العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من الحكايات الشعبية التركمانية

حكاية ( آرزي وقنبر )

مع دراسة على ضوء المنهج المورفولوجي

 

                 د. محمد مردان                   

 

تمهيد

تعتبر الحكايات الشعبية المتوارثة معيارا موضوعيا لقياس مدى تقدم الشعوب والامم ورقيها وماجنحت اليه خلال حقب تاريخية واشارة الى التطور الذي حصل في حياة تلك الشعوب خلال مراحل معينة عن طريق المواضيع التي تناولتها تلك الحكايات واسلوب معالجة مواضيعها .

وتاريخ شعبنا التركماني زاخر بالحكايات الشعبية التي تروي مواقف انسانية نبيلة ومشاعر تتحدث عن حالات واحاسيس تمر بالانسان وهي اختبار لانسانيته والقدرة على التعامل بشجاعة مع مختلف المواقف ,لكن الذي يؤسف له انه ليست هناك دراسات كافية تساعدنا في الولوج الى خلق السطور في تلك الحكايات لاستنباط الدروس والعبر بعد الاخذ بنظر الاعتبار عاملي الزمان والمكان وما تقتضيه ظروف العصر بعد التعقيدات الكبيرة

التي حصلت في معيشة الانسان وحياته عليه فأننا نرى من الواجب تبني اي دراسة او كتيب يساهم في تقريب المسافات ويساعد على فهم الموروث الادبي والثقافي لاستيعاب ابعاد الابداع الذي ورثناه عن اجدادنا في مختلف المجالات الادبية والفنية .

ونؤمن ان هذا الكتاب الذي قررنا طبعه في مديرية الثقافة التركمانية سيساهم بشكل كبير في التعريف بالمنهج المورفولوجي الذي سيقربنا هو الاخر من معرفة الوشائج التي تعد قاسما مشتركا بين جميع حكايات الشعوب ليظهر باليقين ان الحكاية الشعبية التركمانية هي في مستوى الملاحم التي تفتخر بها الشعوب بل تفوقها رقيا في المشاعر والاحاسيس .

 

                   طائفة قصاب

            مديرة الثقافة

                                      للجبهة التركمانية العراقية 

 

 

المقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

 

ليس من اليسير أن يعمد الإنسان إلى تسجيل كل الحوادث والأمور التي تحدث هنا وهناك في إرجاء المعمورة ، أو تلك الأشياء ذات المناخ الخاص التي تهم امة من الأمم أو شعبا من الشعوب والتي تضج بها الكرة الأرضية وتجسد خصوصيتها وتقاليدها واطر حياتها التي استقرت عليها وأصبحت جزءا منها تتكرر معها ما دامت الكرة الأرضية تدور حول نفسها وحول الشمس ، ووفق هذا المنطق فان كثيرا من كنوز الأدب والمعرفة لا سيما القصة والشعر قد توارثتها الأجيال وانتقل إليها عن طريق تدوينها في الذاكرة.

ولعل صفحات التاريخ تحتفظ لنا بقصص تخلدت على مدار الزمن وتحولت إلى ما يشبه الأسطورة وتدوالها الناس جيلا بعد جيل ، والآداب الإنسانية زاخرة بمثل هذه القصص والحكايات مثل قصة قيس وليلى ذلك العاشق الذي اشتهر بقصائد الحب العذري عن حبيبته ليلى العامرية ، تلك القصائد التي نسج على منوالها الشعراء في مختلف الأمم أشعارهم محاكاة لها مثلما فعل أمير الشعر التركماني فضولي البغدادي في ملحمته مجنون ليلى وصب فيها فلسفته ومثلما فعل احمد شوقي أيضا وغيرهم ، كما أن هناك ملحمة - شيرين وفرهاد- في الأدب الفارسي ذلك العاشق الذي استطاع أن ينقل المياه عبر الصخور الصلدة ثمنا للفوز بحبيبته ودفع حياته قربانا لتنفيذ هذه الرغبة.

إن في الأدب التركماني إضافة لهذه الحكاية حكايات أخرى شامخة مثل حكاية طاهر وزهرة وحكاية كور اوغلو وحكاية اصلي وكرم ذلك العاشق الذي يضحي بكل أسنانه في سبيل أن يضع رأسه في حجر حبيبته  اصلي- حيث تقوم أمها والتي تمارس الطب الشعبي بقلع أسنانه الواحد بعد الآخر وهو يوهمها بان التي قلعتها لم تكن هي المقصودة(1) وأخيرا يحترق وهو يحاول أن يفك أزرار ثوب حبيبته- اصلي- ليلة الزفاف حيث أن والد الفتاة عندما رأى انه لا مناص من زواجهما قام بتجهيز ابنته بثوب سحري واشترط على كرم فك هذه   الأزرار فكلما انتهى كرم من فك الزر الأخير عادت الأزرار ثانية إلى الانسداد فيعيد فتحها من جديد من خلال طقوس معينة وقصائد يطلقها وتصل به الحالة إلى درجة الاتقاد ولكن الأزرار تعاود سيرتها ثانية وثالثة وتستمر هذه المأساة حتى الصباح فيحترق كرم من فرط عشقه ووصول حالة الاتقاد لديه إلى الدرجة القصوى وقد ضرب به المثل (كرم عشيقندان ياندي قورخوم وار منده يا نام) لقد احترق كرم من فرط حبه فأخشى أن احترق أنا أيضا وهذا القول يردده العاشق أمام حبيبته التي يتحرق شوقا إليها.

ولعل هذه المعادلة تقودنا إلى فتح ملف قضية الحب الخالد الذي هو هاجس عشاق الأرض جميعا وان حبا بهذه الخصوصية لا بد من أن ينتهي نهاية مأساوية تمنحه صفة الخلود والثبات في ذاكرة الأجيال اللاحقة ومن ثم فان حبهما يتحول إلى أسطورة.

ومن الجدير بالذكر أن الحكاية الشعبية تنقسم على قسمين هما الحكاية الشعبية المعروفة المؤلف والحكاية الشعبية مجهولة المؤلف والأخيرة التي تهمنا في هذه الصفحات لأنها تجسد الإبداع الحقيقي للإنسان على طول التاريخ الإنساني هذا الإبداع الذي تتكون أرضيته من الموروث الحضاري والتاريخي لأمة من الأمم أو لشعب من الشعوب العريقة الحافلة بالخلق الإبداعي وتجسد الحكاية الشعبية الموروثة نمطا من الحياة التي يحياها المجتمع وتبرز أسلوب تفكيره ورؤيته للأشياء بتلقائية عالية وهكذا تكون الحكاية متنفسا للتعبير عن طموحاته واحباطاته وتقود من ثم إلى نتاج أصيل تتظافر فيها خصائص متعددة يتداخل فيها الإبداع الفردي بالإبداع العام وتأتي استجابة جماعية وتطابقا لما يدور في الأذهان أذهان شريحة معينة ومنسجمة مع تطلعاتها وهذا ما يجعل هذه الحكايات قابلة للتجديد بتطور المجتمع وظهور حاجات جديدة تنتظر التحقيق مما يعطي الحكاية الشعبية طابع الحرية والمرونة(2) واتخاذ الشكل المناسب الذي يتطابق مع الحالات المستجدة ويكون تأثير البيئة أيضا له بصماته ودلالاته في هذا النوع من النتاج الإبداعي حيث تساعد البيئة على خلق البطل الشعبي ذي القوى الخارقة للعادة لتحقق في إطارها تلك الأحداث التي هي في حقيقة الأمر قريبة من الخيال وبعيدة عن صلب الواقع ومنسجمة مع النزوع العام للجماعة ومتناغمة مع معتقداتها وما تطمح إليه، وهكذا يتأكد لنا أن الحكاية الشعبية المجهولة المؤلف والتي وصلت إلينا بطريق الرواية إنما هي نتاج الجهد الشعبي العام شأنها شأن الملاحم القديمة التي لم يعرف لها مؤلف معين نحو حكايات ألف ليلة وليلة.

إن هذا النوع من الحكايات الشعبية وبسبب عدم وجود مؤلف معين وعلى امتداد حقبة من الزمن يتعرض إلى الكثير من الإضافات والى الكثير من التعديل في الشخوص والعلاقات(3) ليتلائم بالتالي مع نزوع الجماعة الجديدة ولعل هذا يفسر لنا ارتباط الحكاية الشعبية بكثير من الأحداث المعاصرة وذلك بسبب الحاجة النفسية للأفراد الجدد إلى متنفس أو ملاذ يضفون عليه الكثير من الصفات غير الموجودة في الرواية الأصلية .. إن الناس يريدون من بطل الحكاية الشعبية بطلا لعصرهم لا لعصر قديم يمت إليهم بصلة ولأنه بصورته يبقى عاجزا عن تحقيق ما يصبون إليه في ظل ظروف مجتمع آخر وحياة عصرية.

ولعل للحكاية الشعبية محاور إبداعية تتداو لها الشعوب جميعا منذ طفولتها إلا أنها تختلف من حكاية لأخرى ، فقد استطاع العالم الروسي الفلكلوري (بروب) وضمن المنهج المورفولوجي الذي اعتمده في معرفة ماهية الحكاية الشعبية أن يقدم دراسة للبناء الفني للحكاية وتحليلها مما أعاننا على الاحاطة بمقومات الحكاية والعلاقات الداخلية التي تشد هذه الحكايات إلى بعضها بوصفها جنسا واحدا. 

…. لقد استطاع المنهج المورفولوجي نتيجة لجهود بروب الحثيثة إلى اكتشاف الوشائج التي تعد قاسما مشتركا بين جميع حكايات الشعوب حيث اعتمد في منهجه على وحدات أساسية سماها بالوحدات الوظيفية، هذه الوحدات التي تظهر في جميع الحكايات الشعبية وهي أحدى وثلاثون  وظيفة وتحقيقا للفائدة نرى أن من الضرورة بمكان الوقوف على هذه الوظائف كما ذكر بروب وهي:- (4)

تغيب احد أفراد الأسرة عن البيت كأن يكون أميرا خرج للصيد أو ملكا خرج يتفقد أحوال رعيته أو تاجرا خرج للتجارة أو شابا عاديا أو يكون التغيب بسبب موت الأب أو الأم أو في عدم قدرة الأم على الإنجاب.

التحذير الموجه إلى البطل كأن تنهي الأم ابنها عن الخروج منفردا في الليل أو تنهاه عن فتح حجرة أو النهي عن فعل شئ أو الأمر بفعل شئ.

ارتكاب المحذور وهذه الوحدة الوظيفية مرتبطة بالوحدة –2- إلا إذا كانت الوحدة –2- غير مذكورة صراحة وفي هذه الحالة تظهر شخصية جديدة في الحكاية هي الشخصية الشريرة ، الساحرة العجوز ، أو زوجة الأب القاسية أو السعلاة حيث تظهر هذه الشخصية الشريرة في صور مختلفة ومنها المارد أو العفريت.

الشخصية الشريرة تقوم بمحاولة استطلاعية.

الشخصية الشريرة تتلقى معلومات عن ضحيتها.

الشخصية الشريرة تحاول أن تخدع ضحيتها.

البطل الضحية يستسلم لخداع الشخصية الشريرة وبهذا يساعدها بدون قصد منه على تحقيق أغراضها.

الشخصية الشريرة تسبب الأذى لأحد أفراد الأسرة.

8. أ- احد أفراد الأسرة يشعر بان هناك ما ينقصه في حياته أو انه يرغب بالحصول على شئ.

9، 10- البطل يعتزم الحصول على ضآلته أو يسعى للمساومة مع الشخصية الشريرة.

11. البطل يترك أسرته ويخرج للمغامرة .

12. الشخصية المانحة تختبر البطل.

13. رد فعل البطل لرضى الشخصية المانحة له.

14. البطل يحصل على الأداة السحرية التي قد تكون حصانا أو بساطا أو خاتما سحريين.

15. البطل ينتقل إلى العالم المجهول حيث تكون حاجته.

16. مقابلة البطل للشخصية الشريرة و نشوب الصراع بينهما.

17. البطل يصاب بجرح نتيجة لهذا الصراع.

18. البطل يهزم الشخصية الشريرة.

19. زوال خطر الشخصية الشريرة وحصول البطل على غايته.

20. البطل يتخذ طريقه قافلا إلى بلده و بيته.

21. الشخصية الشريرة الأولى أو شخصية شريرة ثانية تقتفي أثره.

22. هروب البطل من المقتفين لأثره.

23. البطل يصل إلى بيته أو بلد آخر دون أن يتعرف عليه احد.

24. البطل المزيف يدعي الحق لنفسه.

 

. 26،27. البطل يكلف بمهمة عسيرة التحقيق ولكنه ينجح في أدائها. وعند ذاك يكون التسليم ببطولته.

28. البطل ينكشف أمره.

29. البطل الحقيقي يبدو في وضع جديد كأن يسكن قصرا جديدا شامخا.

30. الشخصية الشريرة تعاقب. .

31. البطل يتزوج ويعتلي العرش.

ولنا أن نقف على عدد من الآراء المتضاربة في فهم الحكاية الشعبية فيما يرى العالم الفلكلوري بول اسبينو (5) إن الأدب الشعبي لأية امة هو أدب عاميتها التقليدي المتوارث جيلا بعد جيل ويرى آخرون انه أدب العامية سواء شفاهيا أو مكتوبا ، قسم ثالث يرى انه الأدب المعبر عن آلام و آمال الشعب، والحكاية الشعبية بوصفها نتاجا اجتماعيا ضمن بيئة معينة فهي تلتقي مع أشكال السحر والأسطورة والاعتقاد بالخوارق التي يقف البشر إزاءها حائرين وعاجزين.

أما الأسلوب الفني للحكاية فهو السمة الأكثر انفرادا أو بساطة بوصفه مجموعة من التراكيب التي تمتاز بالسهولة (6) لذلك تبقى خالدة في الذاكرة مما يسهل روايتها وإنشادها على المتلقين ، ومن العناصر التي تزيد من رسوخ الحكاية الشعبية هو عنصر التكرار والتداول الذي يجعل منها مثل وشم في ظاهر اليد ، ولان الأدب الشعبي هو أدب عريق وغني بالمعطيات والعبر والرموز الثرة فأنه يعطينا صورة واضحة عن الحياة الاجتماعية والذهنية والروحية لأسلافنا ويتيح لنا معرفة الملامح الأسطورية التي تكمن في الوظائف المذكورة أنفا.

والحكاية الشعبية أصيلة حيث لا يستطيع احد أن يدعي انه مؤلفها … وهكذا تنتقل من شخص لآخر عن طريق الرواية الشفاهية فقد تروى كما وصلت إلى الراوي وقد يضيف إليها شيئا من خياله وإحساسه ورؤاه وما يميزها أيضا هو طابع المرونة وقابليتها للتطوير تبعا لمزاج الراوي ولحالته النفسية وهذا ما يخرجها من محليتها ويعطيها طابعا إنسانيا عاما حيث تتشابه وظائفها وشخوصها مع الحكايات الأخرى ولعل الحاجة إلى التسلية أو المتعة هي التي دفعت الإنسان إلى اكتشاف هذه الحكايات التي أثرت معرفته الأدبية.

 

مقدمة في الحكايات الشعبية التركمانية:

 

 

 

قبل الخوض في حيثيات حكايات آزري وقنبر التي تعد من أكثر الحكايات الشعبية التركمانية شهرة وتدوالا نرى من المفيد أن نسلط الضوء على الحكاية الشعبية التركمانية بصورة عامة نظرا لشحة الدارسات المتعلقة بها وذلك تعميما للفائدة ولتعريف القارئ على هذا الجانب من الموروث والإلمام بخصوصية هذا النوع من التراث الإنساني الذي يمتد إلى أزمنة  غابرة ويتصل بأكثر من وشيجة بوجدان الناس إضافة إلى البصمات الواضحة التي تركتها هذه الحكايات في أعماق المتلقي إلى زمن غير بعيد بما امتازت به من ثراء في مضامينها وخصوصيتها التي جعلت الناس يتدالولونها في كل المناطق التي يقطنها التركمان لأنها تجسد همومهم وتكون بمثابة تنفيس عن كربهم واحباطاتهم التي يحسون بها في مواجهة تقلبات الحياة وتشعبها وظهور تعقيدات جديدة كلما تقدمت الحياة وسلخت من عمرها أعواما أخرى فضلا عما تقدمه من عبر وترسيخ للجانب التربوي وتنمية القابلية العقلية في الوصول إلى الحلول التي تطرحها الحكاية والألغاز التي تظهر هنا وهناك إضافة إلى النوادر التي تجعل الحكاية مستساغة وغير مملة لاسيما تلك الحكايات التي تمتاز بالطول والتشعب تتضمن الانتقادات غير المتوقعة وهذا ما يجعل الحكاية متكونة من عدة حالات ترتبط فيما بينها بحبل سري واحد وهي في حقيقتها يمكن أن تكون عدة حكايات ضمن حكاية واحدة ويعتبر الباحثون أن الحكايات التي وردت في كتاب ده ده قورقوت من أقدم الحكايات التركمانية.

إن للحكاية الشعبية التركمانية خصوصية لصيقة بها وتختلف هذه الخصوصية من حكاية  لأخرى كما أن البناء الفني مختلف أيضاً نظراً لتنوع هذه الحكايات وتشعبها بين أنواع مختلفة ويمكننا لغرض إعطاء الهوية الحقيقية للحكاية الشعبية التركمانية أن نقسم هذه الحكايات على عدة محاور منها:

أولا. المحور الذي يضم الحكايات التي تدور حول موضوع الحب.(7)

هذا المحور يضم الحكايات التي تتضمن تلك العلاقة الإنسانية الأزلية بين الرجل والمرأة مذ خلقا وإلى أن تسقط آخر ورقة من أوراق الحياة في المستقبل القريب أو البعيد وهذه الحكايات كثيرة في الموروث التركماني إلا أن أكثرها شيوعاً وحضورا في المجالس وأكثرها تردداً في أفواه الرواة هي حكاية أرزي وقنبر وحكاية أصلي وكرم لأن هذه الحكايات قد تخلدت على مر العصور نظراً لنهايتها المأساوية وسقوط البطل والبطلة ضحية لهذه العلاقة التي نمت وتفاقمت بينهما حيث عجزت كل العقول على فصلهما وكان الموت الخاتمة التي وحدتهما إلى الأبد، وهذه الحكايات تجسد ما نسمية بالحب المستحيل لأن جل هذه الحكايات تجسد استحالة وصول البطل إلى بغيته و الاقتران بحبيبته التي يتحمل من اجلها المصاعب ويتعرض لأهوال وإراقة دماء وسقوط ضحايا قرباناً لهذا الحب.(8)

والحكايات التي تجسد الحب المستحيل تكون قريبة إلى وجدان المتلقي لأن الإنسان بحكم طبيعته قد مر بهذه التجربة التي تركت في أعماقه لوعة وحرقة فيجد في هذه الحكايات متنفساً لذلك الجرح القديم الذي مازال ينزف لذا نرى أن المحور الذي يضم الحكايات التي تدور حول موضوع الحب هي الحكايات الأكثر شيوعاً وتداولاً عن بقية الحكايات التي تتخذ أنماطاً وتتنوع وتجسد قيماً إبداعية ثرة، والجدير بالذكر أن الحكايات التي تتخذ من الحب موضوعاً لها تضم بين دفتيها قصائد غالباً ما تكون رباعية وفق أوزان " الهجاء " التركمانية والتي تغني بآلة الساز المعروفة لدى التركمان بشكل لافت ومن مظاهر الحكايات الشعبية التركمانية وفق هذا المحور التضحية فعندما يرى قنبر أن حبيبته- آرزي التي تحمل ما تحمل من اجلها وركب المصاعب والأهوال قد آلت للغير. يلعن نفسه ويطلب من الله أن يضع حداً لمأساته فتحقق رغبته كونه عاشقا حقيقيا وهذا في اعتقادي تضحية لأن البطل هنا يضحي بنفسه أخيرا بعد أن يصاب باليأس فيموت وهو يضع رأسه في حجر حبيبته  آرزي وعندما تعي آرزي هذه  الحقيقة تقتل نفسها فتسقط الجثة على الجثة وقد تضرجتا بالدماء التي تروي مأساة هذين العاشقين التي حالت النفسيات الشريرة دون تحقيق رغبتهما في الاقتران، ولعل هذه الفاجعة أو النهاية المأساوية هي التي أعطت لهذه الحكاية صفة الخلود ورسختها أكثر فأكثر في ضمير المتلقي فأصبحت جزءاً من تاريخه النفسي يعود إليها كلما وجد حاجة نفسية ملحة لذلك ولعل النهاية المأساوية تتكرر أيضاً في حكاية - اصلي وكرم ذلك العاشق الذي تعلق بابنة القس المسماة اصلي فكانت الفوارق الدينية السبب الذي حال دون ارتباطهما وكانت تلك النتيجة هي التي جعلت من كرم بطلاً أسطورياً مضحياً بروحه في سبيل الأنسانة التي أحبها ذلك الحب الدموي الذي أوصله إلى تلك النهاية المفجعة فنرى من جملة تضحيات هذا العاشق تضحية بأسنانه كلها في سبيل ان ينعم بوضع رأسه في حجر حبيبته-اصلي- بينما تقوم والدتها بقلع أسنانه لأنها كانت تعمل بصفة طبيبة شعبية تمارس قلع أسنان المرضى حيث تقوم بقلع أسنان-كرم- الواحد بعد الأخر وهو يوهمها بأن التي قلعتها لم تكن هي المقصودة، كل هذا سبيل أن يتمتع بأكبر قسط من الوقت وهو يضع رأسه في حجر أصلي غير مبال بتلك الآلام المبرحة التي يتعرض لها نتيجة قلع  أسنانه كلها وهو أي كرم وبعد سنوات مضنية من البحث والترحال يتوصل إلى مكان حبيبته بعد أن يرحل بها والدها بعيداً فراراً من كرم فيرى الأب انه لا مفر من الرضوخ لهذا الحب ويوافق على تزويج ابنته من كرم إلا أنه في ليلة الزفاف يجهز ابنته بثوب مطلسم وإذ يدخل كرم إلى مخدع حبيبته ليلة الزفاف يحاول ان يفتح أزرار الثوب المطلسم الذي تلبسه  - اصلي وعندما يصل إلى الزر الأخير تعود الأزرار ثانية إلى الإنشداد فيعاود المحاولة وتتكرر المأساة نفسها حتى الصباح ومن شدة حبه يحترق كرم ويتحول إلى رماد فتقوم اصلي بتجميع الرماد لئلا يتبعثر بواسطة شعرها الطويل إلا إنها تلتهب وتحترق هي الأخرى فيختلط رمادها برماد كرم ويتوحدان معاً إلى الأبد وهذه المأساة تذكرنا بمأساة سيزيف الذي يوصل الصخرة إلى القمة فتتدحرج مرة أخرى وتستقر في القاع إلا أن نهاية كرم كانت أكثر ديناميكية من مأساة سيزيف وهذا ما حقق لهذه الحكاية أسباب الخلود.

 

ثانياً: المحور الذي يضم الحكايات المستلة من التاريخ.

 

وهذه الحكايات تستمد مصادرها من بطون التاريخ وتجسد حادثا معينا تناقلتها الأجيال فتحولت إلى ما يشبه الأسطورة واستقرت في أذهان وضمائر الناس وغالباً ما تكون هذه الحكايات محاطة بهالة من القدسية وبكثير من الاحترام والتقدير لأبطالها الذين أبلوا بلاءاً حسناً في الدفاع عن القيم والمثل التي يشترك الجميع في الأيمان بها والاستعداد بالتضحية في سبيلها بالغالي والنفيس. وبما أن أغلب الحكايات الشعبية التركمانية تتضمن قصائد رباعية فأن تلك القصائد التي تحويها الحكايات الشعبية المستمدة من التاريخ تكون قريبة من الشعر الملحمي ومن هذه  الحكايات حكاية "كنج عثمان"(9) الشاب عثمان لذي ساهم ببسالة في طرد الفرس من بغداد في عهد السلطان مراد والقصائد التي نظمت في الإشادة ببسالتة وصموده وانتصاره على الفرس.

وهناك شق آخر من الحكايات التي تنضوي تحت الحكايات المستلة من التاريخ وهذا الشق في اعتقادي هو الشق المتمثل بحكايات البطولة رغم أن بعض الباحثين يفصل بين هذين الشقين ونحن نرى أن هناك ترابطا بين الشقين لأن كلا من الشقين مستمد من بطون التاريخ أولاً ولأنه يتحدث عن البطولة ثانيا الا أن ثمة فارقا واحدا بينهما هو أن الشق الأول يكون الطرف الآخر فيه هو الغازي والغاصب والمهدد لتربة الوطن والشق الثاني يكون الطرف الآخر فيه الفئات التي تمارس الطغيان والإرهاب والظلم تجاه أبناء الوطن أي أن العدو في الشق الأول هو الأجنبي والعدو في الشق الثاني هو الإقطاعي أو المتنفذ أو الحاكم المتسلط على مقدرات الناس وأموالهم وحقوقهم ورقابهم وبما أننا تكلمنا عن الشق الأول في هذا المحور فسنتكلم عن الشق الثاني الذي يجسد البطولة ضد الطغيان والاستبداد ومن اشهر من يمثل هذا الجانب البطولي هو البطل الشعبي الذي تحولت أعماله إلى أسطورة تتغنى بها العامة وتنحاز إليه بوصفه البطل المنقذ في آن واحد ألا وهو البطل المسمى كور اوغلو أي أبن الأعمى والذي ذهبت سيرته مضرب الأمثال لأنها تجسد شجاعة وبطولة هذا الفارس الذي وقف في وجه الظلم وتتراوح هذه الأعمال البطولية في أكثر من عشرين سيرة تتخلل هذه السير القصائد الرباعية التي كان -كور اوغلو ينشدها على أنغام آلة الساز التي يتقن العزف عليها كإتقانه المبارزة بالسيف وطعن العدو. ان الاسم الحقيقي لهذا البطل هو روشن علي وسمي بكور اوغلو(10) نسبة إلى والده الذي كان سائساً لدى أحد الخانات الذي يدعى حسن خان، فقد قضى عمره في خدمة سيده كأخلص ما يكون العبد لسيده وكانت مكافأته على هذه الخدمة الطويلة أن فقأ عينيه وتتلخص هذه الحكاية أن السائس المسكين كان مع خيوله ذات يوم بالقرب من منطقة آهلة بالمياه العميقة، وبينما كان يرعى خيوله أو بالأحرى خيول سيده حدث أمر غريب أثار انتباهه ودهشته وقد لاحظ خروج حصانين من أعماق المياه العميقة واتصالهما بفرسين أثيرين عنده أثناء ما كانت ترعى مع بقية القطيع ثم عادا إلى المياه العميقة وبعد مرور ثلاثة اشهر ولدت الفرسين فقام السائس بإحاطة المهرين  بالرعاية والعناية كعادته فترعرعا وبلغا سنة واحدة، وذات يوم زار الخان أحد أصدقائه من الخانات فأحسن استقباله وأكرم ضيافته فسر الضيف بهذه الحفاوة وقال حسن خان لضيفه أن يطلب ما يشاء إمعانا منه في كرم الضيافة فقال له الضيف أنه قد علم أن لديه خيولاً من أصول عريقة وإنه يتمنى أن يهديه حصانين فقال له الخان المضيف على الرحب والسعة ولك ما تريد. أمر سائسه للمثول بين يديه وأبلغه المراد فطلب منه عدم أخذ الخيول إلى المرعى صباح اليوم التالي وقد رأى السائس أن خير ما يفيد الضيف وإكراماً له هو المهرين الذين ولدا من حصاني المياه العميقة فما كان منه إلا أن أبقى المهرين وأرسل بقية القطيع إلى المرعى. في الصباح ذهب الضيف مع الخان إلى الإسطبل ورأيا أن هناك مهرين فقط فأبدا الضيف دهشته وقال لمضيفه لقد علمت أن لك خيولاً كثيرة جيدة فما هذين المهرين وهل هذه الهدية تليق بي، وكأن هذه الكلمات كانت صفعة في وجه الخان حسن الذي صب كل غضبه على السائس المسكين وقال له : لقد طلبت منك عدم إرسال الخيول إلى المرعى لماذا لم تنفذ ما أمرتك به ورد المسكين قائلاً حفظ الله الخان أن هذين المهرين يليقان بالضيف وأنت تعرف ماذني خبير بالخيول الجيدة. فغضب حسن خان من هذا الجواب فأصدر أوامره بفقأ عينيه فنفذ الأمر على الفور وطلب من السائس المسكين الذي سلب منه أعز ما يملك أن يترك الدار واستغنى عن خدماته ففوض السائس المطرود أمره لله إلا أنه قال  للخان لقد سلبت مني أعز ما أملك وكان هذا جزاءاً لخدماتي الجليلة لك منذ طفولتي وقد أمضيت شبابي في خدمتك وأصبحت عبداً لك ولم تعطن ما أستحق من أجل أحد الباشوات وإرضاءً له فقد فقأت عيني فإن لي أمنية أتمنى أن تحققها لي وأنا أغادر منزلك وكان طلبه هو المهرين فأجابه حسن خان إلى طلبه لجهله بأهمية هذين المهرين ، غادر المسكين قاصداً قريته التي كان ابنه- روشن- يعيش فيها ولما رأى الابن ما كان أبوه عليه من هذه الحالة المأساوية وعلم بالظلم الذي وقع على ولده قرر الانتقام من حسن خان ومن أمثاله أينما وجدوا وجند نفسه لمحاربة الظلم في كل مكان وفعلاً ينتقم من حسن خان ويعلق رأسه في مدخل قريته ليكون عبرة لكل ظالم وذلك بعد أن قام مع والده بتدريب المهرين تدريباً قاسياً ومضنيا" في الأشواك والصخور والمناطق  الوعرة التي تتكاثر فيها الأحجار، ويتخذ أحد المهرين الذي يسميه (فيرآت) حصاناً له ويسمي الثاني (دورآت) وكان كوراوغلو- يوثق بطولاته وجولاته ضد الظلم وضد الإقطاع بقصائد رباعية يغنيها على آلة الساز حيث يشيد ببطولاته وصولاته على بؤر الظلم وكان له صديق أثير رافقه في كثير من رحلاته وحروبه واسمه إيواز- والذي يتردد أسمه في كثير من قصائده وحوارا ته وهناك روايات كثيرة حول مصير هذا البطل والذي تحولت أفعاله إلى أسطورة تدور في المجالس والمقاهي والتجمعات البشرية والتي تشد انتباه المتلقي وإحدى هذه الروايات تذكر نهايته وهي أنه يقبض عليه ويتم إعدامه مع جماعة من أتباعه وروايات أخرى، مختلفة إلا أن جميعها تؤكد أنه مات بطلاً لم يهادن أعداءه حتى اللحظة الأخيرة من حياته.(11)

نماذج من قصائده:-

 

 

من قمم الجبال الشاهقة

هل هناك من يهبط مثل الريح

صحبة خمسين أو ستين خيالاً

هل هناك من سحق وحده جيشاً باكمله.

 

عندما يتعرف النذل على أسرارك

عندما يضحك المرائي في وجهك

عندما تهجم جحافل العدو بقوة وإصرار

هل هناك من يهرب من ساحة القتال

 

عندما يشتد غضبي وأجوب ساحة القتال

وأكسر شوكة السلاطين والخانات

إن دماء الأعداء التي ملأت كفي

هل هناك من يستطيع أن يشربها

 

قوة الرجل في ذراعه

البرهان على ذلك في يمينه ويساره

يا ايواز في طريق البطولة

هل هناك من يستغني عن روحه

 

لا إنصاف لـ (كور اوغلو)

إذ يتواجد في قلب المعركة

بسيفه البتار ودرعه الحديد

فهل هناك من يسقطه صريعاً ويقضي عليه

 

  

عندما امتطيت حصاني (قيرآت)

تمنيت أن يكون العدو مائة مقاتل

عندما استليت سيفي

تمنيت أن تتحول الوديان والتلول أرضاً سوية

 

أية أخبار يهمك أن تسمعها عني

أنا الذي رويت الأرض بدماء الأعداء

غنمت رصاصته وعطلت مدافعه

أنا الذي كدست جثث الأعداء على بعضها

 

أن الذي يغضب ويصرخ هو أنا

الذي ربط أذرع الأذلاء ببعضها

عندما أمتشق سيفي وأواصل في ساحة القتال

أترك علامتي الفارقة على الأجساد

 

وتتداخل الحكايات المستمدة من التاريخ والحكايات التي تنتسب للبطولة بكثير من الأساطير والأعمال التي تفوق الحالة الاعتيادية والتي قام بها هؤلاء الأبطال والأمور الخارقة التي يقومون بها دفاعاً عن الوطن والحق وذوداً عن القيم والمبادئ ونصرة للمظلوم والمضطهد مما يكون تتداول هذه الحكايات عبرة وعظة وتكون في الوقت نفسه نبراساً للناشئة وزرع حب الوطن في قلوبهم والإحساس بالعزة الوطنية والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.

 

ثالثاً: المحور الذي يضم الحكايات الخرافية.

 

تدور معظم هذه الحكايات في عالم مليء بالجن التي تقوم بالأمور أو الخوارق(12) التي يعجز البشر على الإتيان بها حيث تحتشد كثير من الحكايات بهذه الأجواء أي عالم الجن وما تقوم به من أعمال خيالية تضفي على الحكاية عنصر التشويق، وبهذه الأعمال تتحقق بعض النتائج التي تكون في بداية الحكاية مستحيلة التحقيق، ولعل الحكايات التي تنضوي تحت هذا الباب أو هذا المفهوم الذي يعتمد على الخرافة نادراً ما تكون خالية من الخوارق لأن الخارقة تلعب دوراً أساسياً فيها ولولاها لما انتسبت هذه الحكايات إلى هذا المحور، وغالباً ما تكون الجن أو المردة في صف الإنسان أي في صف البطل الذي يحتاج العون للوصول إلى ضالته في جلب الدواء الذي يؤدي إلى أن يبصر الملك الأعمى النور أو حل اللغز الذي تريده ابنة الملك ممن يريد الاقتران بها، ونحن نرى أن عنصر الخارقة إضافة انه يبعث في نفسية المتلقي التشويق فإنه يودي إلى تحقيق التوازن النفسي مع الواقع ومقاومة الحالة الراهنة للمتلقي .

ويكثر في الحكايات الشعبية التركمانية تردد اسم المخلوق الخرافي المسمى "قايش بالدير" الذي يرد كثيرا ليس في هذه الحكايات فحسب بل أن أشخاصا كثيرين يؤكدون شهادته على هيئات مختلفة ثم يتحول إلى هيئته العملاقة كمارد، وقد تلقيت من والدتي رحمها الله حكاية متعلقة بهذا المخلوق وهي حكاية (آمنة باجي) أي الأخت أمينة. لقد كانت آمنة قابلة شعبية وذات ليلة مقمرة طرق بابها شخص اعتيادي وطلب منها أن تأتي معه لأن زوجته على وشك الولادة فتأخذ المرأة العجوز عدتها وتتبع الشخص المذكور إلى أن يصلا إلى خارج المدينة وهنا يبدو التعب على القابلة إلا أن الشخص كان يطمئنها بأنها على وشك الوصول وأخيرا وبعد أن لا تقوى المرأة على مواصلة السير يحملها على ظهره ويسير بها بعد أن يتحول إلى هيئته الحقيقية كعملاق ضخم وعندما ترى القابلة ذلك ترتعد خوفا إلا انه يطمئنها ويوعدها خيرا إذا كان المولود ذكرا وإذا كانت أنثى فانه سيمزقها إربا إربا ، فتتوجه العجوز بالدعاء إلى الله أن يكون المولود ذكرا وبعد أن يصلا إلى دار المارد المخيف تباشر عملها فتقع الكارثة وتضع الزوجة بنتا فيدخل الرعب في قلب العجوز إلا أنها تعمد إلى حيلة لتخليص نفسها من هذا المأزق حيث تصنع من الشمع عضواً للمولودة وتضعه في المكان الذي يجب أن يكون فيه وتوهم المارد بأن زوجته قد وضعت ذكرا فيفرح المارد فرحا شديدا ويعيد المرأة إلى دارها ويعطيها حفنة من قشور الثوم فترميها المرأة خارج الدار بعد وصولها إلا أنها في صباح اليوم التالي وقبل شروق الشمس عندما تنهض للصلاة ترى شيئا يلمع فتكتشف أن قشور الثوم قد تحولت إلى ذهب وبعد عدة أيام يكتشف المارد الحيلة فيأتي ليلا إلى المحلة التي تسكن فيها العجوز ويصيح بصوته المخيف وصرخاته المرعبة قائلا : أيتها الأخت آمنة إن عضو المولود مصنوع من الشمع ويعيد الكرة كل ليلة وذات صباح يجد الناس القابلة وقد فارقت الحياة وعلامات الذعر مرسومة على وجهها. يدخل في هذا المحور الحكايات التي تدور حول السحر(13) وهذه الحكايات تجسد الاعتقاد السائد لدى النساء خاصة بالسحر وهذا الاعتقاد نراه في حكاية الوزير الخائن الذي يخرج مع ملكه للصيد وكان الملك عارفاً بالسحر وقد علم الوزير بعض فنونه لثقته به وبعد أن يصطادا ظبية جميلة يطلب الوزير من الملك يتقمص هيئة هذه الظبية من خلال الطلاسم التي يعرفها وفعلا يتقمص الملك هيئة الظبية القتيلة فيعمد الوزير إلى تقمص شخصية الملك ويقوم بمطاردتها وهو داخل هيأته الجديدة لقتله إلا إن الظبية تستطيع الإفلات فيعود الملك المخادع إلى زوجة الملك ويوهمها بأنه زوجها إلا أنها ترتاب منه وهنا يتحول الملك من ظبية إلى حمامة ويحط على شباك زوجته ويناديها ويقص عليها ما جرى له ويضع الاثنان خطة للإيقاع بالوزير الخائن ، وعند المساء يأتي الملك المزيف إلى زوجة الملك فتطلب منه أن يقدم لها بعض الأعمال السحرية لإدخال البهجة إلى قلبها لأنها تشعر بالضيق وتقدم له ديكا وتطلب منه أن يذبحه ثم يتقمص شخصية هذا الديك فينفذ الملك المزيف ذلك أملا منه أن ينال من زوجة الملك ما يريد، وبينما يتقمص الوزير شخصية الديك يقرأ الملك الحقيقي بعض الطلاسم ويعود إلى شخصيته الحقيقية فيقبض هو وزوجته على الديك (الوزير الخائن) ويقومان بذبحه.(14)

 

رابعا : المحور الذي يقدم الحكايات الدينية

 

يتضح من فحوى هذه الحكايات أنها تكونت ونشأت بعد دخول التركمان في الإسلام(15) لذا فإن هذه الحكايات تتخذ طابعاً دينياً وتدور حول التعاليم الإسلامية وما احتواه هذا الدين القيم من مثل ومبادئ ونظام الحياة ومن هذه الحكايات على سبيل الذكر حكاية يوسف وزليخا- وهي مستوحاة من وقائع حياة النبي يوسف عليه السلام وما تعرض له على يد أخوته من دسائس ومكائد والمرحلة التي تلت ذلك أبان الفترة التي ظهرت فيه امرأة العزيز في حياته(16) وحكايات أخرى منها حكاية النبي أيوب وصبره وجلده على ما أصابه وحكايات أخرى وأخرى كثيرة زاخرة بأمور الدين الجديد الذي تقبله التركمان ودخلوا فيه حباً وطواعية.(17)

 

 

خامساً: الحكايات التربوية.(18)

 

 

 

وتدور هذه الحكايات حول غاية سامية وهي ترسيخ المفاهيم والمثل العليا في نفوس الناس سيما الناشئة منهم لأن التوجيه نحو الصغار بغية غرس البذرة الصالحة في أعماقهم يؤدي إلى رفاهية المجتمع وتمسكه بأهداب المبادئ التي نادى بها المصلحون ومحور هذه الحكايات تكون الحيوانات والأبطال لأن عالم الحيوانات يبدو عالماً غريباً ومثيراً بالنسبة للطفل كما أن عالم البطولة والخوارق هو الآخر يثير فضول الطفل ويهيئ حواسه ومشاعره لاستقبال الفكرة التي تهدف إليها الحكاية وتدور حولها أي أن الصغير يكون في حالة تقبل قصوى لاستيعاب حيثيات الحكاية والمبادئ التي تطرحها وتبقى طروحات هذه الحكايات ماثلة في أذهان الصغير تطبيقاً للمثل القائل (التعليم في الصغر كالنقش على الحجر).(19)

إن هذه الحكايات ليست موجهة إلى الصغار فقط بل هي مشتركة أي أنها موجهة للكبار أيضاً فمن خلال هذه الحكايات يستطيع المتلقي التعرف على كثير من الأمور الأساسية التي يجهلها والمبادئ التي ضحى من أجلها الأسلاف والشعور بالوطنية الصادقة وتقديس الرموز التي ساهمت في بناء الوطن والذود عنه على طول التاريخ.

 

سادساً: المحور الذي يضم حكايات الحيوانات.(20)

 

 

 

ظاهرة وجود الحيوانات في الحكايات التركمانية ظاهرة لافتة وهي من بقايا الطوطمية(21) التي كان عليها الأوائل ولعل ذيولها وآثارها تظهر في هذه الحكايات. لذا نرى أن الحيوان يأخذ حيزاً واسعاً في هذه الحكايات وغالباً ما يكون موقف هذه الحيوانات إيجابيا مع الإنسان ومحققاً للغاية التي يسعى إليها وهذا الحضور المتميز للحيوان فيه تحقيق لكثير من الأمور الخارقة التي يعجز الإنسان عن تحقيقها لولا وقوف هذه الحيوانات مع الإنسان جنباً إلى جنب، ومن الحيوانات التي تشغل هذا الحضور الطائر العملاق المسمى (زمر عنقا) وهو كائن خرافي يستطيع ارتياد الطبقات السبع العليا أو الوصول إلى جين ما جين (الصين العليا والسفلى) أو أن يحط على جبل قاف(22) الذي يمثل نهاية العالم والذي لا وجود له إلا في الحكايات الشعبية التركمانية وفي بعض القصائد التركمانية المسماة (قور يات) وهذا الطائر يحقق هذه الحالات المستحيلة في زمن قياسي.

هناك حالتان تردان في الحكايات الشعبية التركمانية ويستطيع من خلالهما بطل الحكاية  أن يكسب ود ومساعدة هذا الكائن، الحالة تبين معاناة هذا الطائر العملاق من مشكلة افتراس صغاره من قبل كائن مجهول إذ أن بطل الحكاية عند ما يكون أمام امتحان مصيري ويتطلب منه أن يتوصل إلى اللغز الذي طرحته ابنة الملك وطلبت الجواب الصحيح ليكون مهرها ممن يتقدم إليها وبعكسه في حالة فشله سيضاف رأسه إلى المنائر البشرية(23) التي تكونت من رؤوس الذين فشلوا في الوصول إلى حل اللغز وجسده إلى التلال التي كونتها أجسادهم، وإذ يتقدم بطل الحكاية ويدخل هذا الامتحان يصاب بخيبة ويأس فيأخذ بعضه إلى خارج المدينة حيث يقع بصره على مشهد سريع إذ يشاهد تنيناً (أزدها) وهو يحاول التهام صغار طائر (الزمر عنقا) كما كان دأبه في كل السنوات التي مرت إذ كان يأكل صغار هذاالطير الخرافي فيحتار هذا الطير العملاق على مصير صغاره والمأساة التي تتكرر سنوياً وإذ يشاهد البطل هذا المشهد يستل سيفه ويجهز على التنين ثم يقوم بتقطيعه على هيئة قطع صغيرة ويرميها لصغار طائر الزمر عنقاً لتكون وجبة شهية لهم ومن شدة التعب والإعياء الفكري والجسدي ينام تحت الشجرة التي تحمل عش هذا العملاق، وبينما هو يغط في نومه يأتي الطائر المخيف بجناحيه اللتين تحدثان دوياً مرعباً فيعتقد أن هذا الكائن الراقد تحت الشجرة هو الذي يفترس صغاره  سنوياً ويحاول الانقضاض عليه إلا أن الصغار يمنعونه من ذلك ويفهمونه بالحقيقة فيعمد إلى حجب الشمس بجناحيه عن البطل ليهنأ في نومه وعند نهوضه يشكر الطائر البطل على هذا الصنيع ويبدي له استعداده لمساعدته للوصول إلى الطبقات السبع العليا للوصول إلى اللغز الذي طلبته ابنة الملك(24) وهناك حالة ثانية يتعرف البطل من خلالها على هذا الطائر العملاق وهي أن البطل عندما يغادر دار ابنة الملك يصادف خارج المدينة طيراً هائلاً لا يقوى على الوقوف على قدميه لأن شوكة قد إنغرست في إحدى قدميه منذ أربعين عاماً وهو عاجز عن إخراج هذه الشوكة فيعمد البطل إذ تأخذه الشفقة لهذا المنظر إلى سحب الشوكة من قدم الطائر فيشعر بألم شديد ويحاول العثور على من سبب له هذا الأذى إلا أن البطل يختبئ وعندما تهدأ آلام الطائر ويخرج الدم الفاسد من قدمه يشعر بالراحة ويطلب من هذا الإنسان أن يظهر وعندما يظهر يبدي له استعداده لمساعدته للوصول إلى ما يريد سواء أكان ذلك إلى جين ما، جين (الصين العليا والصين السفلى) أو جبل قاف حيث المردة والبساتين المسحورة أو إلى الطبقات السبع العليا، وعندما يفهم الطائر من البطل أن بغيته تكمن في الطبقة السابعة العليا يطلب منه أن يهيأ له سبع جواميس مذبوحة مع سبع قرب من الماء وعندما يهيأ البطل ذلك يقله على ظهره وكلما وصل إلى طبقة من الطبقات السبع ناوله إحدى الجواميس مع قربة من الماء فيواصل الصعود وعندما يقترب من الطبقة السابعة والأخيرة وأثناء محاولة البطل مناولة الطائر قطعة اللحم الأخيرة تسقط من يديه فيطلب منه الطائر كالعادة وجبته المعتادة والأخيرة فيتلكأ وأمام إلحاح الطائر يقطع شريحة من فخذه ويقدمها مع قربة الماء  يقدمهاللطائر إلا أن الطائر يشعر بأن هذا اللحم بشري لملوحته فيضعه تحت لسانه ويواصل الطيران ويصل إلى المرحلة الأخيرة ويحط في الطبقة العليا السابعة فيترجل البطل إلا أنه يظل واقفاً من دون حراك لئلا يلاحظ الطائر وضعيته وتعثره في المشي فيطلب منه الطير أن يذهب لإنجاز مهمته والعودة ثانية لأعادته إلى المكان الذي بدأ منه الرحلة إلا أن البطل لا يستطيع وهنا يخرج الطائر فخذ البطل من تحت لسانه ويلصقه في مكانه بعد أن يبلله بلعابه فيستوي البطل واقفاً ويعود إلى حالته الطبيعية ويذهب إلى حال سبيله ويناول الطائر البطل ريشة من جناحه ويطلب منه إحراق هذه الريشة حيث سيحضر على الفور بإعادته إلى الأرض بعد إنجاز مهمته التي قدما من أجلها.(25)

ويظهر في بعض الحكايات نوع آخر من الكائنات العملاقة والمسمى (ديو) ويعني المارد إذ نلاحظ أن ام المردة تقف مع البطل وتتعهد بمساعدته حيث تظهر كامرأة عملاقة ضخمة الجثة والثديين ومن ضخامة ثدييها تلقي بثديها الأيمن إلى الجهة الخلفية اليسرى وثديها الأيسر إلى الجهة الخلفية اليمنى ولكي ينال البطل عطف أم المردة ويكون بمثابة ابنها بالرضاعة فإنه يتسلل خفية حيث تجلس ويفاجئوها بأن يرضع ثديها خلسة لأنها إذا شعرت به قبل ذلك لأصبح مضغة في فمها إلا أنها وقد تحول إلى ابنها بالرضاعة تقوم بمساعدته للوصول إلى بغيته.(26)

وهناك من الحيوانات التي تظهر في الحكايات الشعبية التركمانية ممن تضمر الشر للبطل أو للإنسان فنرى التنين يفترس صغار الزمر عنقار ويقضي عليه البطل وقد يتسلط على المدينة ويقطع الماء عنها وعن الناس فيستطيع البطل بعد معركة طاحنة من القضاء عليه وتقطيعه إرباً إرباً فتتدفق المياه مع الدماء لمدة يومين ويمنع البطل أهل المدينة لمدة يومين من شرب الماء لكونه ملوث بالدماء وبعد أن يعود صافياً يشرب الناس فتكون هذه البطولة مفتاحاً لزواج البطل من ابنة الملك، وهناك حكاية أخري كنت قد تلقيتها من والدتي رحمها الله وبقيت راسخة في ذاكرتي إلى يومنا هذا وهذه الحكاية تدور حول زواج دب من امرأة قروية حيث أن القروية كانت ذات يوم قد خرجت كعادة أهل القرى لجمع الحطب لاستعماله في طهي الطعام والتدفئة وتكديسه للاستفادة منه للتدفئة في الشتاء. وبينما هي تجمع الحطب ابتعدت عن القرية وأصبحت في منطقة منقطعة عن الناس ويصادفها أحد الدببة فيدخلها عنوة في إحدى المغارات (الكهوف) ويسد باب الكهف بصخرة كبيرة تعجز المسكينة عن تحريكها ويتخذها زوجة له بعد أن يقوم بلحس باطن قدميها بحيث تتحولان إلى حالة ملساء يصعب معها المشي فترضخ المسكينة للأمر الواقع وتنجب منه بعض الأولاد نصفهم على هيئة إنسان والنصف الآخر على هيئة دب، وبعد مرور سنوات على اختفاء القروية وبعد أن ييئس أهلها من العثور عليها واعتقادهم بأن حيواناً قد أفترسها وذات يوم تسمع القروية المسكينة صوت راع يرعى أغنامه وهو يعزف على الناي فتزحف نحو باب الكهف وتنادي عليه فيخاف الراعي ويحاول الهرب إلا أنها تنادي عليه وتتوسل به أن يسمعها وتطمئنه فيقترب منها وهو بين مصدق ومكذب لهذه الحالة الغريبة فتقص عليه حكايتها ويحاول إزاحة الصخرة من باب الكهف فلا يستطيع ويستنجد بأهل القرية بعد أن يهرع إليها فيحضر بعض الناس ويزيحون الصخرة من باب الكهف ويحملون القروية لأنها لا تقوى على المشي ولا تستطيع وضع قدميها على الأرض وأثناء إنقاذ القروية وحملها من قبل أهل القرية يحضر الدب فيأخذ بالعويل واللطم محاولاً أن ينال عطفها لعلها تعود إليه وعندما لا تبالي القروية بما يقوم به ولا ينجح في إعادتها يعمد إلى أطفالها فيقطع الواحد تلو الآخر إلى نصفين أملاً منه أن تضعف الفتاة أمام منظر أولادها وهم يقتلون تباعاً إلا أن القروية لا ترجع عندها يصعد الدب إلى الجبل المطل على الكهف ويرمي بنفسه إلى الهاوية وينتحر.

المتتبع للحكايات الشعبية التركمانية بأنواعها المختلفة ومحاورها التي ذكرناها يجد أنها تنحصر في خصائص معينة وهذه الخصائص والطقوس الواردة فيها تجسد تفرد هذه الحكايات الشعبية واختلاقها عن الحكايات الشعبية للشعوب والأقوام الأخرى التي تنفرد بلا شك بحكايات شعبية لها أطرها وحيثياتها التي تختلف عن الحكاية الشعبية التركمانية فنرى في الحكاية التركمانية أن الحكاية الواحدة تتشعب إلى عدة حكايات متداخلة ترتبط فيما بينها بسلسلة معينة وقد يتنوع المغزى من هذه الحكايات وتنتقل من حالة إلى أخرى بلغة سلسلة بسيطة قريبة من لغة المتلقي فيكون ذلك أدعى إلى قبولها.

وقبل الخوض في الخصائص الفنية لهذه الحكايات لا بد لنا أن نتكلم عن شخصية الراوي والمكان الذي تدور فيه هذه الحكايات ثم عن القصائد التي تتخلل بعض هذه الحكايات

 

 

أولاً: شخصية الراوي

يتمتع الراوي في الحكايات التركمانية بقابلية خاصة من حيث تمكنه من إدارة الاحداث بصورة تلقائية بعيدة عن التكلف وهذا ما يتطلب منه التمكن من جوانب الحكاية بصورة جيدة وبشكل طبيعي وأن تكون تسلسل الحوادث لديه ذات خصوصية معينة لتلقى القبول ومواصلة الاستماع والاستمتاع بالحكاية وشخوصها وحواراتها وتسلسل أحداثها في شكل طبيعي ومقبول من دون أن يدب السأم أو الملل إلى المتلقي وعلى الراوي أن يكون ملماً في أمور المنطقة أو البقعة التي تدور فيها الحكاية وعلى إطلاع ودراية في جغرافيتها ومناخها وعادات سكانها والأنهار والجبال والمناطق ذات الطبيعة الخاصة فيها متمكناً من حفظ قصائد الحكاية وإلقائها بشكل يجعلها قريبة من الواقع وبطريقة مؤثرة حسب نوعية القصيدة سواء أكانت عاطفية أو وطنية أو دينية أو تحتوي على حكميات كما يجب أن يكون له إلمام بالألغاز(27) وحلولها مع قابلية معينة على إطلاق النكات والنوادر وإشاعة المرح والبهجة(28) في الجلسة التي يدير من خلالها الحديث عن الحكاية لاسيما الحكايات المتشعبة والطويلة والتي تحتوي على تفاصيل صعبة ودقيقة.

هناك أصول وقواعد تتبع في سرد الحكايات ومن قواعد هذه الممارسة انه لا يجوز رواية الحكايات في النهار فهناك مغزى بعيد من هذه القاعدة التي كان الراوي يحرص عليها ولا يتجاوزها على الإطلاق والمغزى من ذلك هو إن النهار وجد للعمل وكسب القوت لان معظم المتلقين هم من الطبقات التي تكدح لكسب قوتها ولا يعقل ان يقضي النهار و القسم الأكبر منه يستمع فيه إلى الحكايات ويهمل

البحث والعمل من اجل كسب الرزق وللحيلولة دون كسر هذه القاعدة أي قاعدة عدم جواز رواية الحكايات في النهار فقد ساد اعتقاد مفاده ان من يروي الحكايات في النهار تظهر له قرون في الآخرة أو تنقلب نقوده إلى معدن، كما أن على من يروي النوادر عن ملا نصر لدين (جحا التركماني) أن يروي سبعا منها وان من يشذ عن هذه القاعدة فانه يتسبب في طلاق أمه وان الهدف من هذا واضح وجلي وهو محاولة إطالة فترة السهر والمتعة .(29)

ومن خلال الحكايات الكثيرة والمتنوعة نرى الراوي التركماني على دراية واسعة بالأجواء الشرقية وعلى إطلاع دقيق بتقاليد الأقوام المتاخمة له فحين يحدثنا عن جين ما، جين (الصين العليا والسفلى) فإننا نستمع ونتعرف على أجواء وطقوس تختلف عن تلك التي نسمعها عن جبل قاف وعن حكايات السلطان محمود والبساتين المسحورة أي أن الأجواء في كل حكاية تختلف عن غيرها من الحكايات الأخرى أو بمعنى أدق إن طبيعة الحكاية وخصوصيتها هي التي تحدد أجوائها ومشاهدها والطقوس الواردة فيها.

 

 

ثانيا :أماكن الحكاية.

 

 

تختلف المناطق التي تدور فيها الحكايات من حكاية إلى أخرى، ولعل النقطة المهمة التي نود أن نؤكدها هي إن أماكن الحكايات تكون دائما غير لمكان الذي يتواجد فيه الراوي والمتلقي وذلك لإضفاء الدهشة وخلق حالة من الفضول وحب المعرفة في ذهن المتلقي وهذا الأمر يستقطب ذهن المتلقي وحاسة السمع لديه لأنه يريد من خلال الاستماع إلى الحكاية التعرف إلى مزيد من الأماكن والمناطق التي سبق له وان سمع بها سيما وان ظروف الحياة آنذاك لم تكن تسمح بالتنقل كأيامنا هذه لعدم تطور المواصلات وأجهزة البث المرئية والمسموعة. كما أن المتلقي يريد أيضا معرفة المناطق المتاخمة له لاسيما الشعوب التي لها عادات وتقاليد مشابهة لعاداته وتقاليده لذا نرى ولغرض اضفاء روح الدهشة والفضول أن بعض الحكايات تدور في منطقة جين ما، جين (الصين العليا والسفلى) أو في جبل قاف الذي لاوجود له إلا في الحكايات التركمانية هذا الجبل الذي يعد نهاية العالم والذي تعيش فيه المردة والجان في طرفه الآخر وان علوه يمنع المردة من العبور إلى الطرف الثاني الذي يعيش فيه البشر كما أن بعض الحكايات تدور في استنبول أو تبريز وأماكن أخرى مختلفة تثير الفضول وتضيف شيئاً من الدهشة حولها في أعماق المتلقي وتحفزه لمعرفة المزيد عن هذه الأماكن.(30)

 

ثالثا: قصائد الحكايات

 

تتضمن بعض الحكايات التركمانية على قصائد تغنى على آلة الساز حيث تكون هذه القصائد عبارة عن حوار ومناجاة بين البطل والبطلة وقد يشترك في هذه القصائد شخوص الحكاية الآخرين إذا كانت الحكاية تعتمد في الدرجة الأساس على الحوار الشعري وغالبا ما تكون هذه القصائد رباعية وفق أوزان (الهجا) العروض الخاصة بالشعر التركماني هذه الأوزان التي كان عليها الشعر التركماني قبل قبول التركمان الإسلام دينا لهم إلا أنهم نتيجة الدخول في الدين الجديد والتعرف على أوزان العروض العربية فقد اخذوا يكتبون القصائد وفق أوزان العروض العربية لذا نرى إن بعض الحكايات التي تتضمن الشعر مكتوبة أيضا وفق أوزان العروض العربية .

الحكايات التي تنضوي تحت محور الحب تكون قصائدها عبارة عن مناجاة وحوار شعري بين بطلي الحكاية غالبا كما نرى ذلك في حكاية ارزي وقنبر وحكاية اصلي وكرم وحكاية طاهر وزهرة أما الحكايات التي تنضوي تحت محور البطولة والحكايات المستلة من التاريخ فتكون قصائد تنم عن البطولة والفخر والإشادة بالجولات الناجحة التي يخوضها البطل دفاعا عن القيم والمبادئ ودفاعا عن الوطن والتربة والمثل التي يؤمن بها الناس إما الحكايات التي تتناول الأمور الدينية فغالبا ما تكون قصائدها دينية إما القصائد التي تدور حول الحكمة أي التعليمية فإنها تتناول مبادئ العزة واعمال الأسلاف وما إلى ذلك.

 

 

الخصائص الفنية للحكايات الشعبية التركمانية

 

 

 

أولا: إن الحكاية الشعبية التركمانية تكون عادة غنية بالرموز وان هذه الرموز تؤكد على ثراء هذه الحكايات وان بنائها قد شيد على أسس سليمة لأنها تحمل مغزى ودلالات ولم تبن على فراغ وهذا هو سر شيوعها بين الناس والاقبال على سماعها، ولعل هناك بعض الثوابت التي تشير إلى أن هذه الحكايات مشحونة بالرموز ومن هذه الثوابت ما تحمله الألوان من خلفيات معينة فللألوان مغزى ومعنى في مثل هذه الحكايات فغالبا ما يدل اللون الأسود على الشر وتمكن الحقد من صاحبه فالثعبان الأسود مثلا يمثل الشر والضغينة(31) وان بطل الحكايات يكون على هذا الأساس في حذر ويتوجس خيفة منه لأنه لن يكون مساعدا له في الوصول إلى مبتغاه، أما الحية البيضاء فإنها رمز النقاء والدلالة على الخير والوقوف مع الإنسان لذا نرى في بعض الحكايات وقوف البطل مع الحية البيضاء لكي تتنصر على لحية السوداء وأمام هذا الموقف تقوم الحية البيضاء بمد يد المساعدة للبطل عند الشدة والحاجة أو نرى في بعض الحكايات إن ركوب البطل على ظهر الكبش الأسود(32) معناه هبوطه إلى الطبقة السابعة السفلي والركوب على ظهر الكبش الأبيض يعني الصعود إلى الطبقة السابعة العليا .

للجمال أيضا مغزى في هذه الحكايات لان الجمال يمثل النبل والأصالة والمبادئ إما القبح فيمثل الشر والحقد والكراهية كما إن بعض الحيوانات رغم ضخامتها فإنها تمثل الخير وترمز إليه وتقف إلى جانب البطل مثل طائر الزمر عنقا وخاصة عندما يقدم البطل يد المساعدة له وينقذ صغاره من أنياب التنين أو يعمد إلى إخراج الشوك من قدمه وقد مر عليه أربعون عاما وهو يعاني من هذا الوضع المؤلم كما أن أم  المردة تكون إلى جانب الخير بمجرد إن يرضع البطل ثديها ويتحول إلى ابنها بالرضاعة(33) ونرى إن هذين العنصرين الأخيرين وقفا مع البطل لأنه قدم المساعدة للأول وأصبح ابنا بالرضاعة للثانية وبعكسه كان بإمكانهما القضاء على البطل إلا أن الواضح أن دلالة الخير طاغية في أعماق هذين العنصرين، أما التنين فانه رمز للكراهية والعداوة للإنسان حيث يصارعه البطل لإنقاذ صغار الزمر عنقا ولإنقاذ المدينة من الموت عطشا عندما يقطع الماء عنها ورؤية الخضر عليه السلام في هذه الحكايات دلالة على الخير وقضاء الحوائج وإنقاذ البطل من أزمته وكثيرا ما يعطي البطل شعرة من لحيته(34) لإحراقها عندما يمر بأزمة وهذا العمل يحقق حضوره على الفور لإنقاذ البطل من محنته أو مساعدته في تحقيق ما يريد ويكون الكلب والحصان  رمزا للخير ومساعدة البطل بينما يتأرجح الكائن الذي يسمى ((ديو)) بين الخير والشر أي انه يحمل رمزا مزدوجا.

 

ثانياً :

 

 من الخصائص الأخرى التي تتكيء عليها الحكاية الشعبية التركمانية هي شيوع حالة السحر فيها والأيمان بالطلاسم والاعتقاد بالنجوم، ونرى حالة السحر واضحة في حكاية الوزير الخائن الذي يتقمص شخصية الملك من خلال سحر يمارسه ويقوم بمطاردة الملك الحقيقي الذي يتحول إلى ظبية جميلة تفرّ منه ومن الأمور الأخرى نرى الاعتقاد بالخط وبطالع الإنسان إذ  يطلق على طالع الأناس السعداء والناجحين-الطالع الأبيض- ويطلق على طالع الأناس التعساء- الطالع الأسود-وهذا ما نراه واضحا في حكاية"الحظ" أو "الطالع" التي تلقيتها من والدتي رحمها الله، وملخص هذه الحكاية انه كانت هناك سيدة سوداء البشرة لها شعر كث مثل شعر العبيد- ذات شفتين ضخمتين تتدلى الشفة السفلى نحو الأرض، يحف بها الخدم والحشم لها زوج جميل وشاب يطيعها إطاعة عمياء ولا يرفض لها طلباً أو يعصي لها أمرا.

ذات يوم يطرق بابها فإذا بامرأة باهرة الجمال رثة الثياب تطلب عملاً وكان الإعياء باديا عليها ومظاهر الجوع والفقر مرتسمة على وجهها حافية القدمين ، وبالاختصار كانت في حالة يرثى لها فتوافق سيدة القصر على أن تعمل مع بقية الخدم القائمين بخدمتها والسهر على راحتها وبمرور الأيام تكسب ود السيدة فتجعلها خادمتها الخاصة.

ذات يوم وبينما كانت السيدة  تمشط شعرها طلبت من الخادمة الجميلة أن تناولها المرآة للتأكد من زينتها لأن زوجها على وشك القدوم إلا أن الخادمة الحسناء بدلاً من أن تناولها المرآة قذفتها بها وشجت رأسها فسال منها الدم بغزارة فلم يكن من السيدة إلا أن رفعت رأسها وخاطبت الخادمة الحسناء قائلة "محقة أنت" ولم تثر على الخادمة أو تعاقبها، وعلى الفور يهرع الخدم لمعالجتها وتستبدل ملابسها الملطخة بالدماء وبعد قليل يحضر زوجها الذي يحبها حدّ العبادة فيرتعب لهذا المنظر إلا أن زوجته تطمئنه وتوهمه بأنها تزحلقت من السلم وانه ليس هناك ما يدعو إلى القلق وتطلب منه أن يهيأ طعاما وشرابا لأنها تريد الخروج إلى النزهة مع خدمها وحاشيتها وفعلا يهيئ الزوج ما لذ وطاب وتحمل الأطعمة والفواكه إلى منطقة خارج البلدة، بالقرب من بئر متروك ويذهب الزوج على أن يحضر إليها مساء لأخذها إلى الدار. تقترب السيدة من البئر وتنادي "حظي،حظي" فيرد عليها من أعماق البئر صوت واثق "لبيك سيدتي" فتطلب منه الخروج وفعلا يخرج شاب يبدو عليه العافية والفتوة فيتم على الفور استبدال ملابسه بملابس جديدة ونظيفة ويتم حلاقة شعر رأسه ولحيته ويقدم له ما لذ وطاب من الأطعمة وبعد ان يرتوي تخاطبه السيدة قائلة:

هل ترى هذه الفتاة الجميلة أريد منك آن تعثر على حظها.

ينطلق حظ السيدة إلى داخل البئر وبعد فترة ليست بالقصيرة يعود راجعا ويبلغ السيدة انه لم يعثر عليه إلا أنها تطلب منه العودة ثانية وان لا يرجع إلا به، ينطلق حظ السيدة مرة ثانية إلى أعماق البئر وبعد مدة يرجع ويبلغ السيدة بأنه عثر عليه مغروسا في الطين والمياه الآسنة رأسه إلى الأسفل وهو يأكل من الطين ويشرب من المياه الآسنة وانه مرتاح في  وضعه هذا ويرفض الخروج، تأمر السيدة حظها بالعودة مرة أخرى وان يجلب حظ الخادمة الحسناء ولو بالقوة وفعلاً يذهب الشاب وبعد جهد ومشقة يخرج من البئر جالباً معه حظ الخادمة الحسناء الذي بدا عاريا من الملابس والقذارة تملأ جسده طويل الشعر واللحية، تطلب السيدة من الخدم أن يغسلوا جسده ويقصوا شعره ولحيته وان يلبسوه ملابس جديدة ونظيفة وبعدها يتناول من الأطعمة المتنوعة اللذيذة ومن الفواكه الطازجة وتخاطبه السيدة قائلة:-أنت حظ هذه (الفتاة الجميلة) أليس من الحيف أن تكون حظها وان تأكل من الطين وتشرب من الماء الآسن، هل هذا الطعام ألذ أم الطين والمياه الآسنة. فيجيبها إن هذه الأطعمة ألذ من الطين والمياه الآسنة.

تطلب منه السيدة بعد قليل ان يتناول مرة ثانية من تلك الأطعمة فيفعل وعند المساء تودعه السيدة وتطلب من حظها مرافقته في البئر لئلا يعود إلى حالته السابقة وتبلغه أنها ستعود كل أسبوع وتحمل له الأطعمة والشراب اللذيذ وفعلا تكرر العملية بعد أسبوع، وذات يوم وأثناء ما كانت الخادمة الحسناء واقفة في شرفة القصر يمر أحد أبناء الأمراء في المنطقة المجاورة فيعجب بالفتاة ويتقدم لخطبتها ويتزوجها باعتبارها ابنة السيدة وتعيش في سعادة وهناء مع زوجها الأمير إلا أنها تظل مواظبة على الذهاب إلى البئر ومواصلة ما كانت تقوم به السيدة من إطعام حظها وإكسائه.

 

ثالثاً: ومن العناصر التي تكاد لا تخلو منها أية حكاية شعبية تركمانية هي عنصر الأساطير والخوارق وهذا شأن الحكايات الشعبية في كل أمة إذ لا تخلو أمة من وجود عنصر الأساطير في حكاياتها الشعبية لان هذه الأساطير تمثل حالة الغنى والثراء في حكايات هذه الشريحة ومن الأساطير التي يعتقد بها التركمان أسطورة-بوز قورت- "الذئب الأغبر"(35)  حيث تحولت هذه الأسطورة إلى جزء من التراث الإنساني للتر كمان، وتتلخص هذه الأسطورة إلى أن أحد خاقانات التركمان كانت له بنتان في غاية الجمال فيقرر أن يهبهن للخالق الأعظم لأنه لم يعثر على إنسان يستحقهن فيبني قلعة في مكان منعزل يصعب الوصول إليه ويأخذ الفتاتين إلى هناك مع طعام وشراب، وهناك بعيدا عن البشر يحوم حول القلعة ذئب جميل ويقترب من إحدى الفتاتين وتنمو المودة بينهما فيتزوجها وتنجب منه تسع بنات وتسعة أولاد وهذه الأسطورة تدعي أن هؤلاء الأولاد التسعة هم أجداد التركمان مما حدا بالبعض أن يتخذ الذئب الأغبر شعاراً له اعتزازا بهذه الأسطورة وان يرسموه على الرايات والأعلام التي كانوا يحملونها في الحروب والقتال مع الآخرين.

لأساطير النجوم مكان بارز في الحكايات الشعبية التركمانية وهناك اعتقادمفاده سائد انه كلما سقطت نجمة فان هذه دلالة على موت إنسان ، كما أن هناك مجموعة تسمى الدب الكبير وهم أولاد رجل فقير يحملون نعش والدهم بأنفسهم وأن الأخير هو شقيقهم وقد تخلف عنهم لأنه مصاب بالعرج(36) وهناك أسطورة تخص مجنون ليلى عبارة عن نجمتين تلتقيان مرة في السنة ومن يشاهد هذا اللقاء فانه ينال ما يريد ويتمنى.

 

 

رابعاً: تظهر الطوطمية بشكل واضح في بعض الحكايات الشعبية التركمانية حيث أن بقاياها ما زالت راسخة بشكل أو بآخر في الإنسان وهذه الظاهرة تؤكدها بعض الحكايات مثل أسطورة أوغوز خان (اوغورز نامة) إذ أن الاعتقاد السائد أن كلمة – اوغوز – إنما أصلها  ( أو كوز ) أي الثور(37) وكذلك أسطورة – بوزقورت – الذئب الأغبر التي أشرنا إليها والتي تجسد منشأ التركمان وحيث أن هناك علاقة خاصة استناداً إلى هذا الاعتقاد بين الإنسان والحيوان نرى أن بعض الحيوانات تقف مع الإنسان موقف الصداقة وتمد له يد المساعدة للوصول إلى ما يريد. 

 

 

شخوص الحكايات الشعبية التركمانية

 

 

تكاد شخصية الحكايات الشعبية التركمانية لاسيما تلك التي تقوم بالأدوار الرئيسة تنحصر بعدة أشخاص، أما تلك التي تقوم بالأدوار الثانوية فكثيرة وتختلف من حكاية لأخرى ونحن هنا نريد أن نتطرق إلى الشخصيات الرئيسة التي تأخذ حيزاً كبيراً من هذه الحكايات والتي تكون أدوارها متميزة وفاعلة ومؤثرة في نتائج هذه الحكايات ويمكن لنا حصر هذه الشخوص بما يلي:

1-البطل: يكون البطل الذي يقوم بالدور الرئيس في الحكايات الشعبية التركمانية شخصاً غير اعتيادي فهو القادر على تحمل المصاعب وركوب الأهوال ومحاربة التنين والمردة ودخول البساتين المسحورة للوصول إلى حل اللغز الذي يبلغه إلى مدارج السعادة والنجاح أو جلب الدواء الذي يشفي الملك من العمى، وبإمكانه أي البطل الاحتراق في أتون الحب من أجل الإنسانة التي أحب والتضحية بأسنانه وبحياته في سبيلها، وهو الذي يقف بوجه الطغيان ومحاربة الاستبداد والظلم وكثيراً ما يجد من يساعده في الوصول إلى مسعاه لأنه ينقذ صغار الزمر عنقا أو يخرج الشوك من ساق الزمر عنقا الذي مر عليه أربعون عاماً وهو يتلوى من الألم ولا يقوى على السير ومن صفات البطل الجمال والنبل ومد يد العون للآخرين ومقارعة الغازي والغاصب لتربة الوطن.

2.الجن: إضافة إلى وجود عناصر أخرى في الحكاية الشعبية التركمانية فإن من شخوصها الجن ذلك العالم الذي يتصف بالخوارق والمعادل له وغالباً ما تسخر قوى الجن ما يجعل البطل يصل إلى ما يريد وأعمالها تكون دائما أعمالا خارقة في نظر الإنسان يعجز عن

إيتانها ، ولعلنا نلاحظ أن اغلب الحكايات التركمانية تتصف بالخوارق بصورة أو بأخرى التي لها دلالاتها الرمزية ومما لا يخفى على القارئ أن هذه الخوارق التي يقوم بها الجن تشكل عنصرا مشوقا يجعل الإقبال والاستماع إلى هذه الحكايات أكثر من تلك التي تخلو منها.(38)

3.المرأة: للمرأة أدوار متشعبة في الحكايات الشعبية التركمانية فمرة نرى المرأة تلك الحبيبة التي تضحي من أجل حبيبها مثل أرزي في حكاية أرزي وقنبر ومثل أصلي في حكاية أصلي وكرم وتتعرض للمضايقات والمآسي مثل زهرة في حكاية طاهر وزهرة جراء العلاقة الموجودة بينها وبين البطل ومحاولة حملها على الزواج من إنسان آخر وقد تضحي في نهاية الأمر بنفسها لهذه العلاقة عندما تغلق الأبواب في وجهها ولا تجد مفراً من الموت، وقد تكون القوة التي تعين البطل في الملمات حيث يقوم البطل برضع ثديها خلسة كما في حكاية أم المردة(ديو نناسي) وقد تكون المرأة تلك الجميلة التي يعشقها البطل بمجرد سماع صفاتها من الأفواه(39) ويعشقها دون أن يراها ويبحث عنها إلى أن يجدها وقد تتقمص شخصية ألأم بكل ما فيها من حنان وتضحية ونكران الذات، وقد تقوم بدور الأخت فتكون موضع حسد لاسيما إذا كانت أجمل من بقية أخواتها فتتعرض للكيد والوقوع في حبائل السحر والطلاسم وتحويلها إلى حمامة(40) أو غزالة بواسطة السحر وقد تكون الزوجة الثانية فتنال ما تنال من الضرة من أنواع الكيد والأمور التي لا تخطر على بال، وقد تقوم بدور ألام الشريرة التي تستعين بشتى السبل لإبعاد أبنتها من ذلك الذي يحترق من أجلها ويريد الاقتران بها طمعاً في زيجة أكثر فائدة من الناحية المادية أو الاجتماعية، كما إنها في بعض الحكايات تتقمص شخصية العجوز الشريرة كما في حكاية آزري وقنبر تلك الشمطاء التي ترضى بان تفرق بين قلبين لقاء وزنها من القطن تتعهد به أم آزري. كما نرى في بعض الحكايات أنها تكون ابنة الملك التي جعلت من رؤوس خطابها الذي فشلوا في حل اللغز الذي طرحته منائراً ومن أجسادهم قبابا(41) وادوار أخرى تغني الحكاية الشعبية التركمانية وتؤكد أن للمرأة حضورا متميزا في هذه الحكايات قلما تخلو منها أية حكاية .

4.السحرة: يظهر هؤلاء الأشخاص بشكل رجل دين أو في صورة درويش أو شيخ(42)  ويرجع هذا الأمر إلى الديانات التي كان التركمان يدينون بها بها وهي الشامانية قبل دخول الإيمان إلى قلوبهم بمجيء الإسلام حيث كان لرجل الدين(شامان)(43) الدور الكبير والمتميز في تسيير أمور الحياة والاتصال بالذات العليا ويقوم بالطبابة والسحر وقد يبدو هذا الشخص على هيئة بسيطة يظهر فجأة في البستان الذي يتجول فيه الملك وحاشيته ويكون الملك بلا ذرية وقد عجز عن الحصول على مولود رغم الأدوية والعقاقير ومراجعة الحكماء فيعطيه هذا الرجل البسيط تفاحة يتناول نصفها وزوجته تتناول النصف الآخر فتحبل زوجة الملك ويكون المولود بطلا لحكاية من الحكايات أو موضوعا لحب جارف.

 5.الحيوانات:- للحيوانات مكان متسع في الحكايات الشعبية(44) التركمانية ومن هذه الحيوانات ما تكون إلى جانب الخير ومساعدة البطل مثل طائر الزمرعنقا أو تكون شريرة تأتى بما هو مضر للإنسان والبطل مثل التنين الذي يسد الماء عن المدينة كما نرى حالات أخرى للحصان أو الكلب وادوار هما في الحكايات(45) وحيوانات كثيرة مرت علينا.

 

المغزى وراء هذه الحكايات:

 

 

المغزى من هذه الحكايات واضح بدون شك فلا يمكن أن تقوم كل هذه الأسس على فراغ وعبث ولعل المغزى متنوع حسب الحكاية فبعضها يكون ذات مغزى ديني مثل الحكايات الدينية التي تحاول ترسيخ القيم الدينية وتعاليم الإسلام ومواقف الأنبياء والصحابة وآل البيت وبعض الحكايات تكون ذات مغزى تعليمي لتربية الناشئة على المبادئ والعزة القومية(46) والوطنية والتعرف على المبادئ التي مات الأجداد من اجلها والحكايات التاريخية هدفها التعريف بالتاريخ الذي هو تاريخ أسلاف المتلقي والتعرف على ابرز الحوادث التي تجعل من هذا التاريخ ناصعا يقتدي به والوصول إلى الحكمة التي تكون بمثابة نقطة دالة في حياة الإنسان ، وهناك مغزى للألغاز والنوادر الخاصة بملا نصر الدين وهي ترفيهية ومعرفية، أما الحكايات التي تدور حول الخوارق والمعجزات والوصول إلى الكنز فهي لأجل تحقيق حالة من التوازن بين الواقع والحلم وجعل الواقع قابلا للاحتمال أو لنقل انه متنفس(47) من اجل قبول الحالة الراهنة بكل ما فيها من  فقر وحرمان وظلم واضطهاد.

 

 

آزري وقنبر إشارات ليست عابرة

 

 

إن حكاية آزري وقنبر تمثل علاقة مضيئة في تاريخ الأدب الشفاهي التركماني وتحتل مكانة متميزة بين الحكايات الشعبية الأخرى المعروفة لدى التركمان مثل حكاية اصلي وكرم وطاهر وزهرة وحكاية(كور أوغلوا) ولعل أهمية هذه الحكاية تكمن في أنها تلخص فلسفة التركمان إزاء قضية الحب وتعرفنا بأحوالهم وطرائق معيشتهم وتفكيرهم في فترة من الفترات التاريخية الممتدة إلى البدايات الأولى للإنسانية ولعلنا نتوصل بإطلاعنا على هذه الحكاية أو غيرها على تلك العادات الموروثة التي ما زالت متداولة حتى الآن والتعرف على الأفكار والأماني والأحاسيس التي كان عليها أسلافنا والتي تحولت إلى تراث خالد يصل حاضرنا بذلك الماضي البعيد وتنتمي هذه الحاكية الخالدة التي لم يعرف لها مؤلف معين إلى الحكاية الشعبية مجهولة المؤلف شأنها شأن الكثير من الحكايات والأساطير والأغاني الشعبية التي لم يذكر لها مؤلف معين وإنما نسبت إلى أمة من الأمم أو شعب من الشعوب ولا بد لنا من الإشارة إلى أن هذه الحكاية عراقية المنشأ وآية ذلك مجموعة من الدلائل التي تعضد هذه القناعة أولها أن اسم (قنبر) هو من الأسماء الشائعة والمتداولة في كركوك والموصل والمناطق التركمانية الأخرى ولعلنا من النادر أن نجد اسم آرزي أو أرزية في غير هذه المناطق آو في البلدان الأخرى التي تتكلم اللغة التركية وبهذا نخالف الأستاذ إيراهيم الداقوقي في رأيه الوارد في كتابه (فنون الأدب الشعبي التركماني) الذي لا يستبعد أن تكون هذه الحكاية قد وضعت في العراق أيام الدويلات التركمانية(48) وأنها شاعت بين الناس بعد دخول التركمان في الدين الإسلامي لوجود بعض البصمات الأسلامية في الحكاية(49) … إن هذه الحكاية على وفق

قناعتنا وجدت بتاريخ اسبق من هذه بكثير وان ظهور النزعة الإسلامية فيها قد جاء فيما بعد نتيجة التطور أو التحوير ومتطلبات الحياة الجديدة وما طرأ على معتقدات الناس استجابة لمنطق وأخلاقيات الدين الإسلامي .

ثمة نقطة أخرى تؤكد عراقية هذه الحكاية وهي ان قنبر عندما كان يرعى خرافه بعد تركه الدراسة في الكتاب انشد قائلا عند قدوم ارزي إليه :

اقتربت ارزي من النبع

طرق صوتها سمعي

لتكن هبة لها

شيروان ، تبريز ، مراغة

ومن الواضح أن شيروان وتبريز ومراغة هي أماكن في الجزء المحتل من أذربيجان من قبل إيران وإذا علمنا أن العاشق عندما يهدي شيئا إلى حبيبته فانه يهديها شيئا يكون في عداد المستحيل وبعيد المنال وتفصله عنه مساحات شاسعة لتكون تلك الهدية لائقة بالحبيبة ومن غير المعقول أن يهدي لها شيئا سهلا في متناول اليد ، هذا من جهة ومن جهة أخرى إن ارزي عندما طلبت من قنبر أن يذهب إلى الشاه لطلب المدد والنجدة لكي يتزوجها بالقوة فانه عد العدة وتحمل عناء الطريق حتى وصل إلى شاه العجم وهذا دليل آخر على أن هذه الحكاية عراقية الأصل.

… كذلك فان انتشارها على السنة أمهاتنا وجداتنا في ليالي الشتاء الطويلة وباللهجة الدراجة لدى التركمان في العراق تأكيد آخر على هذا الاعتقاد واذكر  أني تلقيت هذه الحكاية لأول مرة من لسان والدتي رحمها الله وعندما فكرت بترجمتها إلى العربية قارنتها مع الحكاية نفسها التي دونها الباحث عطا ترزي باشي فوجدتها مطابقة تقريبا(50) فاعتمدت عليها لاسيما أن  إنشدادي إلى هذه الحكاية يعود إلى زمن الطفولة عندما كنا نجتمع ونحن صغار حول منقلة الفحم

وكانت أعناقنا مشرئبة إلى أمي وهي تروي بأسلوب شيق هذه الحكاية وغيرها من الحكايات الشعبية التي كانت تحفظها بإتقان وبكل ما فيها من تفاصيل صغيرة ودقيقة ، واصل خلافنا مع الأستاذ الداقوقي ما ذهب إليه من أن قنبرا كان ابن تاجر خراساني قد رافق والده إلى الحج حيث انبرت للقافلة عصابة من قطاع الطرق وقد  قتل التاجر ومن معه وسلبت جميع الأموال والبضائع التي كانت في القافلة وقد تمكن أحد الخدم من إنقاذ قنبر وصادف أن مر أحد أشراف قرية قريبة فاحتضن قنبر واتخذه ولدا له وكانت له ابنة جميلة اسمها آرزي وقد حصل أن أحب أحدهما الآخر وأصبحا عاشقين من طراز خاص إلا أن وفاة والد ارزي جعلهما تحت سطوة ألام القاسية التي لم تبارك هذا الحب وبالتالي لم توافق على زواجهما بل زوجتها لشخص غريب لم يلق من ارزي سوى التجاهل والرفض لأنها أقسمت لقنبر على الوفاء حتى الرمق الأخير وبعد حين يتوفى هذا الزوج الصوري ويخلو الجو للعاشقين لكي يلتقيا من جديد ويكون اللقاء في متنزه حيث كان قنبر يتغنى بحب ارزي ووفائها فتلقي بنفسها في أحضانه وهنا تظهر الأم مرة أخرى لتفسد هذا اللقاء فتقوم بسحب ارزي من أحضان حبيبها إلا أن القدرة الإلهية تحول دون ذلك إذ تفيض المياه على شكل دائرة تحول دون عبور الأم إليهما فتموت أسى بينما تتحول روح العاشقين إلى حمامتين تطيران في الفضاء الرحيب(51) وفي معرض حديثه عن نشأة هذه الحكاية يقول إلى أن المصادر الاذرية لم تذكر شيئا عن هذه الملحمة وان المصادر التركية أغفلت ذكرها حتى أن دائرة المعارف التركية التي تعد من المصادر ذات الشأن اكتفت بـ(أن هذه الملحمة تشبه الملاحم الشعبية الأخرى مثل مجنون ليلى وطاهر وزهرة وغيرها وأنها قصة تركية قديمة) وقد صدر في تركية كراس صغير يحوي الملحمة وهو من الطبقات الشعبية الرخيصة التي لا تتضمن أية مقدمة ويستدل من العادات والتقاليد الواردة في متنها أنها ملحمة تركمانية تم إنشاؤها في عصر الدويلات.(52)

ويورد الداقوقي في مكان آخر من الكتاب انه ليس من المستبعد أن يكون قنبر شاعرا تركمانيا عاش في العراق وهذا يتناقض مع ما أورده في صفحات سابقة من انه ابن تاجر خراساني وتأكيده أن الأتراك ألا ذريين لا يسمون أبناءهم باسم قنبر، ونود أن نضيف إلى النقاط التي تتقاطع فيها مع الداقوقي من أن هذه الحكاية عراقية الأصل وأنها متداولة باللهجات التركمانية الدراجة في العراق وان قصائد الحكاية رباعية وقريبة من القوريات التي تعد من الأدب الشفاهي التركماني في العراق، كما أن الحكاية تجسد تلك العادات التركمانية من كرم وفروسية وتضحية ووفاء وذهاب الفتيات إلى النبع لجلب الماء وكلها عادات وتقاليد وأنماط حياة عراقية دون شك.

من الملاحظ أن اغلب الحكايات الشعبية التركمانية تدور في مناطق بعيدة عن بيئة المتلقي وقد تكون من صنع الخيال لتستقطب اهتمام المستمع وتثير تساؤلات كثيرة في مخيلته، فمرة تكون الأحداث في جين ما جين (الصين العليا والسفلي) ومرة تكون في جبل قاف الذي يعد هذا الجيل نهاية العالم وهو جبل هائل تعيش المردة والجان في طرفة وأن علوه يمنع المردة من العبور إلى الطرف الآخر، ومرة أخري ينقل طائر(الزمر عنقا) الخرافي البطل في الحكايات الشعبية إلى الطبقات السبع العليا وهذا الأمر يثبت لنا نقطة جوهرية تكمن في مقدرة الراوي الأصلي في هذه الحكاية وذكائه وسعة إطلاعه على جغرافية المناطق التي يؤسس فيها حكاياته ووضعية الناس هناك وطرائق معيشتهم وأسلوب حياتهم لتأخذ الحكاية مساراً واقعياً يمكن تصديقه رغم شيوع الخيال فيها.

 

  الحكاية في داقوق      

 

 يورد الداقوقي تفاصيل أخرى عن هذه الحكاية والمتداولة في قضاء داقوق حيث أن ارزي عند زفافها إلى عريسها الغريب ينشد قنبر رباعية مفادها [أيها الذاهبون بالعروس لا تخرجوا بها فقد أخذت زبدتها وابقيت لكم اللبن] ويكون هذا الشعر سببا لإعادة أرزي إلى أهلها فيستغل قنبر ذلك ويتزوج آرزي(53) إلا أن الداقوقي يعترف بأن هذه الرواية ضعيفة وأنها تخلو من الملامح الملحمية لذا فأنه يأخذ بالرواية التي تقول أن قنبر هو أبن تاجر خرساني.

الحكاية في طوز خورماتو

 

 

أما الشاعر عبد الطيف بندر أوغلوا فقد كتب هذه الملحمة في جريدة يورد الصادرة باللغة التركمانية في العدد 10089 في 31 / 8 / 1992 بلهجة قضاء طوز خورماتو وكان قد سمعها من زوجة عمه هيبت خاتون وقام بتسجيلها، أن هذه الحكاية التي ذكرها الشاعر بندر اوغلو لا تختلف إلا في تفاصيل بسيطة عن الحكاية المتداولة في كركوك كما أنه أورد بعض الأبيات المثنوية ونحن نعتقد أن هذه المثنويات قد أضيفت إلى الحكاية نتيجة الحاجة والتطور ومتطلبات البيئة لأن قصائد الحكاية هي رباعية في اصلها وأن هذه المثنويات لم تكن ضمن الحكاية.

 

الحكاية في مواجهة  نظرية بروب

 

 

أن الوظائف التي أوردها ((بروب)) والتي سماها بالوحدات الوظيفية قد تأتى مجتمعة وقد لا تتحقق جميعها وقد تنعدم إحداها على الأخرى ولكنها تظل النسيج الأساسي للحكاية الشعبية ،كما انه ليس من الضرورة بمكان أن تأتى متسلسلة الواحدة تلو الأخرى، ومن الواضح أن في حكايتنا هذه لا تتحقق جميع الوحدات إلا أنها بكل تأكيد تنضوي تحت الوظائف سواء أكانت جميعها أو بعضها والتي حددها بروب بنظريته عن الحكاية الشعبية.

لقد تحققت الوحدات الوظيفية التالية في حكاية أرزي وقنبر.

1-الوظيفة الأولى متحققة في الحكاية حيث أن أحد أفراد الأسرة وهو والد قنبر يكون متغيبا بسبب وفاته عندما كان قنبر قد بلغ التاسعة من عمره ثم تبعته أمه فأصبح يتيم الأبوين.

 

2-الوظيفة الثانية متحققة أيضا حيث تنهي ألام ابنتها ارزي عن الخروج من الدار والذهاب إلى النبع ورغم أن هذه الوظيفة لا تنطبق على البطل إلا أنها تنطبق على ارزي التي هي أحد طرفي البطولة أو التي تتقاسم مع قنبر البطولة في الحكاية.

 

3-الوظيفة الثالثة متحققة أيضا حيث ان ارزي ترتكب المحذور إذ تتواصل مع قنبر في تجسيد حبها الأسطوري وهذه الوظيفة مرتبطة بالوظيفة (الثانية) ومع ذلك تتلون الحكاية بظهور شخصية الشريرة العجوز التي تحول دون وصول قنبر إلى مبتغاه حيث تظهر في المقبرة عندما يجلب قنبر الجيش من الشاه، أن الشر في هذه الحكاية لا يكون حكرا على شخصية العجوز فحسب بل يتعداه إلى شخصية أم ارزي نفسها وما العجوز إلا الدافع الحقيقي في اكتشاف دواخلها ولهذا فان هذه الحركة الرئيسية في الحكاية تنطلق من هذا الدافع، دافع شخصية أم ارزي الشريرة.

 

-الوظيفة الرابعة متحققة أيضا حيث تقوم أم ارزي الشريرة الأولى بمحاولة استطلاعية وذلك بمتابعة خطوات قنبر وتتوصل إلى أخباره أولا بأول وتعرف قرب وصوله من الشاه مزودا بالجيش والسلاح وهذه المعلومات تتوصل إليها نتيجة محاولاتها الاستطلاعية والتجسس على قنبر بغية إجهاض محاولاته الرامية إلى الزواج من أزري بالقوة.

 

5-الوظيفة الخامسة متحققة حيث تتلقى العجوز الشخصية الشريرة الثانية -معلومات عن الضحية (قنبر) من الشريرة الأولى (أم ارزي) وبذلك تكمل الوظيفة الخامسة ما قامت به الوظيفة الرابعة.

  

6-الوظيفة السادسة متحققة إذ تقوم الشخصية الشريرة المتمثلة  في العجوز بإعداد سيناريو بدعم من الشريرة الأولى (أم ارزي) حيث تدعى العجوز وهي تبكي على قبر حديث ان هذا هو قبر ارزي وبذلك يتوهم قنبر أن ارزي قد ماتت وتفشل مهمة قنبر بالزواج من ارزي. بقوة الجيش الذي زوده به الشاه.

 

7-الوظيفة السابعة متحققة إذ تنطوي هذه الخدعة على قنبر ويأمر الجنود بالعودة إلى ديارهم وبذلك يساعد قنبر العجوز الشريرة وهو لا يدري ما خططت له.

 

8-الوظيفة الحادية عشر متحققة بخروج قنبر إلى الشاه طلبا ليد المساعدة للزواج من ارزي.

 

9-الوظيفة الثانية عشر متحققة إذ يقوم الشاه (الشخصية المانحة) باختبار البطل عندما يمثل بين يديه بناء على طلب أحد الوزراء ويثبت قنبر انه عاشق حقيقي وليس دعيا إذ يستطيع من تعداد ثمار بستان الشاه السبع وعلى ضوء هذا الاختبار يزوده الشاه بالجند والسلاح لتحقيق زواجه من ارزي بالقوة.

 

-تحقيق الوظيفة الرابعة عشرة من خلال حصول قنبر على الجند والسلاح لان الأداة السحرية التي يشير إليها بروب والمتمثلة في الحصان أو البساط أو الخاتم السحري تحقق نفس الغاية التي يحققها الجند والسلاح في هذه الحكاية وهي الحصول على ضالة بطل الحكاية – ولعل الفعل غير العادي أو ما يسمى بالخوارق هو من مثيل الأداة السحرية أيضا لأنه يحقق الهدف نفسه حيث يتحول شعر قنبر إلى سلاح مؤثر ضد خصومه عندما دعا بان تتساقط أصابع كل من تزين ارزي سواه وان تحل اللعنة بها وان ينشطر ظهر الحصان الذي تركبه ارزي إلى نصفين، هذه الصرخات التي أطلقها عاشق حقيقي يقيض الله سبحانه وتعالى الاستجابة لها.

 

12-ان أهم سمات الصراع هو التناقض  وهذا متحقق في الحديث الدائر بين قنبر والعجوز الشريرة التي تستطيع التغلب على قنبر من خلال الخديعة التي رسمتها له في المقبرة، وتسبب نتيجة عكسية تؤثر على نفسية البطل وتحدث له جرحا نفسيا ومعنويا بالغا وهاتان هما الوظيفتان السادسة عشر والسابعة عشر.

 

13- الوظيفة العشرون متحققة إذ يتحامل البطل (قنبر) على نفسه وبخطى وئيدة يصل إلى قريته بعد أن حققت الشخصية الشريرة من خلال صراعها الحواري مع قنبر الانتصار عليه وإصابته بالخيبة والانكسار الداخلي جراء خديعة العجوز له.

 

14- الوظيفة الثلاثون متحققة أيضا إذ تنال الشخصية الشريرة المتمثلة في العجوز جزاءها بضربة من سيف الغريب عندما يكتشف مكرها وتتهم ارزي وقنبر بأنهما نائمان وقد تغطيا بلحاف احمر ويعي الغريب هذه الحقيقة ويرى أن قنبر قد قتل وان ارزي قد قتلت نفسها وسقطت الجثة على الجثة.

ورغم أن بروب قد حدد إحدى وثلاثين وظيفة للحكاية الشعبية إلا انه فاته أن للحكاية الشعبية ومنها الحكايات الشعبية التركمانية استهلالا قبل الدخول في التفاصيل

 

والاستهلال هو عادة ما تبدأ به الحكاية  ووظيفتة تركيز وانتباه المتلقي لاستيعاب وتقبل الحكاية وشده إلى الموضوع.(54) بأيسر القول(55) وهو تمهيد للولوج إلى تفصيل الحدث والاستهلال عبارة عن تركيبة لا شعرية ولا محورية في آن واحد لنوع من التفكير البدائي بالأشياء والمجتمع.(56)

 

وتؤكد الدكتورة نبيلة ابراهيم في كتابها قصصنا الشعبي أن بروب لم يدرس الاستهلال في أية حكاية من الحكايات التي تناولها وإنما تجاوزها إلى الوظائف معتقدا الاستهلال هذا من صنع الراوي ، وتتوافر الحكاية الشعبية التركمانية على استهلال تبتدئ به وتكون فاتحة للحكاية ، وخليق بالإشارة أن ثمة أنماطا عديدة للاستهلال في الحكاية الشعبية التركمانية ومنها هذه الرواية

كان يا ما كان

في زمن كان الكذب فيه أكثر من الصدق

وضعوا الكذب في كيس

وركنوه إلى جدار

من هنا وهناك يا فته من قشر الرقي

وأزراره من الفجل

باهتمام بالغ

غربال في داخل تبن

عندما يقوم الجمل بمهنة الحلاقة

في الحمام العتيق(57)

والاستهلال(58) موجود في اغلب الحكايات الشعبية إلا أن الحكاية الشعبية التركمانية تنفرد بوجود وقفة لها نفس فعل الاستهلال في شد انتباه المتلقي إلى بقية فصول الحكاية وتتضمن هذه الوقفة العبارة آلاتية:

ذهبوا قريبا – ذهبوا بعيدا

عبروا التلال والوديان

ذهبوا باستقامة(59)

كما تتضمن الحكاية الشعرية التركمانية بوجود وقفة أخرى تكون بمثابة مسك – الختام حيث يسدل الراوي الستارة على الحكاية بقوله:

 سقطت ثلاث تفاحات

إحداها في فمي

والأخرى في فم الراوي

والثالثة في فم (…) (60)

والمقصود بالتفاحة الثالثة الشخص الذي يروي الحكاية حيث يذكر الراوي اسم الشخص الذي يروي الحكاية أي اسمه هو وتكون التفاحة الثالثة من نصيبه وهو نفس الشخص الذي تكون التفاحات الثلاث من نصيبه.(61)

وهناك صياغة أخرى للخاتمة تتضمن العبارة الآتية (من ده كيتيريم من ده بيرشى ويرمه ديلر) ذهبت أنا أيضا ولم احصل على شيء.

أرى لزاما علي لان هناك حقيقة تاريخية يجب تبيانها وهي أن هذا النص رغم انتشاره بشكل لافت النظر بين ظهراني التركمان وروايته في المقاهي والبيوت إلى عهد قريب ورغم أننا نحتفظ هذا الإرث عن ظهر قلب إلا أن الأستاذ الباحث والفلكلوري عطا ترزي باشي استطاع تدوين هذا النص في طبعتين الأولى في سنة 1964 مطبعة الزمان في بغداد والثانية سنة 1967 من قبل دار الترقي في كركوك لصاحبه محمد أمين عصري مما حال دون ضياع هذه الحكاية التي ترتبط بالتركمان بأكثر من وشيجة أو تشتت معالمها وامتداد أصابع العبث والتحوير إليها والأستاذ عطا ترزي باشى يعد أول شخصية أدبية عملت في هذا المجال منذ أكثر من ثلاثين عاما ورغم كوني قد تلقيت هذه الحكاية وأنا في مرحلة الدراسة الابتدائية من أمي وسمعتها عشرات المرات بعد ذلك ورغم مقارنة ما دونته في ذاكرتي عن هذه الحكاية الخالدة إلا أن النص المترجم قد اعتمد بالدرجة الأولى على الطبعة الثانية من كتاب عطا ترزي باشي المطبوع سنة 1967 كما أن هناك طبعة ثالثة بالحروف اللاتينية طبعت في مطبعة فاتح باستنبول سنة 1971 مع مقدمة وافية لم نطلع عليها إلا بعد إنجاز هذا الجهد.

 

الحكايـــــــــة

 

من هنا وهناك ، ياقته من قشر الرقي ، ازراره من الفجل ، في اهتمام بالغ ، غربال  في داخل تبن، يقوم الجمل بمهنة الحلاقة ، في الحمام العتيق (..).

كان يا ما كان ، كان هناك شقيقان تقاسما العيش معا في بيت واحد ، في ليلة ما اجتمعا في غرفة واحدة كالعادة وكانت امرأتهما حاملتين في شهرهما الأخير .

قال الأول : لنتفق يا أخي منذ الآن وليكن اتفاقا هذا وصية لكلينا وهو إن رزق أحدنا بولد والآخر ببنت فسيكونان لبعضهما منذ الطفولة .

قال الآخر : اتفقنا وتصافحا وقبل أحدهما الآخر كما تقتضي آداب وتقاليد الميثاق.

بعد انقضاء تسعة اشهر وتسعة أيام وتسعة ساعات رزق أحد الأخوين بولد اسماه
 –قنبر- والآخر ببنت اسماها ((ارزي))

دارت عجلة الزمن حتى بلغا التاسعة من عمريهما ، إلا أن القدر كان لقنبر بالمرصاد ففقد أباه ثم تبعته أمه فاصبح الصبي مهيض الجناح مما حدا بعمه أن يحتضنه ليعيش جنبا إلى جنب مع ارزي تنفيذا لوصية أخيه ساعة احتضاره، وبعد أن استقرت الحال بقنبر في بيت عمه قرر العم أن يأخذ الولدين إلى المسجد ليتعلما القران .

دخل على الملا مسلما عليه قائلا : هذه ابنتي وهذا ابن أخي جئت بهما لكي يتعلما على يديك.

قال الملا : على الرحب والسعة .

مرت سنة وسنتان وثلاث وفي يوم من الأيام قال أبو ارزي في سره ((لأذهب إلى الملا وارى أين وصلا في التعلم فلا مؤشر على أنهما تعلما شيئا)) وذهب إلى المسجد وبعد أن سلم على الملا جلس بين يديه قال : مولانا الجليل كيف حال الولد والبنت في التعلم والى أية  مرحلة وصلا فرد عليه قائلا : والله يا بني إن نقودك حرام علي لانهما لا يستوعبان شيئا مما اعلمهما بل يجلسان سوية ويتبادلان الغرام.

أجاب الملا : أن تذهب بهما فلن يفقها شيئا مما أقول ، انهنا يعشقان بعضهما

 قال الأب : ما الحل إذن ؟

قال العم : هيا احضرا حاجياتكما واذهبا معي إلى البيت وصحبهما من المسجد قاصدا الدار …. وفي البيت قال لقنبر :- قم أنت واذهب لرعي الخراف أما أنت يا ارزي فساعدي أمك في شؤون المنزل.  

في فجر اليوم التالي طفق قنبر إلى المرعى مستصحبا معه الشياه أما آزري فمكثت في الدار تساعد أمها في أعمالها اليومية المعتادة وفي داخلها يستعر الشوق إلى رؤية قنبر الذي فارقها ساعات كأنها الدهر بحاله وكان أن جاءها الخلاص من هذه الدوامة القاتلة إذ خاطبتها اليوم قائلة : لقد نفد ماؤنا يا آزري

أجابت آزري وهي لا تكاد تصدق ناوليني القربة لأملأها يا أماه.

ردت الأم : يا مقصوصة الشعر كم آنت متلهفة لجلب الماء ، اعلم انك ستذهبين إلى النبع وسترين قنبر هناك وستجلسين معه للهو والغزل ، اذهبي ولكن الويل لك إن تأخرت . إلا أن الفتاة أقسمت أغلظ الأيمان بأنها لن تتأخر وستعود مسرعة.

أسرعت آزري باتجاه النبع بخطى مرتعشة وهي ترتدي حلي خطوبتها من قنبر ورأته وقد استحال كتلة مشتعلة شوقا إليها وهو يهم بالنزول إلى النبع وإذا لمحها انشد قائلا:

 

النص التركماني

 

آرزيم آندي بولاغا

اقتربت آزري من النبع

سه سي كلدي قولاغا

طرقها صوتها سمعي

آزري يه بيشكش اولسين      شــيروان/تبريــــز/ مراغــــة  

لتكن هبة لها
شـــيروان/تبريــــز/ مراغــــة

 

لم تجبه الفتاة ، انحدرت نحو النبع ، وصلت إليه، ملأت قربتها ، نزعت حليها غسلت وجهها ويديها وفي هذه الأثناء لمحت قنبر يسرع الخطى باتجاهها كي يصل إليها قبل ان تغادر النبع فارتبكت حين رأته وغادرت على عجل بعد أن وضعت القربة على كتفها – لكنها من كثرة استعجالها نسيت حليها عند النبع ، وإذا وصلت إلى بيتها انهالت عليها أمها ضربا واتهمتها بالتأخر قائلة لها : تعسا لك أيتها الفاجرة ذهبت إلى النبع ورأيت قنبر فتأخرت.

فأجابت آزري وهي تنشج بالبكاء : والله يا أمي من فرط استعجالي نسيت سواري عند النبع.

قالت الأم: لقد فعلتها متعمدة فتركت سوارك عند النبع كي تذهبي ثانية لمشاهدة قنبر ، أسرعي واجلبي سوارك والا قتلتك يا مقصوصة الشعر.

ذهبت الفتاة وشاهدت قنبر يرعى الشياه وإذ لم تعثر على سوارها عند النبع أنشدت قائلة :

 

النص التركماني

 

طولوغومو دولديرديم

لقد ملأت قربتي

دول ديين قالديرديم

وحملتها على أنها ملأى بالماء

دينيم ايمانيم قمبر

قنبر يا ديني وايماني

بيله زيكيم صالديرديم

لقد فقدت سواري

 

اخذ قنبر الساز وانشد قائلا:

هه كولشاني كولشاني

أيتها الجنان الجنان

كوللر ييره دوشاني

تتوسد الأزهار الأرض

بيله زيكو اوستونده

فما العلامة التي

نه واريدي  نيشاني

تزين سوارك

 

أخذت الفتاة الساز وردت قائلة :

هه كولشاني كولشاني

أيتها الجنان الجنان

كوللر ييره دوشاني

تتوسد الإزهار الأرض

بيله زيكيم اوستونده

ان العلامة التي تزين سواري

آزري قنبر نيشاني

هي علامة آزري وقنبر

 

اخذ قنبر الساز وانشد قائلا :

بو صولر اولوغ اولوغ

قوية تتدفق هذه المياه

قيزلر دولديري طولوغ

فتملا الفتيات قربهن

بيله زيكيو تاباني

ما الذي ستهدينه لمن

نه ويريسن موشتولوغ

يبشرك بالعثور على سوارك

 

اخذت الفتاة الساز منه واجابته

قوية تتدفق هذه المياه        بو صولر اولوغ اولوغ

 

قيزلر دولديري طولوغ

فتملا الفتيات قربهن

 

ان نفسي الأبية هدية          بيله زيكيم تاباني

لمن يبشرني بسواري         شيرين جانيم موشتولوغ

 

ضم الفتى آزري إلى صدره قبلها، شمها ، ألبسها حليها .

قال: هيا اذهبي لئلا تعاقبك أمك.

عادت الفتاة فأشبعتها الأم ضربا وأحالتها إلى ما يشبه الجثة.

قالت : أيتها الفاجرة لقد تركت سوارك متعمدة وذهبت لتري قنبر مرة أخرى.

حل المساء وجاء زوجها فقالت له:

أنا لا أستطيع الاستمرار مع ابنتك هذه لأنها تتحجج كل مرة بشئ وتنطلق الى قنبر.

قال : ما الحل إذن ؟

قالت: سأقوم اليوم بإفراغ ما في ثديي من حليب واصنع منه طبقا من الطعام واجعل قنبر يأكل منه ليكون لابنتنا أخا في الرضاعة .

وافقها زوجها على هذا الرأي أملا منه في إيجاد أي شئ يكون سببا في التفريق بين آزري وقنبر .

بعد ذلك أفرغت أم آزري ما في ثديها من حليب وصنعت منه طبقا من الطعام ووضعته تحت (الطشت).

عند الظهيرة جاء قنبر قال: يا امرأة عمي ماذا لديك لآكله ؟

قالت: لتكن امرأة عمك فداء لك ، هناك تحت الطشت طبق من الطعام صنعته لك. .

فرح قنبر فرحا لا يوصف قال في سره (والله ان امرأة عمي تقول لي اليوم لتكن امرأة عمك فداء لك ، لعلها تزوجني ابنتها !)

وهنا ثارت حفيظة الفتاة وهي ترى ان قنبر يوشك ان يأكل من الطعام الذي أعدته أمها فأنشدت :

 

النص التركماني

 

هي ها تيدي هاتيدي

هاهي ذي الخراف

قويون قوزي يا تيدي

نائمة مع الشياه

قمبر ده له مه ييمه

لا تاكل من الطعام يا قنبر

ننه م سوتون قاتيدي

لان أمي مزجت حليبها فيها

تره جه مز دولي داش

ان رفنا ملئ بالأحجار

بير يا صدوغة قوياغ باش

لنضع رأسينا على وسادة واحدة

بير ننده ن او لما ديغ

لم نولد من رحم واحد

نيجه اوللوغ باجي قارداش

فكيف نكون أخوة اذن

 

ثم اخذ قنبر رأسا من البصل ورغيفا من الخبز وانطلق.

قالت الأم : (لا فائدة) ثم عاقبت الفتاة بالضرب المبرح حتى فقدت النطق وقالت : أيتها الفاجرة يا مقصوصة الشعر حتى هذا استطعت ان تفهميه لقنبر بالشعر والأبيات ، حتى لو مت لن ادعك تكونين من نصيبه أ أربي قنبر في بيتي ثم أزوجك إياه ‍!

في صباح اليوم التالي وبينما كان قنبر يهم بأخذ الشياه الى المرعى طلبت منه امرأة عمه قائلة : اجلب لنا خروفا لنذبحه . وفي الحال نفذ قنبر ما طلبت منه امرأة عمه فاحضر خروفا وأعطاه لامرأة عمه التي قامت بطهيه وقليه بعد ان قام زوجها بذبحه ووضعت سما في حصة قنبر من اللحم ووضعته تحت الطشت.

عند الظهيرة حضر قنبر من المرعى ، سأل امرأة عمه قائلا ماذا هيأت لنا من الطعام يا امرأة عمي ؟

أجابته لقد جهزت لك حصتك من اللحم المقلي.

جن جنون الفتاة ، قالت في سرها (أوه ان الطعام مسموم ولو أكل منه قنبر سيموت) وانشدت

 

النص التركماني

 

امه قمبريم امه

حذار يا قنبر حذار

ننه مين عقلي كمه

ان أمي ناقصة العقل

اوكوده قوزي بيريان

لا تأكل الطعام الذي بين يديك

آغو قاتيدي ييمه

لان أمي قد دست السم فيه

سحب الفتى يده من الطعام ولم يأكل منه وانشد

بوكون جه رشنبه دي

اليوم هو الأربعاء

كيولوه دوشن نه دي

ما الذي يدور في قلبك

اوت يا نار تموتون جخيماز

يشتعل الحطب ولا ينطلق الدخان

قازنده بيشن نه دى

فما الذي يشوى في القدر

 

مرة أخرى تناول رأسا من البصل ورغيفا من الخبز وانطلق.

 وكان ثمة رجل من (الطات) (62) جارا لعائلة آزري له أربعون ولدا ، وذات يوم جاء لطلب يد الفتاة من والدها لأحد أولاده فوافق على الفور على تزويجها لابن الغريب ، وحينما جاء قنبر أعلمته الفتاة بالخبر قالت : قنبر.

أجاب : نعم .

هل عرفت الخبر ؟

 أي خبر تقصدين ؟

قالت : لقد طلبت من والدي للزواج من ابن الطات وقد وافق على ذلك أرجوك جد حلا سريعا .

قال: ما الذي يستطيع ان يفعله شخص مثلي لا معين له ؟

قالت اذهب الى الشاه واطلب المدد منه لعله يزودك بكتيبة من الجند لتتمكن من الزواج مني بقوة السيف رغما عن الآخرين.

خاطب قنبر امرأة عمه بعد ان اقتنع بما اقترحته آزري قائلا : يا امرأة عمي لقد نفذ صبري لم يعد بوسعي تحمل البقاء هنا ما دمتم تنوون تزويج آزري لغيري . هيئي لي بعض الكليجة لأخذ بعض وارحل .

قالت : لك ما تريد .

همست في سرها (ليذهب كي نتخلص منه)

تهيأ قنبر للسفر – غسل ملابسه – لملم حاجياته وانطلق هنا وهناك حتى وصل به الأمر الى قصر الشاه ، دخل ومثل بين يديه فأراد الشاه ان يعرف

حاجة الفتى فسأله عن بغيته فاخذ قنبر الساز وانشد :

 

النص التركماني

 

شاه أوغلي شاهيم زادا

أيها الشاه من صلب شاه

كلميشه م سنا دادا

لقد جئتك مستغيثا

ما ليم يوختي الا ييم

لا قدرة لي لأتزوج

خان آزري م كيتدي يا دا

آرزي التي آلت الى الأغراب

 

عاد الشاه وقال :

دورون دورون كوره ليم

مهلا مهلا لنطلع

عاشق حالين صوره ليم

ونسال عن أحوال العاشق

جاغرين خزنه داري

احضروا الخازن حالا

عاشقا مال ويره ليم

لنعطي العاشق مالا

 

اخذ قنبر الساز وأجاب :

عاشق مالي نيليري

ما الذي يفعله العاشق بالمال

دنيا داري نيليري

لا جدوى من كل متاع الدنيا

عاشق داده كليبدى

جئتك بحثا عن عون

سننه ن امداد ديليري

وأنا انتظر منك المدد

قال الشاه : زودوه بكتيبة من الجند وليتزوج أية فتاة يريدها بقوة السلاح .

نهض احد الوزراء ليقول : مولاي هل تحققت من كونه عاشقا حقيقيا.

قال الشاهد : وكيف نتحقق من انه عاشق حقيقي .

قال الوزير : لو استطاع ان يمزج ثمار بستانك السبع أثبت انه عاشق حقيقي.

اخذ قنبر الساز وانشد

 

النص التركماني

 

آلما، آروك، هالوجه

التفاح والمشمش والآلو

قاوون، قاربوز، بونيجه

الرقي والبطيخ فكم هذا

هيوا ييديم صارالديم

لقد تناولت الكمثرى فاصفر لوني

ناركله معده م آجه

والرمان هو فاتح شهيتي

 

زوده الشاه بكتيبة من الجند المدججين بالسلاح والمدافع

قال: اذهبوا معه فقد اثبت انه عاشق حقيقي.

هلموا لنذهب ونتقصى أخبار أم آزري التي تسرب إليها الخبر فاستدعت عجوزا وأعطتها بما يعادل وزنها قطنا .

قالت : أيتها الأم العجوز لقد ذهب قنبر ليستنجد بالشاه وليجلب العسكر والعدد وأخشى ان يتزوج ابنتي بالقوة ، أعيديهم الى الوراء بلعبة ذكية فيكون هذا القطن لك.

قالت العجوز : اعملي لي قدرا من الحلوى مع عدد من الارغفة ولا تكترثي. وضعت بين كل رغيف قطعة من الحلوى بعد ان هيأت أم آزري ما طلبت منها العجوز وحملته في طبق بعد ان لفته بالقماش وانطلقت في الصباح الباكر لتجلس على قبر حديث.

استغرق جلوسها يوما ويومين وثلاثة ، بعد ذلك شاهدت غبارا يتصاعد من بعيد فأيقنت من هذا الصخب والغبار ان قنبر قادم مع الجند باتجاه المدينة مرورا بالمقبرة وقد أحدث وصولهم ضجيجا كأنه يوم القيامة وقالت العجوز أمام هذا المشهد في سرها (والله ان قنبر قادم)

عندما اقترب قنبر من المقبرة وجد العجوز وقد حلت شعرها وهي تضرب نفسها وتصرخ وتبكي فاستوقفه هذا المشهد ذلك لان قنبر كان ذا قلب مرهف ، التمس من الجند ان يقفوا برهة من الزمن ليعرف مصيبة العجوز

سألها قائلا :

النص التركماني

 

آلتيميز بورا داندي

ان أساسنا من هنا

اوستو موز يارا داندي

والخالق فوقنا

قارى سؤال ايديره م

خبريني أيتها العجوز

كليشيم هارا داندي

من أين مقدمك

 

ردت عليه قائلة :

آلتيميز بوراداندي

ان أساسنا من هنا

اوستوموز ياراداندي

والخالق فوقنا

اكر سؤال ايدرسه 

إذا كنت تسأل عن مقدمي

كليشيم اوباداندي

فانا قادمة من القرية

 

رد الفتى وقد ساوره الشك على مصير حبيبته

 

او يا يميز داغميدير

يميننا جبل

بو يانيميز داغميدير

ويسارنا أيضا

قارى سننه ن صور يرام

اخبريني أيتها العجوز

آزري اولوب صاغميدير

هل آزري حية أم ميتة

 

قالت العجوز : ثكلتك أمك يا ولدي ، لماذا اذن الطم وأوزع الحلوى.

قال الفتى وقد خارت قواه من هول الصدمة : هل آزري هي التي ماتت..

فأومأت العجوز برأسها مبدية أسفها وحزنها الشديدين وأردفت : فداؤك نفسي إنها هي التي ماتت .

قال بأسى : لا جدوى اذن لقد تجشمت عناء السفر وتحملت المتاعب من اجل ان احصل على آزري بعون من الشاه ولكن جهودي ذهبت سدى. ولما لم يعد من بقاء الجند من فائدة اذن لهم قنبر بالعودة قائلا : ان آزري قد رحلت فعودوا أدراجكم.

عاد الجند الى الوراء وتهالك قنبر على القبر يلطم ويبكي وطفقت الدماء تسيل من عينيه بدلا من الدموع.

عند أذان المغرب مر شخصان فشاهدا قنبر في حالة تدعو الى الرثاء فخاطباه قائلين : يا أخانا لقد أهلكت نفسك والله لا يرضى بذلك قم فاذهب فمن يستطيع ان يمنع أمر الله ما الذي تفعله في هذه البرية في هذا اليوم البارد. تحامل الفتى على نفسه وبخطى وئيدة وصل الى القرية وكأن أوصاله قد تقطعت من شدة الإعياء، هنا كانت المفاجأة فها هي آزري حية ترزق وقد حشرت ثوبها في وسطها وهي تسحب الماء من البئر فلم يصدق الفتى ما رأته عيناه وكأنه في حلم.

وقف على الباب واسند رأسه عليه وكاد ان يسقط مغشيا عليه من شدة التأثر ، وهنا اكتنف الفتاة شيء من الدهشة والحيرة ، إذ ان قنبر قد عاد خالي الوفاض قالت :

 

قابيدا دوران آدام

أيها الرجل المتهالك على الباب

بوينيني بوران آدام

المطاطئ رأسه أسى

كيتمشتو شاهة دادا

ذهبت للشاه طلبا للنجدة

هاني شاهدان بير آدام

وها قد عدت الآن صفر اليدين

 

رد الفتى قائلا :

نولدي قاريدان اولدى

ما جرى كان خدعة من عجوز شمطاء

زلفي صاريدان اولدى

ذات جدائل صفراء

عسكريم كرى دوندى

لقدعاد الجند إلى الوراء

كوزه ل تاريدان اولدي

وكانت هذه مشيئة الله

 

ولج الفتى الى الدار واستلقى على فراشه دون ان يتناول شيئا من الزاد.

في الصباح جاءت أسرة الطات للتفاوض حول الأمور المتعلقة بالخطبة والزواج، دون إبطاء أعطيت الفتاة ودفع مهرها وعقد قرانها وهيئت ملابسها وحليها وانفضت ليلة الحناء وفي بحر أسبوع أكملت الأم كل الاستعدادات ولم يبق شيئا سوى التخلص ثانية من قنبر وهمست الأم في سرها (فلننته من هذا الأمر رغم انف قنبر وليبق محترقا كما هو).

بعد الانتهاء من مستلزمات الزواج حضرت النساء لتزيين العروس فأخذت الفتاة تبكي والفتى يبكي ولاتهما عاشقان حقيقيان كانت الدماء تنسكب من اعينهما بدلا من الدموع ، وكان الفتى واقفا على الباب مطاطأ الرأس،أنيرت امرأة من بين النساء لتزيين العروس ومساعدتها في ارتداء ملابسها، هنا أنشد الفتى قائلا:

هي هو كيلسين هو كيلسين

ألافلتتهاوى وتندك

قانلي داغلار سو كيلسين

تكلم الجبال المتراصة

آزري ني بزه ده ني

ومن تتولى تزين آزري

أمن بارماغي توكيلسين

فلتتساقط أصابعها العشرة

 

فتساقطت أصابع الأمراة التي كانت تزين العروس وتحقق دعاء العاشق الحقيقي فولت تلك المرآة الأدبار نادبة حظها السيئ وشاع في القرية إن من تزين العروس تحل بها اللعنة وتتساقط أصابعها العشرة ولكن احدهن تحدت دعاء العاشق وقالت أنا التي سأزينها ومن يكون قنبر؟ لكي يقبل الله دعاءه وشرعت بتزيين العروس فأنشد قنبر مرة أخرى:-

أنا قنبر مثلما الجبل         من قمبرم داغ كيمين

أرتجف كما الورقة          تيتره ره م يارباغ كيمين

من تزين العروس          آرزي ني بزه ده ني

فلتلبس السواد كما الزاغ   قره كيرسين زاغ كيمين

ولم يطل الأمر إذ جاء من يحمل خبر الفاجعة التي حلت بتلك المرآة إذ أن دارها قد انهارت وان أولادها الأربعة وزوجها ماتوا تحت الأنقاض وهرع الناس لإخراج الجثث فانتفضت المرآة من مكانها وطفقت

كالمجنونة تاركة العروس قبل ان تكمل تزيينها وعادت مشكلة تزيين العروس من جديد حيث ان الجميع قد امتنعوا لان قنبر واقف على الباب وان دعوته مستجابة على الفور لأنه عاشق حقيقي.

وتساءلت النسوة في حيرة ما الحل اذن ؟

لم تجب أية واحدة منهن ولف المكان صمت مطبق بعد ان تيقنوا من ان لا جدوى من الأمر ، وهنا قطع صوت قنبر هذا السكون قائلا : يا امرأة عمي إن الأمر سهل ، دعوني أقوم أنا بتزيين العروس والا سأقف على الباب حتى الموت والعن كل من تقوم بتزيينها.

قالت النساء: دعوه ليزينها ماذا في الأمر ، إنها ابنة عمه وهي ليست عسلا كي يغمس أصابعه فيه.

ولم تجد امرأة عمه بدا من هذا الحل ووافقت على مضض قائلة : هيا زينها كسر الله رقبتك.

أجاب قنبر: ان لي شرطا في ذلك إذ كلما تواصلت في تزيينها قبلتها.

قالت النساء: لا بأس قبلها.

شرع قنبر في إلباس العروس ملابسها ووضع المساحيق على وجهها وكلما انتهى من شئ قبلها من وجهها وعينيها وجبينها كما يحلو له.

وبعد برهة من الزمن حضر موكب العروس يتقدمهم أولاد الطات الأربعون رجلا ممتطين صهوات خيولهم محدثين ضجيجا في القرية فأستقبلهم الناس وكما جرت العادة مسكوا العروس من ذراعيها لإيصالها إلى الموكب المعد عند الباب وهنا خرج قنبر إلى الباب وقال:

شددت على الحصان ملاءة قانية    آته ووردوم قان ترمه

فلا تلوموني إن أجرمت             قان ايده رسم قورتارمه

فلينكسر ظهر حصان                أرزي مينه ن آتلره

تركبه أرزي                        آتي اولسين بيل صارمه

   سموا بسم الله وهموا بوضع العروس على ظهر الحصان المعد لها لتركبه فانشطر ظهره في الحال الى نصفين وبقيت العروس على الهودج وتحققت لعنة قنبر ، وضج الناس من جديد وتساءلوا ما الجدوى من المضي في هذا الأمر فقد لعن قنبر عشرة حصن جلبت للعروس وانشطرت ظهورها الى نصفين.

ومرة أخرى كان الحل لدى قنبر وحده إذ بادر قائلا : دعوني اجلب مهري لتركبه وأنا الذي أقوده.

قال هذا وذاك لا غرابة في الأمر ولو ركبت مهره، لا تطيلوا الأمر كما فعلتم في الموضوع تزيينها ، فوافق الجميع وذهب قنبر على اثر ذلك وجلب مهره من الإسطبل واركب عليه العروس وشد المهر من زمامه.

سار الموكب يتقدمهم قنبر وهو ممتلئ غضبا وغيظا بحيث انه كان لا يلتمس طريقه جيدا وكان المهر يدوس على كعب قدمه دون ان يكترث بالألم رغم خروج الدماء من حذائه ، وكان الفتى الولهان وهو في هذه الحالة المؤلمة ينشد قائلا :

 

هاننان قمبريم هاننان

مهلا يا قنبر مهلا

محبتو جيخماز جاننان

ان هواك لن يبرح القلب

ديزكينو جكه رك طوت

اسحب طرف سروالك

دابانيم دولدي قاننان .

فان كعبي قد امتلا دما

 

أجابت الفتاة وهي على صهوة المهر :

 

هاننان قمبريم هاننان

مهلا يا قنبر مهلا

محبتو جيخماز جاننان

ان هواك لن يبرح القلب

دابانودان كله ن قان

ليت الذي ينسكب من كعب قدمك

كه لسين شيرين كوزمنان

ينسكب من عيني

 

وحين استدار قنبر ورفع النقاب عن وجه العروس- رأى الدماء تسيل من عينيها. غضب الطات من هذا الحرج واخذ سوطا وانهال به على قنبر حتى أسقطه أرضا فأصبح الناس أمام مشهدين ، مشهد الفتاة التي تبكي دما وهي فوق المهر ومشهد الفتى الذي ينزف دما وهو طريح على الأرض.

رفع الفتى رأسه وهو يتلوى من الألم وانشد قائلا :

طاط اوغلى كوله جه بوي

ايتدو خان آرزيمه طوى

يا بن الحقير يا قصير القامة

لقد أقمت عرس آرزي التي

كره سين من آلميشه م

لقد نزعت انا زبدتها

عيرانين باشيوه توي

فلتسكب أنت لبنها على رأسك

امتعضت العروس وقالت في سرها "ان أبن عمي قنبر يحبني كثيرا فكيف يرضى بتحقيري ويتهمني أمام هذا الجمع " وانشدت :

هه ايله دو ايله دو

لقد فعلتها وفعلتها

آلتونوم بولي ايله دو

وحولت ذهبك الى دراهم

سن منه ده كمه ميشدو

أنت لم تلمسني قط 

نيشين بحتان ايله دو

فلماذا تهني ظلما

 

رد عليها قنبر منشدا :

هه ايله دم ايله دم

لقد فعلتها وفعلتها

آلتونو بول ايله دم

وحولت ذهبك الى دراهم

حامسي آغاج زورننان

إن قسوة العصا هي التي

سنه بحتان ايله ديم

جعلتني اتهمك ظلما

 

وصل موكب العروس الى باب بيت الغريب فدخلت العروس الا  ان قنبر لم يبرح المكان وظل واقفا أمام الباب وانشد قائلا:

 

مننه ن اولان كهرى يه

فليرجع الذين يرافقوني الى الوراء

كيتمه سين ايليري ايلري يه

ولايستمروا في المضي إلى الأمام

آرزيم كيره ن ئه ولرى

إن البيوت التي تدخلها آرزي

كيجة كيلاو بوري يه

فلتعد خاوية على عروشها

 

ومن طول انتظار قنبر وتحمله الجوع وقسوة العطش وهو معتصم خلف دار الطات فقد ساءت حالته وتحول قنبر ذلك العاشق الوسيم الى كتلة من سواد تتحرك كتمثال من رخام ولم يصمد طويلا من شدة التعب والإعياء إذ خر ساقطا على طرف النهر قبالة دار الطات ومكث طويلا دون ان يعود الى بيت عمه ، حدث نفسه قائلا: ما جدوى العودة الى بيت هجرته آزري ، سأتجول في براري الله.

لنعد الى آزري لنعرف ما حل بها بعد ان حلت في البيت الطات إذ انه في المساء جاء العريس وتوضأ وسمى باسم الله ودخل المخدع لكي يصلي ركعتين لصلاة الدخول وإذا هو على السجادة سقط وكأنه ميت منذ ألف عام وانتظر الناس خروج العريس ولكن دون جدوى ، فحطموا الباب ودخولا فرأوا الخمار مسدلا والعروس في جهة والعريس ممددا في جهة أخرى وقد لفظ أنفاسه قال الطات برباطة جأش ان هذه هي لعنة قنبر ، إني على استعداد لأضحي بأولادي جميعهم ولكن لن ادع قنبر يحقق مبتغاة، اخذ الجثة ومددها في غرفة أخرى ثم احضر إمام القرية وطلب منه البقاء حتى الصباح وعقد قران الفتاة على ولده الأصغر الذي خاطبه قائلا : يا بني إن أخاك قد مات بأمر الله وقد قررت ان اعقد قران آزري عليك فأما أن يحقق الله مبتغانا الليلة او ان تتحقق لعنة قنبر إنها مشيئة الله فلا تكترث.

تم ما أراد الطات إذ عقد قران ابنه الصغر على آرزي ودخل الفتى مصلاته كما فعل الأول ومرة أخرى تحققت لعنة قنبر ومات العريس الثاني ، آما الناس فقد كانوا على الباب وهم في حالة قلق منتظرين خروج العريس ونبأ موته ، ولما طال الانتظار ولم يخرج دخلوا كما فعلوا من قبل ووجدوا المشهد يتكرر وخلاصة القول ان هذا المشهد (الفاجعة) قد تكرر أربعين مرة وأصبح لدى الطات أربعين جثة.

عندما أزف الصباح انتشر الخبر وتيقن الناس ان نبوءة قنبر قد تحققت ومات أولاد الطات الأربعون الذين عقدوا قرانهم على التوالي على آزري وصاح صائح : ليسرع من كان قادرا على رفع الجثث ونقل التوابيت الى المقبرة ، وفي المساء دفن الفتية الأربعين وهنا قال الغريب لإمام القرية : لقد نفضت يدي من أولادي وقد جاء دوري انا فاعقد قرآني على آزري.

عقد قران آرزي على الطات وقبل أن يدخل مخدعها وقف على الباب وهو يتوجس خيفة من الأمر قال : يا آزري قد واريت اولادي التراب وعقد قرانك علي فكوني في حالة حداد لمدة أربعين يوما لأزواجك ، انا أيضا سألتزم بالعزاء لمدة أربعين يوما لأولادي الأربعين وبعد انقضاء العدة سآتي لاتصل بك ، لم تجب آزري لأنها تمنت من الله يوما كهذا ، كانت تبكي من اجل قنبر والدماء تنسكب من عينيها.

ذهب الطات وجلس في غرفة أخرى يفكر بالمصيبة التي حلت به وكيف ان فتاة واحدة  تسببت في هلاك اولاده جميعا.

أصاب الفتاة ضيق في الصدر وهي حبيسة بين جدران الغرفة خمسة او ستة أيام ، حدثت نفسها قائلة : " تبا للطات لا وفقه الله لأخرج إلى السطح ، لقد تلفت هنا من ذرف الدموع" .

في السطح رأت على ضفاف النهر شخصا يروح ويجئ وقد تحول الى كتلة سوداء لا طاقة به ليقول (يا الله) وإذ رفع قنبر رأسه شاهد آزري وهي تنظر من السطح قال في نفسه : " ان محبة آزري لي لم تعد كالسابق فلأتبادل معها الحديث وارى حقيقة أمرها ، فصاح : أيتها الفتاة .

أجابت: نعم

قال : هل ارمي نفسي في النهر ؟

قالت بلا اكتراث : الى الجحيم .

قال الفتى : هكذا تقولين لي يا آزري

رمى نفسه في النهر فغطس ثم انتفض فعرفته آزري من خصلة شعره قالت : انه قنبر الذي رمى نفسه في النهر وأردفت قائلة (63)

 

غرض اولاسان غرض

لقد سقط الساز من يدينا

يار المزده ن دوشي ساز

والتهم النهر قنبر

قمبري شط آباردى

فأدركه يا خضر الياس

يريش يا خدر الياس

وحقق مطلبي

 

وفي الحال تحققت أمنيتها فأنقذ قنبر إذ أدركه خضر الياس وهو بين الموت والحياة ووضعه على حافة الشاطئ ، وبعد ان استعاد أنفاسه رفع رأسه وتطلع الى آزري قائلا: كفى يا ابنة عمي لا طاقة لي بعد الآن للعشق ، انظري كيف تحولت انا الجميل الى بقايا إنسان مصبوغ بالسواد ، لقد تيبس عودي ولم يبق في جسدي مثقال من اللحم ، انزلي الى تحت واجلسي على ضفة النهر فمنذ عدة أيام لم أذق شيئا من الزاد وأنا اذرع الشاطئ جيئة وذهابا ، تعالي لأسند رأسي إلى حجرك لكي أنام قليلا ، أريد هذه المرة ان العن نفسي.

قالت: لكنني أخاف من الطات.

قال : أتخافين من الطات ؟ وهم بإلقاء نفسه في النهر ثانية لا إنها استدركت قائلة : لا ترم نفسك إني قادمة أليك.

نزلت الفتاة مسرعة من السطح وهي تتلفت يمينا وشمالا خشية ان يراها الطات وحين التقيا انعقد لسانهما ولم ينطقا ببنت الشفة فجلست القرفصاء وبعد ان استجمع قواه واسترد أنفاسه قال قنبر : يآزري فلأضع رأسي على حجرك فوافقته الفتاة وبينما هو في هذه الحالة دعى قنبر على نفسه قائلا: يا رب لا طاقة بي في تحمل هذا العشق فخذ أمانتك ، لبى قنبر أمر ربه وهو يرقد في حضن حبيبته (لقد كان عاشقا حقيقيا لذا كانت دعوته مستجابة).

اعتقدت الفتاة انه مازال نائما وبعد ان طالت رقدته قالت في نفسها لقد طالت رقدته ولا ادري ما الذي سأفعله).

مرت ساعة وساعتان وثلاث ساعات ، حدثت نفسها مرة أخرى (الآن سيأتي الغريب ويضربني حتى الموت ، يا الهي ماذا اصنع ؟ )

حاولت إيقاظه وهي تردد قنبر ، قنبر ولكن دون جدوى ، أخذت طابوقة ووضعتها تحت رأسه وهي تروم العودة الى بيت الطات إلا إنها ندمت وأدانت نفسها قائلة: "أوه ليكن وجهي اسودا لقد وضعت رأسه على الحجر ، فإذا استيقظ الآن ورأى رأسه هكذا سيقتل نفسه ، كل هذا من اجل ان لا يضربني الطات ، خراء في كفن أبي الطات".

رجعت ورفعت رأسه من على الحجر ووضعته في حجرها ، حاولت إيقاظه ، قنبر ، قنبر ، فلم يجب وبإحساس قلب مرهف أدركت انه مات " أوه لقد مات قنبر ، قتل نفسه فهل أكون بعد هذا زوجة للطات ؟ "

فتشت ملابسها ووجدت سكينا صغيرة وطعنت قلبها ومزقت ضلوعها ورمت بجسدها على جثة قنبر وسقطت وتعانقت جثتا العاشقين.

أما العجوز الفاجرة التي خدعت قنبر وأعادت الجند إلى الوراء ومن حيث جاءوا فقد حدثت نفسها قائلة : " والله لأذهبن إلى بيت الطات لأرى ما تفعله آزري بدون قنبر"

بعد ذلك حضرت الى بيت الطات وخاطبته : أيها الطات أين آزري ؟

قال: إنها في غرفتها .

دخلت الى الغرفة فلم تجدها فأخبرته أنها ليست ها هنا .

قال : لعلها صعدت الى السطح.

صعدت العجوز الى السطح فسقط نظرها على مشهد غريب فاستدعت الطات فقالت له: تعال وأنظر ولتغمر في الحناء فان آزري وقنبر نائمان على ضفة النهر وقد تغطيا بلحاف احمر.

وهنا ثارت حفيظة الطات فاستل سيفه من غمده واصطحب العجوز معه ليتأكد من حقيقة الأمر لقد رأى قنبر ميتا وان آزري قد قتلت نفسها وسقطت الجثة على الجثة وبعصبية قال للعجوز : يا مقصوصة الشعر أيتها الفاجرة أنت سبب هذه الفاجعة ، فقد أعدت الجند إلى الوراء بلعبة قذرة منك ، لقد كان قنبر عاشقا حقيقيا ولهذا فقد قبل الله دعاءه وهلك اولادي الأربعون ، انهما ميتان وما زلت تقولين انهما نائمان على ضفة النهر وقد تغطيا بلحاف احمر.

وبضربة واحدة من سيفه المسلول فصل رأس العجوز عن جسدها فتناثرت دماؤها وسقطت قطرة بين جسديهما حيث دفنا هناك وبمرور الايام تحولت تلك القطرة الى شوك هائل دائم التجدد ، وبالرغم من ان أهل القرية يقومون بقطع ذلك الشوك سنويا الا انه يعود مجددا لكي يشير الى تلك العجوز التي كانت سببا في منع عاشقين من التوحد حتى بعد موتهما.

 

 

الهوامش:

 

فنون الأدب الشعبي التركماني/إبراهيم الداقوقي ص42و43.مطبعة دار الزمان الطبعة الأولى سنة 1962.

 قصائد ملحمية ترجمها عن التركية /إبراهيم الداقوقي ص17 المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولي سنة 1980.

الحكاية الشعبية د.عبد الحميد يونس ص10 مشروع مشترك لدار الشؤون الثقافية الهيئة المصرية للكتاب .

نفس المصر السابق ص61.

نقلت هذه الوحدات بأجمعها من الصفحات 16،17،18،19،20،21،22،23،24،25،26،27 من كتاب القصص الشعبي العراقي في ضوء المنهج المورفولوجي، داؤد سلمان الشويلي-دار الشؤون الثقافية العامة لسنة 1986 والتي نقلها المؤلف بدوره من كتاب قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية للدكتورة نبيلة إبراهيم ،دار العودة بيروت سنة 1974.

الأدب الشعبي، احمد صالح دار المعرفة القاهرة سنة 1954.

فنون الأدب الشعبي التركماني- ص42،43.مصدر سابق.

نماذج من الفلكلور التركماني العراقي عبد اللطيف بندر اوغلو ص131.مطبعة دار الشؤون الثقافية العامة سنة 1993.

فنون الأدب الشعبي التركماني ص81.مصدر سابق.

الحكاية الشعبية د.عبد الحميد يونس ص85. مصدر سابق.

نماذج من الفلكلور التركماني ص134. مصدر سابق.

كتابنا أغاني وطقوس  التركمان.

فنون الأدب الشعبي التركماني ص43.مصدر سابق.

ومن القصص التي تنضوي في هذا الجانب حكاية الحسناء والمارد التي تدور حول ثلاث شقيقات يكسبن قوتهن من غزل الصوف وبيعه، كانت الصغرى ذات جمال أخاذ وكان جمالها هذا وبالاً عليها لغيرة الأختين الكبيرتين منها وكلما كبرت زاد إعجاب الناس بها وكثر خطابها، ومع الأيام أخذت الغيرة تتضخم في قلب الفتاتين فقررتا التخلص من الأخت الصغيرة، وكان يجاور دار الشقيقات بيت كبير يحيط به الغموض يعيش فيه مارد هائل له أنابيب حديدية، يقدح الشر من عينيه، وذات يوم ذهبت الفتاة الحسناء إلى السوق لبيع ما غزلته وبعد عودتها تفقدت بلبلها الذي كانت تحبه أكثر من نفسها فلم تجده وقد أوهمتها الشقيقتان بان البلبل قد طار إلى فنا دار المارد ، قررت الفتاة النزول إلى دار المارد وجلب البلبل ، ربطت الشقيقتان حبلا في وسطها وتدلت من الجدار العالي إلى الدار وعند وصولها إلى منتصف الطريق قطعت الفتاتان الحبل فسقطت المسكينة وهنا وعت الحقيقة وما خطط لها فدخلت الدار فزعة وتفقدت غرفها وشاهدت طعاما كثيرا والغرف غير مرتبة .نظفت الغرف وغسلت الملابس الموجودة وطبخت طعاما ثم اختبأت قبل مجيء المارد ، وقبيل حلول الظلام دخل المارد الدار بخطواته التي اهتزت من تحتها الأرض فدهش مما رأى وعرف ان هناك شخصا قد دخل الدار وقام بهذه الأعمال ، طلب المارد أن يخرج من قام بهذه الأعمال ووعد أن لا يؤذيه وهنا خرجت الفتاة فدهش المارد من جمالها ولما شاهد ارتباكها وخوفها طمأنها وقرر أن يجلها ابنة له.

        مرت الأيام والفتاة تعيش في سعادة غامرة وتتجول في غرف الدار وتغني بصوتها العذب ، لان الدار التي يسكنها المارد تحتوي على أربعين غرفة وقد أعطى لها المارد مفاتيح الغرف وسمح لها إن تدخل جميع الغرف إلا واحدة إلا إن الفتاة وأشباعا لفضولها دخلت ذات يوم الغرفة الممنوعة فوجدتها خالية سوى من حوض ماء كبير في وسطها ونافذة كبيرة في إحدى جدرانها وفي هذه الأثناء حطت خمس حمامات على النافذة ونفظن أنفسهن فانقلبن إلى حوريات ودخلن حوض الماء الواحدة تلو الأخرى وهن يتضاحكن وقالت كبيرتهن /أتعلمن لماذا يربي المارد تلك الفتاة المسكينة أجابت الحوريات/كلا يا أختاه .

        قالت /قريبا سيتزوج ابن السلطان وسيقوم المارد بذبح المسكينة ويصبغ بدمائها هودج العروس واثر هذا الحديث انقلبت الحوريات إلى حمامات وغادرن المكان.

        أصاب الفتاة ذعر شديد، أخذت تبكي ولم تطبخ طعاما للمارد كعادتها وعند ما عاد المارد في المساء تعجب من ذلك فأفهمته الفتاة سر حزنها وقصت عليها الحكاية فقال لها . ألم أحذرك من دخول تلك الغرفة إلا انه لا باس عليك ، اذهبي إلى تلك الغرفة غدا وعندما تسمعين نفس الكلام من الحوريات قولي لهن إن أبى سيزوجني ابن السلطان وسيذبحكن تحت أقدام الفرس الذي اركبه وفعلا دخلت الفتاة الغرفة وتكرر نفس المشهد ونفس الحوار فأجابت الفتاة بما لقنها المارد فطارت الحمامات دون رجعة.

        ذات يوم وبينما كانت الفتاة تغني قرب النافذة صادف أن مر موكب ابن السلطان فعشق صوتها وطلب من والده ان يخطب له ابنة المارد فكان ذلك وتزوجت الحسناء من ابن السلطان وعاشت حياة زوجية سعيدة (مجلة الإخاء "قادرا شلق" التركمانية ص2،3،4 العدد السابع السنة الثالثة ت2، 1963)الكاتب حبيب الهرمزي من الأساطير التركمانية(المارد والحسناء كول بهار)

16-نماذج من الفولكلور التركماني ص 133

17-فنون الأدب الشعبي التركماني ص43

18-أساطير تركمانية ص2،3 مجلة الإخاء (قارداشلق) العدد الثاني عشر السنة الثالثة نيسان 1964 /حبيب الهرمزي . حيث أن هناك حكايات تتحدث عن قدرة الله وعدالته وعظمته وتدخل في باب المحور الذي يضم الحكايات الدينية ومن هذه الحكايات حكاية (إرادة الله) وحكاية (زمر عنقا) ومخلص الحكاية الأولى انه كان في سالف الأزمان سلطان جائر وبينما كان ذات يوم يتسلى مع حاشيته أطلق الوزير المدعو (هياس) الحكيم والعالم والعارف ببواطن الأمور ضحكة عالية فاستغرب السلطان من ذلك ولما سأله عن الأمر الذي جعله يضحك بهذه الصورة قال الوزير ان في الصحراء المترامية من المملكة خيمة رجل معدم رزقه الله بمولود ذكر سيكون صهرا للسلطان فغضب السلطان من هذا الآمر فكيف لفتى فقير أن يتزوج ابنته الجميلة فقرر ان يتحدى هذا الآمر وفعلا خرج في اليوم الثاني بعد أن تنكر وبدل هيئته وبعد بحث مع جنوده عثر على الخيمة وعلم أن الرجل المعدم قد رزق بطفل وعلم من خلال الحوار أن الأبوين على استعداد للتنازل عن الطفل لعجزهما عن تدبير تكاليف معيشته فأعطاهما مبلغا من المال واخذ منهما الطفل وبعد أن مضى به إلى مكان مقفر استل سيفه وبقر بطن الطفل وتركه بين الموت والحياة في عرض الصحراء ضناً منه أن الطفل قد مات، إلا أن الطفل لم يكن قد مات إذ مرت راعية من المنطقة وعثرت عليه وخيطت جرحه وأستصحبته إلى دارها واتخذته أبنا لها وكلمة كبر بدت عليه إمارات البطولة والشجاعة وذات يوم كان السلطان في رحلة صيد مع حاشيته فصادف واحة جميلة وخيمة كبيرة بقربها فتوجه ومن معه أليها للتزود بالماء فاستقبلهم شاب وأكرمهم وابدى واجب الضيافة نحوهم مما أسترعى أنتباه السلطان فعرض عليه أن يكون من ضمن حرسه الخاص لما كان عليه من الفتوة والشباب والذكاء فوافق الشاب على الفور ودخل في خدمة السلطان، وكان للسلطان منافس في ملكه من البلاد المجاورة والذي شن هجوماً عليه واحتل المملكة برمتها سوى قصر السلطان الذي دافع عنه الشاب ببسالة وجمع شمل القوت التي تشتت وتمكن من تخليص القصد ومن ثم طرد العدو من المملكة فقرر السلطان أن يزوج أبنته من هذا البطل مكافأة له وتم ذلك وفي صبيحة يوم الزفاف وبينما كان السلطان مع حاشيته أطلق وزيره هياس ضحكة عالية قائلاً أن ما كتبه الله لا يستطيع كائنا من كان أن يبدله هل تعلم يا مولاي أن عريسك الذي سيكون وليا للعهد هو الطفل الذي بقرت بطنه، فتعجب السلطان وتحقق على الفور من الأمر ورأى آثار الجرح الذي خاطته الرعية وعندها سجد لله واعترف أن الإنسان عاجز عن تبديل مشيئة الله

أما حكاية (زمر عنقا) فتتلخص أنه ولد لأحد السلاطين أبنة ولسلطان البلد المجاور ولد وذات يوم حضر إلى قصر أحدهما منجم وصرح أن الطفلين سيكونان لبعضها عندما يكبران فسمع (زمر عنقا) ذلك وأطلق صرخة مدوية وضرب بجناحيه فاهتزت أركان القصر وقرر إن يحبط ما كتبه الله فخطف البنت الصغيرة وطار بها إلى مكان قصي وبنى لها عشاً فوق شجرة عالية  في واحة –كبرت الطفلة وهي لا تعرف أحدا غير الزمر عنقا- ومرت الأيام وكبر ابن السلطان وكبرت الفتاة أيضا وذات يوم وبينما كان الأمير قد خرج للصيد ابتعد عن حاشيته وتاه في  الصحراء وبعد مسيرة مضنية وصل إلى الشجرة التي تعيش الأميرة فوقها وفي هذه الأثناء سمع دويا هائلاً ورأى آثار الغبار من بعيد واقترب طير هائل فعلم انه الزمر عنقا ومن شدة خوفه بقر بطن حصانه ودخل فيه وخاطه من الداخل، حط الزمر عنقا على الشجرة وهو يحمل الماء والطعام للأميرة وعندما رأى جثة الحصان صعد بها إلى الشجرة لتتسلى بها الأميرة وهي ترى الطيور تتزاحم على الجثة.

في اليوم الثاني طار الزمر عنقا ليجلب الماء والطعام إلى الأميرة فخرج الأمير من بطن الحصان فدهشت الأميرة إذ لم تشاهد سابقاً إنسانا وخافت منه إلا انه طمأنها بأنه إنسان مثلها فأحبته وعقد قرانه عليها وتزوجا وكان يدخل في بطن الحصان كلما حضر زمر عنقا ويخرج عندما يذهب لجلب الماء والطعام وبعد فترة رزقا بطفلة جميلة كانت تختبئ في بطن الحصان، وذات يوم وبينما كان السلطان يقوم بتصريف شؤون المملكة حضر نفس المنجم وأطلق ضحكة عالية فاستغرب السلطان وسأله عن سبب ذلك وقص عليه الحكاية فخرج السلطان وجهز جيشاً جراراً وتم جلب الأميرة من الحصان وأثناء فتح بطن الحصان خرج الأمير وأبنته الصغيرة وتم عقد قران الأميرة والأمير ثانية وفشل زمر عنقا في إحباط قدرة الله.      

91-نماذج من الفلكلور التركماني ص 632.

20-من الحكايات التي تدخل في هذا الباب والتي كنت قد تلقيتها عن والدتي رحمها الله أبان طفولتي وسمعتها أيضاً من امرأة تركمانية من أربيل مؤخراً "حكاية الولد الذي قطع لسان أمه" وتتلخص الحكاية التي تغرس الاستقامة والمثل العليا في أعماق الطفل منذ نعومة إظفاره انه كان لامرأة طفل صغير وذات يوم سرق الطفل بيضة من الجيران واتى بها إلى أمه التي أبدت ارتياحها من هذا الأمر وقبلت الولد فتشجع واستمر في سرقاته التي كبرت معه وبينما كان يسرق ذات يوم تم القبض عليه وحكم عليه بالموت وقبل تنفيذ الحكم عليه طاب ان يرى والدته فحضرت وهي تبكي وتولول فطلب منها الابن ان يقبلها من لسانها ورغم تعجبها فلم تشأ أن تخيب أمله وهو على مشارف الموت فأخرجت لسانها فعضها الابن بكل قوته وقطع لسانها وأخذت المرآة تصرخ وتستغيث وهربت مولية الأدبار فأبدى الحاضرون دهشتهم وهنا قال الابن إن هذا اللسان الذي قطعته هو ما أوصلني إلى هذه الهاوية فلو كانت أمه قد نصحته ووبخته عندما سرق المرة الأولى لما استمر في هذا الطريق الذي قاده إلى الموت.

21-الحكاية الشعبية د. عبد الحميد يونس ص19.

22- فنون الأدب  الشعبي التركماني ص58.

23-نفس المصدر السابق ص45.

24-نفس المصدر السابق ص49.

25،26 كنت قد تلقيت ذلك من والدتي رحمها الله.

27-فنون الأدب الشعبي التركماني ص55.

28- الحكاية الشعبية د.عبد الحميد يونس ص95.

29- نفس المصدرالسابق ص74 .

30- فنون الأدب الشعبي التركماني ص35.

31-38 الأدب الشعبي التركماني ص-50-60.

32- الحكاية الشعبية د. عبد الحميد يونس ص43.

3337 فنون الأدب الشعبي التركماني ص47-54 .

38-الحكاية الشعبية د.عبد الحميد يونس ص26.

39-41فنون الأدب الشعبي التركماني ص 61-67.

42- أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية د. عمر الطالب ص86 الموسوعة الصغيرة دار الحرية بغداد سنة 1980.

43-47 فنون الأدب الشعبي التركماني من ص159 -161.

48-50الاستهلال فن البدائيات في النص الأدبي-ياسين النصير ص22 -91 دار الشؤون الثقافية سنة 1967.

 

51- هذا الاستهلال كان يردده والدي رحمه الله أما والدتي فلم تكن تذكر ذلك لصعوبة حفظه

52،53-بورد الأستاذ عبد اللطيف بندر اوغلو في كتابة نماذج من الفولكلور التركماني ص132و136و137 عدة استهلالات مختلفة تتشابه في بعض الأوجه ويورد نفس المصدر الوقفة في وسط الحكاية ونفس الخاتمة.

54- هناك تشابه بين هذه النهاية وتلك التي أوردها الدكتور عمر

 

 

المصادر

 

1- عطا ترزي باشي- آرزي ايله قنبر. مطبعة دار الترقي سنة1967

2-الشويلي- داؤد سلمان – القصص الشعبي العراقي في ضوء المنهج المرفولوجي – الموسوعة الصغيرة – دار الشؤون العامة 1986.

3- يونس. د. عبد الحميد – الحكاية الشعبية – كتاب الجيب- دار الشؤون الثقافية العامة بالاشتراك مع الهيئة المصرية العامة للكتاب.

4- الداقوقي/ إبراهيم –فنون الأدب الشعبي التركماني- مطبعة دار الزمان- الطبعة الأولى سنة 1962.

5- الطالب/ عمر محمد –أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية- الموسوعة الصغيرة 86 منشورات دار الجاحظ سنة 1981.

6- حمادي/ صبري مسلم- أثر التراث الشعبي في الرواية العراقية الحديثة المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 1980.

-7النصير / ياسين – الاستهلال فن البدايات في النص الأدبي – دار الشؤون الثقافية العامة سنة 1993.

-8إبراهيم / د. نبيلة- قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية دار العودة بيروت سنة 1972.

-9جريدة (يورد) الوطن التركمانية العدد 1089 في 30/8/1992 من إصدارات مديرية الثقافة التركمانية.

-10الداقوقي /إبراهيم – قصائد ملحمته – المؤسسة العامة للدراسات والنشر الطبعة الأولى سنة 1980.

-11صالح /احمد رشدي – الأدب الشعبي دار المعرفة القاهرة سنة 1954.

-12ترزي باشى/عطا – ارزي قمبر الطبعة الثانية 1967 إيران.

-13بندر اوغلو/ عبد اللطيف – نماذج من الفولكلور التركماني العراقي دار الشؤون الثقافية العامة سنة 1993.

14الداقوقي/محمد خورشيد – من الأدب الشعبي التركماني – نادي الإخاء التركماني بغداد 1989.

 

 

 

 

 

الفهرست

 

 

 

1-المقدمة

2- مقدمة في الحكاية الشعبية التركمانية

3- محاور الحكاية الشعبية التركمانية

4- شخصية الراوي ومكان الحكايات ومصادرها

5- الخصائص الفنية للحكاية الشعبية التركمانية

6- شخوص الحكايات الشعبية التركمانية

7- المغزى وراء الحكايات

8- آرزي قنبر إشارات لست عابرة

9- الحكاية في مواجهة نظرية بروب

10- نص الحكاية

11- الهوامش

12- المصادر