|
تلعفر..أه عليك يا مدينة الشرفاء والطيبين
د. محمد عمر قازانجي
منذ
أكثر من عشرين يوماً ومدينة تلعفر
تئن تحت وطأة ضربات القصف العشوائي للطائرات الأمريكية والدبابات التي تحاصر
المدينة من جهاتها الأربعة. وإذا كان بعض المواطنين من سكنة هذه المدينة الشماء قد
تمكنوا من مغادرتها في الأيام الأوُل من مداهمة القوات التي تسمى تجاوزاً بالحرس
الوطني، وهي لا تمت بطريقة تعاملها مع الأحداث ومعالجتها لها إلى الوطن وأهله بصلة
، والقوات الأمريكية التي تحاول هي الأخرى أخفاء هديتها تحت تسمية مضحكة و مبكية تلك
هي القوات المتعددة الجنسيات.. فإذا كان بعض أهلنا من مدينة تلعفر قد تمكنوا من
مغادرتها في وقت مبكر فأن عدداً غير قليل منهم مازالوا محاصرين هناك وقد قطعت عنهم
كل أسباب الحياة من ماء وكهرباء ومؤن. بل أن المدينة تحولت إلى مدينة أشباح. فلا
أحد ممن بقوا محاصرين فيها يستطيع الأتيان بحركة أو التنقل من مكان إلى أخر. فالقناصة الذين يحتلون الأبنية العالية
يقفون لهم بالمرصاد. ولا أحد يستطيع أن يقوم بواجبه الإنساني تجاه أخوانه ممن
أغتالتهم القوات التي هاجمت وما زالت تهاجم المدينة بلا هودة وكأنهما تبتغي أقتحام
قلعة حصينة لعدو لدود وفي مكان لا ينتمي إلى الوطن بصلة فبقيت جثث عشرات الأبرياء
من أهلنا طريح الشوارع… والمستشفيات غدت مهجورة بسبب مغادرة الأطباء وغيرهم لها ،
لا لأنها لم تسلم من القطع المتعمد للماء والكهرباء وإنما لأن القوات الأمريكية
رأت أنها قد تتحول إلى ملاجئ تأوي
المقاومة أو المصابين منهم لتلقي العلاج . فكانت ضمن المواقع التي استهدفتها
بالقصف و ألحقت بها الدمار مسبقاً. أن المقاومة في مدينة تلعفر لم تنشأ كما
نشأت في العديد من المدن العراقية قبل وقوع الاعتداء عليها. فلتعفر ، ومنذ سقوط
النظام البائد ، كانت مدينة آمنة. تعيش في سلام مع نفسها. تديرها خيرة أبناءها
إدارة اتسمت بالهدوء والحكمة. وهي من المدن العراقية النادرة التي اعلنت حريتها
دون اطلاق رصاصة واحدة ، إذا انهزم البعثيون منها وألقت قوات الزمرة الخائبة فيها
السلاح وغادرتها بعد ان انهارت معنوياً بما تواردت من انباء تراجع هذه القوات في
المدن العراقية الاخرى وتقهقرها امام القوات الأمريكية . ويبدو ان خروج مدينة تلعفر التركمانية من
عنق زجاجة الحرب بسلام دون ان تلحق بها ما لحقت بالعديد من المدن العراقية من اذى
ودمار لم يرق للبعض ولا سيما لأولئك الذين يكنون كل الحقد والكراهية لكل ما هو
تركماني من قرية أو مدينة أو أرض أو حقل ، ناهيك عن الإنسان التركماني. فبدأوا
يحوكون المؤتمرات لتدميرها. فكان أن أدعوا أنها تأوي أعضاء ممن يسمعون بالمقاومة …
ذلك الأدعاء الذي لم يستطيع أحد اثباته على وجه اليقين إلى الآن: هذا ما يقول بعض
أهلنا من تلعفر ممن وصلوا إلى المدن و القرى القريبة منها كالمحلبية مثلاً، هرباً
من الاعتداءات الوحشية بالطائرات والدبابات والقناصة . وإذ وجد أهلنا أن القوات
الأمريكية ومن معهم من الحرس الوطني لا يمنحوهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم عبر
الحوار الذي أرادوه أن يسكت قبل أن ينطق لتكون الكلمة الأولى وليست الأخيرة، للقوة
الغاشمة ، أنبروا لحمل السلاح والقتال دفاعاً عن مدينتهم وأهلهم من النساء
والأطفال والشيوخ ، الذين سقطوا بالعشرات دون جريمة اقترفوه أو ذنب أرتكبوه …
فكانت أن نشأت المقاومة التي لم تخجل القوات الأمريكية بتسميتها بالتمرد لاحقاً. وما زالت تلك القوات الغاشمة تصر على
الفتك بأهلنا في تلعفر وتحصد وتحصد الأرواح البريئة ، أما بالرصاص والنار، أو
بالجوع والحصار وباسلوب لا يختلف كثيراً عن أسلوب الطاغية صدام، الذي اسقطت تلك
القوات تماثيلة في يوم من الأيام ، في طول البلاد وعرضها لتقيم مكانها تماثيل
الحرية ونُصب الديمقراطية كما أدعت .. فإذا بها تسير على خطى الطاغية زراعة الموت
والدمار في كل مكان ومرتكبة أبشع أنواع الإبادة والتصفية الجماعية… والغريب في الأمر أن لا أحد يكلف نفسه
عناء السؤال عما يجري في تلعفر .. ما أسباب وما مبرراته ! أن كانت ثمة أسباب
ومبررات لكل ما يجري هناك حتى أن المسؤولين في السلطة يقفون حيال هذا الأمر موقف
المتفرج وكأن الأمر لا يعنيهم أو أن تلعفر مدينة لا تقع ضمن حدود البلد الذي
يتولون فيه المسؤولية. وإذا ما تعالى صوت من خارج الحدود يشجب أو يدين ما يجري،
شعروا بالانزعاج وعدم الارتياح واعتبروا ذلك الصوت تدخلاً في الشؤون الداخلية ..
وإذا ما أقدم مجموعة خيرة من ابناء التركمان بجمع المساعدات الإنسانية من الأدوية
والمؤن، لإيصالها إلى أهلهم في تلعفر، أصدروا الأوامر بسد الطرق والسبل أمامهم، بل
وأطلاق النار عليهم ،إذا تطلب الأمر ، لأبعادهم من أطراف المدينة، وعدوا تلك
المساعدات انتهاكاً لقوانين السلامة الوطنية. أنهم
يريدون أن تنزف هذه المدينة وتثخن جراحاتها لتشابه أخواتها من المدن العراقية.
وتنال منها الإنهاك والتعب مثلما نالت من غيرها حتى يتمكنوا من تمرير مؤتمراتهم
القذرة في الأحصاء المقبل والانتخابات المقبلة وقبل هذا وذاك ليقولوا للشعب
العراقي : أن مدينة تلعفر تحتاج إلى ملايين الدولارات لأعادة الأعمار والبناء..
هكذا هي القوات الأمريكية في العراق جاءت لتدمر وتبيد بيد ، وتعمر وتبني بيد ..
وهي في هذا تذكرنا بالشعار الذي كان الطاغية يرفعه دائماً نعمر ما دمره الأشرار
ولم يكن إلا نفسه ذلك الشر الذي يعصف بخيرات البلاد ويذرها هشيماً.. أه عليك يا
مدينة تلعفر.. يا مدينة الشرفاء والبسطاء والطيبين… كلمة أقولها للأسى والأسف على
مالحق بك ، ولا يعتمل في صدري غير الثقة والطمأنية على أنك ستبقين تحافظين على
هويتك التركمانية رغم أنف الحاقدين والمنافقين…
بغداد
|