العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

صورة الشاعرالتركماني عمادالدين نسيمي

حين يقدر الفنان شعراء أمته

 

صالح جاووش أوغلو

موضوع هذه المقالة خطر ببالي عندما وقع نظري على صور الشعراء التركمان العراقيين الموضوعة على موقع " مجلة التركمان " وخصوصا صورة الشاعر العظيم عمادالدين نسيمي والتي هي عبارة عن لوحة رائعه رسمها فنان آذري (من أذربايجان الشمالي). ولي مع هذه اللوحة ذكريات لا أنساها اذ انها كانت من أحد العوامل التي جذبتني الى عالم الشعر التركماني والكتابة بلغتي الأم (التركمانية). كذلك كانت هذه اللوحة، مع عوامل أخرى سأذكرها فيما بعد، مفتاحا لتعرفي على سحر الغناء والموسيقى الآذرية التي تعلقت بها وعشقتها بوله كبير.

يعود معرفتي بهذه اللوحة عندما كنت طالبا في متوسطة " الفدائي الفلسطيني " والتي كانت تقع في قلب كركوك الحضاري. و بقلب كركوك الحضاري أعني مركز كركوك النابض بالثقافة واالفن والحداثة حيث كانت تلك المدرسة تتوسط المكتبات ودور السينما والأسواق والمحلات العصرية بالإضافة الى شهرة المدرسة التي كنت أسمع عنها من اخواني وأصدقاءهم الذين سبقوني بالدراسة فيها والتي كانت قبلهم بسنة دارا للمعلمين يدرس فيها أشهر أساتذة كركوك في المجالات العلمية والفنية معا. وأتذكر جيدا كيف عملت المستحيل كي أسجل في هذه المدرسة بعد إنهائي للدراسة الإبتدائية. كان خريجي مدرستنا الأبتدائية من حصة متوسطة كائنة في منطقة " كاوور باغي " وذلك حسب نظام وتقسيمات مديرية تربية كركوك ولكن الحاحي على أبي في نقلي منها الى متوسطة " الفدائي الفلسطيني " نجح في استحصاله أمرا من مديرية تربية كركوك لنقلي الى المدرسة التي كان يدرس فيها أخي الذي كان يكبرني بسنتين وكذلك خالي، عاشق المسرح والسينما، الممثل والمخرج المسرحي لاحقا محمد قوشجو أوغلو.

تعمقت علاقتي في متوسطة " الفدائي الفلسطيني " مع أحد أبناء محلتي (محلة بكلر) وهو الصديق العزيز موفق فائق الذي كان يكبرني هو الآخر بسنتين وعن طريقه توطدت علاقتي بأخيه الفنان التشكيلي فاروق فائق الذي كان صديقا لأخي الكبير صباح وكان همهم هومبادلة الكتب والحديث عنها وكلاهما كانا من خريجي تلك المتوسطة. كان الأخ فاروق في تلك الفترة طالبا في معهد الفنون في بغداد وعن طريقه تعرفنا على الوجوه الثقافية والفنية االتركمانية الشابة في كركوك. معظم هؤلاء الشباب كانوا طلابا في معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد يوم كان الدخول اليها يتطلب الموهبة العالية لدى الطالب وخريجها كانوا يشكلون خيرة الفنانين العراقيين في كافة المجالات الفنية. ولكن وبعد أن أستحوذ الدكتاتور صدام حسين على السلطة ونصب نفسه رئيسا على العراق حرم الكثير من المواهب والطاقات الواعدة من الدخول الى معهد وأكاديمية الفنون الجميلة ومعها الكثير من الأقسام الحيوية في المعاهد والجامعات بعد أن اشترط على المتقدمين في الدخول الى مثل هذه الأقسام إنتماءهم لحزب البعث الفاشي وهكذا أصبح معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة مرتعا للبليدين والأغبياء والذين لم يملكوا ذرة من الموهبة في أي مجال فني ولكنهم كانوا من أعضاء الأتحاد الوطني التابع لحزب البعث.

كان مع الأخ فاروق فائق ، وكما ذكرت ، شلة من شباب التركمان الغارقين في شغفهم بالفن والأدب وكان معظمهم ، بالإضافة الى اختصاصهم الفني ، يمارسون الكتابة بلغتهم التركمانية وكانت لهم نتاجات في الشعر والقصة القصيرة. وأذكر منهم هنا القاص والشاعروالرسام جلال بولات والشاعر والفنان عباس شكرجي والرسام جمال ابراهيم والمتخصص في السينما نيازي أنور والشاعر والمسرحي فاضل ناصر والرسام نورالدين ناصر وغيرهم. كان فنهم ونتاجهم الأدبي مغايرا لفن وأدب الأجيال التي سبقتهم وكانوا متأثرين بالمدرسة الواقعية التي كانت السمة الطاغية للعقد السبعيني من القرن الماضي. نتاجاتهم كانت أقرب الى الفرد العادي في المجتمع من نتاجات الذين سبقوهم والذين كان معظمهم شغوفا بالأسلوب الكلاسيكي البعيد عن مجريات الحياة اليومية للإنسان العادي. على يد هؤلاء وغيرهم من الأجيال الجديدة نزل الفن والأدب التركماني من برجهما العاجي. كنت أرى شيئا جديدا ومبهرا في نتاجات هؤلاء سواء في أعمالهم الفنية أو الأدبية. وبسببهم أزداد شغفي لاحقا بالبحث عن كتابات ونتاجات مماثلة تأتيني بالجديد. وهكذا ، سنة بعد أخرى ، أكتشفت الآخرين في الأدب التركماني الحديث ومنهم الكاتب والقاص والشاعر القدير نصرت مردان وحمزة حمامجي ورمزي جاووش ومحمد عمر قازانجي وغيرهم.

هؤلاء شيدوا الأسس المغايرة والأكثر حداثة للأدب التركماني بحيث أصبحت كتاباتهم في نظري ندا لمبدعي الأمم الأخرى. والى جانب هؤلاء ظهر مبدعون تركمان آخرون أغنت كتاباتهم وترجماتهم من الأدب التركي الحديث المكتبة العربية. فبالأضافة الى ترجمات الأديب نصرت مردان وجلال بولات وغيرهم لنتاجات شعراء وكتاب أتراك من أمثال يشار كمال وناظم حكمت أتذكر مساهمات عبدالوهاب الداقوقي في هذا المجال وترجمته الرائعة لملاحم ناظم حكمت والتي تميزت بالأسلوب الرائع عن الترجمات الأخرى لنفس الملاحم لمترجمين آخرين والسبب يعود الى إلمام الكتاب من التركمان بالثقافتين واللغتين التركية والعربية معا بالإضافة الى حسهم الأدبي ككتاب وشعراء.

أعود الآن الى صورة الشاعر العظيم نسيمي. عن طريق الفنان فاروق فائق تعرفت على الموسيقى والشعر الآذري أكثر وأكثر حيث كان شغوفا بهما. عندما كنت في المدرسة الإبتدائية كانت محطة تلفزيون كركوك في نهاية الستينات من القرن الماضي تبث البعض من الأغاني والأفلام الآذرية والتركية كون سكان كركوك يفهمونها. وأذكر من تلك الأغاني والأفلام أغاني زينب خانم وإسلام رضاييف والفيلم الموسيقي " أو أولماسين بو أولسون" وكذلك أوبريت " آرشين مال آلان " الذي كنا نستمع اليه والذي علمت فيما بعد انه كان من أداء الفنان رشيد بهبدوف وتأليف الموسيقار الأوبرالي المبدع عزير حاجي بكوف الذي ألف وحول الكثير من الملاحم والقصص الشعبية الآذرية والتي كانت معظمها معروفة لدى الكثير من الشعوب التركية الى أوبرات ذائعة الصيت.

شغف الفنان فاروق بالموسيقى الآذرية أمدني بمعلومات أضافية عنها. وفي تلك الفترة بدأت الإستماع الى إذاعة باكو للمزيد. من ضمن برامجهم كان هناك برنامج يبث في ساعات متأخرة من الليل لا أتذكر اسمه ولكن كان عبارة عن صوت نسائي يلقي أبياتا صوفية ورومانسية من قصائد الشعراءالعظام وطبعا كان شعر نسيمي من ضمن تلك الأشعار بالإضافة الى أشعار فضولي التركماني العراقي. وبعد الإلقاء الرائع لتلك الأبيات كان يأتي دور المغنين حيث كانوا يؤدون تلك الأبيات حسب المقامات الآذرية الرائعة وكنت تحس بأصوات هؤلاء المغنين والمغنيات وكأن أصواتهم تأتي اليك من جنة الخلود.

في تلك الفترة أيضا أمدني الأخ الفنان فاروق بكتاب عن ديوان نسيمي. كان ذلك الكتاب من الكتب الأولى التي بدأت بقراءتها باللغة التركمانية. حياة نسيمي ومذهبه الصوفي وثورته على العادات والتقاليد السائدة البالية أبهرتني قبل أن تبهرني أبياته ، بل ان موته مصلوبا من قبل إنتهازيي ومنافقي عصره جعله عندي شامخا شموخ الجبال والصورة المنشورة له في ذلك الكتاب وفي الكتب الأخرى (نفس الصورة من ابداع رسام آذري) تجسد ذلك الشموخ لدى شاعرنا. أتذكر جيدا كيف رسم الفنان فاروق هو الآخر لوحاتا وبوسترات عن الشاعر وذلك من خلال فهمه وتصوره للشاعر وكيف كان يستخدم البعض من أبياته ويجسدها بحروف تشكيلية في تلك اللوحات والبوسترات. ولتكملة شموخ وعظمة الشاعر وأشعاره كان للموسيقيين والمغنين في العالم التركي ، وخصوصا في أذربايجان ، دورهم في تقدير شاعرهم العظيم. بموسيقاهم وغناءهم الباهر لأشعار نسيمي أوصل الفنانون الأتراك شاعرهم الى قمة الخلود في ذاكرة الشعوب التركية. هذا الأمر ليس غريبا لدى الشعوب التركية. الشعر والغناء لدى الأقوام التركية متلاصقان. فالشاعر عندهم كان المغني والعكس صحيح أيضا. فالشاعر/المغني مع آلته الموسيقية المعروفة بالساز كان يجوب ألأصقاع مغنيا للقصائد التي يؤلفها أو التي ألفها الآخرون. ولاتزال هذه الحالة مألوفة في الكثير من الديار التي يقطنها الأتراك على الرغم من طغيان الحداثة وقضاءها على مثل هذه الأمور. هذه الحالة لا تزال تمارس لدى تركمان العراق وخصوصا لدى مؤدي الخوريات (شعر تركماني شعبي) والمقام التركماني حيث نراهم ومع الآلات الموسيقية البسيطة يتنقلون من مدينة تركمانية الى أخرى من أجل أقامة الأمسيات الغنائية التي تحتشد فيها العامة في مختلف المناسبات . ومعروف عن المغني التركماني في هذه المناسبات تأليفه وإرتجاله للخوريات والأشعار التي تناسب الحدث أو أجواء المناسبة. وفي مثل هذه المناسبات لا تجد مغنيا ، إلا ماندر، لا يغني في البداية أبياتا من قصائد الشعراء التركمان المعروفين وذلك وفقا لأصول المقامات الموسيقية.

غناء المغنين لقصائد شعراءهم العظام أصبح تقليدا راسخا في العالم التركي حتى لدى أصحاب الموسيقى الحديثة وخصوصا في تركية. فلقد دخلت الكثير من قصائد الشعراء الحديثين من ناظم حكمت وأورهان ولي وأولكو تامروأحمد عارف ومليح جودت آنداي وأتيلا إلهان وغيرهم كثيرين ، دخلت قصائدهم ذاكرة المتلقي وذلك نتيجة أداء الموسيقيين و المغنين المشهورين لقصائدهم. إنني حتى تعرفت على الكثير من قصائد هؤلاء الشعراء العظام من خلال غناء المغنين لقصائدهم وذلك قبل قراءتي لهم في الكتب.

... وهكذا أصبح عندي نسيمي حيا على الدوام وليس حبرا كالحا في بطون الكتب المنسية وذلك بفضل الفنانين الذين قدروه وقدروا أعماله. بيد ان مثل هذا التقدير والتجسيد للشعراء والكتاب العظام الذين يعتبرون ذاكرة الأمة الحيوية ومصدر وجودها واستمرارها لا يمكن أن ينشأ من الفراغ بل يأتي أيضا من إهتمام جهات كثيرة بمثل هذه الأمور وعلى رأسها المسؤولين في المؤسسات الثقافية. والمرء منا يتمنى أن تجسد المؤسسات الثقافية التركمانية مثل هذه التقاليد وخصوصا بعد أن زال الكثير من العوائق والممنوعات التي طوقنا بها النظام العنصري البائد.