العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

مقدمة حكايات ( ده ده قورقوت )

 

جلال بولات

 

 

المقدمة

 

عرفت حكايات ده ده قورقوت في مطلع القرن التاسع عشر لأول مرة حين اكتشفت المخطوطة الأولى للكتاب وعرفت فيما بعد بنسخة درسدن . وقد واظب الكثير من المستشرقين  والباحثين على دراسة هذه الحكايات الملحمية التي تصور حياة قـبائل الأوغوز وصراعهم مع الأقوام والممالك المجاورة ، وما زالت تظهر إلى يومنا هذا بعض الدراسات والمراجعات والأبحاث القيمة التي تتخذ من كتاب ده ده قورقوت موضوعاً ومصدراً لها . وباستمرار تتوالى أبحاث جديدة موضوعها الحكايات بسبب الحاجة أولاً، وبسبب عدم كفاية الدراسات السابقة في إشباع غريزة البحث والاستقصاء لدى المهتمين ثانياً .

   تعد حكايات ده ده قورقوت من أروع الآثار وأكثرها جذباً للأنظار في خزينة الأدب التركي ، كما تعتبر معيناً لا ينضب في دراسة اللغة التركية ، إلى جانب أنها كانت سبباً في ظهور أبحاث قيمة تتعلق بمرحلة تاريخية معينة من منظار الحكايات، كان هدفها واضحاً وهو تحديد تاريخ نشأة الحكايات ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بحياة صاحب الحكايات ده ده قورقوت .

   نشر كتاب ده ده قورقوت لأول مرة في تركيا عام 1916 من قبل الباحث التركي (كيليسلي رفعت) بالحروف العربية التي كانت مستخدمة آنذاك . وفي سنة 1938 قام الباحث التركي (اورهان شايق كوكياي) بنشر الكتاب للمرة الثانية . ومن  الجدير بالذكر أن الكتابين اعتمدا على نسخة منقولة عن النص الأصلي وليس على المخطوطة الأصلية بذاتها .

   ثمة مخطوطتان من كتاب ده ده قورقوت . المخطوطة الأولى هي نسخة درسدن والثانية هي نسخة الفاتيكان. وقد اكتشفت نسخة الفاتيكان في الآونة الأخيرة وعرفت في الأوساط العلمية بعد عام 1950. وبسبب ضعف مخطوطة الفاتيكان واتفاق الآراء على أنها مخطوطة ناقصة تعتمد مخطوطة درسدن كأساس لغالبية الدراسات في العالم التركي.

   مخطوطة كتاب ده ده قورقوت اكتشفت في المكتبة الملكية بدرسدن من قبل الباحث الألماني (فليتشر) ، ولكن مواطنه الباحث (فون دييز) يعتبر بحق أول من استفاد من المخطوطة وقام بنشرها لأول مرة في برلين عام   (1811 - 1815) كان دييز يبحث في الأمثال الشعبية وقاده البحث الى دراسة العصر الذي عاشه ده ده قورقوت ، ثم اهتدى الى الكتاب وسلط الضوء بإمعان على شخصية ده ده قورقوت ، كما قام بنشر ترجمة حكاية ( تبه كوز) إلى الألمانية، وذهب الى حد مقارنة شخصية المارد ( تبه كوز) مع العملاق (بوليفموس) في ملحمة الاوديسيا لهوميروس. واعتماداً على طول ومساحة تفاصيل الحكاية لدى ده ده قورقوت  خلص إلى القول بأن الإغريق قد استلهموا هذه الحكاية من الشرق والمقصود هم الترك. وفي ذات الوقت حرص دييز على إخراج نسخة مصورة مطابقة للأصل تماماً من المكتبة الملكية بدرسدن وإيداعها إلى مكتبة برلين لغرض التداول ضمن (بيرستش كاتالوج _ رقم 203 ).

   وفي منتصف القرن التاسع عشر انكب (تيودور نولدكه) على دراسة مخطوطة درسدن وبدأ دراسته باستنساخ المخطوطة، ولكن بسبب تعذر فهمه لبعض النقاط المهمة في المخطوطة تحاشى نشر ما توصل إليه ، وبذلك يعتبر المستشرق الروسي (بارتولد) أول من كتب مقالة مهمة عن ده ده قورقوت ، وترجم حكاية (دلي دومرول) إلى الروسية. ولم يكتفِ بارتولد بهذا وحسب ، بل صرح بأنه اطلع على دراسة (نولـدكه) التي لم تكتمل ، وكتب بشكل دوري عن الحكايات المتناقلة عن ده ده قورقوت بين التركمان والقوقاز في ذلك الوقت ، نقلاً عن ( آ. تومانسكي) .

   تومانسكي بدوره نشر مقالة تطرق فيها إلى شخصية ده ده قورقوت مضيفاً إلى معلومات معاصريه ما ذكر في كتاب ( شجره ئ تراكمه) لمؤلفه ( أبو الغازي بهادرخان ) . أما ( ك. اينوسترانتسيف) فقد بحث في شخصية ده ده قورقوت ، إن كانت شخصية حقيقية أم خيالية ؟ وذهب إلى أن ده ده قورقوت ربما هو نفس شخصية   ( قورقوت ابن عبدالحميد ) الذي كان أمير قبائل (بوزـ أوق) في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي .

   وفي تركيا توالت الدراسات والمقالات التي كتبت بشأن الكتاب وعن حكايات ده ده قورقوت وبالأخص بعد نشره لأول مرة في تركيا عام 1916، إذ كانت هذه البحوث في الغالب تعتمد على النسخة المصوّرة التي أخرجها دييز. أما الأبحاث التي قدمها ( اورهان شايق كوكياي) وفيما بعد ( عبدالقادر إينان ) هي أغنى ما قدم عن المخطوطة وعن شخصية (ده ده قورقوت) .

   قام (اورهان شايق كوكياي)  بنشر الكتاب وأشار في مقدمته إلى كافة المراجع التي كتبت عن ده ده قورقوت وحكاياته . ويعـد المدخل الذي كتبه كمقدمة للكتاب أغنى ما كتب في هذا الشأن في مطلع الخمسينات ، ثم جاءت دراسة ( د. محرم أركين ) كأفضل دراسة أكاديمية شاملة نال عنها شهادة الدكتوراه ، تناول فيها كافة المراجع التاريخية عن المخطوطة وعن شخصية  ده ده قورقوت، وإضافة إلى نشره النسختين ومقارنتهما ، قام بدراسة اللغة المستخدمة في المخطوطة من ناحية الصرف والنحو، وذيـّل بحثه هذا بقاموس خاص بالمفردات المستخدمة لدى ده ده قورقوت.

   وفي عام 1950 عثر على مخطوطة أخرى لكتاب ( ده ده قورقوت) بين المخطوطات التركية القديمة في مكتبة الفاتيكان، واعتبرت هذه المخطوطة ناقصة لأنها تضمنت ست حكايات . أما مخطوطة ( درسدن ) فتحتوي على اثنتي عشرة حكاية . وجد هذه المخطوطة الباحث الإيطالي (اتتوري روسسي ) وقد عرّفها حينئذ بمقالة احتوت على معلومات مقتضبة . ثم قام فيما بعد بمقارنة نسخة الفاتيكان مع مخطوطة درسدن ، ونشر ترجمة كلتا المخطوطتين في كتاب بلغ عدد صفحاته 364 صفحة ومن ضمنها 95 صفحة خصصت للمقدمة .

   إن أقدم مصدر تاريخي نقل خبراً عن ده ده قورقوت هو كتاب (جامع التواريخ ) لمؤلفه الوزير الايلخاني الطبيب رشيد الدين الهمداني، حيث يورد في الفصل الخاص الموسوم بـ (تاريخي اوغوزي توركان وحكايه تي جهانكيرى) تفاصيل مهمة عن قورقوت كونه عاصر أربعة من أمراء الأوغوز. ففي هذه الأوغوزنامه التي كتبت بالفارسية في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي ، تؤكد على أن قورقوت سطع نجمه في عهد ( قايي إينال خان ) الحاكم العاشر في تسلسل ملوك الأوغوز، حيث عمل مستشاراً. ومما يذكر أن قورقوت في حقيقة الأمر كان قد ظهر على مسرح الحكم في عهد الملك (إينال سر ياوكوي) وهذا هو أبو ( قايي اينال خان) ، وهو الذي مهّد لإعتلاء الابن عرش أبيه ، وأنه عاش في عهد أربعة حكـّام ، ابتداءً من الحاكم العاشر إلى الحاكم الرابع عشر، وظل محتفظاً بمنصبه كمستشار للملك . ده ده قورقوت هو ابن (قره خوجا) ينتسب إلى عشيرة البيات ( وهي فرع من الأوغوز) . ويذكر رشيدالدين في كتابه: أن الشخص الذي نقل إليه هذه المعلومة أكد على أن قورقوت كان حكيماً لا يبارى في النظم الجميل والمنطق الرزين ، إضافة إلى أنه كان ولياً وله كرامات ، وأن له حكايات كثيرة . وعلى الرغم من أن ( رشيد الدين ) في كتابه هذا يلزم نفسه على أنه سيدون معلومات أوسع عن حكاياته إلا أنه وللأسف لم يفعل ذلك ، وان قورقوت هو الذي يختار إسماً لابن هذا الحاكم فيسميه (تومان) ، وهو الذي ينتخب (كول أركي) نائباً لتومان، ثم يزوجه من ابنة كول أركي، ويطلق اسم (قانلي ياوكوي) على وليدهما البكر. وباتفاق الآراء مع أمراء الأوغوز يشارك في إبعاد الحاكم تومان من دفة الحكم ، وتنصيب إبنه (قانلي ياوكوي) خلفاً لأبيه. ويؤكد الهمداني أن قورقوت عندما كان يشغل منصب المستشار في عهد ( قايي اينال خان ) يظهر الرسول محمد (ص)، وان قايي اينال خان يعتنق الإسلام . على أن الرقعة الجغرافية التي تكون بمثابة مسرح لهذه الأحداث هي المنطقة الواقعة إلى غرب بحيرة ( إيسيك ) وشمال نهر ( سرداريا ) .

   ومما يجدر ذكره هو أن الأوصاف المذكورة عن شخصية ده ده قورقوت في هذه الأوغوزنامه التي كتبت بالفارسية عن ( كونه حكيماً وله كرامات ، وأنه كان مستشاراً لدى خانات الأوغوز، وأنه عاش في زمن الرسول (ص) وانتمائه إلى عشيرة البيات ، وصلاحياته في تسمية أولادهم، ونظمه الكلام الجميل ) هي ذاتها الصفات المذكورة في مخطوطة كتاب ده ده قورقوت .

   المؤلف المصري ( أبوبكر ابن آيبـك الدواداري) في كتابه (درر التيجان) الذي أهداه إلى الملك ناصر محمد ابن قلاوون ودون فيه الأحداث التاريخية إلى عام (1310م ) حينما تطرق إلى عام 1229 وحديثه عن جنكيزخان في مقدمته ، عرج على الاوغوزنامه وقام بتدوين معلومات في غاية الأهمية عن حكاية ( تبه كوز) .

   ( يقول ابن آيبك بأن هذا الكتاب يذكر ظهور الاوغوز وبدايتهم الأولى . فيه معلومات أقتبست من كتاب الخان العظيم ( بيتجكي )، إنه كتاب نفيس يتفاخر به قدامى الترك من المغول و القفجاق إلى حد تقديسه ، مثله مثل الأوغوزنامة الموجودة لدى الأوغوزيين ، يتناقل من يد إلى يد ويمثل البداية الأولى لظهورهم . ذكرت فيه أسماء ملوكهم الاوائل ، وان جدهم الأول يدعى (أوغوز) . كما جاء ذكر مارد اسمه ( تبه كوز) وقيل أن هذا كان مخلوقاً بشع الهيئة مخيف المنظر له عين واحدة في وسط جبينه ، وان أمه هي جنية من البحر، لا تؤثر في جسده السيوف ولا الرماح . العرقية التي كان يعتمرها معمولة من جلد ثلاثة عشر خروفاً. ومازالت أجيالهم تتناقل أشكالاً من هذه الحكاية المشهورة ، يحفظها الحكماء و ذوو البصيرة ويروونها وهم يعـزفون على قيثارتهم. هذا المارد الذي ظهر في ديار الأوغوز عاث في ديارهم خراباً ، جرح بعض أمرائهم وقتل العديد من رجالهم ، وفي نهاية الأمر تمكن فارس شجاع كريم المحتد ذائع الصيت بين الترك يدعى (بصاط بن آروز) من قتل هذا المارد.. وفي آخر كلامه يقول: إنما كتبت هذه المقدمة بشكل خاص لمن يقرأ كتابي هذا ليقف على مدى اطلاعي ومعرفتي بأحوال الترك .)

   يبدو أن ابن آيبك قد اطلع في ذلك العهد على نسخة من الأوغوزنامه ، إذ أن حكاية تبه كوز التي يروي عنها موجودة في الكتاب مع اختلاف بسيط ربما هو ناجم عن خلط الكاتب بين شخصية بصاط وبين بيره ك أو كانتورالي .

   المرجع الثالث الذي ذكر فيه اسم ده ده قورقوت وبايندرخان وسالور قازان و تروى فيه بعض الوقائع من كتاب الحكايات هو كتاب (سلجوقـنامه) الذي يتفـق على أنه مكـتوب في القرن الرابع عشر الميلادي في عهد أمير سليمان ابن السلطان العثماني بايزيد. وفي فصل لاحق دونت بعض الأمثال والحكميات جاءت مطابقة مع الحكميات الموجودة في مقدمة كتاب ده ده قورقوت . ومما يلفت النظر في هذا الكتاب هو ذكر أسماء ليست موجودة في كتاب ده ده قورقوت ، من هنا يذهب بعض الدارسين إلى أن كاتب الـ (سلجوقنامه) ربما اطلع على نسخة أوسع وأشمل من كتاب ده ده قورقوت الحالي الذي وصل إلينا عبر المخطوطتين الحاليتين (مخطوطة درسدن والفاتيكان).

   توجد في مكتبة الدولة ببرلين مخطوطة كتاب يحمل عنوان (هذه الرسالة من كلمات اوغوزنامه المشهور بآتالار سوزى) وهو كتاب عن الأمثال الشعبية القديمة تذكر فيه أسماء ذات علاقة بحكايات ( ده ده قورقوت ) وتأريخ تدوين هذا الكتاب يرجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي في العهد العثماني ، واغلب الظن أن المعلومات التي دونت في هذا الكتاب جاءت نقلاً عن نسخة أخرى لكتاب الأوغوزنامه .

   (علي يازجي اوغلو) في كتابه (تاريخي آل ـ سلجوق) الذي كتبه وأهداه إلى السلطان مراد الثاني في القرن الرابع عشر الميلادي يدوّن خبراً عن ده ده قورقوت، هو نفسه أو مثلما جاء في كتاب مقدمة ( كتاب ده ده قورقوت ) وهذا لا يخفي أن الكاتب اطلع على نسخة من الكتاب .

   أما المصدر الآخر الذي جاء فيه ذكر ده ده قورقوت هو كتاب (جامع جمين) وهي سلسلة عثمانية كتبها (حسن ابن محمود بياتي التبريزي) نزولاً عند رغبة (السلطان جم) حينما جمعتهما الصدفة وهما في طريقهما إلى الحج . واستناداً إلى نسخة من الأوغوزنامه يدّعي المؤلف أنه كان يحتفظ بها كتب عن خانات الأوغوز، وبالأخص عن الحاكم الثامن عشر ( قره خان) . يقول المؤلف : ان هذا الأمير كان يعتنق الإسلام ، وعندما اعتلى العرش أوفد ده ده قورقوت إلى المدينة المنورة. ويخبرنا المؤلف نقلاً عن الأوغوزنامه التي كانت بحوزته، بأن ده ده قورقوت يرجع من المدينة بصحبة  (سلمان الفارسي) الذي توكل إليه مهمة نقل تعاليم الدين الإسلامي إلى قبائل الأوغوز. وبعد ذلك يتحدث المؤلف عن (آي قوتلوغ) ويعرّج على مربيه ( أوركوج ده ده ) إبن             ( قورقوت آتا ) فيقول بأنه أرسل ليكون في خدمة الخليفة (عثمان بن عفان) رضي الله عنه، ولكنه حينما يصل إلى بغداد تتردد أخبار عن مقـتل الخليفة، ويفيد أنه بلغ الكعبة وعاد ، وفي طريق العودة شهد النزاع الذي جرى بين الإمام علي ( كرم الله وجهه ) ومعاوية ، وأنه أخذ عهداً من علي ورجع إلى ديار قومه .

   أما ( علي شير نوائي ) فقد دون في كتابه ( نسائم المحبة ) المعطوف على والمترجم من فصل ( نفاهة الأنس) من كتابه (جامع) دوّن خبراً عن ده ده قورقوت بقوله : ( ده ده قورقوت رجل ذائع الصيت بين الترك ولا حاجة له للشهرة بينهم ، اشتهر بأنه يخبر الناس عن أحداث وقعت قبل حياته مثلما ينبؤهم عن الغيب . ويصفه بأن له حكميات بليغة المعنى وذات شأن كبير. وهذه الأوصاف تنطبق تماماً مع ما جاء في مقدمة مخطوطة  ( كتاب ده ده قورقوت ).

   أما (عثمان بايبوردلي) في كتابه ( تاريخي جديدي مرآتي جهان ) الذي كتبه في عهد السلطان مراد الثالث    (1574-1595) وفي فصل بايندورخان يدون معلومات مهمة عن كتاب ده ده قورقوت وعن أسماء مشابهة لها صلة وثيقة بشخصيات ده ده قورقوت ، ويؤكد أنه نقلها من كتاب بعنوان (بحر الأنساب) وأن الكتاب الأخير استسقى هذه الأخبار من اوغوزنامه قديمة كتبت من قبل ده ده قورقوت .

   في ذكر أوصاف بايندورخان :

   على حد قول بحر الأنساب بأن (كوك آلب خان) الذي حينما توفي بأجله قام قايدورخان و طورموش خان بتقسيم ملكه إلى إمارتين وصار كل واحد منهما خاناً في مملكته . ثم جاءوا مع أخيهم بايندورخان من خراسان إلى (آني ـ قارس) وشنوا الحرب على كفرة الكرج واحتلوا تفليس . ثم بلغوا دربند ذات الباب وحاصروا الملك (كوستاسك)، قتلوه ثم قطعوا رأسه، وتمكنوا من بسط نفوذهم على دربند. وفي هذا التاريخ صعد (عيسى) عليه السلام إلى السماء، ولم تكن هنالك أية علامة لظهور نبـينا. أولئك لم يكونوا يعرفون أي شئ عن الدين الإسلامي وعن المذاهب ولكنهم كانوا يؤمنون بوحدانية الله .

   ثم يذكر المؤلف أمرائهم وأبطالهم الشجعان ، وأن تعداد جيشهم كان تسعين ألفـاً. وكان مرشدهم الروحي هو ده ده قورقوت . كان الأوغوز في حالة حرب مع كفرة الكرج استمرت أربعين سنة، وكانوا قد فرضوا الخراج على أمراءها. وعندما بعث محمد (ص) نبياً وظهر في مكة يقال أن بايندورخان رآه في المنام وآمن به، فأرسل قازان خان و دوندار بك إليه ليعـلنا إسلام الأوغوز. جاء قازان مع من كان في معيته لمقابلة الرسول وكان جالساً في المسجد، كانوا طوال القامة لم يقصوا شعر روؤسهم وأظافرهم طويلة، عندما رآهم الرسول أوجس في نفسه خيفة وارتد إلى الحائط ، ويقال قد ظهر في الحائط مكان المحراب ، ومنذ ذلك اليوم عرف المحراب.. ثم عرض الرسول  عليهم الإسلام فآمنوا ، ثم أرسل ( سلمان الفارسي) معهم إلى دربند ذات الباب ليعلمهم الصلاة والصيام . بعد ذلك يترك (سلمان الفارسي) ده ده قورقوت شيخاً عليهم . وعندما أرسل  اوزون حسن (وهو أحد أبناء بايندورخان) ملكاً على دويلات العجم رجحت كفة الإسلام في تلك الديار.

   يبدو أن (عثمان بايبوردلي ) قد استشف هذه المعلومات ودونها نقلاً عن نسخة من ( كتاب ده ده قورقوت) هي أكثر شمولاً من المخطوطتين المعروفتين حالياً، ولكنه اشتبه فيما يبدو بأسماء (اوزون حسن) والامير الايلخاني (غازان خان)، وفيما يتعلق بـ (شنبي غازان ) .

   كما جاء ذكر ده ده قورقوت في تدوين المؤرخ العثماني ( روحي أديرنه وي ) في مطلع القرن السابع عشر ، حيث تنبأ ده ده قورقوت بعودة السلطنة إلى قبيلة قـايي . ونقل المؤرخ (منجم باشي) عن (روحي أديرنه وي ) نفس الخبر . ولكن الجانب المثير للانتباه في هذا الصدد هو أن خاصية التنبؤ هذه ، التي هي صفة من صفات ده ده قورقوت إنما كانت وصية من وصايا الملك (أوغوز خان) وقد دوّن هذا في كتاب الـ (سلجوقنامه) أيضاً.

   وفي كتاب ( شجره ئي تراكمه ) الذي كتبه أبو الغازي بهادورخان  بين (1659-1660) يورد المؤلف معلومات واسعة بصدد (قورقوت آتا) بأنه يمثل الراوي التركماني في الأوغوزنامه (التي كتبت بالفارسية) ، وأنه كان رجل دولة قدير ومستشار ذو شأن كبير، طبقاً لما ذكر لدى الهمداني في(جامع التواريخ)، وبالإضافة إلى ذلك دونت بعض التفاصيل عن الشخصيات الموجودة في الحكايات وصراع سالور قازان مع (طويمادوق) ملك   ( البيجنه ) ، وأن هذا الملك قد سبى والدة الأمير قازان ، ولكنه يستردها بعد ثلاثة أشهر ويقتلها لأنه يكتشف أنها حاملة. وهنالك تدوين آخر عن سيادة النساء وبعض من صفات (بورلا خاتون) زوجة قازان ، مثلما نجد ذلك مدوناً في مخطوطة كتاب ده ده قورقوت ، كما تذكر أسماء مثل ( أكره ك و سكره ك ).

   يبدو أن النسخة التي اعتمدها (ابو الغازي بهادورخان) نسخة مختلفة عن المخطوطة الموجودة حالياً وتختلف كثيراً عن النسخ التي إطلع عليها من جاء قبله وبعده.

   وفي الكتاب الموسوم بـ ( تاريخى دوست سلطان) دونت اخبار عن ده ده قورقوت بأنه كان يعد من حكماء المجوس ورهبانهم المتمثلين بالباخشية ، وأن الباخشية كانوا يعتبرونه قديساً نبياً. ويروي الكتاب حادثة أشبه بالأسطورة عن اعتناق (اوزبك خان) للدين الإسلامي أثناء مناظرة أمام الملأ بين علماء مسلمين وبين كهنة المجوس ، حيث يبطل سحر السحرة ، وقد سجلت هذه الأبيات :

      الحاكم الخان طلب إليهم أن يسيروا على خطى ده ده قورقوت 

      وقد رأى الكهنة بأم أعينهم كرامته

      وما عليهم إلا أن يلووا رؤوسهم تحت آباطهم

      ويخفضوا له جناح الـذل .

   المؤرخ العثماني (أوليا جلبي) تطرق إلى سيرة ده ده قورقوت في كتابه المشهور ( سياحتنامه) وتنحصر المعلومة المدونة هنا بما يتعلق بالقبور التي تنسب إلى ده ده قورقوت . يدون (اوليا جلبي) هذا الحدث الذي رآه في سنة 1647 عن قبـر( قورقوت) في منطقة دربند : ( ضريحه على جبل الأربعين ، أي الرجال الغيبيون الأربعين. كان ثمة أربعين قبراً مهيباً يزار من قبل الناس. وكان مزار السلطان العظيم ده ده خورخوت بينهم ، وان الشيروانيون يعتقدون بعظمة شأنه.)  وفي سنة 1655 عندما زار (أوليا جلبي) منطقة آخلات والقبور القديمة التي كانت موجودة آنذاك في المنطقة دون في كتابه ما يلي : ( ومن ضمن من كانوا يرقدون في مثواهم الأخير بآخلات قورقوت خان الذي يعد من الأجداد القدامى للعثمانيين) .

   نود أن نورد هنا تدويناً تاريخياً مهماً من الوثائق الغربية التي تؤكد على ما ذكرناه في أعلاه، بسبب علاقته الوطيدة بهذه المعلومة. وهي شهادة دونت من قبل البروفيسور ( آدم اوليريوس ) من جامعة لايبزك ، إذ كان ضمن الوفد الدبلوماسي الذي أرسلته الحكومة الألمانية إلى روسيا و إيران في سنة 1638، وعندما مروا بمدينة (دربند) دقق اوليريوس في القبور التي كانت مترامية في أطراف المدينة وجمع ما كان يتناقله الناس هناك عن أصحاب هذه القبور.   روى السكان المحليون لـ ( اوليريوس ) عن هذه القبور، كونها شواهد ظلت شاخصة منذ عهد بعيد تشهد على الحروب الطاحنة التي خاضها (kassan) المنسوب إلى عشيرة ( okus ) ضد اللزكـية في فترة ما بعد حياة الرسول، وأن قاسسان توفي بأجله ودفن على ضفة نهر(آجى جاي ) أما زوجته ( بورلاء ) فقد دفنت في قلعة اورمي أي ( اورميا ) . وأنه رآى قبر الإمام (Kurchud) وقـيل له أن هذا كان ولياً من أولياء المسلمين، وأنه كان صحابياً ، وقد عمّر ثلاثمائة سنة من بعد وفاة الرسول. وكان لقورخود هذا علاقة حميمة مع قاسسان ، يحضر مجالسه ويعزف على قيثارته ويقرض الشعر لإثارة حماسه وتحريضه لقتال اللزكـية الوثنيين،  وبدعوى إشهار إسلامهم اندست زمرة من اللـزكية بينهم وتمكنوا من قتله .

   نجد أن هنالك ذكريات عن ده ده قورقوت أو حكايات مستمدة من حكايات ده ده قورقوت ما زالت متداولة ومنتشرة في بقاع مختلفة من العالم التركي، وهذا الانتشار يشمل رقعة جغرافية شاسعة لا يقتصر على شرق الأناضول وحسب بل يتعداهما إلى الأناضول برمتها وحوض بحيرة الخـزر وصولاً إلى قرغيزيا وإلى أبعد التجمعات التركية في آسيا . وعلى سبيل المثال يذكر اسم ده ده قورقوت في الملحمة القرغيزية ( ماناس ) ، كما يتردد اسم جبل قاضيلق (KAZILIK ) مراراً. اضافة إلى وجود مئات الحكايات الشعبية الشفاهية التي( ثبتت ابتداءً من مطلع القرن العشرين وإلى السبعينات منه ، لدى الشعوب الناطقة بالتركية ، في أذربيجان وأذربيجان الجنوبية وتركمان العراق وتركمانستان واوزبكستان وقرغيزيا وبعض مناطق جورجيا وجنوب شرق اوكرانيا وشبه جزيرة القرم ) والتي تستمد بعض احداثها من حكايات ده ده قورقوت. فمثلاً هنالك روايات يتناقلها التركمان والقوقاز إلى يومنا هذا عن قورقوت آتا ، وبالضبط عن موته أو هربه من الموت . وحسب هذه الروايات أن ده ده قورقوت ظل ردحاً من الزمن في حالة هروب للتملص من أجله المحتوم ، وأينما يصل كان يجد أناساً يحفرون قبراً له ، وفي  نهاية الأمر وبعد أن يبلغ من العمر ثلاثمائة سنة يموت عند أحد تلك القبور. وهنالك رواية اخرى فيما يتعلق بهذه المسألة، وبهدف تحاشي نبش الماضي شاعت بين التركمان مقولة أو مثل شعبي يقول ( لا تنبش في قبر قورقوت ). كما ينقل الينا (وليامينوف زيرنوف) رواية كان قد سمعها من القوقازيين في منطقة حوض نهر سرداريا عن هرب قورقوت من أجله المحتوم .

   في بداية الأمر كان الولي قورقوت يعيش في طرف بعيد من العالم ، في يوم ما يرى فيما يرى النائم زمرة من الرجال يحفرون قبراً فيسألهم لمن هذا القبر؟ فيعرف أنهم يحفرون هذا القبر له . وعندما يستيقظ في الصباح يتأكد أن الموت قادم إليه ، فيقرر أن يهرب من ملاقاته، ويشد الرحال حتى يصل إلى أقصى طرف من العالم. وهنالك يرى نفس الحلم في منامه فينتقل إلى مكان آخر يكون وسطاً بين الطرفين، ويقال أن ذلك المكان ( أي حوض نهر سرداريا ) هو مركز العالم. وبينما تتكرر رؤيته للحلم هناك أيضاً ، يتأكد أن حياته قد انتهت على اليابسة، فينزع عباءته وينشرها على سطح الماء وسط نهر سرداريا ويجلس عليها. ومما يقال أنه عاش هكذا مائة سنة أخرى جالساً على عباءته فوق الماء . وبعد أن مات هناك حمله المسلمون ودفنوه في الجوار حيث يكون قبره. وقد عرفه القوزاقيون بأنه شاعر وحكيم شعبي ، وهو الذي أوجد (القوبوز و الطنبورة ) وهما نوعان من الآلات الموسيقية الوترية . أما كهنة القوزاق فانهم كانوا يعزفون على آلاتهم الوترية (القوبوز) ويترنمون بشعر يمجد قورقوت ، ويعتبروه شيخهم، وعادةً كانوا يستجيرون به . وهنالك بعض الاستعارات لدى القوزاقيين، يشبهون عيني الحبيبة مثلاً بالمصابيح التي أوقدها ده ده قورقوت. كما توجد حكاية مشابهة لحكاية   ( تبه كوز ) وهي حكاية ( أر توشتوك ) حيث تظهر على صفحة الماء في النهر رئة عائمة ، كلما تلمس تكبر وتكبر حتى يخرج منها مارد عملاق . وفي الملحمة القرغيزية ( ماناس ) يذكر اسم قورقوت، كما يتردد اسم جبل( قازيلـق) مراراً.

   يبدو من التدوينات التي جاءت في المصادر التي ذكرناها هنا على قدر المستطاع وحسب أهميتها من الناحية الأكاديمية ، أنها دونت من أشكال الأوغوزنامات التي كتبت بالفارسية أصلاً وكانت موجودة في عصور مختلفة ، مضاف إليها ما كان يتناقله الأوغوز الرحل عن ماضيهم وأمجاد أبطالهم وشيخهم ده ده قورقوت وبلغتهم الأم ( وهي اللغة التركمانية ) لأن اللغة الرسمية ( أي لغة المكاتبات في الدويلات التي ظهرت قبل العثمانيين ولغة الطبقات الحاكمة ) كانت سائدة في ذلك الحين هي اللغة الفارسية ، بينما كانت لغة الشعب هي التركية أو التركمانية التي كتب بها الشعراء أمثال حاجى بكتاش ولي، يونس أمره و دادال أوغلو. وان أغلب هذه المصادر التي شاركت في رسم ملامح شخصية قورقوت قد اعطت بشكل أو بآخر وصفاً مشتركاً عنه، على أنه فيلسوف شعبي، عالم حكيم شاعر ومغنٍ ظلت ذكراه متوقدة في أذهان أبناء قومه لزمن طويل وفي مختلف العصور. ومن المعروف أن الأوغوز كانوا قبائل رحل ظلت تحتفظ بروح البداوة إلى عصور قريبة ، كما احتفظت بمورثها الذي عاشته في موطنها الأول، وظلت متمسكة به في كافة الديار التي ارتحلت إليها في غرب بحيرة الخـزر وشرق الأناضول وأواسطه . ونتيجة للتنوع الذي حصل بسبب الإختلاط الحضاري بين الترك والأغريق والعرب أضفي على هذا الموروث شيئاً من السحر الخلاب نتيجة النقل واسلوبه ، اضافة إلى تأثر الآخرين به ومشاركتهم الطوعية في محاولة التقليد أو تلفيق ما يشبه هذا الموروث.

   أما شخصية ده ده قورقوت فقد اكتسبت صفة تأرجحت بين الخيال والواقع ، نتيجة لوجود العديد من الآراء التي ادعت بتواجده (بعيشه أو موته) في مكان معين وفي مرحلة معينة من التأريخ ، إلا أنها لم تأخذ درجة القطعية في الصحة وهذا العامل أضفى على هذه الشخصية صفة أسطورية . ونتيجة لهذه الآراء المتضاربة حول حياة أو موت ده ده قورقوت ، وعدم وجود أثبات تاريخي بحت يؤكد ذلك فان شخصيته اكتسبت صفة التأرجح هذه . وان المتمعن جيداً في الحكايات التي نسخها الوراق ( سيد أحمد بن حسن بالى ) في سنة 918 هجري (1512-1513م) ونسبها إلى جده (قورقوت) سنجد ده ده قورقوت تارةً راوي في احدى الحكايات ، وتارة بطل في الاخرى . ومن خلال تحليل الخطاب في بعض الحكايات نجد أن هنالك راوٍ آخر غير الوراق وغير ده ده قورقوت . ومن خلال دراسة لغة المخطوطة يمكننا القول بأن هذه الحكايات هي أول أثر تركماني على درجة بالغة من الأهمية حيث تأثرت بها الكثير من الحكايات الشعبية والملاحم والقصص التي جادت بها مخيلة الشعب في تواريخ لاحقة .