررنا بها كانت ذات اسماء تركمانية وسكنتها من التركمان،
ولم نشاهد في هذا الصوب غير اربع أحياء كردية، ثلاثة منها لايمكن التمييز بينها
لتداخلها وصغرها والرابع لم يكن الا زقاقا صغيرا؟. سأل كم كان عدد العوائل القاطنة
فيها. أجبته بعدم معرفتي بالعدد على وجه الدقة، بيد ان عدد الساكنين في محلة الشورجة
كانت 126 عائلة. ويمكن لأي دارس ان يرجع الى الاحصائية السكانية لمدينة كركوك لعام
1957 سيجد الحقيقة. نعم لقد كان في كركوك عوائل كردية عريقة سكنوها منذ
قرن او قرنين، كعائلة الشيخ جميل الطالباني وسيد أحمد خانقاه وعائلة معروف
البرزنجي وغيرهم ولهذا السبب لم يلمس اهل كركوك من هؤلاء الاشراف أية محاولة
لأيذاء اخوانهم التركمان. ومع هذا فان أي متجول في كركوك ، قبل 1958 كان يلمس لمس اليد بانها مدينة تركمانية صرفة. وحتى
الان، ان اول ما يلاحظه الزائر لها يجد ان غالبية اهلها يتكلمون اللغة التركمانية
في البيت والسوق والمدرسة وفي الشارع ويلاحظ ايضا ان اسماء 90% من مرافق المدينة
هي اسماء تركمانية صرفة، فمثلا ان جميع المساجد والحسينيات والاحياء والازقة
والمقاهي والحمامات والأضرحة والمقابر والانهار والتلال اضافة الى اسماء الاقضية
والنواحي والقرى كلها أو جلها، تحمل اسماء تركمانية. ورغما عن ذلك فأن هذه المدينة
العراقية الاصيلة تأبى ألا تبقى رمزا للتآخي والتعايش القومي بين جميع الاعراق
والاطياف العراقية. فهي المدينة العراقية الوحيدة التي تحتضن جميع مكونات الشعب
العراقي، العرقية والاثنية والمذهبية والطائفية والسياسية، لذا تستحق ان تسمى
مدينة العراق الاولى. وهي المدينة العراقية الوحيدة تعزف فيها جميع اللغات
والابجديات العراقية، يمكن تسميتها سمفونية الاخوة. معظم الكركوليين، سواءً كانوا
اكرادا ام تركمانا ام عربا وكثير من الاثوريين والارمن يتحدثون اللغات التركمانية والكردية والعربية. ولايعلمون كيف
تعلموها!! ومن الطرائف التي ربما خافية على كثير من اهل مدينة كركوك، اللغة التي
يتحدث بها عائلة الشيخ مظهر التكريتي وغازي بك التكريتي في البيت هي اللغة
التركمانية،وهم عرب اقحاح. وعائلة الشهيدين عطا وأحسان خيرالله كانوا يتحدثون في
البيت باللغة العربية، وهما من التركمان الاقحاح!! ينبغي على جميع العراقيين المحافظة على هذه المدينة
بحدقات عيونهم ويدافعوا عنها بسيوفهم واقلامهم واشعارهم . كركوك سمكة ملونة جميلة
رقيقة تسبح في بحر العراق، لاتستطيع التنفس والعيش خارج هذا بحر الدافىء الحنون. تاريخ العراق يبدأ من كركوك
حسب المكتشفات الاثرية،
، فأن تاريخ العراق يبدأ من مدينة كركوك، ففي ( يورغان تبه)، أكتشفت أولى الادوات
التي أستخدمها الانسان، وفي منطقة عرفة (التي كانت تسمى قديما بـ أرافا أو أرابا )
عبد الانسان الالهة الاربعة التي كانت وجوهها متجهة نحو النار الازلية في منطقة
باباكوركور. وعند زيارة المتحف الوطني العراقي، الذي نهب ودمر في زمن الاحتلال،
فأن السجل التاريخي للعراق يبدأ من مكتشفات ( يورغان تبة) وتنتهي ببقية الحقبات
التاريخية التي مرت على العراق. كركوك
تحتضن التاريخ وتعشقه، تجد فيه ملاذها الآمن. وقبل ان نعرج الى صوب القورية
من المدينة، ينبغي علينا ان نتجول بعجالة في قلعتها الشهيرة. لقد أثبتت التنقيبات والدراسات الاثارية أن مدينة
كركوك وضواحيها تضم حولي ( 550 ) موقعا و مستوطنا اثريا و ما يقرب من هذا العدد من
تلال تضم في بطونها آثارا غير مكتشفة بعد،تنتظر من يرفع عنها ركام الزمن
الغابر. وربما ان الوقت قد حان، أن يكشف الدكتور مؤيد سعيد بسيم، المدير العام
لمؤسسة الاثار سابقا، عن ما اسر اليه استاذه المشرف على رسالته للدكتوراه في جامعة
هايدلبيرك الالمانية عام 1966 ، حول قلعة كركوك وبعض التلال القريبة من المدينة،
نحن نعرف انه حاول وبذل جهودا كثيرة ولكن لابأس من تكرار المحاولة طالما هذا هو
ميدانه وساحته. و نعلم أيضا انه حاول جاهدا ومشكورا الحيلولة دون هدم القلعة لمعرفته بالسر الكامن في اعماقها. وحسب
المكتشفات الاثرية فأن مدينة كركوك القديمة كانت تقوم فوق مستوطن أثري قديم (
القلعة) ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها (51) لوحاً يعود تاريخها إلى
منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام
1923. وتقول المصادر أن البابليين سموها ( أرابخا ) وسمى الأشوريون المستوطن القريب
منهــا ( أرافا ) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى ( عرفه ) .
تؤكد الكتابات
المسمارية في الرقم الطينية التي تم العثور عليها في قلعة كركوك عام 1923 أن مدينة
كركوك هي في الأصل مدينة ارابخا ,وهي الدولة المستقلة التي ظهرت في الألف الثاني
قبل الميلاد ، وكانت تقوم على مجرى نهر (خاصة صو). فقلعة
كركوك ، هي المدينة القديمة،وهي من أعرق المناطق التي تضم أحياء يسكنها التركمان
منذ القدم. تقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك شرقي نهر ( خاصة جاي ). يبلغ
ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة لها حاولي 18م .تنحدر نحو الأسفل تدريجياً ،
شكلها العام دائري تقريباً . ولها أربعة أبواب . ومن المعالم التاريخية التي حرصنا
على زيارتها: 1-جامع النبي دانيال : مشهور بمئذنته التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر
المغولي ، دلفنا الى الداخل. مازال كما هو، بالعقادات ،والأقواس الجميلة التي تميز
سقف بنائه التي تقوم على قاعدة مثمنة. سميت بجامع نبي دانيال، وذلك تيمناًً لوجود
مقام النبي دانيال وانبياء بني اسرائبل حنين وعزير الذين اسرهم القائد العراقي
العظيم نبوخذ نصر وجلبهم من القدس ضمن الاسرى الاسرائيليين بعد تدميره لأورشليم
القدس. حبسهم في هذا المكان قبل نقلهم الى بابل عام 567 قبل الميلاد. مازال هذا الجامع محل تعظيم وتكريم المسلمين. و
اليهود ايضا كانوا يحرصون على زيارته خلال اعيادهم الدينية وايام السبت من كل
اسبوع، على مدى عشرات السنين قبل هجرتهم. ومن خصائص هذا الجامع انه كان ايضا
الفتيات ، التركمانيات والكرديات والعربيات العازبات، وامهاتهن اللواتي تبحثن عن
الفرص لتزويج بناتهن. واشتهر الجامع ايضا بأن الدعاء فيه هذا مستجاب لفتح نصيب
الزواج. وخاصة خلال ايام العيدين الفطر والاضحى المباركين. وقريبا من جامع نبي دانيال يشمخ الجامع الكبير (
اولو جامع )ويسمى أيضاً جامـــع (مريم اَنا ). يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث
عشر الميلادي. وهو من الاثار التاريخية العريقة في كركوك. هناك اعتقاد راسخ بين
اهالي المدينة بان الرجل الصالح خضر الياس يصلي في هذا الجامع صلاة العدين الفطر و
الاضحى، لذا يحرص اغلب أهالي المدينة اداء صلاة العدين فيه. يتزاحمون بعد انتهاء
الصلاة للوقوف عند باب المسجد لمصافحة المصلين الخارجين وتهنئتهم، لأعتقادهم بأن
خضر الياس سيصافحهم، ومن يصافحة يكون مستجاب الدعاء، اما كيف يعرفون بانهم
صافحوه؟!!، يقال أن علامة ذلك هي كفه التي تخلوا من العظام وانها ناعمة كالحرير!!! ثم مررنا بجامع، القبة الزرقاء ( كوك كنبد )، لنستمتع بمشاهدة طرازها
المعماري الجميل، وبنائها القائم على قاعدة مثمن الشكل حيث تتخلله الزخارف
الاَجرية النباتية، مطعمة بالقاشاني الملون ، ومزينة بشريط من الكتابة في أعلى
البناء من الخارج .يستدل منها أن القبة استخدمت في عام 762 هـ ،وتضم رفات
الأميرة التركمانية بغداي خاتون. وفي وسط القلعة يشمخ (جامع عريان) الذي يعود تاريخه إلى سنة 1142 هـ . يتميز هذه
الجامع بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية ،ترتكز عليها ثمانية
أضلاع تعلوها ستة عشر ضلعاً ، تشكل قاعدة القبة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر
متراً. لاتحلو زيارة القلعة من دون زيارة كاتدرائية أم الأحزان،وتسمى أيضاً (
الكنيسة الكلدانية ) يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1862. وقد بنيت على أنقاض
كاتدرائية قديمة. بنيت بالحجر والجص. تستند سقوفها و أروقتها على أقواس وأعمدة من المرمر. وتعتبر بتيجانها الفخمة أية
من آيات الفن المعماري .. المسيحيون الذين كانوا يسكنون القلعة، كانوا من اصول
تركمانية وليست لهم لغة اخرى، يقيمون بها شعائر الصلاة والعبادة في الكنيسة الخاصة
بهم والتي تدعى ( قرمزي كيلسه ) أي الكنيسة الحمراء ، نظراً لوقوعها على تل أحمر.
يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس، الانجيل ويسمونه ( مدراش ).
وكان اهالي كركوك يسمونهم ( قلعة خرستياني) او (قلعة كاور) وكلاهما تعني مسيحيو
القلعة، ومن اشهر العوائل المسيحية التركمانية في القلعة، عائلة ( باجرمي)
والمطران اسطيفان جبري ومن مشاهير تجارهم ميناس غريب وانطوان الله ويردي وتوما
الهندي. والفنانة عفيفة اسكندر كانت من مسيحي القلعة التركمان!! ولابد لزائر القلعة ان يمر من قرب البيوت
التراثية النادرة والفريدة، التي تزخر بها قلعة كركوك. ومن اشهرها ( دار طيفور ) ودار (
مجيد سيلاو) ودار (عبد سيلاو) ودار ( سيد هادي) وغيرها. التي تمثل الطراز المعماري
التركماني القديم . تتكون كل دار من ثلاثة دور متداخلة. الأولى ذات أعمدة رخامية
عراقية بلونها الرصاصي الجميل.مداخل غرفها ونوافذها مؤطرة بالمرمر والزخارف . أما
الدار الثانية فتتكون من مجاز وسرداب وكوشك وخزنة،والدار الثالثة ،التي
تسمى، ( كالن ئه ويي)- ( بيت العروس ) فتتكون من ردهة صغيرة ( طارمة ) ،وغرفة على
شكل ايوان كبير مستطيلة الشكل، ولها كوة فوق بابها الكبيرة، تسمى بادكير، للتهوية
اذ ان الغرفة تكون عادة من دون الشباك. ومن اجمل الظاهر في هذه الغرفة هي بناء
السنونو لاعشاشها قرب كوة التهوية. تتميز هذه الدور بسقوفها المعقودة وأقبيتها
العالية، وزخارفها الجصية والنباتية والحيوانية وخاصة عند صدر الغرفة ( الايوان)
حيث تتزين بالمواعين والقواري والابلام . ولكل دار من دور القلعة التراثية ميزات
خاصة نكاد لانجدها في الدور الأخرى التي اعتادت ان تروي همومها وسرورها في جلسات
سمر تركمانية. أما
ابواب القلعة فهي اربعة، يدي قزلار قابسي- وحلوه جيلر قابسي في الجهة الشرقية
وناردوانلي أو دانيال بيغمبر قابسي. والرابعة التي هي اشهر بوابات القلعة التي
مازالت تتحدى الزمن هو بوابة طوب قابي التي تقع في الجهة الغربية من القلعة ، وتطل
على نهر خاصه صو. يعود تاريخ بنائها إلى اكثر من مائة وخمسين عاماً. والتي كانت
تطل على حديقة شبيهة بالجنائن المعلقة البابلية. أن اسماء الاحياء والشوارع والشواخص ودور العبادة
تعكس الطبيعة الديموغرافية والاجتماعية لآي تجمع سكاني. وكركوك ليست استثناءً.
فلايمكن أن تجد في محافظة السليمانية أوالبصرة، اسماء مثل كوشكلى – طوران- جينلر
ساكن- قرمزى- جيملر-بولانجى- نفط خانه- اورطه، تطلق على الطواحين (داكرمانلار) .
أو أن الازقة والاحياء في الدهوك والناصرية تسمى بـ: صارى كهيه- بكلر- اغالق
–بيريادى- اوجى- بولاغ – قوريه- جقور- مصلى - تسين- بكللر- آوجيلار-جرت ميدانى. أو تسمى الجوامع
والحسينيات فيهما بـ: مفتى اوغلو جامعي-
نيفتجللر جامعي- نانقشلي مناره جامعي- ارسلان جانعي- ملا قاوون جامعي- نائب اوغلو
جامعي- باش كه سوك جامعي... ناهيك عن اسماء القرى والارياف، فلا يمكن ان تسمى
الاقضية والنواحي في محافظات الانبار او الناصرية او الدهوك بـ: طوز خورماتو- تازه
خورماتو -كفري -طاووق -تسين - كومبتلر -تركلان -ليلان –يحياوه-يايجى - افتخار
-ترجيل - تركشكان -يايجى - تسين - ينجيكه
- خاصه دارلي -امرلى - جارداخلى - طوبزاوه قره تبه -التون كوبرى. أو أن التلال
المحيطة بالسليمانية والحلة يكمن ان تسمى بـ تالم تبه –- جلو تبه- قره تبه- دبك
تبه- قوش تبه- كوك تبه- اوجاغ تبه- اوج تبه- قوله تبه- يورغان تبه. أو تسمى الاضرحة
والائمة والمقابر فيها باسماء مثل: يدى قيزلار- مزلوم قز- امام خولان- كوزلى بابا-
يل امامى- دانيال بيغمبر- - سيد قيزى- شيخ زم زيم- بابا كوركور- نفطجى لر- بى بى
خاتون- - كوك كومبت. او البساتين تسمى في دهوك والكوت بـ:كاورباغى – فرهاد باغى-
حجى حجيل باغى- مينين باغى- بدري باغى- طوبزاوه باغى- اغا باغى. ان أي تجمع سكاني يفرض خصوصيته الديموغرافية
والاجتماعية والتراثية والثقافية واللغوية وحتى الرمزية على اماكن تجمعاتها. ولذلك
تطلق اسماء ابطالها وشخصياتها وعوائلها العريقة او الاحداث الاجتماعية والتاريخية
البارزة لتخليد دلالاتها ورمزها،. وليس بنا من حاجة بعد كل الذي ذكرناه اثبات
الهوية الحقيقية لهذه المدينة الخالدة. المسيحيون بين لحم عجين وسفن آب
عبرنا
جسر الطبقجلي الذي يربط طريق السليمانية بشارع دائرة الكهرباء في صوب القوريــة (
قارشي ياخا). اتجهنا الى منطقة الماس. وما ادراك ما الماس!! الحي الذي خفقت في
قلوب شباب كركوك أول مرة، احسوا فيه بان للحياة طعم أخر غير الذي كانوا يذوقونه
قبل سنوات قليلة رحلت. تحت كل شجرة من اشجارها، وعند كل استدارة من استدارات
ازقتها، ترك شاب ما بصماته وزرع ذكرياته وردة في بستان الحبيبة عساها تزهر في يوم
ما، في كركوك، في المهجر او ربما على ضريح شهيد هوى. محلة الماس هي الدرة في قلادة المدينة. يسكنها الاثوريون
والارمن وخليط من التركمان والاكراد وبعض العرب، وجلهم من العمال والموظفون في
شركة نفط العراق ( أي بي سي). شوارعها نظيفة، ازقتها منظمة وانيقة. بيوتها احدث
مما هي في (اوياخا ) الصوب الكبير. اينما دلفت فثمة كنيسة جميلة قريبة من مسجد او
جامع. كنائس للكاثوليك واخرى للارثوذوكس واتباع الكنيسة الانجيلية والبروتستانت. ومن
الطرائف التي انتشرت فيما بين المسيحيين، حيث قسموا انفسهم الى طائفتين. طــائفة (
لحم عجين) وطائفة (سفن آب)!!!! وكان هذا التقسيم من ابتكار المسيحيين انفسهم من
دون اي تدخل خارجي! فالطائفة التي كانت
تحتفل بميلاد السيد المسيح عليه السلام يوم 25 كانون الاول، ديسمبر، اطلق عليها
طائفة ( لحم عجين) باعتبار ان سعر لحم عجين في ذلك الوقت كان بـ(25) فلسا!! اما
الطائفة التي كانت تحتفل يوم 7 كانون الثاني، يناير عرفوا بطـائفة ( سفن آب)!! محلة الماس ونهر الحب
أغلب
شاب التركمان ، عشق محلة الماس لآنه وقع في غرام احدى بناتها الاثوريات أو
الارمنيات.، لايهم اذا كان حبا في الخيال أو من طرف واحد او متبادل!! وكثير من هذه
المغامرات انتهت بزواج على سنة الله ورسوله مع حضور السيد المسيح. نادرا
ما تجد عائلة تركمانية اوكردية او عربية لاتربطها علاقات صداقة وتزاور مع عوائل
أثورية او ارمنية او كلدانية أو مع مسيحيي القلعة. أن الاثوريين ( الاشوريين كما
يسمونهم الان) كانوا منفتحين للصداقة والانفتاح اكثر من الارمن. معظم
الاثوريين اشتغلوا عمالا وموظفين في شركة نفط العراق. حظوا بمعاملة خاصة من قبل
الانكليز، لخدمات الكبيرة التي قدموها لهم، منذ استقدامهم من منطقة حكاري التركية
عبر ايران في العشريينات من القرن العشرين وشكلوا منهم الجيش الليفي واستخدموهم
عمالا في شركة النفط في كركوك بعد ان رفض المسلمون، في بداية الامر، العمل فيها
باعتبار ان العمل مع الانكليز حرام ولا يجوز شرعا!!! وهناك حادثة مهمة ( شجار تطور الى معركة) دارت
رحاها بين اهل المدينة التركمان وبين الجيش الليفي، والتي سميت خطأً بـ (ارمني
دعواسى )- المعركة الارمنية. وقد ذكر المؤرخ عبد الرزاق الحسيني بعض تفاصيل هذه
المعركة في كتاب تاريخ الوزارات العراقية المجلد الاول ص 28 على النحو الاتي: في يوم 4 ايار 1924 نزلت ثلة من الجيش الليفي الى
مدينة كركوك تبتاع حاجة لها في اسواق كركوك ( يقال ان الحادث وقع في سوق القيصرية
في بويوك بازار) حيث اختصم افرادها ( الاثوريين) مع الاهلين في السوق، ( بسبب تحرش
احد الجنود بسيدة تركمانية)، فأدى ذلك الى جرح احد افرادها مما ادى ايضا الى نزول
قوات الليفي الى المدينة يحملون ادوات واسلحة الموت والقتال واشتبكوا مع اهالي
المدينة من التركمان وقد قتل وجرح عدد كبير من اهالي المدينة، اضافة الى شرطيين
كانا قد حاولا الفصل بين الجانبين فعمد مدير الشرطة وهو مراد مبارك (رحمه
الله) الى منع الشرطة من الخروج من ثكناتها
، فقتل من قتل وجرح من جرح وقارب عدد الاصابات المائتين . وللتاريخ نود ان نسجل بان الاكراد من محلة أمام
قاسم، وقرية تسين، وتازة خورماتو، هبوا الى نجدة اخوانهم التركمان. واثر ذلك تم
عزل متصرف ( محافظ) كركوك المرحوم فتاح بك من منصبه وعين مكانه رئيس البلدية انذاك
السيد عبدالمجيد اليعقوبي، سبق وان اشرنا ايه. حيث تعهد بتهدئة المدينة لكونه
تركمانيا يؤثر على ابناء المدينة واعتقل عددا كبيرا من وجهاء المدينة من التركمان
ومن بينـهم حسين بك النفطجي وسليمان بك درويش وخير الله حسن افندي. وقد بعث
المعتمد السامي البريطاني في كركوك الى السيد عبد الله الصافي وهو شقيق المتصرف
الجديد عبد المجيد اليعقوبي بمبلغ 200.000 روبيه لصرفها على المنكوبين. ومن الدلائل الملموسة لشفافية التركمان وعدم تعصبهم
و تأجج عوامل الثأر لديهم، هو عدم تأثير مجريات هذه المعركة ونتائجها على العلاقة
المستقبلية بين التركمان والاثوريين. لقد عاش بعدها القوميتان في المدينة بكل صفاء
وحب وتعاون. بل ان عددا لابأس به من شباب التركمان تزوجوا من فتيات الاثوريات أو
آشوريات والارمن. فضل الغلبية العظمى من الاثوريين العمل في شركة
النفط. اما الارمن ففضلوا الاعمال الحرة، بل ان بعض الاعمال والمهن اصبحت حكرا عليهم.
كالتصوير الشمسي والكهربائي ومن اشهرالمصورين المصور أراكس. صاحب استوديوا اراكس
في شارع الجمهورية وابوسيقا صاحب استوديو الكواكب. كذلك اختص الارمن في تصليح
السيارات والراديوات وصنع الباسطرمة ولحم بعجين ومن اشهرهم ( العم صهاكيان) و
محلات الخياطة الرجالية والنسائية الراقية. العم آرتين والهجرة الى ارمينيا
من اشهر
الشخصيات الارمنية في كركوك السيد آرتين ( صاحب محل بيع الادوات الاحتياطية
للسيارات). حدثنا آرتين يوما، انه بعد انتصار الثورة البولشفية في روسيا ومنح
الحكم الذاتي لجمهورية أرمينيا السوفيتية، هلل الارمن المقيمون في العراق لوطنهم
الجديد. اجتمع وجهائهم في كركوك لبحث موضوع الهجرة الى ارمينيا. وبعد مناقشة حامية
بين المؤيدين والمعارضين، قرر الحضور ارسال مجموعة منهم الى ارمينيا ليطلعوا على
الاوضاع هناك، وفي ضوء الرسالة التي سيرد من الوفد، يقررون الهجرة من عدمه. برزت
مشكلة عويصة. كيف سيبلغ الوفد اخوانهم في العراق اذا كانت الاوضاع هناك سيئة ولا
تحتمل. بعد النقاش الحاد، طلبوا ان يرسل الوفد صورة فوتغرافية توضح الحالة، فاذا
كانت الاوضاع جيدة ويصون بالهجرة يلتقط الوفد الصورة وهم واقفون، أما اذا كانت
الاوضاع سيئة فيرسلون صورة وهم جلوس. بعد عدة اشهر وصلت الرسالة والصورة من
ارمينيا السوفيتية، واذا بجميع أعضاء الوفد منبطحون على الارض في الصورة. واستنادا
لهذا التقرير الوافي قرر الارمن البقاء في العراق وعدم الهجرة الى ارمينيا
السوفيتية. ومن
الشخصيات الارمنية اللغز، السيد أوانيس. كان اوانيس قصير القامة،لم يتجاوز طوله
120 سنتيمترا. ضخم الجثة. حاد النظرات. الارمني الوحيد في كركوك الذي لايلامس جسمه
الماء الا مرة واحدة في السنة، ليلة ميلاد السيد المسيح. باختصار كان اوانيس
مجذوبا. يلبس بنطلونا اشبه منه الى الشروال. وسترة ( جاكيت) تحولت الى معطف. جيوبه
محشوةبالاوراق وقصاصات الجرائد. يحمل بيدة كتاب يضع عليه ورقة ويمسك بيد قلم رصاص.
ينظر الى الافق البعيد كانه يحاول مسك فكرة تدحرجت الى واد سحيق. يقف ساعات دون
كلل او ملل ودون ان يكتب شيئا على الورق، ثم يغير مكان وقوفه ويستمر بنفس الحالة.
يقال انه كان فيلسوفا تداخلت لديه الامور وتشابكت. والاخرون ادعوا بانه كان عالما
ومخترعا الا ان الانكليز حقنوه حقنة فقد من جرائها عقله. نظرية المؤامرة!!!. على
اية حال، أن افضل من وثق ملامح وتعابير هذا الرجل، هو المصور أراكس حيث كان يعرض
له صورا عديدة معبرة في داخل مرسمه وفي معرضه الزجاجي. قازي ئه ويي وناطحة السحاب
لقد اشرنا الى الى حديقة أم الربيعين الغناءة في
نهاية شارع الماس مقابل ( قازي ئه ويي) – دارسكن القاضي. اصبحت دار سكن القاضي أعجوبة من أعاجيب مدينة
كركوك عام 1956 لكبر حجمها وارتفاعها الشاهق ثلاثة طوابق. يقال انها كانت تحتوي
على ثلاثين غرفة وصالونات ضيوف واربع حمامات، وان الانسان لو وضع على رأسه (
عرقجين) وحاول ان ينظر الى اعالي الدار لوقع العرقجين من رأسه بسبب ارتفاعها
الهائل. بنيت الدار، ناطحة السحاب، على مساحة 1000 متر مربع، على سفح تل الملا
عبدالله- (ملا عبد الله تبه سي)- في شمال كركوك. دأب الناس الذهاب زرافات لمشاهدة
هذه الاعجوبة. على اية حال ان الجسر الصغير الذي كان يربط شارع
الماس بتل ملا عبد الله كانت نقطة سيطرة أربيل ومنها الى الموصل. وبقيت منطقة تل
ملا عبدالله، خارج حدود بلدية كركوك وبعد العام 1958 بدأ الشيوعيون الاكراد وبعض
الاثوريين يبنون دورا سكنية فيها، لرخص ثمن قطع الاراضي. أما (رحيم أوه ) فكانت قرية كردية صغيرة، ،تبعد 18 كيلومترا عن
مركز مدينة كركوك. يخترق محلة الماس شارع عريض وطويل ، يمتد من نادي
(هومنتمن الارمني) جنوبا الى دار القاضي شمالا. يسكنها الاثوريون والارمن والاكراد
والتركمان. وقيها الدار الرسمي لسكن المتصرف ( المحافظ). اتسمت بنظافة ازقتها
والدور الكبيرة الحديثة ذات الحدائق الغناءة. يتسكع شباب كركوك في ازقتها. على أمل
ان تتحرك طرفا من ستائر الشباك، او تخرج الحبيبة لتضع الازبال في البرميل قرب
الباب، ليعود منتشيا وحالما طوال الليل. هكذا كان الحب العذري. وكم من شاب تفشخت
رأسه،وتمزقت قميصه، من أجل نظرة خاطفة لاتتعدى الثواني، اوكلمة سلام عابرة سمعها شقيق المحبوبة او أباها. ملعب الشركة وعلي دودو
أنشأت شركة
نفط العراق ( آي بي سي) ملعب الشركة لكرة القدم والعاب الساحة والميدان في محلة
الماس وكانت تسمى ايضا بـ (شركة ساحه سي) – ساحة شركة نفط العراق. كانت الساحة من
أغرب ساحات الالعاب وساحة كرة القدم في العالم، لأنها كانت الساحة الوحيدة نثرت
ارضيتها بالنفط الاسود ،( بدلا من زراعتها بالثيل ،الحشيش الاخضر)، لتنعيم الرمل
ولتفادي اثارة العجاج ( الطوز) عند اللعب. تخرج من هذه الساحة كبار الرياضيين،
الذين انضموا الى المنتخب العراقي لكرة القدم امثال عمو بابا ( الاثوري) وكريم
فندي ( الكردي)، وعادل عبدالله ( التركماني) وكاظم ( العربي) وغيرهم كثيرون لايحضرني اسماءهم في هذه
العجالة. وكانت تقام على ملاعبها الاستعراضات السنوية للساحة والميدان والبطولات
الرياضية للمدارس الثانوية في المدينة. ومباريات بطولة الاندية العراقية. ولعل ان
اعظم مباراة جرت في هذا الملعب هي المباراة الخالدة بين فريق جيش التحرير الجزائري
وبين فريق منتخب كركوك الذي كان نصف اعضائه يلعبون في المنتخب العراقي. حامي الهدف
وكابتن الفريق الجزائري كان يدعى على دودو. ضخم الجثة طويل القامة، وقد اشعل
الساحة بحركاته الرائعة حماسة ومتعة. ان من اعظم مأثر أهل كركوك، بمختلف قومياتهم
واديانهم، شجعوا الفريق الجزائري بدلا من فريقهم. وكانت هذه المأثرة مبعث فخر
واعتزاز سجل لأهالي هذه المدينة الاصيلة.ولكن مع الاسف الشديد شاءت الاقدار أن
يستشهد جميع اعضاء الفريق الجزائري اثر سقوط الطائرة التي كانت تقلهم لآجراء
مباريات في افريقيا.. تغمدهم الله بواسع رحمته. مجيدية باخجه سي وعرق المستكي
بطبيعة الحال ان من اشهر معالم صوب القورية ( قوريا
بازاري) سوق قورية الشهير. وعلى الجانب الايمن من مدخل السوق المقهى الاشهر في
كركوك، ( احمد آغا جايخه ناسي)- قهو أحمد آغا. من ميزات هذه السوق خلوه من
الخانات، على خلاف شقيقه السوق الكبير في ( أو يه خا) في جانب الصوب الكبير.
الدكاكين المشيدة فيه احدث بناءً والباعة اكثر تنوعا، ويضم التركمان والاكراد
والعرب والاثوريين والارمن. العطارون والقصابون وباعة الفواكه و الخضراوات. وبين
سوق القورية وبين ومحلة الماس، من ناحية الشمال تنتشــــر احياء( صاري كهية محله
سي) و(بكللر محله سي) و ( اوجيلار محله سي ) و(شاطرلو محله سي) ومن الجهة الجنوبية
أحياء ( جرت ميداني) و(الميدان) و( الحديدين
العرب) و( قارللر بزاري). سكنة هذه الاحياء كانت مختلطة من التركمان وبعض
العرب والاكراد. أما اهم الشوارع في صوب القورية، فهو ( مجيدية
جادسي) الذي كان يربط داش كوبري بـ ( اوقاف جادسي) مرورا بالقشلة. و من ابرز معالم
هذا الشارع هو ( مجيدية باخجه سي)- حديقة المجيدية الغناءة، وبنيت في ركنها
الشمالي نادي الموظفين الراقي، حيث يلتقي الموظفون واعيان المدينة واغنيائها مساء
كل يوم لشرب العرق والبيرة ولعب الورق ثم تناول الكباب والمشويات الذيذة والمزات
الشهية. وتجدر الاشارة الى ان سعر ربع العرق المستكي او العصرية مع نوعين من المزة
(350) فلسا أوالزحلاوي بـ (300) فلسا. وكنت تشاهد مساء كل يوم الموظف التركماني مع
زميله الكردي والاثوري أو العربي، يتسامرون وينكتون ويتجادلون بطريقة أكثر حضارية
وعمقا من هذا الزمن العاهر. في الجهة الجنوبية من الحديقة بنيت ( مجيدية جايخانه
سي) كازينو المجيدية.ملتقى النخبة. الاستاذة والمعلمين وكبار موظفي المتصرفية (
المحافظة) والبلدية ودوائر الدولة والبنك وأعيان المدينة. وبجانب المقهى دكانين من
اشهر الدكاكين في كركوك حتى عام 1958وهما وكيل شركة عرق العصرية، الاثوري اصطيفان،
وبجانبه وكيل شركة عرق المسيح ويدعى الله ويردي من مسيحي القلعة. مقابل مقهى
المجيدية بنيت العام 1956 السوق العصري الحالي. جمع فيها محلات ( التونجيلار)-
صاغة الذهب والفضة. وكانت صياغة الفضة من اختصاص الصابئة. توسط السوق مكتبة
العصرية الكبيرة لصاحبه السيد عباس حلمي. حيث أشترينا منها لاول مرة مجلة سمير
وميكي ماوس المصرية، ثم الهلال والمختار و مجلة العالم البريطانية ومجلة الحياة في
امريكا، التي كانت تباع بـ(50) فلسا للنسخة، اما النشريات المجانية من المطبوعات
الامريكية فكانت توزع في المكتبة الامريكية في شارع المجيدية، مكان مطعم الخيام
(الحالية) وقرب ملهى كركوك التى غنت فيها فائزة احمد موسما كاملاعام 1954 . اغلقت
عام 1956 بعد شجار دام راح ضحيته اكثر من اربعة اشخاص. وقبل ان نغادر هذا المكان الجميل، بذكرياتها التي
تدفقت دمائها ونشوتها في العروق التي بدات تجف من جراء عوامل الزمن، وتحفر في
الجسد والمحيا اخاديد ووديانا، كما تحفر الرياح والامطار اخاديدها على سفوح الجبال
والتلال. باشرت متصرفية كركوك وضمن برنامج مجلس الاعمار لعام
1956، في بناء فندق كبير في ركن الجانب الشرقي من ( مجيديه باخجه سي) في نطقة
التقــاء ( مجيدية جاده سي) بـ ( اوقاف
جاده سي). وعندما شارفت البناء على الانتهاء عام 1957 برزت مشكلة تسمية الفندق.
طالب الاكراد تسميته بفندق سيروان. فاعترض التركمان اعتراضا شديدا وطلبوا من
المتصرفية تسميته بفندق كركوك. وهكذا كان. وكان هذا اول بوادر الاحتكاك في المدينة
بين الاكراد والتركمان، لانريد ان ندخل في تفاصيلها في هذا الوقت الحرج. قشــــلة كـــــركوك
تعتير قشلة كركوك من ابرز معالم مدينة كركوك التاريخية
بعد قلعتها. وهي بمثابة الرأس من الجسد لمدينة كركوك، لحضورها الطاغي والمؤثر في
ضمير الشخصية التركمانية العراقية، وفي تقافتها وتراثها واشعارها وخورياتها ( نوع
من الشعر الرباعي قائم على الجناس). وشاهدة على ألام وافراح واتراح هذه المدينة
الخالدة. و كلمة ( قشلة )، حسبما أوضحها الكاتب
المبدع نصرت مردان، بأنها محرفة مـــن كلمة ( قشلاق ) التركمانية . وهي تتألف من
كلمتين ( قش ـ أي الشتاء ) و اللاحقة (لاق ) تفيد معنى ( المكان ) و بذلك تعني
الكلمة (المشتى) أو المكان الذي يتجمع في في الشتاء. إلا انه بمرور الزمن أطلقت
هذه التسمية من قبل العثمانيين على كل بناية تضم ثكنة عسكرية . شيدت ( قشلة كركوك ) في سنة
1863 في عهد الوالي العثماني محمد نامق باشا عندما كان واليا على بغداد لتكون مقرا
للجيش العثماني في كركوك وسط المدينة. وبنيت على ارض مساحتها (15000 م2 ) منها (
6000 م2 ) مساحة البناية وملاحقها. تمثل
القشلة قيمة معمارية نادرة في العالم ، وفريدة في العراق بشهادة المختصين في
فن المعمار. تتكون واجهتها الأمامية من ايوانين يتوسطهما المدخل الرئيسي الذي يفضي
إلى رواق طويل على جانبيه عدة غرف كبيرة ذات أقواس دائرية قائمة على ثمانية أعمدة
حجرية اسطوانية كبيرة محجلة. تسند البناية من الخارج دعامات مستطيلة الشكل تمتد
إلى حد النوافذ. وكانت للقشلة خمسة أبواب واسعة. لم يبق منها نتيجة الهدم بحجة
حماية الآثار إلا بابين . باب المدخل الرئيسي المطل على شارع الاوقاف و بابان على
الجهة الجنوبية الغربية أحدهما ( باب الخيالة ) و الآخر ( باب المشاة ) . تبلغ
مساحة فناء القشلة 29000 م2 وهي بطابقيها مستطيلة الشكل مبنية بالحجر و الجص،
وتحتوي على 24 قاعة فسيحة إضافة إلى اثنتي عشرة غرفة. تستند هيكلها على أعمدة
عملاقة و أقواس و قبب تؤدي إلى رواق بديع الطراز ذات أعمدة مربعة في الطابق السفلي
، واسطوانية في الطابق العلوي . تمتاز أقواسها بأنها مدببة و متعانقة. أصبحت
القشلة بعد الحرب العالمية الأولى مقرا من المقرات العسكرية للفرقة الثانية ( مقر
الفرقة الثانية ، امرية موقع كركوك، جمعية المحاربين القدماء، الأنضباط العسكري
،الحسابات العسكرية ،المستودع الطبي ، المحكمة العسكرية الدائمة للفرقة العسكرية
الثانية. (كان لكاتب المقال شرف اداء خدمته الالزامية في الجيش في المحكمة
العسكرية وفي هذه البناية الاثرية الفريدة.). بابا كور كور وفتوى ضد الانكليــــز
لايحلو الكلام عن كركوك، دون التحدث عن
باباكوركور. اكتشفت اللعنة في كركوك عام 1927، حيث انفجرت البئر الاولى في
باباكوركور. استمر النفط يتدفق ارتفاع ثلاثين مترا طيلة اسبوع كامل. ومن يومها لم
يتوقف تدفق دماء العراقيين التي باتت ارخص من سعر التراب بسبب هذه اللعنة السوداء.
أنني اكره هذه المادة اللعينة الخسيسة،وادعو الله ان يجفف منابعها وتدفقها ويزيل
عنا لعنتها.لقد عاش اجدادنا الاف السنين من دونها، ونحن ايضا نستطيع ان نعيش من
دونها، اما الويل فللاخرين الذي وضعوا بيضة تكنولوجيتهم ومستقبل حضارتهم في سلة
هذا السائل الاسود الكريه. لقد بنى ابائنا واجدادنا اعظم الامبراطوريات من دون
النفط ودولاراته ومؤامراته وقيمه. الامبراطوريات التي اشاعت على العالم القيم
الاخلاقية السامية والقيم الانسانية النبيلة وقيم الفروسية. فماذا صنعت حضارة
النفط لنا؟!! على
أية حال، اكتشف النفط وتدفق وبدأ الانكليز بسرقته دون ملل، و العراقيون ينظرون في
وجل. في
مرحلة العمل والاستكشاف، رفض التركمان والاكراد والعرب، العمل في شركة نفط العراق،
لآن العمل مع ( الكفار) حرام، حسب الفتاوي التي أصدرها أحد رجال الدين في ذلك
الوقت. ومن الطريف ان الانكليز كانوا لايقبلون توظيف المسلم، التركماني او الكردي
أو العربي لوحده بل كانوا يطلبون منه ان يجلب معه ثلاثة اشخاص آخرين ، اخوانه او
اصدقائه او اقاربه ليتوظفوا معه!!. ومن أجل كسب عقول الكركوليين وقلوبهم، قاموا
بحيلة انكليزية حاذقة لتنفيذ هذا الكسب. نظمو مقاولة عمل رست على أحد وجهاء كركوك،
السيد (غ،ك) لنقل تلة قريبة من المنشآت النفطية التي يعملون فيها، الى منطقة تبعد
حوالى 150 مترا عن موقع التلة بحجة انها تعيق عملهم. جمع المقاول 200 عامل من
التركمان والاكراد والعرب،. بدأ العمل بجد وهمة. وفي احد الايام طلب المشرف
الانكليزي على العمل مستر لويس من المقاول مضاعفة العمال، وطلبوا منه أن يعمل على
توظيف أبن أو شقيق رجل الدين الذي اصدر الفتوى مراقبا للعمال وبضعف اجور العمال.
نجح المقاول في تعيين ابن رجل الدين بأجر يومي قدره ( نصف دينار) بحجة انه يعمل
لدى مقاول مسلم وليس عند الانكليز!!!. خلال
شهرين وبعمل متواصل، نقل العمال تراب التلة كاملة الى الموقع المخصص. عندما جاء
المستر لويس أستشاط غضبا، وصاح ان الموقع الذي نقل اليه التلة خطأ. جدد المقاولة
وطلب تقل التراب موقع يبعد 150 مترا غرب الموقع الاول.
فرح العمال
وزادت اجرة المراقب ( ابن رجل الدين) الى الضعف.وبدأت مظاهر التحسن المعيشي تظهر
على العمال وعوائلهم واطفالهم. وفي احد خطب
يوم الجمعة ، شرح رجل الدين الذي اصدر الفتوى الاولى، بان فتواه السابقة
لاتشمل اصحاب الكتاب وبما ان الانكليز من اصحاب الكتاب فأن طعامهم حلال لنا!!
.وهكذا كسب الانكليز العمال ورجل الدين. عـــرفة ومستر تيسو
على
اية حال بدأت شركة نفط العراق بتنفيذ برنامج اسكان موظفيها فأنشأت مجمعين سكنيين
راقيين، الاولى في منطقة عرفة سميت بـ ( كركوك الجديدة) للعمال والموظفين من
الدرجات الصغيرة والمتوسطة والثانية في داخل الشركة سميت مجمع ( بابا) لكبار
الموظفين الانكليز وعدد محدود من العراقيين. اصبحت منطقة عرفة قبلة اهل كركوك ايام
العطل والمناسبات والاعياد للتمتع بجمال حدائقها والتنزه في شوارعها النظيفة
الجميلة والتسوق من مجمعات اسواقها. كان السكن فيها بالقرعة، ولكن العدد الاكبر
خصص للاثوريين، وهذه من طبيعة الاشياء. ومن أشهر المدراء العامين الذين عملوا في
هذه الشركة واليه يعود تنفيذ المشاريع السكنية وانشاء الحدائق والمنتزهات، هو
المستر( تيسو) فرنسي الجنسية الذي احب كركوك وقدم لعمال الشركة خدمات جليلة. وهو
الذي انشأ في العام 1954 ملعبا للكولف في منطقة بابا كور كور كان يضاهي ملاعب
الكولف المقامة الان في الوطن العربي جميعا. نكتفي
بهذا القدر من زيارتنا لهذه المدينة العراقية الجميلة الفريدة الحزينة. المدينة
التي كانت على مدى تاريخها الطويل حاضنة حنونة لأبناء العراق على مختلف قومياتهم
واعراقهم وطوائفهم ومشاربهم. المدينة التي يعزف التركمان والاكراد والعرب
والاشوريون والكلدان والارمن في شوارعها وبيوتها وازقتها ومدارسها ودوائرها
سمفونية المحبة والاخوة. كركوك مدينة عراقية،
ولكنها ليست كبقية المدن في شمال الوطن وجنوبه. كركوك كتاب مفتوح القلب والعقل لكل
عراقي أصيل. وينبغي على العراقيين المحافظة عليه بحدقات عيونهم وخفقات قلوبهم . |