العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

وجدي مردان يكتب عن مدينته

 

تقديم :نصرت مردان

 

 

لن تجد بلاداً أخرى
لن تجد شاطئاً آخر.
هذه المدينة ستتبعك.
ستطوف في الشوارع ذاتها.
وتهرم في الجوار نفسه،
وتشيب في هذه المنازل نفسها.
سوف تنتهي دائماً إلى هذه المدينة.

 

                                كفافيس

 

بهذا المقطع من قصيدة كافافيس تتبدى العلاقة الآسرة الأزلية بين هذا الشاعر العاشق المحب ومدينته الأثيرة ، وبإحساس مرهف وذاكرة خصبة ، مباركة ومتوقدة يكتب وجدي أنور مردان بدوره عن مدينته كركوك ،فهو لها العين التى لا ترى سواها .
 كركوك تعني عنده  أخيلة وحكايات تستعيد الماضى بكل ما فيه من رموز ومعان وتاريخ ، كما إنها أيضا في واقعها المتجذر ليست سوى مدينة ، تؤجج فى نفسه مشاعر إنسانية متضاربة خاصة ، فهي تهيم معه أينما حل وأينما وجد ، تجرى دماؤها فى شرايينه مانحة الحياة والأنفاس لنفسه وروحه ومهما يحاول الإبحار إلى مدينة جديدة أفضل بدلا من مدينته كركوك، فإن كركوك تتعقبه وتطارده دوما، فهى تسكنه وتحاصره دائما،وهي أيضا  قدره الذي لا يمكن الابتعاد عنه بأي حال من الأحوال. وسنراه يؤكد أن مصير الناس فى
 كركوك مشابه لمصير أهل طرواده المحاصرة ، هم يعيشونها حتى الثمالة وهم مجبولين على البقاء فيها، حتى من يحاول الابتعاد عنها نراه يعود إليها مرة أخرى مسرعا فى لهفة وشوق ، هي دائما الملجأ والحياة على الرغم مما ينتابها أحيانا من أعراض الخراب والموت وطمع الطامعين .
 خلال زيارة وجدي أنور مردان إلى مدينته كركوك ، تستقر المدينة فى أعماقه وذكرياته وشهادته عنها كرمز للحياة  وكشيء جوهري فى مسيرته ، فالمدينة تعيش داخله وليست خارج نطاق تفكيره ، لذا نجد أن ناسها وشوارعها وأحيائها وبيوتها ولحظات تاريخها الحافل كانت هي الرمز الأم الذي ولّد منه الكاتب عديدا من الرموز والدلالات في حديثه عن سيرة مدينته.

هكذا هي كركوك في زيارة الكاتب الجديدة ، تحمل فى كل شبر فيها عبق الماضى وظلاله، في بيوتها

المتلاصقة والمتجاورة والمتحاورة ، فى حواريها وأزقتها وشوارعها صاحبة العبق الخاص ، فى مقاهيها الشعبية وكل شبر فيها ، فى أسواقها الزاخرة العامرة ، يعبق شذى التاريخ في جنباتها .في زيارة الكاتب المبدع وجدي أنور مردان لمدينته، أشياء كثيرة مجهولة تعطى هذه المدينة العريقة هذا الألق الخاص، المهم أن سحرها يجذب إليها كل من عاش ويعيش فيها من أبنائها الحقيقيين . لذا فكل من يحل فيها يقع فى آسر سحرها ، هكذا هى كركوك. ولد فيها كثير من المبدعين وكانت هى ملهمتهم الوحيدة ، أبدعوا فيها وكتبوا عنها ، حتى الذين ابتعدوا عنها لم ينسوها ، كما فعل ابنها البار وجدي مردان الذي كتب في شهادته سيرة مدينته باسلوب سلس وسيال ،يكشف من تلقاء ذاته  مقدرته الأدبية وسرديته الجميلة . فهو يقدم في كتابته هذه كركوك بحس تاريخى وروائي بديعين . وبقدر ما التصقت في ذاكرتنا بعض المدن "الواقعية" التي خلدها الأدب، نقشت أيضا بعض المدن "الخيالية"، الفانتازية، اسمها على جدران ذاكرتنا. كم تملك المدن "الواقعية" من قوة "خيالية" في تصويرها، حتى أننا نشك بأنها كانت موجودة بالفعل، بل نشعر أنها مدن تنتمي إلى الخيال أكثر من انتمائها إلى الواقع.

ان كركوك في زيارة وجدي أنور مردان  ليست مدينة مغلفة بل هي مدينة حية ، مفتوحة بتاريخها وأحيائها وأناسها وحياتها اليومية على الحياة في كل الحقب السعيدة وغير السعيدة التي مرت بها.

وهذا ما يضفي تضفي عليها كل بهاء السحر هذا وتجعلنا ندور وندور فيها، بحثاً عن شيء عشناه أو إنسان نعتقد أننا عرفناه أو رائحة ما زالت تلتصق بالذاكرة، أو عن بيت روح المدينة التي تسطع في مرآتها ذواتنا . في النص الجميل الذي كتبه المبدع وجدي مردان نشعر بقرابة شخصية قوية مع أشخاص عاشوا هناك، طبعت آثار خطواتهم على الأرض التي وطأتها في يوم ما أقدامنا. ثمة غرباء، يزورون المدينة للمرة الأولى، يبحثون فيها، عن أسلاف لهم .

وجدي مردان يقول في نصه الجميل ،وروايته لشخوص وأحياء مدينته كركوك : هذه هي مدينتي

، أعرف تاريخ كل حي وشارع فيها شبرا شبرا . أعرف من ساد ومن باد فيها من السلف الصالح.

أعرف أغنياتها ، مراثيها ، حزن النبفسج فيها . تاريخ مدينتي أقوى من أن يلتف عليه مخادع ، أو يزور فيها جلال الزمن فيها مزور . تاريخ مدينتي تاريخي ،هل يزور الإنسان تاريخه ؟

أحب الكاتب مدينته ، فبادلته الحب والوفاء . خلدها في ذاكرته وروحه ، فتحولت إلى ريح ، تصل إلى كل مدينة عاش فيها . ما أجمل أن يخلد المبدع وجدي مردان سيرته عن مدينته في مشروع كتاب ،فمكتبتنا بحاجة في زمن الدجل والكذب والتضليل ،والاستيلاء على ماضي مدينتنا وحاضرها . إلى هكذا كتاب  ليبقى في أعلى الرفوف كشهادة عن واقع وهوية وتاريخ  مدينة يريد الأشرار الظلام والغدر .

يعتز موقعنا بنشر شهادة وجدي مردان الأدبية ، واننا على يقين انها ستكون محل اهتمام القراء،وفضاء فسيحا واسعا ، ليعرفوا عن كثب تاريخ مدينتهم المكتوب بلغة أدبية راقية ، واحساس انساني صادق وجياش .