العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

وثيقة لا يرقى إليها الشك ... سجل التوثيق الخاص بلواء كركوك

الدكتور ماهر النقيب

 

لم يكن الغرض من تمسك البريطانيين بمنطقة الموصل وكركوك إلا بسبب الثروات البترولية الهائلة التي كانت المنطقة تمتلكها تحت سطح الأرض. وحتى هذا التاريخ لم يكن ذكر كركوك يأتي إلا في مذكرات الرحالة أو في سجلات الدولة العثمانية بما في ذلك الدوريات السنوية وسجلات التوثيق الخاصة بالمناطق المختلفة.

ومنذ عام 1918 بدأ الأوربيون بالتطرق إلى المنطقة برمتها، وإن كان هناك من بين هؤلاء متجردون يحررون كتبهم بموضوعية فإن الكثيرين كان ديدنهم الإساءة إلى الدولة العثمانية والى جمهورية تركيا الفتية التي أنشأت على أنقاضها بعد حرب التحرير بسبب السياسات التي كانت بلدانهم تتبعها آنذاك. وبذلك فقد انحت الكتابات الخاصة بالموصل وكركوك تأخذ بعدا متحيزا واضحا. لذلك كلما رجعنا إلى الوراء نرى دراسات أعمق وأكثر موضوعية لخلوها من هذا التأثير البارز.

وقد دأبت الحكومة العثمانية حتى أواخر عهدها على تنظيم سجلات للتوثيق بشأن رعاياها ولا خلاف على موضوعية وتجرد هذه المعلومات الرسمية بين الباحثين. فالسجلات والدوريات السنوية لم تكن تضم أي تحيز أو مفاضلة لقومية أو مجموعة أو طائفة مذهبية. فقد أوردت هذه الوثائق أعداد السكان ونسبتهم إلى أي دين أو عقيدة بمنتهى التجرد، إلا أنها لم تركز على التمايز القومي بل كانت الإشارة إلى المسلمين والمسيحيين واليهود، ويكمن وراء ذلك سبب تجنيد المواطنين على الأساس الديني وليس العرقي.

ويمكن العثور على معلومات موثقة بشأن كركوك في سجلات التوثيق، فهي ليست معلومات سماعية أو اعتباطية كما وردت في قاموس الأعلام لمؤلفها شمس الدين سامي. فطريقة تنظيم هذه السجلات كانت من قبل لجنة مؤلفة برئاسة أكبر موظف إداري في المنطقة وبجرد وزيارة المساكن قاطبة. وهذه السجلات خالية من الخطأ أو الإهمال، فقد كانت أساسا للتجنيد واستيفاء الضرائب. يتبين ذلك أن تنظيم سجلات التوثيق كان بأهمية عمليات الإحصاء السكاني الجارية في عصرنا هذا، وهي سجلات موثقة لا يرقى إليها الشك لأنها كانت إدارية بحتة وليست سياسية.

وسجل التوثيق المرقم 111 و285 والخاص بلواء كركوك والمحفوظ في المديرية العامة للوثائق الرسمية الخاصة بالجمهورية التركية، وفي مديرية الوثائق العثمانية بالذات يفصل الهوية الاثنية والدينية والإدارية والاجتماعية كوثيقة يمكن عرضها على الرأي العام العالمي ولا يمكن الخلاف عليها.

ففي عام 1548، أي في عهد السلطان سليمان القانوني نظم هذا السجل من 83 ورقة. ويضم السجل المعلومات المنقحة وتحتوي على المعلومات الخاصة بنواحي داقوق وكركوك ونيلكاز . ويتبين من الحكم الوارد فيه والمرسل إلى حاكم شهرزور  وقاضي كركوك بأن قضاء كركوك كانت تابعة لمنطقة شهرزور . ولعدم الخلط مع ولاية الزور التي كانت تحدها الموصل من الشرق ودياربكر من الشمال وحلب في الغرب وسورية في الجنوب، فقد ارتؤي في عام 1893 إعادة اسمها إلى كركوك ثانية. وفي عام 1902 كانت النواحي التابعة لها هي ملحة وطوزخورماتو والتون كوبري وكيل وشوان، كما كانت 133 قرية تتبع قضاء المركز و348 قرية تتبع النواحي.

وسجل التوثيق المنوه عنه يحتوي على أسماء الأشخاص الذين يعيشون في كركوك والقرى التابعة لها ومناطق سكناهم. ومن المعلوم أن العلم الذي يتناول تحليل الأسماء الخاصة يسمى بعلم الاونوماستيك، بينما يطلق على العلم الذي يتناول أسماء الأماكن توبونومي في حين يطلق على العلم الذي يتناول أسماء الأشخاص علم انتروبونومي. وباستقراء هذه المناهج العلمية يمكننا تحليل الأسماء الواردة في سجل التوثيق المرفم 111، فالناس المذكورين فيها مصنفون حسب أديانهم وليس أعراقهم ولا أدل على تمييز ذلك من استخدام هذه الوسائل العلمية.

لا خلاف على أن الأتراك والأكراد والعرب قد سكنوا في كركوك وحواليها، ولما كانت هذه الأعراق جميعا من المسلمين فان من الضروري أن نضع جانبا الأسماء المتعارف عليها إسلاميا مثل احمد ومحمد وعلي وحسن وحسين وما إلى ذلك. إلا أن هناك أسماء تختص بها كل مجموعة عرقية، ومثالا على ذلك فانك عندما تسمع أسماء آيدن وبايرام وبوداق وتنكري ويردي فانك تعلم أنك تتحدث عن الأتراك، بينما تدل أسماء شيرزاد ودارا وجمشيد وقباد على الأكراد فيما تختص أسماء طفيل وسفيان وباسم بالعرب على وجه الخصوص. كما يلاحظ أن هناك أسماء تشي بعائديتها بوضوح كلما وردت مثل خافي عرب أو زين الدين العرب أو خبيار بهلول الكرد أو جمشيد الكرد أو درويش الكرد، أما أسماء الأتراك فلم نرى تصنيفا كذلك إزاءها. فالغالبية التي كانت تتشكل من الأتراك آنذاك كانت لا تبرر الإشارة إلى الترك إزاء كل واحد من الأسماء، ولذلك اقتصر في التمييز على أبناء الأقليات.

وسجل التوثيق المنوه عنه يحتوي على أسماء البالغين من الرجال، ونرى تسجيل 7320 شخصا بأسماء تبلغ صيغها حوالي 1500 شكلا. ويلاحظ أن 6990 من هؤلاء مسلمون و180 مسيحيون و150 يهود . ومن بين الأسماء المسيحية تبرز أسماء أصلان وهرمز وتنكري ويرمش واوروج التي هي أسماء تركية، مما يدل على اعتناقهم المسيحية في كون نسبهم القومي تركيا. وتدل المصادر على أن هناك حوالي 350 عائلة مسيحية كانت تسكن كركوك قبيل الحرب العالمية الأولى وهي تتحدث التركية وتكتبها بحروف سريانية.

ونلاحظ في سجل التوثيق رقم 111 تكرار الأسماء التالية كما يلي: بايرام 65،حسين قولي 57، بوداق 52، مراد 51، بير قولي 48، الله ويردي 47، خان قولي 47، قارة 41، هوروج 34، امام قولي 136، شاه قولي 133، الله قولي 75، حسين قولي 56، علي قولي 42، سلطان قولي 24، يار قولي 24، يول قولي 22، جان قولي 22، سيد قولي 21،تنكري قولي 20، عويس قولي 18، خدا قولي 16، بايرام قولي 15،احمد قولي 13، بابا قولي 10، غيب قولي 10، أمير قولي 10، شاه ويردي 100، خدا ويردي 27، تكري ويرمش 25، الله ويرن 13، تنكري ويرن 10 بالإضافة إلى أسماء تكررت مثل دولت كلدي 9، قادر قولي، محمد قولي وخالق ويردي 8، مهدي قولي 6، مير قولي وداود قولي وحسن قولي 5، امام ويردي وجان كلدي 4، درويش قولي وحاجي قولي وبير ويردي وخبر كلدي ويار كلدي 3، وجم قولي وددة قولي وحيدر قولي وقارة بيرقولي ومراد قولي ونزار قولي وذنون قولي والله ويرمش وحق ويردي وشاه ويردي وبايرام كلدي وخان كلدي وبير كلدي مرتان وعباس قولي وآلدي قولي وآيدن قولي وخان قولي وديدار قولي وخليل قولي وحيات قولي وخضر قولي وخوجا شاه قولي وحسين قولي وابراهيم قولي وعيسى قولي وعنايت قولي وقرة امام قولي ومحمود قولي وميرزا قولي واودونجي شاه قولي وكيوندك ورضا قولي وسادة قولي وميدان قولي وضيا قولي وخالق ويرن وتنكري ويردي ودوش كلدي وخوش كلدي مرة واحدة.

ويلاحظ من الأسماء التركمانية الواردة في ذلك العصر غلبة الأسماء الشيعية فيها، فأسماء شاه قولي وحسن قولي وشاه علي وحيدر قولي مشابهة لتلك الأسماء التي كان يستخدمها العلويون والبكتاشية والقزلباش التركمان في الأناضول، كما يلاحظ شيوع الأسماء التي تنتهي بكلمتي ويردي وكلدي في أواسط آسيا في يومنا هذا وخاصة في قازاخستان وقيرغيزستان. ومجموع الأسماء الواردة من هذا النوع هو 1217، وبملاحظة أن الأسماء المستخدمة آنذاك تنقسم إلى 1500 صنف نرى مدى شيوع مثل هذه الأسماء حينئذ.

ويورد سجل التوثيق رقم 111 أسماء الجماعات والطوائف الساكنة في سنجق كركوك ذاكرا أسماء الرجال من هؤلاء:

طائفة ليك: الله ويردي، شاه ويردي، قايتماز ، قارة، إمام قولي، دونمز، كوجري، صاتلمش، اوجاغ، قاراجا وما إلى ذلك.

طائفة صولدز: وهي مجموعة مغولية من بقايا الايلخانية وأصبحت تركية، ومن أسماء رجالها دوش كلدي، سيوندك، بايرام، تنكري ويرمش وتوريمش وما إليها.

طائفة دوكر: وتنتمي إلى فرع بوزاوق من الاوغوز ولها امتداد في الأناضول.

طائفة بيات قاراجا: وتنتمي إلى فرع بوزاوق من الاوغوز أيضا.

طائفة كيلوان: ومن أسماء منتسبيها اوغورلو، اوروج، بايندر ويحتمل قدومهم من منطقة كيلوان في أذربيجان.

طائفة زنكنة: ويحتمل قدومهم من منطقة زنكانا في أذربيجان، ولهم ثلاثة فروع هي جماعة قلندر بيه، و جماعة كتخدا ولد زهراب وجماعة علي ولد دولتيار. ومن أسماء رجالها أسلمز، قايتماز، تنكري ويرمش، اوغور، صاتلمش، وقليج من الأسماء التركية ألأصيلة، ويمكن القول أن هذه الجماعات قد أصبحت كردية بالكامل.

طائفة نيلكاز: وهي واحدة من الأفخاذ السبعة لقوم كيمك التركي الذي كان يقطن في منطقة ارتيش العليا في أواسط آسيا في القرن العاشر للميلاد . ويستفاد من سجل التوثيق المذكور أن هذه الطائفة قد نزحت إلى المنطقة حوالي عام 1540 الميلادي ويتطرق السجل إلى بعض القرى التي كانوا يسكنونها وهي على التوالي: اغجه لر، جوجوردي بوزورك، سوسلي، كوك تبة، جوجوردي كوجوك، تولكدان، بابك، كوللوجة، قازان اوطاغي، قورت دليكي، كليباش، قلندر، سوريتاش، كجينة، قابجيكاي . ومن أسماء بعض المراعي والسهول في المنطقة: قزلجة قيشلاق، اولو قيشلاق، طوبراق، جوبوقلي، قزل درة، كوجوك جينار، قارة بولاق، تولك خرابة سي، بوكوت، بوغامش، كسوك جينار، كلين اغاجي، بيات جامي، توركمن باغي، قارا عنجير، ديوه بوينو، نارلوجة، قوش درة، يارمجة، طاش بولاق، اغا بولاق وايكيزجة.

ويمكن تلخيص النتائج المستوحاة من هذه الوثيقة التاريخية الفريدة أن كركوك كان يسكن فيها 7320 شخصا منهم 330 غير مسلمون في حين أن 6690 مسلمون. وينقسم غير المسلمون إلى 150 يهوديا و180 مسيحيا. بينما 6558 شخصا من المسلمين كانوا أتراكا و54 كرديا و33 عربيا .

وتدل سجلات التوثيق على معلومات هامة بشأن أسماء المناطق والبقاع، من ذلك أن أسماء القرى التابعة لناحية داقوق(طاووق) آنذاك كانت كما يلي: ماتيق، باتمانلي، ايكيز تبة، قوشتان، شيخ كندي، لاسون، علي سرايي، طوز خورماتو، جوبكان،. أما القرى التابعة لناحية كركوك فمنها جربكلو، مراغة، بشير، ينيجة، خورماتو تزك، تيسين، بولاوة، ترجيل، قارالر، ليلان، دبلي، يارمجة، كوكدان، تلكيشكان، قارة حسن يايلاغي، قوشجي وعلي قاراجا.

إن سجل التوثيق المذكور والذي يوضح بجلاء اسماء القرى والمناطق معلم هام ووثيقة راسخة، فلا يمكن أن تكون الأسماء في منطقة ما تركية بالكامل تقريبا ما لم تكن المنطقة مسكونة بالأتراك.ويفهم من انقراض بعض الأسماء الواردة في هذا السجل على وجه التحديد أن هذه الأسماء لم يكن مصدرها الأناضول بل أواسط آسيا.

ولا يختلف الأمر في أسماء الأشخاص، ففي ذلك الوقت كانت الأسماء الإسلامية تغلب على الأسماء امتدادا من أواسط آسيا وحتى تخوم الأناضول. من ذلك أن أيا من سلاطين العثمانيين لم يكن يحمل اسما تركيا خالصا، أما في كركوك فأن الأسماء المستخدمة كان يغلب عليها الطابع التركي إضافة إلى استخدام أسماء نصف تركية مثل شاه قولي والله ويردي.

إن سجل التوثيق رقم 111 الخاص بلواء كركوك يدل بجلاء على الواقع القومي لمدينة كركوك ومن أقدم الوثائق الخاصة بهذا الصدد وينبغي ترجمته إلى لغات العالم كافة.

 

• استاذ جامعي                                          كتابات  

mnakip@yahoo.com